المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله


فهد الماجدي
07-01-2010, 11:57 PM
لماذا نقرأ سورتي الإخلاص في سنة الفجر والمغرب والوتر؟
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

ملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتاب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله سبحانه وتعالى رسوله، وإليهما دعت الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- من أولهم إلى آخرهم:
أحدهما : التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.
"والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته، والإخلاص له، وخوفه، ورجاؤه، والتوكل عليه، والرضى به رباً وإلاهاً وولياً، وأن لا يجعل له عدلاً في شيء من الأشياء.
وقد جمع سبحانه وتعالى هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما:
1-سورة : {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} المتضمن للتوحيد العملي الإرادي،
2- وسورة : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.
فسورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال.
وسورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبريء من عبادة كل ما سواه.
ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر ولهذا كان النبي يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والمغرب والوتر اللتين هما فاتحة العمل وخاتمته "]ليكون مبدأ النهار توحيدا، وخاتمته توحيدا[/b].




من كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ص 93

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:03 AM
وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ؛ أتصبرون﴾


للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله


وهذا عامٌّ في جميع الخلق؛ امتحن بعضهم ببعض:
فامتحنَ الرُّسُلَ بالمرسَل إليهم، ودعوتهم إلى الحق، والصبر على أذاهم، وتحمُّلِ المشاقّ في تبليغهم رسالاتِ ربِّهم.
وامتحنَ المرسَلَ إليهم بالرسُل؛ وهل يطيعونهم، وينصرونهم، ويُصدّقونهم؟ أم يكفرون بهم، ويرُدّون عليهم، ويقاتلونهم؟
وامتحنَ العلماءَ بالجهّال؛ هل يعلِّمونهم، وينصحونهم، ويصبرون على تعليمهم، ونصحهم، وإرشادهم، ولوازم ذلك.
وامتحن الجهالَ بالعلماء؛ هل يطيعونهم، ويهتدون بهم؟
وامتحن الملوك بالرعية، والرعية بالملوك.
وامتحن الأغنياء بالفقراء، والفقراء بالأغنياء.
وامتحن الضعفاء بالأقوياء، والأقوياء بالضعفاء.
والسادة بالأتباع، والأتباع بالسادة.
وامتحن المالكَ بمملوكه، ومملوكَه به.
وامتحن الرجل بامرأته، وامرأته به.
وامتحن الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.
والمؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين.
وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم، وامتحن المأمورين بهم.
ولذلك كان فقراءُ المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل؛ فتنةً لأغنيائهم ورؤسائهم، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصدق الرسُل، وقالوا: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ هؤلاء، وقالوا لنوح عليه السلام: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
قال تعالى : ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ المسكينَ الذليلَ قد سَبَقَهُ إلى الإيمان ومتابعةِ الرسول؛ حَمِىَ وأنِفَ أن يُسْلِمَ فيكون مثله! وقال: أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء؟!
قال الزَّجَّاج : كان الرجلُ الشريفُ ربما أراد الإسلام، فيمتنع منه لئلا يقال: أسلم قبله من هو دونه، فيقيمُ على كفرهِ؛ لئلاّ يكون للمسلم السابقةُ عليه في الفضل.
ومن كون بعض الناس لبعضهم فتنة :
أن الفقير يقول : لِمَ لَمْ أكنْ مثل الغنيّ ؟!
ويقول الضعيف : هلاَّ كنتُ مثل القوي ؟!
ويقول المبتلَى : هلا كنتُ مثل المعافَى ؟!
وقال الكفار : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.
قال مُقاتل : نزلت في افتتانِ المشركين بفقراء المهاجرين - نحو بلال، وخبّاب، وصهيب، وأبي ذرٍّ، وابن مسعود، وعمّار - كان كفّارُ قريشٍ يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تَبِعوا محمداً من موالينا وأراذلنا ؟!
قال الله تعالى : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ۝ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فأخبر - سبحانه - أنه جزاهم على صبرهم كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾.
قال الزَّجَّاج : أي أتصبرون على البلاء، فقد عرفتم ما وَجدَ الصابرون ؟!
قلت : قَرَنَ الله - سبحانه - الفتنةَ بالصبر ههنا، وفي قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ فليس لمن قد فُتِن بفتنةٍ دواءٌ مثلُ الصبرِ، فإن صبرَ كانت الفتنةُ مُمَحِّصَةً له، ومُخلِّصة من الذنوب، كما يُخلّصُ الكِيرُ خَبَثَ الذَّهبِ والفِضّة.
فالفتنةُ كيرُ القلوب، ومَحَكّ الإيمان، وبها يتبين الصادق من الكاذب.
قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
فالفتنةُ قَسَمتِ الناس إلى صادقٍ وكاذبٍ، ومؤمن ومنافق، وطيبٍ وخبيث، فمن صبر عليها؛ كانت رحمةً في حقِّه، ونجا بصبره من فتنةٍ أعظم منها، ومن لم يصبر عليها؛ وقع في فتنةٍ أشّدَّ منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ۝ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾...
والكافر مفتونٌ بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سألَ المؤمنون ربّهم أنْ لا يجعلهم فتنةً للذين كفروا، كما قال الحُنفاء: ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ۝رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال أصحاب موسى عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال مجاهد : المعنى لا تعذبنا بأيديهم، ولا بعذابٍ من عندك؛ فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق؛ ما أصابهم هذا.
وقال الزَّجَّاج : معناه : لا تُظهِرهم علينا؛ فيظنّوا أنهم على حقٍّ، فيفتنوا بذلك.
وقال الفرّاء : لا تُظهر علينا الكفارَ؛ فيَرَوْا أنهم على حقٍّ وأنَّا على باطل.
وقال مقاتل : لا تُقتِّر علينا الرزق وتبْسُطه عليهم؛ فيكون ذلك فتنة لهم.
وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر فقال : ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ فقال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
والمقصود : أن الله - سبحانه - فتن أصحاب الشهواتِ بالصّوَر الجميلة، وفَتن أولئك بهم، فكل من النوعين فتنةٌ للآخر، فمن صبر منهم على تلك الفتنة؛ نجا مما هو أعظم منها، ومن أصابته تلك الفتنة؛ سقط فيما هو شرّ منها، فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح، وإلا فبسبيل من هلَكَ، ولهذا قال النبي – صلى الله عليه وسلم - «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[رواه البخاري وسلم] أو كما قال.
فالعبدُ في هذه الدار مفتونٌ بشهواته، ونفسه الأمّارة، وشيطانه المغوِي المزين، وقرنائه، وما يراه، ويشاهده، مما يَعجِزُ صبرُهُ عنه، ويتفقُ مع ذلك ضعفُ الإيمان واليقين، وضعف القلب، ومرارة الصبر، وذوق حلاوة العاجل، وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العِوض مؤجّلاً في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها، وفيها نشأ، فهو مكلفٌ بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به:


فوالله لولا الله يُسعِد عبده ...,. بتوفيقه والله بالعبد أرحمُ

لما ثَبَتَ الأيمان يوماً بقلبه ... على هذه العلاّت والأمرُ أعظمُ
ولا طاوعته النفس في ترك شهوةٍ ... مخافةَ نارٍ جمرُها يتضرَّم
ولا خافَ يوماً من مقام إلهه .. عليه بحكمٍ القِسطِ إذ ليسَ يُظلم


من كتاب "إغاثة اللهفان" ( 2 / 881 )

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:08 AM
قال ابن القيم رحمه الله:

الفتنة نوعان
فتنة الشبهات وهي أعظم الفتنتين وفتنة الشهوات
وقد يجتمعان للعبد وقد ينفرد بإحداهما


فـفتنة الشبهات:
[سببها]
من ضعف البصيرة وقلة العلم، ولا سيّما إذا اقترن بذلك فساد القصد وحصول الهوى، فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيء القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم:



{إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ}


وقد أخبر الله سبحانه أن إتباع الهوى يضل عن سبيل الله فقال :



{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}.


[مآلها]
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين وفتنة أهل البدع على حسب مراتب بدعهم، فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.
[كيفية النجاة منها]
ولا ينجى من هذه الفتنة إلا تجريد إتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهره وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وما يثبته لله من الصفات والأفعال والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نصب الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولاً في شيء دون شيء من أمور الدين، بل هو رسول في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل لا يتلقى إلا عنه، ولا يؤخد إلا منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال، فإذا عقد قلبه على ذلك، وأعرض ما سواه ووزنه بما جاء به الرسول فإن وافقه قبله؛ لا لكون ذلك القائل قاله بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.

[نشوئها]
وهذه الفتنة تنشأ :
تارة من فهم فاسد،
وتارة من نقل كاذب،
وتارة من حق ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به،
وتارة من غرض فاسد وهوى متبع،
فهي من عمى في البصيرة وفساد في الإرادة.

[فتنة الشهوات]
وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنة الشهوات.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله:



{كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ}


أي: تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها. والخلاق هو النصيب المقدر،
ثم قال:



{وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ}


فهذا الخوض بالباطل وهو الشبهات.
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان؛ من الاستمتاع بالخلاق، والخوض بالباطل، لأن فساد الداعين إما أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.
فالأول : هو البدع وما والاها.
والثاني : فسق الأعمال.
فالأول: فساد من جهة الشبهات، والثاني: من جهة الشهوات.
ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
[أصل كل فتنة]
وأصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل.
فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة.
[كيفية دفع الفتنتين]
ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل الله سبحانه إمامة الدين منوطة بهذين الأمرين فقال:



{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.


فدل على أنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وجمع بينهما أيضاً في قوله:



{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}


فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات.
وجمع بينهما في قوله:



{وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ}


فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله وعبارات السلف تدور على ذلك ...
وقال جاء في حديث مرسل: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات.
فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، والله المستعان.





من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:09 AM
احذر أصدقائك كما تحذر أعدائك

لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله


لا يكون العبد عبداً لله خالصاً مخلصاً دينه لله كله، حتى لا يكون عبداً لما سواه، ولا فيه شعبة ولا أدنى جزء من عبودية ما سوى الله، فإذا كان يرضيه ويسخطه غير الله فهو عبد لذلك الغير، ففيه من الشرك بقدر محبته ...
وكذلك الذين يحبون العبد كأصدقائه، والذين يبغضونه كأعدائه؛ فالذين يحبونه يجذبونه إليهم، فإذا لم تكن المحبة منهم له لله كان ذلك مما يقطعه عن الله. والذين يبغضونه يؤذونه ويعادونه فيشغلونه بأذاهم عن الله، ولو أحسن إليه أصدقاؤه الذين يحبونه لغير الله أوجب إحسانهم إليه محبته لهم وانجذاب قلبه إليهم ولو كان على غير الاستقامة، وأوجب مكافأته لهم فيقطعونه عن الله وعبادته.
فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله عز وجل؛ فيكون حبه لله ولما يحبه الله، وبغضه لله ولما يبغضه الله، وكذلك موالاته ومعاداته، وإلا فمحبة المخلوق تجذبه، وحب الخلق له سبب يجذبهم به إليه، ثم قد يكون هذا أقوى وقد يكون هذا أقوى، فإذا كان هو غالباً لهواه، لم يجذبه مغلوب مع هواه، ولا محبوباته إليها؛ لكونه غالباً لهواه ناهياً لنفسه عن الهوى، لما في قلبه من خشية الله ومحبته التي تمنعه عن انجذابه إلى المحبوبات.
وأما حُب الناس له فإنه يوجب أن يجذبوه هم بقوتهم إليهم، فإن لم يكن فيه قوة يدفعهم بها عن نفسه من محبة الله وخشيتهوإلا جذبوه وأخذوه إليهم ...
فالغالب على الناس في المحبة من الطرفين أنه يقع بعض الشر بينهم، والمعصوم من عصمه الله ...
وقد يحبونه لعلِمه أو دينه أو إحسانه أو غير ذلك؛ فالفتنة في هذا أعظم؛ إلا إذا كانت فيه قوة إيمانية، وخشية، وتوحيد تام؛ فإن فتنة العلم والجاه والصور فتنة لكل مفتون. وهم مع ذلك يطلبون منه مقاصدهم إن لم يفعلها وإلا نقص الحب. أو حصل نوع بغض، وربما زاد أو أدّى إلى الانسلاخ من حبه فصار مبغوضاً بعد أن كان محبوبا.
فأصدقاء الإنسان يحبون استخدامه واستعماله في أغراضهم حتى يكون كالعبد لهم، وأعداؤه يسعون في أذاه وإضراره، وأولئك يطلبون منه انتفاعهم وإن كان مضراً له، مفسداً لدينه، لا يفكرون في ذلك. وقليل منهم الشكور. فالطائفتان في الحقيقة لا يقصدون نفعه، ولا دفع ضرره، وإنمايقصدون أغراضهم به، فإن لم يكن الإنسان عابداً لله متوكلا عليه، مواليا له ومواليا فيه، ومعاديا، وإلا أكلته الطائفتان وأدى ذلك إلى هلاكه في الدنيا والآخرة. وهذا هو المعروف من أحوال بني آدم وما يقع بينهم من المحاربات والمخاصمات والاختلاف والفتن. قوم يوالون زيدا ويعادون عمرا. وآخرون بالعكس؛ لأجل أغراضهم فإذا حصلوا على أغراضهم ممن يوالونه وما هم طالبونه من زيد انقلبوا إلى عمرو، وكذلك أصحاب عمرو كما هو الواقع بين أصناف الناس.
وكذلك " الرأس " من الجانبين يميل إلى هؤلاء الذين يوالونه، وهم إذا لم تكن الموالاة لله أضرّ عليه من أولئك؛ فإن أولئك إنما يقصدون إفساد دنياه: إما بقتله، أو بأخذ ماله، وإما بإزالة منصبه، وهذا كله ضرر دنيوي لا يعتد به إذا سلم العبد، وهو عكس حال أهل الدنيا ومحبيها الذين لا يعتدون بفساد دينهم مع سلامة دنياهم. فهم لا يبالون بذلك. وأما " دين العبد " الذي بينه وبين الله فهم لا يقدرون عليه. وأما أولياؤه الذين يوالونه للأغراض فإنما يقصدون منه فساد دينه بمعاونته على أغراضهم وغير ذلك، فإن لم يفعل انقلبوا أعداء. فدخل بذلك عليه الأذى من " جهتين " :
من جهة مفارقتهم .
ومن جهة عداوتهم .
وعداوتهم أشد عليه من عداوة أعدائه؛ لأنهم قد شاهدوا منه، وعرفوا ما لم يعرفه أعداؤه. فاستجلبوا بذلك عداوة غيرهم فتتضاعف العداوة. وإن لم يحب مفارقتهم احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ما يريدونه وإن كان فيه فساد دينه. فإن ساعدهم على نيل مرتبة دنيوية ناله مما يعملون فيها نصيباً وافراً وحظاً تاماً من ظلمهم وجورهم، وطلبوا منه أيضاً أن يعاونهم على أغراضهم ولو فاتت أغراضه الدنيوية. فكيف بالدينية إن وجدت فيه أو عنده، فإن الإنسان ظالم جاهل لا يطلب إلا هواه. فإن لم يكن هذا في الباطن يحسن إليهم ويصبر على أذاهم. ويقضي حوائجهم لله، وتكون استعانته عليهم بالله تامة، وتوكله على الله تام. وإلا أفسدوا دينه ودنياه، كما هو الواقع المشاهد من الناس ممن يطلب الرئاسة الدنيوية؛ فإنه يطلب منه من الظلم والمعاصي ما ينال به تلك الرئاسة ويحسّن له هذا الرأي، ويعاديه إن لم يقم معه، كما قدجرى ذلك مع غير واحد. وذلك يجري فيمن يحب شخصاً لصورته فإنه يخدمه ويعظمه ويعطيه ما يقدر عليه ويطلب منه من المحرم ما يفسد دينه.
وفيمن يحب صاحب "بدعة" لكونه له داعية إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ينصر الباطل الذي يعلم أنه باطل. وإلا عاداه ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك الباطل؛ لأجل الأتباع والمحبين ويعادون أهل الحق ويهجنون طريقهم.
فمن أحب غير الله، ووالى غيره؛ كره محب الله ووليه. ومن أحب أحداً لغير الله؛ كان ضرر أصدقائه عليه أعظم من ضرر أعدائه؛ فإن أعداءه غايتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب الدنيوي، والحيلولة بينه وبينه رحمةً في حقه، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك الرحمة وذهابها عنه، فأي صداقة هذه! ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في أغراضهم وفيما يحبونه، وكلاهما ضرر عليه. قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. قال الفضيل بن عياض عن ليثعن مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله، والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾. فالأعمال التي أراهم الله حسرات عليهم: هي الأعمال التي يفعلها بعضهم مع بعض في الدنيا كانت لغير الله، ومنها الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله. فالخير كله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.



الفتاوى ( 10 / 598-606 )

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:13 AM
الـخـائـنـة


من كلام الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكيسُهُم من قوي على نفسه وإرادته، فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره، وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهممُهُم ومنازلهم ، فأعرَفُهُم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدَهُم من آثر هذهِ على هذهِ، كما أن أسفَهُهُم من عكس الأمر.
والمعاصي تخون العبد أحوجَ ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم، وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به، وأنفع له في الدارين.
فإذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص منه ، خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدو وظفر به.
كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها، فما الظن بها ؟
وكذلك النفس فإنها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد، وكلما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم والتصرف للأمارة.
وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرتجى معه حياة ينتفع بها، بل حياته حياة يدرك بها الألم فقط.
والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان على الذكر، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه.
وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الأعداء، فأهمل جنده، وضيعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة.
هذا ، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها.

وقيل لآخر: قل : لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ، غلبتك. ثم قضى .
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال :


يا رب قائلة يوما وقد تعبت .... أين الطريق إلى حمام منجاب

ثم قضى .
وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تننتا. حتى قضى
وقيل لآخر ذلك، فقال: وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها ؟ ثم قضى ولم يقلها.
وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني، وما أعرف أني صليت لله صلاة ؟ ثم قضى ولم يقلها.
وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول. وقضى.
وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها.
وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته، فجعل يقول: لله، فلس لله. حتى قضى.
وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشتر جيد، هذه كذا. حتى قضى.
وسبحان الله ! كم شاهد الناس من هذا عبرا ؟ والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.
فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع ؟
وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال، فمن ترى يسلم على ذلك؟ فهناك ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 27 ].
فكيف يوفق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا. فبعيد من قلبه بعيد من الله تعالى، غافل عنه متعبد لهواه أسير لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته - أن يوفق للخاتمة بالحسنى.
ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالأمان ﴿ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ ﴾ [ سُورَةُ الْقَلَمِ : 39 - 40 ].

كما قيل :


آمِنًا مِنْ قَبِيحِ الْفِعْلِ مِنْهُ أَهَلْ ... أَتَاكَ تَوْقِيعُ أَمْنٍ أَنْتَ تَمْلِكُهُ


جَمَعْتَ شَيْئَيْنِ أَمْنًا وَاتِّبَاعَ هَوًى ... هَذَا وَإِحْدَاهُمَا فِي الْمَرْءِ تُهْلِكُهُ


وَالْمُحْسِنُونَ عَلَى دَرْبِ الْمَخَاوِفِ قَدْ ... سَارُوا وَذَلِكَ دَرْبٌ لَسْتَ تَسْلُكُهُ


فَرَّطْتَ فِي الزَّرْعِ وَقْتَ الْبَذْرِ مِنْ سَفَهٍ ... فَكَيْفَ عِنْدَ حَصَادِ النَّاسِ تُدْرِكُهُ


هَذَا وَأَعْجَبُ شَيْءٍ مِنْكَ زُهْدُكَ فِي ... دَارِ الْبَقَاءِ بِعَيْشٍ سَوْفَ تَتْرُكُهُ


مَنِ السَّفِيهُ إِذًا بِاللَّهِ أَنْتَ أَمِ الْ ... مَغْبُونُ فِي الْبَيْعِ غَبْنًا سَوْفَ يُدْرِكُهُ





من كتاب الداء والدواء ص 90

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:17 AM
مدينة الملك .. والأمثلة الثلاثة !

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله








المثال الأول]]وهو من أحسن الأمثلة: ملكٌ بنى داراً لم يرَ الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذّ النفوس منها، ونصب إليها طريقاً، وبعث داعياً يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زُيّنت بأنواع الزينة، وأُلبست أنواع الحليّ والحلل، وممرُّ الناسِ كلهم عليها، وجعل لها أعواناً وخدماً، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زاداً للمارّين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غضّ طرفه عنك، ولم يشتغل بك عنّي، وابتغى منكِ زاداً يوصله إلي؛ فاخدميه وزوّديه، ولا تعوّقيه عن سفره إليّ، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره.
ومن مدّ إليكِ عينيه، ورضي بك وآثرك عليّ، وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، ومن نال منك فاخدعيه به قليلاً ثم استرديه منه واسلبيه إياه كلّه، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك وإكرامك، فقابليه بأمثاله قلىً وإهانة وهجراً حتى تتقطَّع نفسُه عليكِ حسرات.
فتأمل هذا المثل، وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة، والله المستعان.
وهذا المثل مأخوذ من الأثر المروىّ عن الله عز وزجل: «يا دنيا اخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك» [السلسلة الضعيفة: 12].
[المثال الثاني]
ملك اختط مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء، وأكثرَها مياهَاً، وشقَّ أنهارَها وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة، فأخذوا منازلهم، وتبوأوا مساكنهم فيها، وبقى مع أصحاب الحسرات. ونصب لهم ميدان السباق، وجعل على الميدان شجرة كبيرة لها ظلٌّ مديد وتحتها مياه جارية، وفى الشجرة من كل أنواع الفواكه وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها، فعن قليل تُجْتثّ من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك؛ فأُكُلها دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمد. وفيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فسمع الناس بها فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة على أثر تعب ونصب وحرٍّ وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها، واستظلوا بظلّها، وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات أطيارها، فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمّروا مراكبكم للسباق، فتهيأوا للركوب وكونوا على أهبة، فإذا صاح النفير استدركتم حلبة السباق.
فقال الأكثرون: كيف ندع هذا الظلّ الظليل، والماء السلسبيل، والفاكهة النضيجة، والدعة والراحة، ونقتحم هذه الحلبة في الحرّ والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي تنقطع فيها الأعناق؟! وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد؟! ونترك ما نراه إلى مالا نراه، وذرّة منقودة في اليد أولى من ذرة موعودة بعد غد، خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش حاضر كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندرى متى نصل إليه؟!
ونهض من كل ألف واحد وقالوا: والله ما مقامنا هذا في ظل زائل تحت شجرة قد دنى قلعها، وانقطاع ثمرها، وموت أطيارها، ونترك المسابقة إلى الظلّ الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنيء الذي لا ينقطع إلا من أعجز العجز، وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه ويتخذ وطنه خشية التأذي بالحرّ وبالبرد؟! وهل هذا إلا أسفه السفه؟! فالسباق السباق والبدار البدار.


حكم المنية في البرية جارى ... ما هذه الدنيـا بدار قرارِ

اقضوا مآربكم سراعاً إنما ... أعمارُكم سَفَرٌ من الأسفارِ
وتراكضوا خيلَ السباقِ وبادروا ... أن تُستَرَدَّ فإنَّهن عَواري
ودعوا الإقامة تحت ظلٍّ زائلٍ ... أنتم على سَفرٍ بهذي الدّارِ
من يرجُ طِيبَ العَيشِ فيها إنما ... يبنى الرّجاءَ على شَفيرٍ هارِ
والعَيشُ كلُّ العيش بعد فِراقِها ... في دارِ أهلِ السَّبقِ أكرَمِ دارِ




فاقتحموا حلقة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم.
فوالله ما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيّمها من أصلها، فأصبح أهلها في حر السموم يتقلّبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسّرون، أحرقها قيّمها فصارت هي وما حولها ناراً تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج منها، فقالوا: أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا أبصاركم تروا منازلهم، فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع اللّذات، فتضاعفت عليهم الحسرات ألا يكونوا معهم، وزاد تضاعفها بأن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وقيل هذا جزاء المتخلفين، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
[المثال الثالث]
قوم سكنوا مدينة مدة من الزمان، فكثرت فيها الأحداث والآفات، وطرقها المحن، وأغارت عليها عساكر الجور والفساد، فبنى ملكهم مدينة في محل لا يطرقه آفة ولا عاهة، وعزم على تخريب المدينة الأولى، فأرسل إلى سكانها، فنودي فيهم بالرحيل بعد ثلاث، ولا يتخلف منهم أحد، وأمرهم أن ينقلوا إلى مدينة الملك الثانية خير ما في تلك المدينة وأنفعه وأجلّه من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة، وما خفّ حمله من المتاع، وعظم قدره، وصلح للملوك، وأرسل إليهم الأدلاّء وآلات النقلة، ونهج لهم الطريق، ونصب لهم الأعلام، وتابع الرسل يستحثونهم بعضهم في اثر بعض، فانقسموا فرقاً.
فالأقلون علموا قصر مدّة مقامهم في تلك المدينة، وتيقنوا أنهم إن لم يبادروا بتحصيل خير ما فيها وحمله إلى مدينة الملك، وإلا فاتهم ذلك فلم يقدروا عليه، فرأوا غبناً أن يقطعوا تلك المدة في جمع المفضول والاشتغال به عن الفاضل، فسألوا عن خير ما في المدينة وأنفسه وأحبه إلى الملك وأنفعه في مدينته، فلما عرفوه لم يلتفوا إلى ما دونه، ورأوا أن أحدهم إذا وافى بجوهرة عظيمة كانت أحب إلى الملك من أن يوافيه بأحمال كثيرة من الفلوس والحديد ونحوها، فكان همّهم في تحصيل ما هو أحب إلى الملك وأنفس عنده ولو قلّ في رأى العين.
وأقبلت فرقة أخرى على تعبئة الأحمال المحملة وتنافسوا في كثرتها، وهم على مراتب، فمنهم من أحماله أثمان، ومنهم من أحماله دون ذلك على قدر هممهم وما يليق بهم، لكن هممهم مصروفة إلى تعبئة الأحمال والانتقال من المدينة.
وأقبلت فرقة أخرى على عمارة القصور في تلك المدينة والاشتغال بطيباتها ولذّاتها ونزهها، وحاربوا العازمين على النقلة، وقالوا: لا ندعكم تأخذون من متاعنا شيئاً، فإن شاركتمونا في عمارة المدينة واستيطانها وعيشنا فيها، وإلا لم نمكنكم من النقلة، ولا من شيء من المتاع، فوقعت الحرب بينهم فقاتلوا السائرين، فعمدوا إلى أكل أموالهم وأهليهم، وما نقموا منهم إلا بسيرهم إلى دار الملك وإجابة داعيه، والرغبة عن تلك الدار التي أمرهم بتركها.
وأقبلت فرقة أخرى على التنزه والبطالة والراحة والدعة، وقالوا: لا نتعب أنفسنا في عمارتها، ولا ننتقل منها ولا نعارض من أراد النقلة، ولا نحاربهم، ولا نعاونهم.
وكان للملك فيها قصر فيه حريم له وقد أحاط عليه سوراً، وأقام عليه حرساً، ومنع أهل المدينة من قربانه، وطاف به القاعدون فلم يجدوا فيه باباً يدخلون منه، فعمدوا إلى جدرانه فنقبوه، ووصلوا إلى حريمه فأفسدوهم، ونالوا منه ما أسخط الملك وأغضبه وشقّ عليه، ولم يقتصروا على ذلك حتى دعوا غيرهم إلى إفساد حريمه والنيل منهم، فبينما هم على تلك الحال، وإذا بالنفير قد صاح فيهم كلهم فلم يُمكّن أحداً منهم من التخلف، فحملوا على تلك الحال وأحضروا بين يدي الملك، فاستعرضهم واحداً واحداً، وعرضت بضائعهم وما قدموا به من تلك المدينة عليه، فقبل منها ما يصلح له، وأعاض أربابه أضعاف أضعاف قيمته، وأنزلهم منازلهم من قربه، ورد منها مالا يصلح له وضرب به وجوه أصحابه، وقابل من نقب حماه وأفسد حريمه بما يقابل به المفسدون، فسألوا الرجعة إلى المدينة ليعمروا قصره، ويحفظوا حريمه، ويقدموا عليه من البضائع بمثل ما قدم به التجار، فقال هيهات قد خربت المدينة خراباً لا تعمر بعده أبداً وليس بعدها إلا المدينة التي لا تخرب أبداً.



من كتاب عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين ص 464

فهد الماجدي
07-02-2010, 12:32 AM
نبذة :
قال الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله بعد كلام له سبق في الحسد والعين والسحر في كتابة القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد: ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:




نص المطوية :




بسم الله الرحمن الرحيم


قال الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله بعد كلام له سبق في الحسد والعين والسحر في كتابة القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد:
ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:


السبب الأول: التعوذ بالله من شره


والتحصن به واللجأ إليه وهو المقصود بهذه السورة [سورة الفلق] والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه.
والسمع هنا المراد به: سمع الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله: (سمع الله لمن حمد)
وقول الخليل عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم: 39]


ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه ويعلم كيده وشره.


فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب، عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره لينسبط أمل المستعيذ ويقبل بقلبه على الدعاء.


وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي تعلم وجوده ولا نراه بلفظ
{السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} في الأعراف وحم السجدة، وجاءت الاستعاذة من شر الناس الذين يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ {السَّمِيعُ البَصِيرُ} في سورة حم المؤمن فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56]
لأن أفعال هؤلاء أفعال معاينة ترى بالبصر، وأما نزع الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم، فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يرى بالبصر ويدرك بالرؤية، والله أعلم.


السبب الثاني: تقوى الله


وحفظه عند أمره ونهيه فمن اتقى الله تولى الله حفظه ولم يكله إلى غيره قال تعالى:
{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]


وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»


فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فمن يخاف ومن يحذر؟!


السبب الثالث: الصبر على عدوه


وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جنداً وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخر ومآله وقد قال تعالى:
{وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60]


فإذا كان الله قد ضمن له النصر مع أنه قد استوفى حقه أولاً، فكيف بمن لم يستوف شيئاً من حقه بل بغى عليه وهو صابر؟
وما من الذنوب ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم وقد سبقت سنة الله «إنه لو بغي جبل على جبل جعل الباغي منهما دكا»



السبب الرابع: التوكل على الله


فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد مالا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعداواتهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش.


وأما ما يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده" فقال: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]
ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره، وقد ذكرنا حقيقة التوكل وفوائده وعظم منفعته وشدة حاجة العبد إليه في (كتاب الفتح القدسي) وذكرنا هناك فساد من جعله من المقامات المعلومة، وأنه من مقامات العوام، وأبطلنا قوله من وجه كثيرة وبينا أنه من أجل مقامات العارفين، وأنه كلما علا مقام العبد كانت حاجته إلى التوكل أعظم وأشد، وأنه على قدر إيمان العبد يكون توكله، وإنما المقصود هنا ذكر الأسباب التي يندفع بها شر الحاسد والعائن والساحر والباغي.






السبب الخامس
فراغ القلب من الاشتغال به والفكر

وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطر له فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوة ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا تماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه، فإذا تماسكا وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشر، وهكذا الأرواح سواء، فإذا علق روحه وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناماً لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان، ويتشبشا فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى، عدم القرار، ودام الشر حتى يهلك أحدهما، فإذا جيذ روحه منه وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله، فإذا خطر بباله بادر إلى محو ذلك الخاطر والاشتغال بما هو أنفع له وأولى به: بقي الحاسد الباغي يأكل بعضه بعضاً، فإن الحسد كالنار فإذا لم تجد ما تأكله أكل بعضها بعضاً، وهذا باب عظيم النفع لا يلقاه إلا أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية، أما الغمر الذي يريد الانتقام والتشفي من عدوه فإنه بمعزل عنه، وشتان بين الكيس الفطن وبينه، ولا يمكن أحداً معرفة قدره حتى يذوق حلاوته وطيبه ونعيمه، كأنه يرى من أعظم عذاب القلب والروح اشتغاله بعدوه وتعلق روحه به، ولا يرى شيئاً ألم لروحه من ذلك، ولا يصدق بهذا إلا النفوس المطمئنة الوادعة اللينة التي رضيت بوكالة الله لها، وعلمت أن نصره لها خير من انتصارها هي لنفسها، فوثقت بالله، وسكنت إليه، واطمأنت به، وعلمت أن ضمانه حق، ووعده صدق، وأنه لا أوفى بعهده من الله، ولا أصدق منه قيلاً، فعلمت أن نصره لها أقوى وأثبت وأدوم وأعظم فائدة من نصرها هي لنفسها أو نصر مخلوق مثلها لها.




السبب السادس
الإقبال على الله والإخلاص له

وجعل محيته ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه وأمانيها تدب فيها دبب تلك الخواطر شيئاً فشيئاً حتى يقهرها ويغمرها ويذهبها بالكلية فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيه كلها في محاب الرب، والتقرب إليه تملقه وترضيه واستعطافه وذكره كما يذكر المحب التام المحبة محبوبه المحسن إليه الذي قد امتلأت جوانحه من حبه فلا يستطيع قلبه انصرافاً عن ذكره، ولا روحه انصرافاً عن محبته، فإذا صار كذلك فكيف يرضى لنفسه أن يجعل بيت أفكاره وقلبه معموراً بالفكر في حاسده والباغي عليه والطريق إلى الانتقام منه والتدبير عليه؟

هذا ما لا يتسع له إلا قلب خراب لم تسكن فيه محبة الله وإجلاله، وطلب مرضاته، بل إذا مسه طيف من ذلك واجتاز ببابه من خارج ناداه حرس قلبه، إياك وحمي الملك! اذهب إلى بيوت الخانات التي كل من جاء حل فيه0ا ونزل بها. مالك ولبيت السلطان الذي أقام عليه اليزك. وأدار عليه الحرس، وأحاطه بالسور؟

قال تعالى حكاية عن عدوه إبليس أنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83]
فقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42]
وقال تعالى {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99-100]

وقال في حق الصديق يوسف عليه السلام {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]

فما أعظم سعادة من دخل هذا الحصن؟!
وصار داخل اليزك! لقد آوى إلى حصن لا خوف على من تحصن به، ولا ضيعة على من أودى إليه، ولا مطمع للعدو في الدنو منه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 4]

السبب السابع تجريد التوبة إلى الله

من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فإن الله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]
وقال لخير الخلق، هم أصحاب نبيه دونه صلى الله عليه وسلم: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]

فما سلط على العبد من يؤذيه إلا بذنب يعمله أولا يعلمه، وما لا يعمله العبد من ذنوبه أضعاف ما يعلمه منها، وما ينساه مما عمله أضعاف ما يذكره، وفي الدعاء المشهور: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)
فما يحتاج العبد إلى الاستغفار منه مما لا يعمله أضعاف أضعاف ما يعلمه، فما سُلط عليه مؤذ إلا بذنب.

ولقي بعض السلف رجل فأغلظ له، ونال منه، فقال له: قف حتى أدخل البيت ثم أخرج إليك، (فدخل) فسجد لله وترضع إليه وتاب وأناب إلى ربه ثم خرج إليه، فقال له: ما صنعت؟ فقال: تبت إلى الله من الذنب الذي سلطك به علي.
ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، فإذا عوفي العبد من الذنوب عوفي من موجباتها، فليس للعبد إذا بغى عليه وأوذي وتسلط عليه خصومه شيء أنفع له من التوبة النصوح.

وعلامة سعادته أن يعكس فكرة ونظره على نفسه وذنوبه وعيوبه، فينشغل بها وبإصلاحها وبالتوبة منها، فلا يبقى فيه فراغ لتدبر ما نزل به، بل يتولى هو التوبة وإصلاح عيوبه، والله يتولى نصرته وحفظه والدفع عنه ولا بد، فما أسعده من عبد! وما أبركها من نازلة نزلت به!
وما أحسن أثرها عليه!

ولكن التوفيق والرشد بيد الله لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فما كل أحد يوافق لهذا، لا معرفة به ولا إرادة ولا قدرة عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


السبب الثامن
الصدقة والإحسان ما أمكنه

فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء ودفع العين وشر الحاسد، ولو لم يكن في هذا إلا بتجارب الأمم قديماً وحديثاً لكفى به، فما تكاد العين والحسد والأذى يتسلط على محسن متصدق، وإن أصابه شيء من ذلك كان معاملاً فيه باللطف والمعونة والتأييد، وكانت له فيه العاقبة الحميدة، فالمحسن المتصدق في خفارة إحسانه وصدقته عليه من الله جنة واقية، وحسن حصين، وبالجملة فالشكر حارس النعمة من كل ما يكون سبباً لزوالها.

ومن أقوى الأسباب حسد الحاسد والعائن، فإنه لا يفتر ولا يني ولا يبرد قلبه حتى تزول النعمة عن المحسود، فحينئذ يبرد أنينه وتنطفئ ناره لا أطفأها الله فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها، ولا عرضها للزوال بمثل العمل فيه بمعاصي الله وهو كفران النعمة وهو باب إلى كفران المنعم.

فالمحسن المتصدق يستخدم جنداً وعسكراً يقاتلون عنه وهو نائم على فراشه، فمن لم يكن له جند وعسكر، وله عدو فإنه يوشك أن يظفر به عدوه، وإن تأخرت مدة الظفر والله المستعان.




السبب التاسع
إطفاء نار الحاسد والبغي والمؤذي بالإحسان إليه

وهو من أصعب الأسباب على النفس وأشقها عليها ولا يوافق له إلا من عظم حظه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة وما أظنك تصدق بأن هذا يكون فضلاً عن أن تتعاذاه فاسمع الآن قوله عز وجل: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ{34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{35} وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34-36]

وقال تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص: 54]

وتأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم الذي حكى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»
كيف جمع في هذه الكلمات الأربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه؟


أحدها: عفوه عنهم
والثاني: استغفاره لهم
الثالث: اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون
الرابع: استعطافه لهم بإضافتهم إليه
فقال: «اغفر لقومي» كما يقول الرجل لمن يشفع عنه فيمن يتصل به: هذا ولدي، هذا غلامي، هذا صاحبي، فهبه لي.

واسمع الآن ما الذي يسهل هذا على النفس ويطيبه إليه وينعمها به: اعلم أن لك ذنوباً بينك وبين الله تخاف عواقبها وترجوه أن يعفو عنها ويغفرها لك ويهبها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك، ويجلب لك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله.

فإذا كنت ترجو هذا من ربك وتحب أن يقابل به إساءتك فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه، وتقابل به إساءتهم ليعاملك الله تلك المعاملة، فإن الجزاء من جنس العمل فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك جزاءً وفاقاً، فانتقم أو اعف، وأحسن أو اترك، فكما تدين تدان وكما تفعل مع عباده يفعل معك.

فمن تصور هذا المعنى وشغل به فكره هان عليه الإحسان إلى من أساء إليه.
وهذا مع ما يحصل له بذلك من نصر الله ومعيته الخاصة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي شكى إليه قرابته، وأنه يحسن إليهم وهم يسيؤون إليه فقال: «لا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك»

هذا مع ما يتعجله من ثناء الناس عليه، ويصيرون كلهم معه على خصمه، فإن كل من سمع أنه محسن إلى ذلك الغير، وهو سيء إليه، وجد قلبه ودعاءه وهمته مع المحسن على المسيء، وذلك أمر فطري فطر الله عليه عباده.

فهو بهذا الإحسان قد استخدم عسكراً لا يعرفهم ولا يعرفونه، ولا يريدون منه إقطاعاً ولا خبزاً، هذا مع أنه لا بد له مع عدوه وحاسده من إحدى حالتين.
إما أن يملكه بإحسانه فيستعبده، وينقاد له، ويذل له ويبقى (من أحب) الناس إليه.

وإما أن يفتت كبده،ويقطع دابره، أن أقام على إساءته إليه، فإنه يذيقه بإحسانه أضعاف ما ينال منه بانتقامه، ومن جرب هذا عرفه حق المعرفة، والله وفق المعين، بيده الخير كله لا إله غيره، وهو المسؤول أن يستعملنا وإخواننا في ذلك منه وكرمه.

وفي الجملة ففي هذا المقام من الفوائد ما يزيد على مائة منفعة للعبد في عاجله وآجله.

السبب العاشر: تجريد التوحيد

وهو الجامع لذلك كله، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحل بالفكر في الأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزل حركات الريح، وهي بيد محركها، وفاطرها وبارئها ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه فهو الذي يحسن عبده بها وهو الذي يصرفها عنه وحده، لا أحد سواه قال تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»

إذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفر لله بالمخافة، وقد أمنه منه، وخرج من قلبه اهتمامه به واشتغاله به وفكره فيه، وتجر لله حبة وخشية وإنابة وتوكلاً واشتغالاً به عن غيره، فيرى أن إعماله فكره في أمره عدوه وخوفه منه واشتغاله به من نقص توحيده، وإلا فلو جرد توحيده لكان له فيه شغل شاغل الله يتولى حفظهن والدفع عنه، فالله يدافع عن الذين آمنوا، فإن كان مؤمناً فالله يدافع عنه ولابد، وبحسب إيمانه يكون دفاع الله عنه، فإن كمل إيمانه كان دفع الله عنه أتم دفع، وإن مزج مزج له، وإن كان مرة ومرة فالله مرة ومرة، كما قال بعض السلف: "من أقبل على الله بكليته أقبل الله عليه جملة، ومن أعرض عن الله بكليته أعرض الله عنه جملة، ومن كان مرة ومرة فالله مرة ومرة"

فالتوحيد حض لله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين، قال بعض السلف: "من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء"

فهذه عشرة أسباب يندفع بها شر الحاسد والعاتن والساحر، وليس له أنفع من التوجه وإقباله عليه، وتوكله عليه وثقته به، وأن لا يخاف معه غيره، بل يكون خوفه منه وحده، ولا يرجو سواه بل يرجوه وحده فلا يعلق قلبه بغيره، ولا يستغيث بسواه، ولا يرجو إلا إياه، ومتى علق قلبه بغيره ورجاه وخافه وكل إليه، وخذل من جهته، فمن خاف شيئاً غير الله سلط عليه، ومن رجا شيئاً سوى الله خذل من جهته وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه، ومن رجا شيئاً سوى الله خذل من جهته وحرم خيره، هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الإمام بن قيم الجوزية

موقع وذكر الإسلامي

فهد الماجدي
07-03-2010, 04:13 AM
احذر السقوط
للإمام ابن قيّم الجوزية
كلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين.
وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه، والنزول من وجه، وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله، فليس من صعد مائة درجة ونزل درجة واحدة، كمن كان بالعكس.
ولكن يعرض هاهنا للنفوس غلط عظيم، وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما بين المشرق والمغرب، ومما بين السماء والأرض، فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة ، لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار أَبْعَدَ مما بين المشرق والمغرب».
فأي صعود يوازن هذه النزلة ؟ والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا متى استيقظ من غفلته عاد إلى درجته، أو إلى أرفع منها بحسب يقظته.
ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانة على الطاعة، فهذا متى رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته، وقد لا يصل إليها ، وقد يرتفع عنها، فإنه قد يعود أعلى همة مما كان، وقد يكون أضعف همة ، وقد تعود همته كما كانت.
ومنهم من يكون نزوله إلى معصية، إما صغيرة أو كبيرة، فهذا يحتاج في عوده إلى درجته إلى توبة نصوح، وإنابة صادقة.
واختلف الناس هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها، بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب، وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن، أو لا يعود، بناء على أن التوبة تأثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها.
قالوا : ومثل ذلك رجلان يرتقيان في سلمين لا نهاية لهما، وهما سواء، فنزل أحدهما إلى أسفل، ولو درجة واحدة، ثم استأنف الصعود، فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولا بد.
وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا فقال:
التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته.
قلت : وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة، والحذر والخوف من الله، والبكاء من خشية الله، فقد تقوى هذه الأمور، حتى يعود التائب إلى أرفع من درجته، ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة، فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة، فإنها نفت عنه داء العجب، وخلصته من ثقته بنفسه وإدلاله بأعماله، ووضعت خد ضراعته وذله وانكساره على عتبة باب سيده ومولاه، وعرفته قدره، وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ مولاه له، وإلى عفوه عنه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه صولة الطاعة، وكسرت أنفه من أن يشمخ بها أو يتكبر بها، أو يرى نفسه بها خيرا من غيره، وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين، ناكس الرأس بين يدي ربه، مستحيا خائفا منه وجلا، محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته، عرف نفسه بالنقص والذم. وربه متفرد بالكمال والحمد والوفاء كما قيل:
استأثر الله بالوفاء وبالحمد ... وولى الملامة الرجلا
فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه ورأى نفسه دونها ولم يرها أهلا، وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلا لما هو أكبر منها، ورأى مولاه قد أحسن إليه، إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره، ولا أدنى جزء منه.
فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات، فضلا عن هذا العبد الضعيف العاجز، فإن الذنب وإن صغر، فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الجليل الذي لا أجل منه ولا أجمل، المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجلها - من أقبح الأمور وأفظعها وأشنعها، فإن مقابلة العظماء والأجلاء وسادات الناس بمثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر. وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السماوات والأرض، وملك السماوات والأرض، وإله أهل السماوات والأرض؟ ولولا أن رحمته سبقت غضبه، ومغفرته سبقت عقوبته، وإلا لتدكدكت الأرض بمن قابله بما لا يليق مقابلته به، ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد، قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [ سورة فاطر:41].
فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه ، وهما : " الحليم ، والغفور " كيف تجد تحت ذلك أنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السماوات والأرض ؟
وقد أخبر سبحانه عن كفر بعض عباده أنه : ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [سورة مريم: 90].
وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه وخالفا فيه نهيه، ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره، ونحن معاشر الحمقى كما قيل :
نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي ... درج الجنان لذي النعيم الخالد
ولقد علمنا أخـرج الأبوين من ... ملكوتـه الأعلى بذنب واحد
والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبل الخطيئة وأرفع درجة، وقد تضعف الخطيئة همته وتوهن عزمه، وتمرض قلبه، فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى الصحة الأولى، فلا يعود إلى درجته، وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت ويعود إلى مثل عمله، فيعود إلى درجته.
هذا كله إذا كان نزوله إلى معصية، فإن كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل إيمانه، مثل الشكوك والريب والنفاق، فذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه.


من كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 86

فهد الماجدي
07-06-2010, 05:50 PM
مرآة التوحيد

للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله

التوحيد ألطفُ شيء، وأنزهُهُ، وأنظفه، وأصفاه، فأدنى شيء يخدِشُه ويدنِّسه ويؤثِّرُ فيه، فهو كأبيض ثوبٍ يكون؛ يؤثِّر فيه أدنى أثر، وكالمرآة الصافية جداً أدنى شيء يؤثر فيها، ولهذا تُشوِّشُه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية، فإن بادر صاحبه وقَلعَ ذلك الأثر بضده، وإلا: استحكم وصارَ طبعاً يتعسر عليه قلعه.

وهذه الآثار والطبوع التي تحصل فيه:

منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال،

ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال،

ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال،

ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال،

ولكن من الناس من يكون توحيده كبيراً عظيماً، ينغمرُ فيه كثيرٌ من تلك الآثار، ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ، فيتغير به صاحب التوحيد الذي هو دونه، فيخلطُ توحيده الضعيف بما خلط به صاحبُ التوحيدِ العظيمِ الكثير توحيده، فيظهر تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير.

وأيضا فإن المحلَّ الصافي جداً يظهر لصاحبه ممّا يدنِّسهُ مالا يظهر في المحل الذي لم يبلغْ في الصفاءِ مبلغه، فيتدارَكُه بالإزالة دونَ هذا؛ فإنه لا يشعر به.

وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد؛ إذا كانت قويةً جداً أحالت المواد الرديئة وقهرتها، بخلاف القوة الضعيفة.

وأيضا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات لَيُسامح بما لا يُسامح به من أتى مثل تلك السيئات، وليست له مثل تلك المحاسن(1) كما قيل:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع

وأيضا فإن صدق الطلب، وقوة الإرادة، وكمال الانقياد يحيل تلك العوارض والغواشي الغريبة إلى مقتضاه وموجبه، كما أن الكذب وفساد القصد وضعف الانقياد يحيلُ الأقوال والأفعال الممدوحة إلى مقتضاه وموجَبِهِ، كما يشاهد ذلك في الأخلاط الغالبة وإحالتها لصالح الأغذية إلى طبعها.

______________

(1) والقاعدة في اعتبار ذلك: سلامة المنهج، وصفاء العقيدة.



من كتاب الفوائد لابن القيم الجوزية

فهد الماجدي
07-06-2010, 10:41 PM
أسباب شرح الصدور
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله
أعظم أسباب شرح الصدر: التوحيدُ وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه. قال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّنْ رَبِّه} [الزمر: 22]. وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
فالهُدى والتوحيدُ مِن أعظم أسبابِ شرح الصدر، والشِّركُ والضَّلال مِن أعظم أسبابِ ضيقِ الصَّدرِ وانحراجِه.
ومنها: النورُ الذي يقذِفُه الله في قلب العبد، وهو نورُ الإيمان، فإنه يشرَحُ الصدر ويُوسِّعه، ويُفْرِحُ القلبَ. فإذا فُقِدَ هذا النور من قلب العبد، ضاقَ وحَرِجَ، وصار في أضيق سجنٍ وأصعبه.
وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " إذا دَخَلَ النور القلبَ، انْفَسَحَ وانشرحَ ". قالوا: وما عَلاَمَةُ ذَلِكَ يَا رسُولَ اللهِ؟ قال: "الإنَابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزوله". فيُصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النورُ الحِسِّي، والظلمةُ الحِسِّية، هذه تشرحُ الصدر، وهذه تُضيِّقه.
ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسِّعه حتى يكون أَوسعَ من الدنيا، والجهلُ يورثه الضِّيق والحَصْر والحبس، فكلما اتَّسع علمُ العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل عِلم، بل للعلم الموروث عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو العلمُ النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسُنهم أخلاقاً، وأطيبُهم عيشاً.
ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبتُه بكلِّ القلب، والإقبالُ عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شىء أشرحُ لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقولُ أحياناً: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذاً في عيش طيب.
وللمحبة تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر، وطيبِ النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا مَن له حِس به، وكلَّما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ، كان الصدرُ أفسحَ وأشرحَ، ولا يَضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارِغين من هذا الشأن، فرؤيتُهم قَذَى عينه، ومخالطتهم حُمَّى روحه.
ومِنْ أعظم أَسباب ضيق الصدر: الإعراضُ عن الله تعالى، وتعلُّقُ القلب بغيره، والغفلةُ عن ذِكره، ومحبةُ سواه، فإن مَن أحبَّ شيئاً غيرَ الله عُذِّبَ به، وسُجِنَ قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشاً، ولا أتعب قلباً، فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذةُ القلب، ونعيم الروح، وغِذاؤها، ودواؤُها، بل حياتُها وقُرَّةُ عينها، وهى محبةُ الله وحدَه بكُلِّ القلب، وانجذابُ قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلِّها إليه.
ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغمُّ النفس، وسِجْنُ القلب، وضِيقُ الصدر، وهى سببُ الألم والنكد والعناء، وهى محبة ما سواه سبحانه.
ومن أسباب شرح الصدر: دوامُ ذِكره على كُلِّ حال، وفى كُلِّ موطن، فللذِكْر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيب في ضِيقه وحبسه وعذابه.
ومنها: الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدراً، وأطيبُهم نفساً، وأنعمُهم قلباً، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناسِ صدراً، وأنكدُهم عيشاً، وأعظمُهم همَّاً وغمَّاً. وقد ضرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح مثلاً للبخيل والمتصدِّق، كمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ، حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابِهُ وَيُعْفِىَ أثَرَهُ، وكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ، لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ. فهذا مَثَلُ انشِراحِ صدر المؤمن المتصدِّق، وانفساح قلبه، ومثلُ ضِيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه.
ومنها: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متَّسِعُ القلب، والجبانُ: أضيق الناس صدراً، وأحصرُهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذَّة له، ولا نعيم إلا منْ جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح، ولذَّتُها، ونعيمُها، وابتهاجُها، فمحرَّمٌ على كل جبان، كما هو محرَّم علِى كل بخيلٍ، وعلى كُلِّ مُعرِض عن الله سبحانه، غافلٍ عن ذِكره، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودِينه، متعلق القلبِ بغيره. وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضاً وجنة، وذلك الضيقُ والحصر، ينقلبُ في القبر عذاباً وسجناً. فحال العبد في القبر. كحال القلب في الصدر، نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً، ولا عبرةَ بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدرِ هذا لعارض، فإن العوارِضَ تزولُ بزوال أسبابها، وإنما المعوَّلُ على الصِّفة التي قامت بالقلب تُوجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان.. والله المستعان.
ومنها بل من أعظمها: إخراجُ دَغَلِ القَلْبِ من الصفات المذمومة التي تُوجب ضيقه وعذابه، وتحولُ بينه وبين حصول البُرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرحُ صدره، ولم يُخرِجْ تلك الأوصافَ المذمومة من قلبه، لم يحظَ مِن انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوِرَانِ على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.
ومنها: تركُ فضولِ النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطةِ، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلاماً وغموماً، وهموماً في القلب، تحصُرُه، وتحبِسه، وتضيِّقهُ، ويتعذَّبُ بها، بل غالِبُ عذابِ الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا اللهُ ما أضيقُ صدَر مَن ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم، وما أنكَدَ عيشَه، وما أسوأ حاله، وما أشدَّ حصرَ قلبه، ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيشَ مَنْ ضرب في كل خَصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همتُّه دائرةً عليها، حائمةً حولها، فلهذا نصيب وافر مِنْ قوله تعالى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيم} [الانفطار: 13] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: {وإنَّ الفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} [الانفطار: 14] وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصيها إلا الله تبارك وتعالى.
ورسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أكملَ الخلق في كلِّ صفة يحصُل بها انشراحُ الصدر، واتِّساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة، وقُرَّةِ العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحِسِّيّ، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملُهم انشراحاً ولذَّة وقُرَّة عين، وعلى حسب متابعته ينالُ العبد من انشراح صدره وقُرَّة عينه، ولذَّة روحه ما ينال، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى ذُروة الكمال مِن شرح الصدر، ورفع الذِكْر، ووضع الوِزْر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتِّباعه.. والله المستعانُ.
وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفظ الله لهم، وعصمتِه إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازه لهم، ونصرِه لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقِلُّ ومستكثِر، فمَن وجد خيراً، فليحمد الله. ومَن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه.


من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد ( 2/23 )

فهد الماجدي
07-10-2010, 06:55 PM
أقسام الناس في تحقيق إياك نعبد



للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله


لا يكون العبد متحققا بـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾إلا بأصلين عظيمين :

أحدهما : متابعة الرسول.

والثاني : الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق إياك نعبد.

والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضاً إلى أربعة أقسام :

أحدها : أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة؛

وهم أهل إياك نعبد حقيقة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور؛ لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فالعمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع منهم لا يكون من عارف بهم ألبتة، بل من جاهل بشأنهم وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يعامل أحدٌ الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثر معاملة الله على معاملتهم.

وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عامل سواه، وهو الذي بلى عباده بالموت والحياة لأجله قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وجعل ما على الأرض زينة لها ليختبرهم أيهم أحسن عملا.

قال الفضيل بن عياض: «العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه». قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: «إن العمل:

إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل،

وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل،

حتى يكون خالصاً صواباً؛

والخالص: ما كان لله،

والصواب: ما كان على السنة».

وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله يرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثوراً. وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي – صلى الله عليه وسلم - : «منْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا، فَهو ردٌّ» وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعداً؛ فإن الله تعالى إنما يُعبد بأمره لا بالآراء والأهواء.

الضرب الثاني : من لا إخلاص له ولا متابعة، فليس عمله موافقا لشرع، وليس هو خالصا للمعبود.

كأعمال المتزينين للناس، المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله، وهؤلاء شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عز و جل، ولهم أوفر نصيب من قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يفرحون بما أُتوا من البدعة والضلالة والشرك، ويحبون أن يُحمدوا بإتباع السنة والإخلاص.

وهذا الضرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصراط المستقيم، فإنهم يرتكبون البدع والضلالات والرياء والسمعة ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوه من الإتباع والإخلاص والعلم فهم أهل الغضب والضلال.

الضرب الثالث : من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر:

كجهال العبُّاد، والمنتسبين إلى طريق الزهد والفقر، وكل من عبد الله بغير أمره واعتقد عبادته هذه قربة إلى الله، فهذا حاله؛ كمن يظن أن سماع المكاء والتصدية [المُكَاء: الصفير، والتصدية: التصفيق]قربة، وأن الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربة، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن صيام يوم فطر الناس كلهم قربة، وأمثال ذلك.

الضرب الرابع : من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله.

كطاعة المرائين، وكالرجل يقاتل رياء وحمية وشجاعة، ويحج ليقال، ويقرأ القرآن ليقال، فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها لكنها غير صالحة، فلا تقبل ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

فكل أحد لم يؤمر إلا بعبادة الله بما أمر، والإخلاص له في العبادة، وهم أهل إياك نعبد وإياك نستعين.





من كتاب مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين ( 1 / )

فهد الماجدي
07-12-2010, 05:06 AM
أربع قواعد لتحقيق ما يحبه الله ورسوله


الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

بُنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربعِ قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب، وعمل القلب الجوارح.
فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع:
[ 1- قول اللسان ، 2- قول القلب، 3- عمل القلب، 4- عمل الجوارح ]
فأصحاب إياك نعبد حقا هم أصحابها.
فقول القلب : هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وملائكته، ولقائه، على لسان رسله.
وقول اللسان : الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.
وعمل القلب : كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له، والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة، أو قليل المنفعة.
وأعمال الجوارح : كالصلاة، والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك.
فـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ : التزام لأحكام هذه الأربعة، وإقرار بها،
وَ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طلب للإعانة عليها، والتوفيق لها.
و﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ متضمن للتعريف بالأمرين على التفصيل، وإلهام القيام بهما، وسلوك طريق السالكين إلى الله بها.

من كتاب "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" ( 1 / 98 )

فهد الماجدي
07-15-2010, 02:05 AM
السر الأعظم



للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله



ما هو السر الأعظم، الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه المنادي على رءوس الأشهاد، بل شهدته قلوب الخواص فازدادت به معرفة ومطالعة له.

وقد كان الأولى بنا طَيُّ الكلام فيه إلى ما هو اللائق بأفهامِ بني الزمان وعلومهم، ونهاية أقدامِهم من المعرفة، وضعف عقولهم عن احتماله،

غير أنّا نعلم أن الله عز وجل سيسوق هذه البضاعة إلى تجارها، ومن هو عارف بقدرها، وإن وقعت في الطريق بيد من ليس عارفا بها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

فاعلم أن الله سبحانه وتعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه بأن كرّمه وفضّله وشرّفه، وخلقه لنفسه، وخلق كلَّ شيء له، وخصّه من معرفته ومحبته وقُربه وإكرامه بما لم يُعطه غيره، وسَخَّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتى ملائكته - الذين هم أهل قربه - استخدمهم له، وجعلهم حفظة له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه منه إليه، واتخذ منهم الخليل والكليم، والأولياء والخواص والأحبار، وجعلهم معدن أسراره، ومحلَّ حكمته، وموضع حبه، وخلق لهم الجنة والنار، فالخلق والأمر والثواب والعقاب مداره على النوع الإنساني؛ فإنه خلاصة الخلق، وهو المقصود بالأمر والنهي، وعليه الثواب والعقاب.

فللإنسان شأن ليس لسائر المخلوقات، وقد خلق أباه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلَّمه أسماء كل شيء، وأظهرَ فضله على الملائكة فمن دونهم من جميع المخلوقات، وطرد إبليس عن قربه وأبعده عن بابه إذ لم يسجد له مع الساجدين، واتخذه عدوا له.

فالمؤمن من نوع الإنسان: خير البرية على الإطلاق، وخيرة الله من العالمين، فإنه خلقه ليتم نعمته عليه، وليتواتر إحسانه إليه، وليخصه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيته، ولم يخطر على باله، ولم يشعر به، ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظاهرة العاجلة والآجلة التي لا تنال إلا بمحبته، ولا تنال محبته إلا بطاعته، وإيثاره على ما سواه، فاتخذه محبوبا له، وأعدَّ له أفضلَ ما يُعده محب غني قادر جواد لمحبوبه إذا قدم عليه، وعهد إليه عهداً تقدم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلمه في عهده ما يقربه إليه، ويزيده محبة له وكرامة عليه، وما يبعده منه، ويسخطه عليه، ويسقطه من عينه.

وللمحبوب عدو؛ هو أبغض خلقه إليه، قد جاهره بالعداوة، وأمر عباده أن يكون دينهم وطاعتهم وعبادتهم له، دون وليهم ومعبودهم الحق، واستقطع عباده، واتخذ منهم حزبا ظاهروه ووالوه على ربهم، وكانوا أعداء له مع هذا العدو، يدعون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيته وإلهيته ووحدانيته، ويسبونه، ويكذبونه، ويفتنون أولياءه، ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجهدون على إعدامهم من الوجود، وإقامة الدولة لهم، ومحو كل ما يحبه الله ويرضاه، وتبديله بكل ما يسخطه ويكرهه. فعرفه بهذا العدو وطرائقهم وأعمالهم ومالهم، وحذره موالاتهم والدخول في زمرتهم والكون معهم.

وأخبره في عهده: أنه أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين. وأنه سبقت رحمته غضبه، وحلمه عقوبته، وعفوه مؤاخذته، وأنه قد أفاض على خلقه النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وأنه يحب الإحسان والجود والعطاء والبر، وأن الفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه: أن يجود على عباده، ويوسعهم فضلا، ويغمرهم إحساناً وجوداً، ويتم عليهم نعمته، ويضاعف لديهم منته، ويتعرف إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه.

فهو الجواد لذاته، وجود كل جواد خلقه الله ويخلقه أبداً: أقل من ذرة بالقياس إلى جوده. فليس الجواد على الإطلاق إلا هو، وجود كل جواد فمن جوده، ومحبته للجود والإعطاء والإحسان والبر والإنعام والإفضال فوق ما يخطر ببال الخلق، أو يدور في أوهامهم، وفرحه بعطائه وجوده وإفضاله أشد من فرح الآخذ بما يعطاه ويأخذه، أحوج ما هو إليه أعظم ما كان قدراً. فإذا اجتمع شدة الحاجة وعظم قدر العطية والنفع بها، فما الظن بفرح المعطي؟ ففرح المعطي سبحانه بعطائه أشد وأعظم من فرح هذا بما يأخذه، ولله المثل الأعلى. إذ هذا شأن الجواد من الخلق؛ فإنه يحصل له من الفرح والسرور والابتهاج واللذة بعطائه وجوده فوق ما يحصل لمن يعطيه، ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وابتهاجه وسروره، هذا مع كمال حاجته إلى ما يعطيه، وفقره إليه، وعدم وثوقه باستخلاف مثله، وخوف الحاجة إليه عند ذهابه، والتعرض لذل الاستعانة بنظيره ومن هو دونه، ونفسه قد طبعت على الحرص والشح.

فما الظن بمن تقدّس وتنزّه عن ذلك كله، ولو أن أهل سماواته وأرضه، وأول خلقه وآخرهم، وإنسهم وجنهم، ورطبهم ويابسهم، قاموا في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كل واحد ما سأله، ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة.

وهو الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، العليم لذاته، السميع البصير لذاته، فجوده العالي من لوازم ذاته، والعفو أحب إليه من الانتقام، والرحمة أحب إليه من العقوبة، والفضل أحب إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع.

فإذا تعرض عبده ومحبوبه الذي خلقه لنفسه، وأعد له أنواع كرامته، وفضّله على غيره، وجعله محل معرفته، وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله، واعتنى بأمره ولم يهمله ولم يتركه سدى، فتعرض لغضبه، وارتكب مساخطه، وما يكرهه، وأبِقَ منه، ووالى عدوه، وظاهره عليه، وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، التي هي أحب شيء إليه، وفتح طريق العقوبة والغضب والانتقام؛ فقد استدعى من الجواد الكريم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإغضابه وإسخاطه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، وانتقامه وعقوبته في موضع كرمه وبره وعطائه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه، وخلاف ما هو من لوازم ذاته من الجود والإحسان.

فبينما هو حبيبه المقرب المخصوص بالكرامة، إذا انقلب آبقاً شارداً، راداً لكرامته، مائلا عنه إلى عدوه، مع شدة حاجته إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين.

فبينما ذلك الحبيب مع العدو في طاعته وخدمته، ناسيا لسيده، منهمكا في موافقة عدوه، قد استدعى من سيده خلاف ما هو أهله، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وأنه إن لم يقدم عليه بنفسه قدم به عليه على أسوأ الأحوال، ففر إلى سيده من بلد عدوه، وجدّ في الهرب إليه حتى وصل إلى بابه، فوضع خده على عتبة بابه، وتوسد ثرى أعتابه، متذللاً متضرعاً، خاشعاً باكياً، آسفا، يتملق سيده ويسترحمه، ويستعطفه ويعتذر إليه، قد ألقى بيده إليه، واستسلم له، وأعطاه قياده، وألقى إليه زمامه، فعلم سيده ما في قلبه، فعاد مكان الغضب عليه رضا عنه، ومكان الشدة عليه رحمة به، وأبدله بالعقوبة عفواً وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلماً، فاستدعى بالتوبة والرجوع من سيده ما هو أهله، وما هو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فكيف يكون فرح سيده به؟ وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، وراجع ما يحبه سيده منه برضاه، وفتح طريق البر والإحسان والجود التي هي أحبُّ إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة.

وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لَلّهُ أشدُّ فْرَحا بتوبةِ عبده - حين يَتُوبُ إليه - من أحدِكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ فَانْفَلَتتْ منه، وعليها طعامُه وشرابهُ فَأَيسَ منها، فأتَى شَجرة فاضطَجَع في ظِلِّها قد أيسَ من راحلته فبينا هو كذلك، إذا هو بها قائمةٌ عنده، فأخذ بخِطامِها، ثم قال من شِدَّة الفرح: "اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ"، أخطأ من شدة الفرح» هذا لفظ مسلم

وهذا موضع الحكاية المشهورة عن بعض العارفين: أنه حصل له شرود وإباق من سيده، فرأى في بعض السكك باباً قد فُتح وخرج منه صبي يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه ودخلت، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أُخرج منه، ولا من يؤيه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزيناً، فوجد الباب مرتجاً، فتوسده؛ ووضع خده على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي، وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ ومن يؤيك سواي؟ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك، والشفقة عليك، وإرادتي الخير لك، ثم أخذته ودخلت.

فتأمل قول الأم: "لا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة والشفقة".

وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: « لله أرحم بعباده من الوالدة بولدها» وأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء ؟

فإذا أغضبه العبد بمعصيته فقد استدعى منه صرف تلك الرحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.

فهذه نبذة يسيرة تطلعك على سر فرح الله بتوبة عبده أعظم من فرح هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها.

ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتدق عن إدراكه الأذهان.




من كتاب مدارج السالكين - منزلة التوبة ( 1 / 186 )

فهد الماجدي
07-15-2010, 09:37 PM
فصل‏:‏ حلاوة التوكل على الله


للامام بن القيم الجوزيه رحمه الله
,


من ترك الاختيار والتدبير في رجاء زيادة أو خوف نقصان أو طلب صحة أو فرار من سقم، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه، وأنه أعلم بمصلحته من العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه، وأنصح للعبد منه لنفسه، وأرحم به منه بنفسه ، وأبر به منه بنفسه‏.‏ وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدم له بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة، فلا متقدَّم له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخَّر، فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بكل ما يشاء ، وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه، فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات‏.‏


وحمل كله وحوائجه ومصالحه ومن لا يبالي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها، فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب ولا اهتمام منه؛ لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحده همه فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه وفرغ قلبه منها، فما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه‏.‏ وإن أبى إلا تدبيره لنفسه واختياره لها واهتمامه بحظه، دون حق ربه، خلاه وما اختاره وولاه ما تولى، فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف والتعب وكسف البال وسوء الحال، فلا قلب يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحة يفوز بها ولا لذة يتهنى بها، بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه، فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منها بأمل ولا يتزود منها لمعاد، والله سبحانه قد أمر العبد بأمر وضمن له ضمانا، فإن قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص والاجتهاد، فإنه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده، والنصر لمن توكل عليه واستنصر به، والكفاية لمن كان هو همه ومراده، والمغفرة لمن استغفره، وقضاء الحوائج لمن صَدَقَه في طلبها ووثق به وقوي رجاؤه وطمعه في فضله وجوده‏.‏ فالفطن الكيس إنما يهتم بأمره وإقامته وتوفيقه لا بضمانه، فإنه الوفي الصادق، ومن أوفى بعهده من الله‏.‏ فمن علامات السعادة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه ‏.‏ ومن علامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه ، والله المستعان‏.‏


قال بشر بن الحارث‏(1)‏‏:‏ أهل الآخرة ثلاثة‏:‏ عابد وزاهد وصِدِّيق ، فالعابد يعبد الله مع العلائق ، والزاهد يعبده على ترك العلائق ، والصديق يعبده على الرضا والموافقة ، إن أراه أخذ الدنيا أخذها وإن أراه تركها تركها‏.‏


المشاقة والمحادة

إذا كان الله ورسوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر، فإن ذلك يفضي إلى المشاقة والمحادة، وهذا أصلها ومنه اشتقاقها، فإن المشاقة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق، والمحادة أن يكون في حد وهو في حد، ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى غايته، وقليله يدعو إلى كثيره ، وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر، فإن لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها، وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته ، وأكثر الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، ولا سيما إذا قويت الرغبة والرهبة ، فهناك لا تكاد تجد أحدا في الجانب الذي فيه الله ورسوله ، بل يعده الناس ناقص العقل سيئ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون ، وذلك من مواريث أعداء الرسل فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب والناس في شق وجانب آخر، ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولومة من لامه، ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في بادئ الأمر، فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشرته من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل، فإذا خالفهم تصدوا لحربه، فإن صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا، وذلك الألم لذة، فإن الرب شكور، فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه إلى الله وإلى رسوله ويريه كرامة ذلك فيشتد به سروره وغبطته ويبتهج به قلبه ويظفر بقوته وفرحه وسروره ويبقى من كان محاربا له على ذلك بين هائب له ومسالم له ومساعد وتارك، ويقوى جنده ويضعف جند العدو‏.‏


ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك، وإنما امتحن يقينك وصبرك ‏.‏ وأعظم الأعوان لك على هذا _ بعد عون الله _ التجرد من الطمع والفزع ، فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز إلى الله ورسوله، وكنت دائما في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام بك الطمع والفزع فلا تطمع في هذا الأمر ولا تحدث نفسك به‏.‏ فإن قلت‏:‏ فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفزع ‏؟‏ قلت‏:‏ بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء‏.‏


نصيحة‏:‏ كيف تصلح حالك

هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء بل من أقرب الطرق وأسهلها ‏.‏ وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك ، وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل ، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار ، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق ، إنما هو عمل قلب ‏.‏ وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب ، وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملا بالجوارح يشق عليك معاناته، وإنما هو عزم ونية جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك ، فما مضى تصلحه بالتوبة ، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية ، وليس في الجوارح في هذين نصب ولا تعب ، ولكن الشأن في عمرك وهو وقتك الذي بين الوقتين، فإن أضعته أضعت سعادتك ونجاحك ، وإن حفظته مع إصلاح الوقتين اللذين قبله وبعده بما ذكر نجوت وفزت بالراحة واللذة والنعيم ‏.‏ وحفظه أشق من إصلاح ما قبله وما بعده ، فإن حفظه أن تلزم نفسك بما هو أولى بها وأنفع لها وأعظم تحصيلا لسعادتها ‏.‏ وفي هذا تفاوت الناس أعظم تفاوت ، فهي والله أيامك الخالية التي تجمع فيها الزاد لمعادك ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، فإن اتخذت إليها سبيلا إلى ربك بلغت السعادة العظمى والفوز الأكبر في هذه المدة اليسيرة التي لا نسبة لها إلى الأبد ، وإن آثرت الشهوات والراحات واللهو واللعب انقضت عنك بسرعة وأعقبتك الألم العظيم الدائم الذي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصبر عن محارم الله والصبر على طاعته ومخالفته الهوى لأجله ‏.‏


فصل‏:‏ علامة صحة الإرادة

علامة صحة الإرادة أن يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه وحزنه على وقت مر في غير مرضاته وأسفه على قربة والأنس به ‏.‏ وجماع ذلك أن يصبح ويمسي وليس له هم غيره‏.‏



فصل‏:‏ الزهد في الدنيا


إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله ، وإذا فرحوا بالدنيا فافرح أنت بالله ، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله ، وإذا تعرفوا على ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة‏.‏



قال بعض الزهاد ‏:‏ ما علمت أن أحدا سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان ، فقال له رجل‏:‏ إني أكثر البكاء ، فقال ‏:‏ إنك إن تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل (2)‏ بعملك ، وإن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه ، فقال ‏:‏ أوصني ، فقال ‏:‏ دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها ، وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه ‏.‏



فصل‏:‏ أقسام الزهد


الزهد أقسام ‏:‏ زهد في الحرام وهو فرض عين ‏.‏ وزهد في الشبهات وهو بحسب مراتب الشبهة ، فإن التحقن بالواجب وإن ضعفت كان مستحبا‏.‏ وزهد في الفضول‏.‏ وزهد فيما لا يعني من الكلام والنظر والسؤال واللقاء وغيره‏.‏ وزهد في الناس ‏.‏ وزهد في النفس بحيث تهون عليه نفسه في الله ‏.‏ وزهد جامع لذلك كله وهو الزهد فيما سوى الله وفي كل ما شغلك عنه ‏.‏



وأفضل الزهد إخفاء الزهد ، وأصعبه الزهد في الحظوظ ‏.‏ والفرق بينه وبين الورع أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة ، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة ‏.‏ والقلب المعلق بالشهوات لا يصح له زهد ولا ورع‏.‏



قال يحيى بن معاذ ‏:‏ عجبت من ثلاث ‏:‏ رجل يرائي في عمله مخلوقا مثله ويترك أن يعمله لله ، ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه ولا يقرضه منه شيئا ، ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم ، والله يدعوه إلى صحبته ومودته ‏.‏



فائدة جليلة‏:‏ مخالفة الأمر أعظم من عمل المنهي عنه


قال سهل بن عبد الله (3)‏‏:‏ ترك الأمر عند الله أعظم من ارتكاب النهي؛ لأن آدم نهي عن أكل الشجرة فأكل منها فتاب عليه، وإبليس أمر أن يسجد لآدم فلم يسجد فلم يتب عليه‏.‏



قلت‏:‏ هذه مسألة عظيمة لها شأن وهي أن ترك الأوامر أعظم عند الله من ارتكاب المناهي، وذلك من وجوه عديدة‏:‏



أحدها ‏:‏ ما ذكره سهل من شأن آدم وعدو الله إبليس‏.‏



الثاني‏:‏ أن ذنب ارتكاب النهي مصدره في الغالب الشهوة والحاجة، وذنب ترك الأمر مصدره في الغالب الكبر والعزة، ولا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنا وسرق‏.‏



الثالث‏:‏ أن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المنهي ، كما دل على ذلك النصوص كقوله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها‏"‏‏(‏رواه مسلم في كتاب الإيمان‏)‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ألا أنبئكم بخير أعمالكم عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم‏؟‏‏"‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله ، قال‏:‏ ‏"‏ذكر الله‏"‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏"‏واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة‏"‏‏(‏رواه ابن ماجة في كتاب الأدب الباب 53 ‏.‏ ورواه الترمذي ‏:‏ الدعوات / 6 ‏.‏ والنسائي ‏:‏ الإيمان/ 1‏.‏‏)‏‏.‏ وغير ذلك من النصوص‏.‏



وترك المناهي عمل فإنه كف النفس عن الفعل، ولهذا علق سبحانه المحبة بفعل الأوامر كقوله‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا‏}‏‏(‏سورة الصف ، الآية رقم ‏(‏4‏)‏‏.‏‏)‏ ‏{‏والله يحب المحسنين‏}‏ ‏(‏آل عمران ‏:‏ 134‏.‏‏)‏ ‏.‏ وقوله ‏{‏وأقسطوا إن الله يحب المقسطين‏}‏ ‏(‏الحجرات ‏:‏ 9‏.‏‏)‏ ‏{‏والله يحب الصابرين‏}‏ ‏(‏آل عمران ‏:‏ 146‏.‏‏)‏



وأما في جانب المناهي فأكثر ما جاء النفي للمحبة كقوله ‏:‏ ‏{‏والله لا يحب الفساد‏}‏‏(‏البقرة ‏:‏ 205‏.‏‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والله لا يحب كل مختال فخور‏}‏ ‏(‏الحديد‏:‏ 23‏.‏‏)‏ ونظائره‏.‏



وأخيرا في موضع آخر أنه يكرهها ويسخطها ، كقوله ‏:‏ ‏{‏كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها‏}‏ ‏(‏البقرة ‏:‏ 190‏.‏‏)‏وقوله ‏:‏ ‏{‏ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله‏}‏ ‏(‏النساء ‏:‏ 36‏.‏‏)‏



إذا عرف هذا ففعل ما يحبه سبحانه مقصود بالذات‏.‏ ولهذا يقدر ما يكرهه ويسخطه لإفضائه إلى ما يحب، كما قدر المعاصي والكفر والفسوق لما ترتب على تقديرها مما يحبه من لوازمها من الجهاد واتخاذ الشهداء وحصول التوبة من العبد والتضرع إليه والاستكانة وإظهار عدله وعفوه وانتقامه وعزه ، وحصول الموالاة والمعاداة لأجله، وغير ذلك من الآثار التي وجودها بسبب تقديره ما يكره أحب إليه من ارتفاعها بارتفاع أسبابها ، وهو سبحانه لا يقدر ما يحب لإفضائه إلى حصول ما يكرهه ويسخطه كما يقدر ما يكرهه لإفضائه إلى ما يحبه، فعلم أن ما يحبه أحب إليه مما يكرهه‏.‏





يوضحه الوجه الرابع‏:‏ أن فعل المأمور مقصود لذاته وترك المنهي مقصود لتكميل فعل المأمور، فهو منهي عنه لأجل كونه يخل بفعل المأمور أو يضعفه وينقصه، كما نبه سبحانه على ذلك في النهي عن الخمر والميسر بكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة‏.‏ فالمنهيات قواطع وموانع صادة عن فعل المأمورات أو عن كمالها، فالنهي عنها من باب المقصود لغيره ، والأمر بالواجبات من باب المقصود لنفسه‏.‏



يوضحه الوجه الخامس‏:‏ أن فعل المأمورات من باب حفظ الإيمان وبقائها وترك المنهيات من باب الحمية عما يشوش قوة الإيمان ويخرجها عن الاعتدال، وحفظ القوة مقدم على الحمية، فإن القوة كلما قويت دفعت المواد الفاسدة وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة ، فالحمية مرادة لغيرها وهو حفظ القوة وزيادتها وبقاؤها، ولهذا كلما قويت قوة الإيمان دفعت المواد الرديئة ومنعت من غلبتها وكثرتها بحسب القوة وضعفها ، وإذا ضعفت غلبت المواد الفاسدة ، فتأمل هذا الوجه‏.‏



الوجه السادس‏:‏ أن فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه وزينته وسروره وقوة عينه ولذته ونعيمه، وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصل له شيئا من ذلك ، فإنه لو ترك جميع المنهيات ولم يأت بالإيمان والأعمال المأمور بها لم ينفعه ذلك الترك شيئا وكان خالدا مخلدا في النار‏.‏



وهذا يتبين بالوجه السابع‏:‏ أن من فعل المأمورات والمنهيات فهو إما ناج مطلقا إن غلبت حسناته سيئاته، وإما ناج بعد أن يؤخذ منه الحق ويعاقب على سيئاته فمآله إلى النجاة وذلك بفعل المأمور‏.‏



ومن ترك المأمورات والمنهيات فهو هالك غير ناج ولا ينجو إلا بفعل المأمور هو التوحيد‏.‏



فإن قيل‏:‏ فهو إنما هلك بارتكاب المحظور وهو الشرك ، قيل‏:‏ يكفي في الهلاك ترك نفس التوحيد المأمور به وإن لم يأت بضد وجودي من الشرك، بل متى خلا قلبه من التوحيد رأسا فلم يوحد الله فهو هالك وإن لم يعبد معه غيره ، فإذا انضاف إليه عبادة غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به وفعل الشرك المنهي عنه‏.‏



يوضحه الوجه الثامن‏:‏ أن المدعو إلى الإيمان إذا قال ‏:‏ لا أصدق ولا أكذب ولا أحب ولا أبغض ولا أعبده ولا أعبد غيره، كان كافرا بمجرد الترك والإعراض، بخلاف ما إذا قال‏:‏ أنا أصدق الرسول وأحبه وأؤمن به وأفعل ما أمرني، ولكن شهوتي وإرادتي وطبعي حاكمة علي لا تدعني أترك ما نهاني عنه وأنا أعلم أنه قد نهاني وكره لي فعل المنهي ولكن لا صبر لي عنه، فهذا لا يعد كافرا بذلك، ولا حكمه حكم الأول، فإن هذا مطيع من وجه، وتارك المأمور جملة لا يعد مطيعا بوجه‏.‏



يوضحه الوجه التاسع‏:‏ أن الطاعة والمعصية إنما تتعلق بالأمر أصلا وبالنهي تبعا، فالمطيع ممتثل المأمور، والعاصي تارك المأمور ‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يعصون الله ما أمرهم ‏}‏ ‏(‏سورة التحريم ، الآية رقم ‏(‏6‏)‏‏.‏‏)‏ـ وقال موسى لأخيه‏:‏ ‏{‏ما منعك إذ رأيتهم ضلوا إلا تتبعن أفعصيت أمري‏}‏ ‏(‏طه ‏:‏ 93‏.‏‏)‏،وقال عمرو بن العاص عند موته ‏:‏ أنا الذي أمرتني فعصيت ، ولكن لا إله إلا أنت‏.‏ وقال الشاعر‏:‏ أمرتك أمرا جازما فعصيتني‏.‏



والمقصود من إرسال الرسل طاعة المرسل ولا تحصل إلا بامتثال أوامره واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه ‏.‏ ولذا لو اجتنب المناهي ولم يفعل ما أمر به لم يكن مطيعا وكان عاصيا ، بخلاف ما لو أتى بالمأمورات وارتكب المناهي ‏.‏ فإنه وإن عد عاصيا مذنبا فإنه مطيع بامتثال الأمر عاص بارتكاب النهي، بخلاف تارك الأمر فإنه لا يعد مطيعا باجتناب المنهيات خاصة ‏.‏




الوجه العاشر‏:‏ أن امتثال الأمر عبودية وتقرب وخدمة ، وتلك العبادة التي خلق لأجلها الخلق كما قال تعالى ‏:‏ ‏{‏ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ ‏(‏سورة الذاريات ، الآية‏:‏ 56‏.‏‏)‏ ، فأخبر سبحانه أنه أتم خلقهم للعبادة ، وكذلك إنما أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ليعبدوه ‏.‏ فالعبادة هي الغاية التي خلقوا لها ولم يخلقوا لمجرد الترك فإنه أمر عدمي لا كمال فيه من حيث هو عدم ، بخلاف امتثال المأمور فإنه أمر وجودي مطلوب الحصول ‏.‏



وهذا يتبين بالوجه الحادي عشر ‏:‏ وهو أن المطلوب بالنهي عدم الفعل وهو أمر عدمي ، والمطلوب بالأمر إيجاد فعل وهو أمر وجودي ،ومتعلق النهي الإعدام أو العدم وهو أمر لا كمال فيه إلا إذا تضمن أمرا وجوديا ، فإن العدم من حيث هو عدم لا كمال فيه ولا مصلحة إلا إذا تضمن أمرا وجوديا مطلقا ، وذلك الأمر الوجودي مطلوب مأمور به فعادت حقيقة النهي إلى الأمر ، وأن المطلوب به ما في ضمن النهي من الأمر الوجودي المطلوب به ‏.‏



وهذا يتضح بالوجه الثاني عشر ‏:‏ وهو أن الناس اختلفوا في المطلوب بالنهي على أقوال‏:‏ أحدها ‏:‏ أن المطلوب به كف النفس عن الفعل وحبسها عنه وهو أمر وجودي، قالوا‏:‏ لأن التكليف إنما يتعلق بالمقدور، والعدم المحض غير، وهذا قول الجمهور ‏.‏



وقال أبو هاشم وغيره ‏:‏ بل المطلوب عدم الفعل ، ولذا يحصل المقصود من بقائه على العدم وإن لم يخطر بباله الفعل، فضلا أن يقصد الكف عنه ‏.‏ ولو كان المطلوب الكف لكان عاصيا إذا لم يأت به ، ولأن الناس يمدحون بعدم فعل القبيح من لم يخطر بباله فعله والكف عنه ‏.‏ وهذا أحد قولي القاضي أبي بكر ولأجله التزم أن عدم الفعل مقدور للعبد وداخل تحت الكسب ، قال ‏:‏ والمقصود بالنهي الإبقاء على العدم الأصلي وهو مقدور‏.‏ وقالت طائفة ‏:‏ المطلوب بالنهي فعل الضد فإنه هو المقدور وهو المقصود للناهي ، فإنه إنما نهاه عن الفاحشة طلبا للعفة وهي المأمور بها ، ونهاه عن الظلم طلبا للعدل المأمور به ، وعن الكذب طلبا للصدق المأمور به ، وهكذا جميع المنهيات، فعند هؤلاء أن حقيقة النهي الطلب لضد المنهي عنه فعاد الأمر إلى أن الطلب إنما تعلق بفعل المأمور ‏.‏



والتحقيق‏:‏ أن المطلوب نوعان ‏:‏ مطلوب لنفسه وهو المأمور به ، ومطلوب إعدامه لمضادته المأمور به وهو المنهي عنه ، لما فيه من المفسدة المضادة للمأمور به ‏.‏ فإذا لم يخطر ببال المكلف ولا دعته نفسه إليه بل استمر على العدم الأصلي لم يثبت على تركه، وإن خطر بباله وكف نفسه عنه لله وتركه اختيارا أثيب على كف نفسه وامتناعه ، فإنه فعل وجودي والثواب إنما يقع على الأمر الوجودي دون العدم المحضي وإن تركه مع عزمه الجازم على فعله لكن تركه عجزا ، فهذا وإن لم يعاقب عقوبة الفاعل لكن يعاقب على عزمه وإرادته الجازمة التي إنما تخلف مرادها عجزا ‏.‏



وقد دلت على ذلك النصوص الكثيرة فلا يلتفت إلى ما خلفها ، كقوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء‏}‏ ‏(‏سورة البقرة ، الآية‏:‏ 284‏.‏‏)‏ وقوله في كاتم الشهادة ‏:‏ ‏{‏فإنه آثم قلبه‏}‏ ‏(‏البقرة ‏:‏ 283‏.‏‏)‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ ‏(‏سورة البقرة ، الآية 283‏.‏‏)‏ وقوله ‏:‏ ‏{‏يوم تبلى السرائر‏}‏ ‏(‏الطارق ‏:‏ 9‏.‏‏)‏ ، وقوله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم ‏:‏ ‏"‏ إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ‏"‏ ، قالوا ‏:‏ هذا القاتل، فما بال المقتول ‏؟‏ قال ‏:‏ ‏"‏إنه أراد قتل صاحبه‏"‏ ‏(‏رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن حنبل بألفاظ مختلفة ‏.‏‏)‏ ‏.‏ وقوله في الحديث الآخر‏:‏ ‏"‏ورجل قال لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء‏"‏‏(‏رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد بألفاظ مختلفة ‏.‏‏)‏ ‏.‏



وقول من قال ‏:‏ إن المطلوب بالنهي فعل الضد ليس كذلك ، فإن المقصود عدم الفعل والتلبس بالضدين ، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو غير مقصود بالقصد الأول ، وإن كان المقصود بالقصد الأول المأمور الذي نهي عما يمنعه ويضعفه ، فالمنهي عنه مطلوب إعدامه طلب الوسائل والذرائع ، والمأمور به مطلوب إيجاده طلب المقاصد والغايات ‏.‏



وقول أبي هاشم ‏(4)‏ ‏:‏ إن تارك القبائح يحمد وإن لم يخطر بباله كف النفس ، فإن أراد بحمده أنه لا يذم فصحيح ، وإن أراد أن يثني عليه بذلك ويحب عليه ويستحق الثواب فغير صحيح ‏.‏ فإن الناس لا يحمدون المحبوب (5) على ترك الزنا ولا الأخرس على عدم الغيبة والسب ، وإنما يحمدون القادر الممتنع عن قدرة وداع إلى الفعل ‏.‏



وقول القاضي‏:‏ الإبقاء على العدم الأصلي مقدور ، فإن أراد به كف النفس ومنعها فصحيح ، وإن أراد مجرد العدم فليس كذلك ‏.‏



وهذا يتبين بالوجه الثالث عشر ‏:‏ وهو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده عن طريق اللزوم العقلي لا القصد الطلبي ، فإن الأمر إنما مقصوده فعل المأمور‏.‏ فإذا كان من لوازمه ترك الضد صار تركه مقصودا لغيره ، وهذا هو الصواب في مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا‏؟‏ فهو نهي عنه من جهة اللزوم لا من جهة القصد والطلب ‏.‏ وكذلك النهي عن الشيء ، مقصود الناهي بالقصد الأول الانتهاء عن المنهي عنه وكونه مشغلا بضده جاء من جهة اللزوم العقلي ، لكن إنما نهي عما يضاد ما أمر به كما تقدم، فكان المأمور به هو المقصود بالقصد الأول في الموضعين‏.‏



وحرف المسألة أن طلب الشيء طلب له بالذات ولما هو من ضرورته باللزوم والنهي عن الشيء طلب لتركه بالذات ولفعل ما هو من ضرورة الترك باللزوم والمطلوب في الموضوعين فعل وكف ، وكلاهما أمر وجودي ‏.‏



الوجه الرابع عشر ‏:‏ أن الأمر والنهي في باب الطلب نظير النفي والإثبات في باب الخبر ، والمدح والثناء لا يحصلان بالنفي المحض إن لم يتضمن ثبوتا ، فإن النفي كاسمه عدم لا كمال فيه ولا مدح ، فإذا تضمن ثبوتا صح المدح به كنفي النسيان المستلزم لكمال العلم وبيانه ، ونفي اللغوب والإعياء والتعب المستلزم لكمال القوة والقدرة‏.‏ ونفي السنة والنوم المستلزم لكمال الحياة والقيومية ‏.‏ ونفي الولد والصاحبة المستلزم لكمال الغنى والملك والربوبية ‏.‏ ونفي الشريك والولي والشفيع بدون الإذن المستلزم لكمال التوحيد والتفرد بالكمال والإلهية والملك‏.‏ ونفي الظلم المتضمن لكمال العدل ونفي إدراك الأبصار له المتضمن لعظمته وأنه أجلّ من أن يدرك وإن رأته الأبصار ‏.‏ وإلا فليس في كونه لا يرى، مدح بوجه من الوجوه، فإن العدم المحض كذلك‏.‏



وإذا عرف هذا فالمنهي عنه إن لم يتضمن أمرا وجوديا ثبوتيا لم يمدح بتركه ولم يستحق الثواب والثناء بمجرد الترك كما لا يستحق المدح والثناء بمجرد الوصف العدمي‏.‏



الوجه الخامس عشر‏:‏ أن الله سبحانه جعل جزاء المأمورات عشرة أمثال فعلها، وجزاء المنهيات مثل واحد، وهذا يدل على أن فعل ما أَمَر به أحب إليه من ترك ما نهى عنه ولو كان الأمر بالعكس لكانت السيئة بعشرة والحسنة بواحدة أو تساويا ‏.‏



الوجه السادس عشر‏:‏ أن المنهي عنه المقصود إعدامه، وألا يدخل في الوجود، سواء نوى ذلك أو لم ينوه، وسواء خطر بباله أو لم يخطر ‏.‏ فالمقصود ألا يكون، وأما المأمور به فالمقصود كونه وإيجاده والتقرب به نية وفعلا‏.‏



وسر المسألة ‏:‏ أن وجود ما طلب إيجاده أحب إليه من عدم ما طلب إعدامه، وعدم ما أحبه أكره إليه من وجود ما يبغضه ، فمحبته لفعل ما أمر به أعظم من كراهته لفعل ما نهى عنه‏.‏



يوضحه الوجه السابع عشر‏:‏ أن فعل ما يحبه والإعانة عليه وجزاؤه وما يترتب عليه من المدح والثناء من رحمته وفعل ما يكرهه وجزاؤه وما يترتب عليه من الذم والألم والعقاب من غضبه‏.‏ ورحمته سابقة على غضبه غالبة له، وكل ما كان من صفة الرحمة فهو غالب لما كان من صفة الغضب، فإنه سبحانه لا يكون إلا رحيما ، ورحمته من لوازم ذاته كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وإحسانه ، فيستحيل أن يكون غضبان دائما غضبا لا يتصور انفكاكه ، بل يقول رسله وأعلم الخلق به يوم القيامة‏:‏ ‏"‏إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله‏"‏‏(‏رواه البخاري في الأنبياء ، والترمذي في القيامة ، ومسلم في الإيمان ‏.‏‏)‏‏.‏ ورحمته وسعت كل شيء وغضبه لم يسع كل شيء ‏.‏ وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة ولم يكتب على نفسه الغضب ، ووسع كل شيء رحمة وعلما ولم يسع كل شيء غضبا وانتقاماً‏.‏



فالرحمة وما كان بها ولوازمها وآثارها غالبة على الغضب وما كان منه وآثاره‏.‏ فوجود ما كان بالرحمة أحب إليه من وجود ما كان من لوازم الغضب‏.‏ ولهذا كانت الرحمة أحب إليه من العذاب والعفو أحب إليه من الانتقام ‏.‏ فوجود محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، ولا سيما إذا كان في فوات مكروهه فوات ما يحبه من لوازمه ، فإنه يكره فوات تلك اللوازم المحبوبة كما يكره وجود ذلك الملزوم المكروه‏.‏



الوجه الثامن عشر‏:‏ أن آثار ما يكرهه وهو المنهيات أسرع زوالا بما يحبه من زوال آثار ما يحبه بما يكرهه ، فآثار كراهته سريعة الزوال وقد يزيلها سبحانه بالعفو والتجاوز، وتزول بالتوبة والاستغفار والأعمال الصالحة والمصائب المكفرة والشفاعة والحسنات يذهبن السيئات ، لو بلغت ذنوب العبد عنان السماء ثم استغفره غفر له ولو لقيه بقراب الأرض خطايا‏(6) ، ثم لقيه لا يشرك به شيئا لأتاه بقرابها مغفرة، وهو سبحانه يغفر الذنوب وإن تعاظمت ولا يبالي ، فيبطلها ويبطل آثارها بأدنى سعي من العبد وتوبة نصوح وندم على ما فعل ، وما ذاك إلا لوجود ما يحبه من توبة العبد وطاعته وتوحيده ، فدل على أن وجود ذلك أحب إليه وأرضى له‏.‏



يوضحه الوجه التاسع عشر‏:‏ وهو أنه سبحانه قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من المأمورات ‏.‏ فإنه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الفاقد الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرحه بتوبة العبد مثلا ليس في المفروح به أبلغ منه، وهذا الفرح العظيم الذي وجوده أحب إليه من فواته، ووجوده بدون لازمه ممتنع، فدل على أن وجود ما يحب أحب إليه من فوات كل فرد مما يكره حتى تكون ركعتا الضحى أحب إليه من فوات قتل المسلم، وإنما المراد أن جنس فعل المأمور أفضل من جنس ترك المحظورات ، كما إذا فضل الذكر على الأنثى والإنسي على الملك‏(7)‏، فالمراد الجنس لا عموم الأعيان‏.‏



والمقصود أن هذا الفرح الذي لا فرح يشبهه بفعل مأمور التوبة يدل على أن هذا المأمور أحب إليه من فوات المحظور الذي تفوت به التوبة وأثرها ومقتضاها‏.‏



فإن قيل‏:‏ إنما فرح بالتوبة لأنها ترك للمنهي فكان الفرح بالترك ، قيل ‏:‏ ليس كذلك، فإن الترك المحض لا يوجب هذا الفرح بل ولا الثواب ولا المدح، وليست التوبة تركا، وإن كان الترك من لوازمها، وإنما هي فعل وجودي يتضمن إقبال التائب على ربه وإنابته إليه والتزام طاعته، ومن لوازم ذلك ترك ما نهي عنه ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه‏)‏‏)‏‏(‏سورة هود ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ ‏(‏3‏)‏‏.‏‏)‏‏.‏ فالتوبة رجوع مما يكره إلى ما يحب وليست مجرد الترك، فإن من ترك الذنب تركا مجردا ولم يرجع منه إلى ما يحبه الرب تعالى لم يكن تائبا ، فالتوبة رجوع وإقبال وإنابة لا ترك محض‏.‏



الوجه العشرون‏:‏ أن المأمور به إذا فات فاتت الحياة المطلوبة للعبد، وهي التي قال تعالى فيها‏:‏ ‏(‏‏(‏يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏)‏‏)‏‏(‏ الأنفال ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 24‏.‏‏)‏ ، وقال ‏:‏ ‏(‏‏(‏أو من كان ميتا فأحييناه وجعلناه له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ‏)‏‏)‏ ‏(‏الأنعام ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 122‏.‏‏)‏، وقال في حق الكفار‏:‏ ‏(‏‏(‏أموات غير أحياء‏)‏‏)‏‏(‏ النحل ‏:‏ الآية رقم ‏:‏ 21‏.‏‏)‏ وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنك لا تسمع الموتى‏)‏‏)‏‏(‏ سورة النمل ‏:‏ الآية رقم ‏(‏80‏)‏‏.‏‏)‏ ، وأما المنهي عنه فإذا وجد فغايته أن يوجد المرض، وحياة مع السقم خير من موت‏.‏



فإن قيل‏:‏ ومن المنهي عنه ما يوجب الهلاك وهو الشرك ، قيل‏:‏ الهلاك إنما حصل بعدم التوحيد المأمور به الذي به الحياة ، فلما فقد حصل الهلاك ، فما هلك إلا من عدم إتيانه بالمأمور به‏.‏



وهذا وجه حاد وعشرون في المسألة ‏:‏ وهو أن في المأمورات ما يوجب فواته الهلاك والشقاء الدائم، وليس في المنهيات ما يقتضي ذلك‏.‏



الوجه الثاني والعشرون‏:‏ أن فعل المأمور يقتضي ترك المنهي عنه إذا فعل على وجهه من الإخلاص والمتابعة والنصح لله فيه‏.‏ قال تعالى ‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏)‏‏)‏‏(‏ العنكبوت ‏:‏ 45‏.‏‏)‏‏.‏ ومجرد ترك المنهي لا يقتضي فعل المأمور ولا يستلزمه ‏.‏



الوجه الثالث والعشرون‏:‏ أن ما يحبه من المأمورات فهو متعلق بصفاته وما يكرهه من المنهيات فمتعلق بمفعولاته، وهذا وجه دقيق يحتاج إلى بيان فنقول‏:‏



المنهيات شرور وتفضي إلى الشرور ، والمأمورات خير وتفضي إلى الخيرات والخير بيديه سبحانه والشر ليس إليه، فإن الشر لا يدخل في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه ، وإنما هو في المفعولات مع أنه شر بالإضافة والنسبة إلى العبد ، وإلا من حيث إضافته ونسبته إلى الخالق سبحانه فليس بشر من هذه الجهة‏.‏ فغاية ارتكاب المنهي أن يوجب شرا بالإضافة إلى العبد مع أنه نفسه ليس بشر‏.‏ وأما فوات المأمور فيفوت به الخير الذي بفواته يحصل ضده من الشر، وكلما كان المأمور أحب إلى الله سبحانه كان الشر بفواته أعظم كالتوحيد والإيمان‏.‏



وسر هذه الوجه أن المأمور به محبوبه ، والمنهي مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من وفوات مكروهه ، وفوات محبوبة أكره إليه من وقوع مكروهه والله أعلم‏.‏



,,

,,,,

,,,,,,



الهوامش......



(1) . ‏(‏هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان المعروف ببشر الحافي، كنيته أبو نصر، وأصله من مرو، سكن بغداد ومات بها، كان عالما ورعا، قال يحيى بن أكثم ‏:‏ ‏ ‏قال لي المأمون‏:‏ لم يبق في هذه الكورة أحد يستحيا منه غير هذا الشيخ ، بشر بن الحارث، وقد توفي سنة 227هـ‏.‏‏) ‏



(2)..‏‏(‏أي منبسط‏.‏‏) ‏



(3) .. ‏‏(‏يقصد - على الغالب- سهل بن عبد الله بن يونس التستري ، وهو أحد أئمة القوم وعلمائهم والمتكلمين في علوم الرياضيات، والإخلاص وعيوب الأفعال ‏.‏ توفي سنة 283هـ ‏.‏ ‏ ‏طبقات الصوفية‏ ‏‏.‏‏) ‏



(4)..‏(‏يبدو أنه يقصد بأبي هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجائي المتكلم المعتزلي ، وقد كان إماما في العربية عالما بالكلام ، له آراء بها وله مصنفات في الاعتزال ، وتبعته فرقة سميت ‏ ‏ البهشمية ‏ ‏ نسبة إلى كنيته ‏ ‏ أبي هاشم ‏ ‏ ‏.‏ ولد في بغداد سنة ‏(‏ 247 هـ -861 م ‏)‏ وفيها توفي سنة ‏(‏ 321 هـ - 933 م ‏)‏ ‏.‏‏) ‏



(5) .. ‏‏(‏المجبوب ‏:‏مقطوع الذكر‏.‏‏)‏ ‏



(6)..‏(‏أي بما يقارب الأرض ، يعني بخطايا كثيرة جدا تقارب الأرض في كبرها وكثرتها‏.‏‏)‏ ‏



(7)..‏(‏الإنسي ‏:‏ مفرد الإنس ‏:‏ البشر ، وقصد بها جنس الإنسان‏.‏‏) ‏



..


من كتاب الفوئد لابن القيم رحمه الله رحمه واسعه والمسلمين

فهد الماجدي
07-18-2010, 10:42 PM
كيف ينبُتُ النفاق في القلب ؟
للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى

قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: « الغناء يُنْبِت النفاق في القلب؛ كما يُنْبِت الماءُ الزرعَ ».
وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله. وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا؛ رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الملاهي".
فإن قيل : فما وجه إنباتِه للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي ؟!
قيل : هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباءُ القلوب، دون المنْحَرفين عن طريقتهم، الذين داوَوْا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السّقم بالسُّم القاتل ...
فاعلم أن للغناء خواصَّ لها تأثير في صَبغ القلب بالنفاق، ونباتِه فيه كنبات الزرع بالماء.
فمن خواصِّه : أنه يُلهي القلبَ ويَصُدُّه عن فَهم القرآن وتَدَبُّرِه، والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً؛ لما بينهما من التضادّ؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعِفَّة، ومُجانبةِ شهوات النفوس، وأسبابِ الغَيِّ، وينهَى عن اتباع خُطُوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كلِّه، ويُحَسِّنه، ويُهيِّج النفوس إلى شهوات الغيِّ، فيُثير كامِنَها، ويُزْعج قاطنها، ويُحركها إلى كلِّ قبيح، ويسُوقُها إلى وصْل كل مليحة ومَليح، فهو والخمرُ رَضيعا لِبانٍ، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رِهان، فإنه صِنْوُ الخمر ورَضيِعُه، ونائبه وحليفه، وخَدينُه وصديقه، عَقَدَ الشيطانُ بينهما عَقْدَ الإخاءِ الذي لا يُفْسخ، وأحكم بينهما شريعة الوفاء التي لا تُنسخ، وهو جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسُوس العقل، يتغلغل في مَكامِن القلوب، ويطّلع على سرائر الأفئدة، ويّدِبُّ إلى محل التخيل، فيُثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرّقاعة، والرّعونة والحماقة!
فبينا ترى الرجلَ وعليه سِمَة الوَقارِ وبَهاء العقل، وبَهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا استمع الغناء ومال إليه؛ نقص عقلُه، وقلّ حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بَهاؤه، وتخلّى عنه وَقاره، وفرح به شيطانه، وشكا إلى الله - تعالى – إيمانُه، وثَقُل عليه قرآنه، وقال : يا رب! لا تجمع بيني وبين قرآنِ عدوِّك في صدرٍ واحد، فاستحْسنَ ما كان قبل السَّماعِ يَستقبِحه، وأبدَى من سِرِّه ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، والزهزهةِ والفرقعة بالأصَابع، فيميل برأسه، ويَهُزُّ منكبيه، ويضرب الأرض برجليه، ويدق على أُمِّ رأسه بيديه، ويَثِبُ وَثَباتِ الذِّباب، ويدور دوران الحمار حول الدّولاب، ويُصَفِّق بيديه تصفيق النسوان، ويخُور من الوَجْد ولا كخُوار الثيران، وتارةً يتأوّه تأوّه الحزين، وتارةً يَزْعَقُ زَعَقات المجانين، ولقد صدق الخبيرُ به من أهله حيث يقولُ :
أتذْكُرُ ليلَةً وقدِ اجتمعـنا ... على طيب السَّماعِ إلى الصَّباحِ
ودارتْ بيننا كأسُ الأغـاني ... فأسْكَرَتِ النُّفوسَ بغـيرِ رَاحِ
فلم تَـرَ فيهِمُ إلاَّ نَشَـاوى ... سُرُوراً والسُّرورُ هُناكَ صَاحيِ
إذا نادَى أخُو اللَّذاتِ فـيهِ ... أجابَ اللَّهو: حَيَّ على السَّماحِ
ولم نَمْلِك سِوىَ الْمُهجَاتِ شيئاً ... أرَقنَـاهَا لأَلْحـاظٍ مِلاحِ
وقال بعض العارفين : السماع يورث النفاق في قومٍ، والعنادَ في قومٍ، والكذب في قومٍ، والفجورَ في قومٍ، والرعونة في قوم.
وأكثرُ ما يُورث : عشقُ الصور، واستحسانُ الفواحش، وإدمانُه يثقِّل القرآن على القلب، ويُكَرِّهه إلى سماعه بالخاصية، وإن لم يكن هذا نفاقاً؛ فما للنفاق حقيقة!
وسِرُّ المسألة : أنه قرآن الشيطان، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبداً.
وأيضا؛ فإن أساس النفاق : أن يخالف الظاهرُ الباطنَ، وصاحبُ الغناء بين أمرين: إما أن يتهتّكَ فيكون فاجراً، أو يُظهرَ النُّسك فيكون منافقاً، فإنه يُظهر الرغبة في الله والدار الآخرة؛ وقلبه يغْلي بالشهوات، ومحبةِ ما يكرهه الله ورسوله - من أصوات المعازف، وآلات اللَّهو، وما يدعو إليه الغناء ويُهَيِّجُه -، فقلبه بذلك معمور، وهو من محبة ما يحبُّه الله ورسوله وكراهةِ ما يكرهه قَفر، وهذا محض النفاق.
وأيضاً؛ فإن الإيمان قول وعمل : قولٌ بالحق، وعمل بالطاعة، وهذا ينْبُتُ على الذكر، وتلاوة القرآن، والنفاقُ: قولُ الباطل، وعملُ البغيِّ، وهذا ينبُتُ على الغناء.
وأيضاً؛ فمن علامات النفاق : قِلّةُ ذِكر الله، والكسلُ عند القيام إلى الصلاة، ونقرُ الصلاة، وقلَّّ أن تجدَ مفتوناً بالغناء إلا وهذا وصفُه.
وأيضاً؛ فإن النفاق مُؤَسَّسٌ على الكذب، والغناء من أكذب الشِّعر؛ فإنه يحسِّن القبيح ويزيِّنُهُ، ويأمرُ به، ويُقبِّح الحسن ويُزَهِّد فيه، وذلك عين النفاق.
وأيضاً؛ فإن النفاق غِشٌّ ومكر وخِداع، والغناء مؤسَّسٌ على ذلك.
وأيضاً؛ فإن المنافق يُفسِد من حيث يظنُّ أنه يُصلح، كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين، وصاحبُ السماع يُفسدُ قلبَه وحالَه من حيث يظن أنه يُصلحه، والمغنِّى يدعُو القلوب إلى فتنة الشهوات، والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات.
قال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرَّب.
وكتب عُمر بن عبدالعزيز إلى مؤدِّب ولده : ليكن أوّلَ ما يعتقدون من أدبك بغضُ الملاهي، التي بدؤُها من الشيطان، وعاقبتُها سَخَطُ الرحمن؛ فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن صوت المعازف، واستماع الأغاني، واللَّهجَ بها: ينبت النفاق في القلب كما ينبُتُ العشب على الماء.
فالغناء يفسِدُ القلب، وإذا فسد القلب؛ هاج فيه النفاق.
وبالجملة؛ فإذا تأمَّل البصير حالَ أهل الغناء، وحالَ أهل الذكر والقرآن؛ تبيَّن له حذق الصحابة، ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها، وبالله التوفيق.

من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ( 1 / 444 )

فهد الماجدي
07-24-2010, 12:35 AM
الناس ثلاثة

قال ابن القيم – رحمه الله – ضمن وجوه فضل العلم وطلبه:

الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: ما رواه كُميل بن زياد النخعي، قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبّانة، فلما أصحَرَ جَعَلَ يتنفس، ثم قال: « يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، أحفظ عني ما أقول لك:

الناس ثلاثة:

1- فعالم رباني،

2- ومتعلم على سبيل نجاة،

3- وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.

العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكوا على الإنفاق، - وفي رواية: على العمل -، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. هاه هاه، إن ههنا علماً -وأشار بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة، بل أصبته لَقِناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر حجج الله على كتابه وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصير له في أحنائه [أي: أطرافه]، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لاذا و لا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، ليس من دعاة الدين، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة، لذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته لكيلا تبطل حجج الله وبنياته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قيلا، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعَرَ منه المترفون، وأنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم ».

ذكره أبو نعيم في الحلية وغيره


قال أبو بكر الخطيب:

هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى وأشرفها لفظا وتقسيم أمير المؤمنين للناس في أوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد؛ لان الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل؛ إما أن يكون عالماً، أو متعلماً، أو مغفلاً للعلم وطلبه ليس بعالم ولا طالب له.

فالعالم الرباني : هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها، ومعنى الرباني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه، قال ابن الأعرابي: إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني.

وأما المتعلم على سبيل النجاة: فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته؛ من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه، والرغبة بنفسه عن أحمالها واطراحها، والأنفة من مجانسة البهائم،

ثم قال: وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس: من لم يكن من أهل العلم.

وأما القسم الثالث: فهم المهملون لأنفسهم الراضون بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الأسقط، والهبوط الأسفل، التي لا منزلة بعدها في الجهل، ولا دونها في السقوط، وما أحسن ما شبههم بالهمج الرعاع، وبه يشبه دناة الناس وأراذلهم، والرعاع: المتبدد المتفرق، وللناعق: الصائح؛ وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق إذا صاح بها ...

قال ابن القيم : ونحن نشير إلى بعض ما في هذا الحديث من الفوائد:

فقوله رضي الله عنه: «القلوب أوعية» يشبه القلب بالوعاء والإناء والوادي؛ لأنه وعاء للخير والشر.

وفي بعض الآثار: إن لله في أرضه آنية - وهي القلوب - فخيرها أرقُّها وأصلبُها وأصفاها؛ فهي أواني مملوءة من الخير، وأواني مملوءة من الشر؛ كما قال بعض السلف: قلوب الأبرار تغلي بالبِّر، وقلوب الفجار تغلي بالفجور.

وفي مثل هذا قيل في المثل: وكل إناء بالذي فيه ينضح. وقال تعالى: { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} شبه العلم بالماء النازل من السماء، والقلوب في سَعتها وضيقها بالأودية؛ فقلب كبير واسع يسع علما كثيرا كوادٍ كبيرٍ واسع يسع ماءا كثيراً، وقلب صغير ضيق يسع علما قليلا كواد صغير ضيق يسع ماءا قليلا...

وقوله: « فخيرها أوعاها » يراد به أسرعها وعياً، وأكثرها وأثبتها وعياً، ويراد به أيضاً أحسنُها وعياً فيكون حُسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته، ولما كان القلب وعاءا والأذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع، وعقل القلب هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حتى لايتفلت منه ...، فخير القلوب ما كان واعيا للخير ضابطا له، وليس كالقلب القاسي الذي لا يقبله؛ فهذا قلبٌ حجري، ولا كالمائع الأخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط، فتفهيم الأول كالرسم في الحَجَر، وتفهيم الثاني كالرسم على الماء، بل خيرُ القلوب ما كان لينا صلبا يقبلُ بلينه ما ينطبع فيه، ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه.

وقوله: «الناس ثلاثة ... » هذا تقسيم خاص للناس وهو الواقع فإن العبد:

إما ان يكون قد حصل كماله من العلم والعمل أو: لا.

فالأول: العالم الرباني، والثاني: إما أن تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال ساعية في إدراكه أو: لا

والثاني: هو المتعلم على سبيل النجاة.

الثالث: وهو الهمج الرعاج.

فالأول: هو الواصل، والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم.

والعالم الرباني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو المعلِّم، أخذه من التربية، أي: يربى الناس بالعلم ويربيهم به كما يربى الطفل أبوه. وقال سعيد بن جبير: هو الفقيه العليم الحكيم...

ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون عاملا بعمله معلما له.

فهذا قسم.

والقسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة؛ أي: قاصداً بعلمه النجاة، وهو المخلص في تعلمه، المتعلم ما ينفعه، العامل بما علمه، فلا يكون المتعلم على سبيل نجاة إلا بهذه الأمور الثلاثة؛ فإنه إن تعلم ما يضره ولا ينفعه لم يكن على سبيل نجاة، وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة؛ فكذلك، وإن تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة، ولهذا وصفه بكونه على السبيل أي: على الطريق التي تنجيه؛ أي: مفتش متطلع على سبيل نجاته، فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن تعلمه ليمارى به السفهاء أو يجارى به العلماء أو يصرف وجوه الناس اليه فإن هذا من أهل النار كما جاء في الحديث ... فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة، بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله من الخذلان.

القسم الثالث : المحروم المعرض؛ فلا عالم، ولا متعلم، بل همج رعاع، والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم، وأصله من ( الهمج ) جمع ( همجة ) وهو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب وأعينها فشبه همج الناس به، ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة ، والرعاع من النساء الحمقى الذين لا يعتد بهم...

وقوله: «أتباع كل ناعق» أي: من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحقٌّ هو أم باطل؟ فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يعتزلها ألو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع.

وسمى داعيهم ناعقاً تشبيها لهم بالأنعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه أين ذهب!

وهذا الذي وصفهم به أمير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق والباطل، بل الكل عندهم سواء.

وقوله رضي الله عنه: « يميلون مع كل ريح » وفي رواية: « مع كل صائح » شبّه عقولهم الضعيفة بالغُصن الضعيف، وشبه الأهوية والآراء بالرياح، والغصن يميل مع الريح حيث مالت، وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكلِّ داعٍ، ولو كانت عقولاً كاملة كانت كالشجرة الكبيرة التي لا تتلاعب بها الرياح.

وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن بالخامة من الزرع، تفيئه الريح مرّة وتقيمه أخرى، فهذا ضُرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها.

وأما مع الأهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع، فكما قيل:

تزول الجبال الرّاسيات وقلبه *** على العهد لا يلوي ولا يتغير

وقوله رضي الله عنه: «لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق» بيّن السبب الذي جعلهم بتلك المثابة؛ وهو أنه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري أين يذهب! فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت يسمعه، ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاةِ الباطل، فإن الحق متى استقر في القلب قوي به وامتنع مما يضره ويهلكه، ولهذا سمى الله الحجة العلمية سلطانا.

فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه، فإذا استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وهذان الأصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة.

وهؤلاء ليسوا من أهل البصائر الذين استضاؤا بنور العلم، ولا لجئوا إلى عالم مستبصر فقلدوه، ولا متبعين لمستبصر، فإن الرجل إما أن يكون بصيراً أو أعمى متمسكا ببصير يقوده، أو أعمى يسير بلا قائد!.


من كتاب مفتاح دار السعادة (2/403-416)

فهد الماجدي
07-28-2010, 10:29 AM
السواد الأعظم: عالِمٌ على الحق

الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
اعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض، قال عمرو بن ميمون الأودِيُّ: صحبت معاذاً باليمن، فما فارقتُه حتى واريتُه في التُّراب بالشَّام، ثم صبحتُ من بعده أفقه الناس: عبد الله ابن مسعود، فسمعته يقول: «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة»، ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول: «سيولى عليكم ولاة يؤخِّرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها؛ فهي الفريضة، وصلّوا معهم فإنها لكم نافلة»، قال: قلت: يا أصحاب محمد! ما أدري ما تحدّثون، قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي: صلِّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة، قال: «يا عمرو بن ميمون قد كنتُ أظنُّكَ من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟» قلت: لا قال: «إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحقَّ وإنْ كنتَ وحدَك»، وفي لفظ آخر: فضربَ على فخذي وقال: «ويحك! أنَّ جمهورَ الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى».وقال نُعيم بن حمَّاد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وان كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذ، ذكرهما البيهقى وغيره. وقال بعض أئمة الحديث وقد ذُكر له السواد الأعظم، فقال: أتدرى ما السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي(1) واصحابه. فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور، وجعلوهم عياراً على السنة، وجعلوا السنة بدعة، والمعروف منكراً لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار، وقالوا: منْ شذَّ شذَّ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذَّ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحداً منهم فهم الشاذون، وقد شَذَّ الناس كلهم زمن احمد بن حنبل إلا نفراً يسيراً؛ فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقُضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل واحمد وحده هو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك؛ فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل؛ فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة، وهي السبيل المهيَع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم، وينتظرها خلفهم: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم._________________(1) قال ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/70 : وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه حتى قال : ما بلغني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت بها ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك فسئل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم فقال: محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم، وصدق والله فإن العصر إذا كان فيه عارف بالسنة، داع إليها، فهو الحجة، وهو الإجماع، وهو السوار الأعظم، وهو سبيل المؤمنين، التي من فارقها واتبع سواها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.وقال: ولا يوحشنَّك من قد اقرَّ على نفسه هو و جميع أهل العلم أنه ليس من أولي العلم، فإذا ظفرتَ برجلٍ واحد من أولي العلم طالبٍ للدليل مُحَكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الألفة، ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك، والجاهل الظالم يخالفك بلا حجّة ويكفّرك أو يُبدِّعُك بلا حجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم. [ أعلام الموقعين ( 5 / 388 )]

\من كتاب إعلام الموقعين 3/397

فهد الماجدي
07-28-2010, 10:30 AM
كلُّ من آثر الدنيا فلا بد أن يقول على الله غير الحق

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

كلُّ من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبَّها؛ فلا بدَّ أن يقول على الله غيرَ الحقِّ؛ في فتواه وحكمِه، في خبرِه وإلزامِه؛ لانَّ أحكام الربِّ سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيَّما أهل الرياسة والذين يتَّبعون الشَّهوات؛ فإنَّهم لا تَتِمُّ لهم أغراضُهم إلاَّ بمخالفة الحقِّ ودفعه كثيراً؛ فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة، متَّبعين للشهوات لم يتمَّ له ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحقِّ، ولا سيَّما إذا قامت له شبهةٌ، فتتَّفقُ الشبهةُ والشهوةُ، ويثَورُ الهوى، فيَخفَى الصوابُ، ويَنطمِسُ وجهُ الحقِّ! وإن كان الحقُّ ظاهراً لا خفاءَ به ولا شبةَ فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة.

وفى هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:59].

وقال تعالى فيهم أيضا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف:169].

فاخبر سبحانه أنهم اخذوا العرضَ الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا! وان عَرضَ لهم عرضٌ آخر أخذوه؛ فهم مُصرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينُهُ! وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلافُ ذلك، أوْلا يعلمون أن ذلك دينُهُ وشرعُهُ وحكمُهُ! فتارةً يقولون على الله مالا يعلمون، وتارةً يقولون عليه ما يعلمون بطلانه!

وأمَّا الذين يتَّقون فيعلمون أنَّ الدار الآخرة خيرٌ من الدُّنيا، فلا يَحمِلُهم حبُّ الرياسة والشهوة على أن يُؤثِروا الدُّنيا على الآخرة. وطريقُ ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسُّنَّة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكَّروا في الدُّنيا وزوالها وخسَّتها، والآخرةِ وإقبالها ودوامِها.

وهؤلاء لابدَّ أنَ يبتدِعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يُعمِى عينَ القلب؛ فلا يُميِّزُ بين السنة والبدعة، أو يُنْكِسُهُ؛ فيرى البدعة سنةً والسنة بدعةً.

فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدُّنيا واتَّبعوا الرياسات والشهوات.

وهذه الآيات فيهم إلى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ۝ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

فهذا مَثَلُ عالمِ السوء الذي يعمل بخلاف علمه.

وتأمَّل ما تضمَّنته هذه الآية من ذمِّة، وذلك من وجوه:

أحدُها : انه ضَلَّ بعد العلم، واختار الكفرَ على الإيمان عمداً لا جهلاً.

وثانيها : أنه فارق الإيمان مفارقهَ من لا يعود إليه أبداً؛ فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخُ الحيَّةُ من قِشْرِها، ولو بقى معه منها شيءٌ لمَ ينسلِخْ منها.

وثالثها : أنَّ الشيطان أدرَكهُ ولحقهُ بحيثُ ظَفِرَ به وافترسَهُ، ولهذا قال فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ولم يقل: تبعهُ؛ فإنَّ في معنى فَأَتْبَعَهُ أدركه ولَحِقَه، وهو أبلغ من (تبِعَهُ) لفظاً ومعنى.

ورابعُها : أنَّه غَوَى بعد الرُّشد، والغيُّ: الضَّلالُ في العلم والقصد، وهو أخصُّ بفساد القصد والعمل؛ كما أنَّ الضَّلال أخصُّ بفساد العلم والاعتقاد؛ فإذا أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، وإن اقترنا فالفرقُ ما ذُكِر.

وخامسُها : أنَّه سبحانه لم يشأ أن يرفعهُ بالعلم، فكان سبب هلاكه؛ لأنه لم يُرفَعْ به، فصار وبالاً عليه، فلو لم يكن عالماً كان خيراً له وأخفَّ لعذابه.

وسادسُها: أنَّه سبحانه اخبر عن خِسَّةِ همَّته وأنَّه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى.

وسابعُها : أنَّ اختيارَه للأدنى لم يكن عن خاطرٍ وحديث نفس، ولكنَّهُ كان عن إخلادٍ إلى الأرض، وميل بكلِّيتِهِ إلى ما هناك، وأصلُ الإخلاد اللزومُ على الدَّوام، كأنَّه قيل: لزِم الميلَ إلى الأرض، ومن هذا يُقالُ: أخلد فلانٌ بالمكان: إذا لزم الإقامةَ به، قال مالك بن نُوَيرة.

بأبناء حي من قَبائلِ مالِكٍ ... وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخلَدوا

وعبَّرَ عن ميله إلى الدنيا بإخلادِهِ إلى الأرض؛ لأنَّ الدُّنيا هي الأرضُ وما فيها وما يُستَخرَجُ منها من الزينةِ والمتاع.

وثامنُها : أنه رَغِبَ عن هداهُ، واتَّبع هواهُ، فجعل هواهُ إماماً له يقتدي به ويتَّبِعُهُ.

وتاسعُها : أنَّه شبَّهَهُ بالكلب الذي هو أخسُّ الحيوانات هِمَّهً، وأسقطُها نفساً، وأبخلُها وأشدُّها كَلَباً، ولهذا سمي كلباً.

وعاشرُها : أنَّه شبَّه لَهَثَهُ على الدُّنيا، وعدمَ صبرِه عنها، وجَزَعَهُ لفقدها، وحرصه على تحصيلها؛ بلَهَثِ الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطَّرْدِ، وهكذا هذا: إن تُرِكَ فهو لَهْثَانُ على الدُّنيا، وإن وُعِظ وزُجِر فهو كذلك؛ فاللَّهَثُ لا يُفارِقُهُ في كلِّ حال كَلَهَثِ الكلب.

قال ابنُ قتيبة : كلُّ شيءٍ يَلهَثُ فإنَّما يَلْهَثُ من إعياءٍ أو عطش، إلاَّ الكلب؛ فإنه يلهثُ في حال الكلال وحال الراحة، وحال الرِّيِّ وحال العطش، فضربهُ الله مثلاً لهذا الكافر، فقال: إن وعظتَهُ فهو ضالٌَ، وإن تركتهُ فهو ضالٌّ؛ كالكلب؛ إن طردْتَهُ لَهَثَ، وإن تركتَهُ على حالِهِ لهَثَ.

وهذا التمثيلُ لم يَقَعْ بكلِّ كلبٍ، وإنما وقع بالكلبِ اللاهثِ، وذلك أخسُّ ما يكون وأشنعُهُ.

فهذا حالُ العالم المؤثِر الدُّنيا علي الآخرة.

وأما العابد الجاهل فآفتُهُ من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووَجْدِه وما تهواه نفسه.

ولهذا قال سفيان ابن عُيينة وغيره: احذروا فتنةَ العالم الفاجر وفتنةَ العابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتونٍ.

فهذا بجهله يَصُدُّ عن العلم وموجبه، وذاك بغيِّة يدعو إلى الفُجور.

وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۝ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:16-17].

وقصتُهُ معروفةٌ، فإنه بنى أساسَ أمرِه على عبادة الله بجهلٍ، فأوقعه الشيطانُ بجهله، وكفَّره بجهله.

فهذا إمامُ كلِّ عابدٍ جاهل؛ يَكفُرُ ولا يَدْرِي، وذاك إمام كلِّ عالم فاجرٍ يختارُ الدُّنيا على الآخرة.

وقد جعل سبحانه رِضَى العبد بالدُّنيا وطمأنينتهُ وغفلتهُ عن معرفةِ آياتِهِ وتدبُّرِها والعملِ بها سبَب شقائِهِ وهلاكه.

ولا يجتمع هذان – أعني: الرضى بالدُّنيا والغفلة عن آيات الربِّ - إلا في قلب من لا يؤمنُ بالمعاد ولا يرجو لقاء ربِّ العباد، وإلا فلو رَسَخَ قدمُهُ في الإيمان بالمعاد؛ لما رضى الدُّنيا ولا اطمأنَّ إليها ولا أعرضَ عن آيات الله.

وأنت إذا تأمَّلْتَ أحوالَ الناس وجدتَ هذا الضرب هو الغالبُ على الناس وهم عُمَّارُ الدُّنيا، وأقلُّ الناس عدداً من هو على خلاف ذلك، وهو من أشدِّ الناس غُربةً بينهم؛ لهم شأنٌ وله شأنٌ، علمُه غيرُ علومهم، وإرادتُهُ غير إرادتهم، وطريقه غير طريقهم؛ فهو في وادٍ وهم في وادٍ.

قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ۝ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس:7-8]، ثم ذكر وصف ضدَّ هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:9] فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثَهم عدَم الرِّضى بالدُّنيا والطُّمأنينة اليها ودوامَ ذكرِ آياته.

فهذه مواريثُ الإيمان بالمعاد، وتلك مواريثُ عدمِ الإيمان به والغفلة عنه.



من كتاب الفوائد ص 145

فهد الماجدي
07-28-2010, 10:32 AM
مدار الكمال الإنساني

للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله
الكمال الإنساني مداره على أصلين : معرفة الحق من الباطل، وإيثاره عليه.

وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين، وهما اللذان أثنى الله بهما سبحانه على أنبيائه بهما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [سورة ص: 45].

فالأيدي : القوة في تنفيذ الحق

والأبصار : البصائر في الدين

فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام:

فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى.

القسم الثاني : عكس هؤلاء، من لا بصيرة له في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق، وهم أكثر هذا الخلق، وهم الذين رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار.

القسم الثالث : من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه، وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.

القسم الرابع : من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة ، يحسب الورم شحما والدواء النافع سما.

وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [سورة السجدة:24] .

فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر - الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين - على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [ العصر : 1 - 3 ] .

ولم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده إليه ويحضه عليه.

وإذا كان من عدا هؤلاء فهو خاسر، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه، بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا، واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه وحدها لكانت داعية إلى تركها والبعد منها، والله المستعان.



من كتاب الداء والدواء ص: 93

فهد الماجدي
08-04-2010, 04:37 PM
لربي الحمد
(1 / 2)
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

الحمد(1) أوسع الصفات، وأعمُّ المدائح، والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرّات العالم وجزئياته وتفاصيل الأمر والنهي واسعة جداً، لأن جميع أسمائه تبارك وتعالى حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجِدَ بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله، فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر.
____________
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الحمد هو الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها". الفتاوى (8/378)
فمن الطرق الدالة على شمول معنى الحمد وانبساطه على جميع المعلومات معرفة أسمائه وصفاته، وإقرار العبد بأن للعالم إلها حيّاً جامعاً لكل صفة كمال واسم حسن، وثناء جميل، وفعل كريم، وأنه سبحانه له القدرة التامة، والمشيئة النافذة، والعلم المحيط، والسمع الذي وسع الأصوات، والبصر الذي أحاط بجميع المبصرات، والرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، والملك الأعلى الذي لا يخرج عنه ذرة من الذرات، والغنى التام المطلق من جميع الجهات، والحكمة البالغة المشهودة آثارها في الكائنات، والعزة الغالبة بجميع الوجوه والاعتبارات، والكلمات التامات النافذات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من جميع البريات، واحد لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيته، ولا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وليس له من يشركه في ذرة من ذرات مكله، أو يخلفه في تدبير خلقه، أو يحجبه عن داعيه أو مؤمليه أو سائليه، أو يتوسط بينهم وبينه بتلبيس أو فرية أو كذب كما يكون بين الرعايا وبين الملوك، ولو كان كذلك لفسد نظام الوجود وفسد العالم بأسره؛ {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، ولو كان معه آلهة أخرى كما يقوله أعداؤه المبطلون لوقع من النقص في التدبير وفساد الأمر كله ما لا يثبت معه حال ولا يصلح عليه وجود.
ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له أن جعلنا عبيدا له خاصة، ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيدا لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا، ولا يبصر أفعالنا، ولا يعلم أحوالنا، ولا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ولا وموتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا يتكلم، ولا يأمر، ولا ينهى، ولا تُرفع إليه الأيدي، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب، ولا يُرفع إليه العمل الصالح، ولا تنزل الملائكة من عنده، ولا يُحِب، ولا يُحَب، ولا يلتذ المؤمنون بالنظر إلى وجهه الكريم في دار الثواب ... فله الحمد والمنة والثناء الحسن الجميل إذ لم يجعلنا عبيدا لمن هذا شأنه؛ فنكون مضيعين ليس لنا رب نقصده، ولا صمد نتوجه إليه ونعبده، ولا إله نعوّل عليه، ولا رب نرجع إليه، بل قلوبنا تنادي في طرق الحيرة من دلنا وجمع علينا ربا ضائعا ...
فلله العظيم أعظم حمد وأتمه وأكمله على ما منَّ به من معرفته وتوحيده والإقرار بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، وإقرار قلوبنا بأنه الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، إله الأولين والآخرين، لا يزال موصوفا بصفات الجلال، منعوتا بنعوت الكمال، منزها عن أضدادها من النقائص والتشبيه والمثال، فهو الحي القيوم الذي لكمال حياته وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، مالك السموات والأرض الذي لكمال ملكه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، العالم بكل شيء الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم، فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطّلع عليها الملَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلع عليه القلب البصير، الذي لكمال بصره يرى تفاصيل خلق الذرة الصغيرة وأعضائها ولحمها ودمها ومخها وعروقها، ويرى دبيبها على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى ما تحت الأرضين السبع كما يرى ما فوق السموات السبع، السميع الذي قد استوى في سمعه سر القول وجهره، وسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه أصوات الخلق ولا تشتبه عليه، ولا يشغله منها سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه كثرة السائلين، قالت عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وإني ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله عز و جل: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }
القدير الذي لكمال قدرته يهدي من يشاء، ويُضل من يشاء، ويجعل المؤمن مؤمنا، والكافر كافرا، والبر برا، والفاجر فاجرا، وهو الذي جعل إبراهيم وآله أئمة يدعون إليه ويهدون بأمره، وجعل فرعون وقومه أئمة يدعون إلى النار، ولكمال قدرته لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء أن يعلمه إياه، ولكمال قدرته خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسه من لغوب، ولا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته بل هو في قبضته أين كان، فإن فرَّ منه فإنما يطوي المراحل في يديه كما قيل:
وكيف يفر المرء عنك بذنبه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا
ولكمال غناه استحال إضافة الولد والصاحبة والشريك والشفيع بدون إذنه إليه، ولكمال عظمته وعلوه وسع كرسيه السموات والأرض ولم تسعه أرضه ولا سماواته ولم تحط به مخلوقاته بل هو العالي على كل شيء وهو بكل شيء محيط، ولا تنفد كلماته ولا تبدل ولو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر مداداً، وأشجار الأرض أقلاماً، فكتب بذلك المداد وبتلك الأقلام لنفد المداد وفنيت الأقلام ولم تنفد كلماته.
وهو سبحانه يحب رُسله وعباده المؤمنين ويحبونه، بل لا شيء أحب إليهم منه، ولا أشوق إليهم من لقائه، ولا أقرَّ لعيونهم من رؤيته، ولا أحظى عندهم من قربه، وأنه سبحانه له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وله النعمة السابغة على خلقه، وكل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، وأنه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وأنه أفرح بتوبة عبده من واجد راحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقدها واليأس منها، وأنه سبحانه لم يكلِّف عباده إلا وِسْعهم وهو دون طاقتهم؛ فقد يطيقون الشيء ويضيق عليهم بخلاف وسعهم فإنه ما يسعونه ويسهل عليهم ويفضل قدرهم عنه كما هو الواقع.
وأنه سبحانه لا يعاقب أحداً بغير فعله، ولا يعاقبه على فعل غيره، ولا يعاقبه بترك ما لا يقدر على فعله، ولا على فعل ما لا قدرة له على تركه، وأنه حكيم كريم جواد ماجد محسن ودود صبور شكور، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر، لا أحد أصبر على أذى سمعه منه، ولا أحد أحب إليه المدح منه، ولا أحد أحب إليه العذر منه، ولا أحد أحب إليه الإحسان منه، فهو محسنٌ يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين، جميلٌ يحب الجمال، طيبٌ يحب كل الطيب، نظيفٌ يحب النظافة، عليمٌ يحب العلماء من عباده، كريمٌ يحب الكرماء، قويٌ والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بَرٌ يحب الأبرار، عدلٌ يحب أهل العدل، حيي ستير يحب أهل الحياء والستر، غفورٌ عفو يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم، صادقٌ يحب الصادقين، رفيقٌ يحب الرفق، جوادٌ يحب الجود وأهله، رحيمٌ يحب الرحماء، وترٌ يحب الوتر، ويحب أسماءه وصفاته، ويحب المتعبدين له بها، ويحب من يسأله ويدعوه بها، ويحب من يعرفها ويعقلها ويثني عليه بها ويحمده ويمدحه بها، كما في الصحيح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- لا أحد أحبَّ إِليه المَدْحُ من الله تعالى ، من أجل ذلك مَدَحَ نَفْسَهُ. ولا أحد أَغْيَرَ من الله، من أَجل ذلك حرَّمَ الفواحشَ مَا ظهرَ منها وما بَطَنَ. ولا أحد أحبَّ إِليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزلَ الكتاب، وأرسلَ الرُّسُلَ. وفي حديث آخر صحيح: لا أحد أصْبَرَ على أذى سَمِعَهُ من الله - عزَّ وجلَّ - : إِنَّهُ لَيُشْرَكُ به ، ويُجْعَل له الولدُ ، ثم يعافيهم ويرزُقُهم.
ولمحبته لأسمائه وصفاته أمر عباده بموجبها ومقتضاها؛ فأمرهم بالعدل والإحسان والبر والعفو الجود والصبر والمغفرة والرحمة والصدق والعلم والشكر والحلم والأناة والتثبت، ولمّا كان سبحانه يحب أسماءه وصفاته كان أحب الخلق إليه من اتصف بالصفات التي يحبها، وأبغضهم إليه من اتصف بالصفات التي يكرهها، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت لأن اتصافه بها ظلم؛ إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه لمنافاتها لصفات العبد، وخروج من اتصف بها من ربقة العبودية، ومفارقته لمنصبه ومرتبته، وتعديه طوره وحده، وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة الإحسان والصبر والشكر فإنها لا تنافي العبودية، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته، إذ المتصف بها من العبيد لم يتعد طوره ولم يخرج بها من دائرة العبودية.
والمقصود أنه سبحانه لكمال أسمائه وصفاته موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، له كل ثناء حسن، ولا يصدر عنه إلا كل فعل جميل، ولا يسمى إلا بأحسن الأسماء، ولا يثنى عليه إلا بأكمل الثناء، وهو المحمود المحبوب المعظم ذو الجلال والإكرام على كل ما قدره وخلقه، وعلى ما أمر به وشرعه.
ومن كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى واستقراء آثارها في الخلق والأمر رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما، وعلم بحسب معرفته ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله وما لا يفعله، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته. فإذا رأى في بعض الأحكام جوراً وظلماً أو سفهاً وعبثاً ومفسدة، أو ما لا يوجب حمدا وثناء فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه وأنه بريء منه ورسوله، فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالعبث والسفه، وإنما بعث رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة، وأمته الأمة المرحومة وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة، فلا يخبر عنه إلا بحمده ولا يثنى عليه إلا بأحسن الثناء، كما لا يسمى إلا بأحسن الأسماء.
وقد نبه سبحانه على شمول حمده لخلقه وأمره بأن حمد نفسه في أول الخلق وآخره وعند الأمر والشرع، وحمد نفسه على ربوبيته للعالمين، وحمد نفسه على تفرده بالإلهية، وعلى حياته، وحمد نفسه على امتناع اتصافه بما لا يليق بكماله من اتخاذ الولد والشريك وموالاة أحد من خلقه لحاجته إليه، وحمد نفسه على علوه وكبريائه، وحمد نفسه في الأولى والآخرة، وأخبر عن سريان حمده في العالم العلوي والسفلي، ونبه على هذا كله في كتابه، وحمد نفسه عليه، فتنوع حمده وأسباب حمده، وجمعها تارة وفرقها أخرى ليتعرف إلى عباده ويعرفهم كيف يحمدونه وكيف يثنون عليه، وليتحبب إليهم بذلك ويحبهم إذا عرفوه وأحبوه وحمدوه.
قال تعالى: {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا . قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقال وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
وقال: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقال: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}
وأخبر عن حمد خلقه له بعد فصله بينهم والحكم لأهل طاعته بثوابه وكرامته، والحكم لأهل معصيته بعقابه وإهانته: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
وأخبر عن حمد أهل الجنة له وأنهم لم يدخلوها إلا بحمده كما أن أهل النار لم يدخلوها إلا بحمده فقال عن أهل الجنة {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} و {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقال عن أهل النار {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ . وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} وقال {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} وشهدوا على أنفسهم بالكفر والظلم، وعلموا أنهم كانوا كاذبين في الدنيا، مكذبين بآيات ربهم، مشركين به، جاحدين لإلهيته، مفترين عليه، وهذا اعتراف منهم بعدله فيهم، وأخذهم ببعض حقه عليهم، وأنّه غيرُ ظالم لهم، وأنهم إنما دخلوا النار بعدله وحمده، وإنما عوقبوا بأفعالهم وبما كانوا قادرين على فعله وتركه، لا كما تقول الجبرية. وتفصيل هذه الحكمة مما لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة به، ولا إلى التعبير عنه، ولكن بالجملة فكل صفة عليا واسم حسن وثناء جميل، وكل حمد ومدح وتسبيح وتنزيه وتقديس وجلال وإكرام فهو لله عز وجل على أكمل الوجوه وأتمها وأدومها، وجميع ما يوصف به ويذكر به ويخبر عنه به فهو محامد له وثناء وتسبيح تقديس، فسبحانه وبحمده، لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه خلقه، فله الحمد أولاً وآخراً، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ورفيع مجده وعلو جده.
فهذا تنبيه على أحد نوعي حمده وهو حمد الصفات والأسماء والنوع الثاني حمد النعم والآلاء وهذا [ تجده على هذا الرابط ]
نقله لكم باختصار
ابوراشد
من كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين ص 208-218

فهد الماجدي
08-04-2010, 04:40 PM
لربي الحمد
(2 / 2)
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله
في الموضوع السابق نبه ابن القيم رحمه الله على أحد نوعي حمده وهو حمد الصفات والأسماء وهنا ينبه على النوع الثاني، فيقول:
والنوع الثاني: حمد النعم والآلاء، وهذا مشهود للخليقة برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان، وزينة في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمة مع غناه وتبغضهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كله فاتخذ لهم دارا وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسّرَ لهم الأسباب التي توصلهم إليها، وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشرا، وإن أساؤوا واستغفروه أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات، وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانا لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانته لهم لا بخلا منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرّف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسّع لهم طُرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه، وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسميهم بأحسن أسمائهم، كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} و {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} {قُلْ لِعِبَادِيَ} {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ . مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس، وطردته من سمائي، وباعدته من قربي إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريته من دوني وهم أعداء لكم، فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب وشدة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح.
وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة.
وأعلَمَ عباده أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل، وأفضل المنازل، وأجلَّ العلوم والمعارف، قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} وقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا . يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}.
ويتنصل سبحانه إلى عباده من مواضع الظِنَّة والتهمة التي نسبها إليه من لم يعرفه حق معرفته، ولا قدره حق قدره، من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السموات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية، وأنه لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم ولا ليتكثر بهم من قلة ولا ليتعزز بهم كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جوداً وإحساناً ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح، كقوله: إن {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ}
ولما أمرهم بالوضوء وبالغسل من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم، ويدخلون به عليه، ويرفع به درجاتهم، قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
وقال في الأضاحي والهدايا: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}
وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} يقول سبحانه إني غني عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق المحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة، ولا يوجب له حمداً، بل هو الغني بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقكم إنما منفعته لكم، وعائدته عليكم، ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب، وجلالته، ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح، ومخالطته لها؛ أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها من صدق الرغبة واللجأ إلى الله أن يحيي قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان، ولا يجد حلاوته، ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومن أراد مطالعة أصول النعم فليُدِم سرح الذكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه، وتعرّف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره؛ حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه، وتسليط أعدائهم عليهم، وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه ونعمه ومحنه، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره. وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا وأوراقها، ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة، ومن استقرى الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها، ومع ذلك فلله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر، ولا هجست في الضمائر، ولا لاحت لمتوسم، ولا سنحت في فكر، ففي دعاء أعرف الخلق بربه، وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: «أسأَلُك بكلِّ اسمٍ هو لكَ ، سَمَّيتَ به نفسك ، أو أنْزَلتَه في كتابك ، أَو استَأثَرْتَ به في مكنُون الغيب عندَك : أن تجعلَ القرآن ربيعَ قلبي ، وجَلاءَ هَمِّي وغَمِّي»
وفي الصحيح عنه في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدي ربه قال: «ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَىَّ وَيُلْهِمُنِى مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِى»
وكان يقول في سجوده «وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لا أُحْصِي ثَنَاء عَليك ، أنْتَ كما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»
فلا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه البتة، وله أسماء وأوصاف وحمد وثناء لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.
نقله لكم باختصار
www.aborashed.com
من كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين ص 218-225

فهد الماجدي
08-14-2010, 04:21 PM
وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

الإنسانُ - كما وصفه خالقُه - ظَلومٌ جَهولٌ؛ فلا ينبغي أن يجعلَ المعيارَ على ما يضره وما ينفعه ميلَه وحبَّه ونفرتَه وبُغضَه، بل المعيارُ علي ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه؛ فانفعُ الأشياءِ له علي الإطلاق طاعةُ ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيتُه بظاهره وباطنه؛ فإذا قام بطاعته وعبوديَّته مخلصاً له فكلُّ ما يَجري عليه مما يكرهه يكون خيراً له، وذا تخلَّي عن طاعته وعبوديته فكلُّ ما هو فيه من محبوبٍ هو شرٌّ له.

فمن صحَّتْ له معرفةُ ربه والفقهُ في أسمائه وصفاته؛ عَلِم يقيناً أن المكروهات التي تُصِيبه والمِحَن لتي تَنزل به فيها ضروبٌ من المصالح والمنافع التي لا يُحصِيها علمُه ولا فِكرتُه، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يُحِب؛ فعامةُ مصالح النفوس في مكروهاتها؛ كما أن عامةَ مَضارِّها وأسباب هَلَكَتِها في محبوباتها.

فانظُرْ إلى غارسِ جنةٍ من الجنات خبيرٍ بالفلاحة؛ غَرَسَ جنةً، وتعاهدَها بالسقي والإصلاح حتى أثمرتْ أشجارها، فاقبل عليها يَفصِلُ أوصالَها ويقطع أغصانَها لعلمه أنها لو خُلِّيتْ على حالها؛ لم تَطِبْ ثمرتُها فيُطعِّمُها من شجرة طيبة الثمرة. حتى إذا التحمتْ بها واتحدتْ وأعطتْ ثمرتَها؛ أقبل بُقلِّمُها ويقطع أغصانَها الضعيفة التي تُذهِب قوتَها، ويُذِيقُها ألمَ القطع والحديد لمصلحتها وكمالها، لتَصلُحَ ثمرتُها أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يَدَعُها ودواعي طبعِها من الشرب كلَّ وقتٍ، بل يُعطِّشُها وقتاً ويَسقِيها وقتاً، ولا يترك الماء عليها دائماً، وإن كان ذلك أنضرَ لورقها وأسرعَ لنباتها. ثم يَعمِدُ إلى تلك الزينة التي زُيِّنت بها من الأوراق، فيُلقى عنها كثيراً منها؛ لأنَّ تلك الزينة تَحُول بين ثمرتها وبين كمال نُضْجِها واستوائها؛ كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويُلقي عنها كثيراً من زينتها، وذلك عينُ مصلحتها؛ فلو أنها ذاتُ تمييزٍ وإدراك كالحيوان؛ لتوهمتْ أن ذلك إفسادٌ لها وإضرارٌ بها، وإنما هو عينُ مصلحتها.

وكذلك الأب الشفيق على ولده العالمُ بمصلحته؛ إذا رأى مصلحتَه في إخراج الدم الفاسد عنه؛ بَضَّع جلدَه وقطعَ عروقه وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءة في قطع عضوٍ من أعضائه أبانَه عنه؛ كان ذلك رحمةً به وشفقةً عليه. وإن رأى مصلحته في أن يُمسِك عنه العطاءَ لم يُعطِه ولم يُوسِّع عليه؛ لعلمِه أن ذلك أكبرُ الأسباب إلى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيراً من شهواته حِميةً له ومصلحةً لا بخلاً عليه.

فأحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعبادة منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم؛ إذا أنزل بهم ما يكرهون؛ كان خيراً لهم من أن لا يُنزِله بهم؛ نظراً منه لهم وإحساناً إليهم ولطفا بهم، ولو مُكِّنوا من الاختيار لأنفسهم لعَجَزوا عن القيام بمصالحهم علماً وإرادةً وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبيرَ أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته؛ أحبُّوا أم كرهوا. فعَرفَ ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته؛ فلم يتهموهُ في شيء من أحكامه. وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته؛ فنازعوه تدبيرَه وقَدَحُوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربهم عَرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا. والله الموفق.

ومتى ظَفِر العبدُ بهذه المعرفة سَكنَ في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يُشبِه نعيمُها إلا نعيم جنة الآخرة؛ فإنه لا يزال راضياً عن ربه، والرِّضَى جنة الدُّنيا ومُستَراحُ العارفين؛ فإنه طِيْبُ النفس بما يَجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتُها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرِّضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً، وما ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من لم يَحصُل له ذلك. وهذا الرِّضى هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسنِ اختياره؛ فكلَّما كان بذلك أعرفَ كان به أرضَي.

فقضاء الرب سبحانه في عبده دائرٌ بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يَخرُج عن ذلك البتة؛ كما قال في الدُّعاءِ المشهور: «اللهم! إني عبدك، ابنُ عبدك، أبنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحداً من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهابَ همّي وغمّي. ما قالها أحدٌ قطُّ إلاَّ أذهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ، وأبْدلهُ مكانَه فرجاً». قالوا: أفلا نتعلَّمُهنَّ يا رسول الله؟ قال: «بلى! ينبغي لمن سمعَهُن أن يتعلمَهُنَّ» [رواه مسلم].

والمقصود قوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك»، وهذا يتناول كل قضاءٍ يَقضِيه علي عبده؛ من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك؛ فهو الذي قضَى بالسبب وقضي بالمسبب، وهو عدلٌ في هذا القضاء، وهذا القضاءُ خيرٌ للمؤمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لا يَقضِي الله للمؤمن قضاءً؛ إلاَّ كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن»

قال العلامة ابن القيِّم: فسألت شيخنا [يعني شيخ الإسلام ابن تيمية] : هل يدخُلُ في ذلك قضاءُ الذنب؟ فقال: نعم بشرطه.

فأجمل في لفظه (بشرطه) ما يَترتَّبُ على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذُّلِّ والبكاءِ وغير ذلك.




من كتاب الفوائد ص 132

فهد الماجدي
08-17-2010, 11:58 PM
القصيدة النونية



الكافية الشافية
في الانتصار للفرقة الناجية




للامام ابن قيّم الجوزية



25 شعبان 1423 هجرية



برعاية
www.geocities.com/moujahedmouslem
www.islammi.8m.com
نسأل الله التوفيق




منير

بيروت، لبنان






بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة القصيدة النونية للامام ابن القيّم

الحمد لله الذي شهدت له بربوبيته جميع مخلوقاته، وأقرت له بالعبودية جميع مصنوعاته، وأدت له الشهادة جميع الكائنات أنه الله الذي لا اله الا هو بما أودعها من لطيف صنعه وبديع آياته، وسبحان الله وبحمد عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، ولا اله الا الله الأحد الصمد الذي لا شريك له في ربوبيته ولا شبيه له في افعاله ولا في صفاته ولا في ذاته والله أكبر عدد ما أحاط به علمه وجرى به قلمه ونفذ فيه حكمه من جميع برياته، ولا حول ولا قوة الا بالله تفويض عبد لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، بل هو الله والى الله في مبادئ أمره ونهاياته، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد ولا والد له، ولا مفؤ له الذي هو كما أثني على نفسه وفوق ما يثني عليه أحد من جميع برياته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأمينه على وحيه وخيرته من بريته، وسفيره بينه وبين عباده وحجته على خلقه، ارسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا، أرسله على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، ودروس من الكتب، والكفر قد اظطرمت ناره وتطايرت في الآفاق شراره، وقد استوجب أهل الأرض أن يحل بهم العقاب، وقد نظر الجبار تبارك وتعالى اليهم فمقتهم، عربهم وعجمهم، الا بقايا من أهل الكتاب.

وقد استند كل قوم الى ظلم آرائهم وحكموا على الله سبحانه وتعالى بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم، وليل الكفر مدلهم ظلامه، شديد قتامه، وسبل الحق عافية آثارها مطموسة اعلامها، ففلق الله سبحانه بمحمد صلى الله عليه وسلم صبح الايمان، فأضاء حتى ملأ الآفاق نورا، وأطلع به شمس الرسالة في حنادس الظلم سراجا منير، فهدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وبصر به من العمى وارشد به من الغيّ، وكثر به بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، واستنقذ به من الهلكة، وفتح به أعينا عميا وآذانا صمّا وقلوبا غلفا، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمّة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه وشرح الله له صدره، ورفع له ذكره ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه باسمه فإذا ذكر ذكر معه كما في الخطب والتشهد والتأذين، فلا يصح لأحد خطبة ولا تشهد ولا أذان ولا صلاة حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين، وصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع خلقه عليه، كما عرفناه بالله وهدانا اليه، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد: فإن الله جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبد بمعرفته ويجمع قلبه على محبته شرح صدره لقبول صفاته العلى وتلقيها من مشكاة الوحي، فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول وتلقاه بالرضا والتسليم وأذعن له بالانقياد فاستنار به قلبه واتسع له صدره وامتلأ به سرورا ومحبة، فعلم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى تعرف به على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلة الغذاء، أعظم ما كان اليه فاقة ومنزلة الشفاء أشد ما كان اليه حاجة، وسكن اليها قلبه، فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام عين بصيرته في رياضها وبساتينها لتيقنه بأن شرف العلم تابع لشرف معلومه، ولا معلوم أعظم وأجل ممن هذه صفته، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأن شرفه أيضا بحسب الحاجة اليه، وليست حاجة الأرواح قط الى شيء أعظم منها الى معرفة باريها وفاطرها ومحبته وذكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة اليه والزلفى عنده، ولا سبيل الى هذا الا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب واليه أقرب، وكلما كان لها أنكر كان بالله أجهل واليه أكره ومنه أبعد، والله تعالى ينزل العبد من نفسه حيث ينزله العبد من نفسه، فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضا، وعنها نافرا منفرا، فالله له أشد بغضا، وعنه أعظم اعراضا، وله أكبر مقتا، حتى تعود القلوب الى قلبين: قلب ذكر الأسماء والصفات قوته وحياته ونعيمه وقرة عينه، لو فارقه ذكرها ومحبتها لحظة لاستغاث، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فلسان حاله يقول:
يراد من القلب نسيانكم ××× وتأبى الطباع على الناقل
ويقول:
وإذا تقاضيت الفؤاد تناسيا ××× ألفيت أحشائي بذاك شحاحا
ويقول:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ××× فنترك الذكر أحيانا فننتكس

ومن المحال أن يذكر القلب من هو محارب لصفاته نافر عن سماعها معرض بكليّته عنها زاعم أن السلامة في ذلك. كلا والله ان هو الا الجهالة والخذلان، والاعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قط الى شيء أشوق منه الى معرفة ربه تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا افرح بشيء قط كفرحه بذلك وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يضرب على قلبه سرادق الاعراض عنها والنفرة والتنفير والاشتغال بما لو كان حقا لم ينفع الا بعد معرفة الله والايمان به وبصفاته وأسمائه.

والقلب الثاني قلب مضروب بسياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبته مصدود، وطريق معرفة أسمائه وصفاته كما أنزلت عليه مسدود، قد قمش شبها من الكلام الباطل وارتوى من ماء آجن غير طائل تعج منه آيات الصفات وأحاديثها الى الله عجيجا، وتضج منه الى منزلها ضجيجا بما يسومها تحريفا وتعطيلا ويؤول معانيها تغييرا وتبديلا، وقد أعد لدفعها أنواعا من العدد وهيأ لردها ضروبا من القوانين وإذا دعي الى تحكيمها أبى واستكبر وقال: تلك أدلة لفظية لا تفيد شيئا من اليقين، قد أعد التأويل جنة يتترس بها من مواقع سهام السنة والقرآن وجعل اثبات صفات ذي الجلال تجسيما وتشبيها يصد به القلوب عن طريق العلم والايمان، مزجي البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتم الرسل والأنبياء ولكنه مليء بالشكوك والشبه، والجدال والمراء، خلع عليه كلام الباطل خلعه الجهل والتجهيل، فهو يتعثر باذيال التفكير لأهل الحديث، والتبديع لهم والتضليل، قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب يتكفف أربابها، فانثنى بأخسر المواهب والمطالب، عدل عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الاحسان، فابتلى بالوقوف على الأبواب السافلة الملآنة بالخيبة والحرمان، وقد لبس جلة منسوجة من الجهل والتقليد والشبهة والعناد، فإذا بذلت له النصيحة ودعي الى الحق أخذته العزة بالاثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الايمان، وما أشد الجناية به على السنة والقرآن، وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان الى الرحمن، وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان، والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان ولهذا أمر الله في السور المكية حيث لا جهاد باليد انذارا وتعذيرا، فقال تعالى:{ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا} الفرقان 52.

وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلظة عليهم كونهم بين أظهر المسلمين في المقام والمسير، فقال تعالى:{ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} التحريم 9.

فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصومين بالهداية والتوفيق والاتفاق، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الايمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنادت الأقران النزال النزال، وهو في الملجأ والمغارات، والمدخل مع الخوالف كمين وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون اليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه اني معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأبخس الأثمان، وأن لا يعرضها غدا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبت قدميه في صفوف اهل العلم والايمان، وأن لا يتحيز الى مقالة سوى ما جاء في السنة والقرآن، فكأن قد كشف الغطاء وانجلى الغبار وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعن وجوه أهل البدعة عليها غبرة ترهقها قترة، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه اهل البدعة والفرقة والضلالة، فوالله لمفارقة أهل الأهواء، والبدع في هذه الدار أسهل من موافقتهم إذا قيل:{ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} الصافات 22.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وبعده الامام أحمد: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم، وقد قال تعالى:{ وإذا النفوس زوّجت} التكوير 7، قالوا فيجعل صاحب الحق مع نظيره في درجته، وصاحب الباطل مع نظيره في درجته، هنالك والله يعض الظالم على يديه إذا حصلت له حقيقة ما كان في هذه الدار عليه، يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا.

فصل: وكان من قدر الله وقضائه أن جمع مجلس المذاكرة بين مثبت للصفات والعلو وبين معطل لذلك، فاستطعم المعطل المثبت الحديث استطعام غير جائع اليه، ولكن غرضه عرض بضاعته عليه، فقال له ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت: نقول فيها ما قاله ربنا وتعالى وما قاله نبينا صلى الله عليه وسلم، نصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله كم غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل نثبت له سبحانه ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقات، اثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو ما وصفه به رسوله تشبيها، فالمشبّه يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد الها واحد صمدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فكما انا نثبت ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك نقول في صفاته أنها لا تشبه الصفات، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا نشبه صفات الله بصفات المخلوقين، ولا نزيل عنه سبحانه صفة من صفاته لأجل تشنيع المشنعين، وتلقيب المفترين، كما أنا لا نبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسمية الراوفض لنا نواصب، ولا نكذب بقدر الله ولا نجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية القدرية لنا مجبرة.
ولانجحد صفات ربنا تبارك وتعالى اتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهة حشوية، ورحمة الله على القائل:
فإن كان تجسيما ثبوت صفاته ××× فاني بحمد الله لها مثبت
الى:
فإن كان تجسيما ثبوت صفاته ××× لديكم فاني اليوم عبد مجسم
ورضي الله عن الشافعي حيث يقول:
ان كان رفضا حب آل محمد ××× فليشهد الثقلان إني رافضي
وقدس الله روح القائل وهو شيخ الاسلام ابن تيمية اذ يقول:
ان كان نصبا حب صحب محمد ××× فليشهد الثقلان اني ناصبي

فصل: واما القرآن فإني أقول أنه كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ واليه يعود، تكلم الله به صدقا، وسمعه جبريل حقا، وبلغه محمدا صلى الله عليه وسلم وحيا، وإن {كهيعص} مريم 1، و { حم عسق} الشورى 1، و{الر} يوسف 1، و{ق} ق1، و{ن} القلم 1، عين كلام الله حقيقة، وان الله تعالى تكلم بالقرآن العربي الذي سمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وان جميعه كلام الله، وليس قول البشر، ومن قال أنه قول البشر فقد كفر. والله يصليه سقر، ومن قال ليس لله بيننا في الأرض كلام فقد جحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله بعثه يبلغ عنه كلامه، والرسول انما يبلغ كلام مرسله، فاذا انتفي كلام المرسل انتفت رسالة الرسول، ونقول أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه تعالى اليه يصعد الكلم الطيب وتعرج الملائكة والروح اليه وإنه يدبّر الأمر من السماء الى الأرض، ثم يعرج اليه، وان المسيح رفع بذاته الى الله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج به الى الله حقيقة، وان أرواح المؤمنين تصعد الى الله عند الوفاة فتعرض عليه وتقف بين يديه، وأنه تعالى هو القاهر فوق عباده وهو العلي الأعلى وانا المؤمنين والملائكة المقربين يخافون ربهم من فوقهم، وأن أيدي السائلين ترفع اليه وحوائجهم تعرض عليه فإنه سبحانه هو العلي الأعلى بكل اعتبار، فلما سمع المعطل منه ذلك أمسك، ثم أسرّها في نفسه وخلي بشياطينه وبني جنسه وأوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا وأصناف المكر والاحتيال.

وراموا أمرا يستحمدون به الى نظرائهم من أهل البدع والضلال وعقدوا مجلسا يبيتون في مساء يومه ما لا يرضاه الله من القول والله بما يعملون محيط وأتو على مجلسهم ذلك بما قدروا عليه من الهذيان واللغظ والتخليط، وراموا استدعاء المثبت الى مجلسهم الذي عقدوه ليجعلوا نزله عند قدومه عليهم ما لفقوه من المكر وتمموه فحبس الله سبحانه عنهم أيديهم وألسنتهم فلم يتجاسروا عليه، ورد الله كيدهم قي نحورهم فلم يصلوا بالسوء اليه، وخذلهم المطاع فمزقوا ما كتبوه من المحاضر، وقلب الله قلوب أوليائه وجنده عليهم من كل باد وحاضر، وأخرج الناس لهم من المخبآت كمائنها، ومن الجوائف والمنقلات دفائنها، وقوى الله جأش عقد المثبت وثبت قلبه ولسانه، وشيد بالسنة المحمدية بنيانه، فسعى الى عقد مجلس بينه وبين خصومه عند السلطان، وحكم على نفسه كتب شيوخ القوم السالفين وأئنتهم المتقدمين، وأنه لا يستنصر من أهل مذهبه بكتاب ولا انسان وأنه جعل بينه وبينكم أقوال من قلدتموه، ونصوص من على غيره من الأئمة قدمتوه، وصرخ المثبت بذلك بين ظهرانيهم حتى بلغه دانيهم لقاصيهم، فلم يذعنوا لذلك واستعفوا من عقدة مطالبهم المثبت بواحدة من خلال ثلاث مناظر في مجلي عالم على شريطة العلم والانصاف تحضر فيه النصوص النبوية والآثار السلفية وكتب أئمتكم المتقدمين من أهل العلم والدين، فقيل لهم لا مراكب لكم تسابقون بها في هذا الميدان ومالكم بمقاومة فرسانه يدان فدعاهم الى مكاتبة ما يدعون اليه، فان كان حقا قبله وشكركم عليه وان كان غير ذلك سمعتم جواب المثبت، وتبين لكم حقيقة ما لديه، فأبوا ذلك أشد الاباء، واستعفوا غاية الاستعفاء، فدعاهم الى القيام بين الركن والمقام قياما في مواقف الابتهال حاسري الرؤوس، نسأل الله أن ينزل بأسه بأهل البدع والضلال.

وظن المثبت والله أن القوم يجيبونه الىهذا، فوطن نفسه عليه غاية التوطين، وبات يحاسب نفسه، ويعرض ما يثبته وينفيه على كلام رب العالمين، وعلى سنة خاتم الأنبياء والمرسلين، وينجرد من كل هوى يخالف الوحي المبين، ويهوي بصاحبه الى أسفل السافلين فلم يجيبوا الى ذلك أيضا، وأتوا من الأعذار بما دله على أن القوم ليسوا من أولي الأيدي والأبصار، فحينئذ شمر المثبت عن ساق عزمه وعقد لله مجلسا بينه وبين خصمه يشهده القريب والبعيد، ويقف على مضمونه الذكي والبليد وجعله عقد مجلس التحكيم بين المعطل الجاحد والمثبت المرمي بالتجسيم.

وقد خاصم في هذا المجلس بالله وحاكم اليه بريء الى الله من كل هوى وبدعة وضلالة وتحيز الى فئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان أصحابه عليه والله سبحانه هو المسؤول أن لا يكله الى نفسه ولا الى شيء مما لديه، وأن يوفقه في جميع حالاته لما يحبه ويرضاه، فإن أزكة الأمور بيديه وهو يرغب الى من يقف على هذه الحكومة أن يقوم لله قيام متجرد عن هواه قاصد لرضاء مولاه، ثم يقرؤها متفكرا ويعيدها ويبديها متدبرا، ثم يحكم فيها بما يرضي الله ورسوله وعباده المؤمنين، ولا يقابلها بالسب والشتم كفعل الجاهلين والمعاندين، فإن رأى حقا تبعه وشكر عليه، وإن رأى باطلا رده على قائله وأهدى الصواب اليه، فإن الحق لله ورسوله، والقصد أن تكون كلمة السنة هي العليا جهادا في الله وفي سبيله، والله عند لسان كل قائل وقلبه، وهو المطلع على نيته وكسبه، وما كان أهل التعطيل اولياءه، ان أولياؤه الا المتقون، المؤمنون المصدقون:{ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} التوبة 105.

فصل: وهذه أمثال حسان مضروبة للمعطل والمشبه والموحد، ذكرناها قبل الشروع في المقصود، فإن ضرب الأمثال مما يأنس به العقل لتقريبها المعقول من المشهود، وقد قال تعالى، وكلامه المشتمل على أعظم الحجج وقواطع البراهين:{ وتلك الأمثال نضربها للناس} الحشر 21.
{وما يعقلها الا العالمون} العنكبوت 43، وقد اشتمل منها على بضعة واربعين مثلا، وكان بعض السلف إذا قرأ مثلا لم يفهمه يشتد بكاؤه ويقول لست من العالمين، وسنفرد لها ان شاء الله كتابا مستقلا متضمنا لأسرارها ومعانيها وما تضمنته من كنوز العلم وحقائق الايمان، والله المستعان وعليه التكلان.

المثل الأول: ثياب المعطل ملطخة بعذرة التحريف، وشرابه متغير بنجاسة التعطيل. وثياب المشبه متضمخة بدم التشبيه وشرابه متغير بدم التمثيل، والموحد طاهر الثوب والقلب والبدن، يخرج شرابه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.

المثل الثاني: شجرة المعطل مغروسة على شفا جرف هار. وشجرة المشبه قد اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وشجرة الموحد أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.

المثل الثالث: شجرة المعطل شجرة الزقوم، فالحلوق السليمة لا تبلعها. وشجرة المشبه شجرة الحنظل، فالنفوس المستقيمة لا تتبعها. وشجرة الموحد طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.

المثل الرابع: المعطل قد أعد قلبه لوقاية الحر والبرد كبيت العنكبوت، والمشبه قد خسف بعقله، فهو يتجلجل في أرض التشبيه الى البهموت، وقلب الموحد يطوف حول العرش ناظرا الى الحي الذي لا يموت.

المثل الخامس: مصباح المعطل قد عصفت عليه أهوية التعطيل فطفيء وما أنار، ومصباح الشبه قد غرقت فتيلته في عسكر التشبيه فلا تقتبس منه الأنوار، ومصباح الموحد يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.

المثل السادس: قلب المعطل متعلق بالعدم فهو أحقر الحقير، وقلب المشبه عابد للصنم الذي نحت بالتصوير والتقدير، والموحد قلبه متعبد لمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

المثل السابع: نقود المعطل كلها زيوف فلا تروج علينا، وبضاعة المشبه كاسدة لا تنفق لدينا، وتجارة الموحد ينادي عليها يوم العرض على روؤس الأشهاد هذه بضاعتنا ردت الينا.

المثل الثامن: المعطل كنافخ الكير اما أن يحرق ثيابك واما أن ينجسك واما أن تجد منه ريحا خبيثة، والمشبه كبائع الخمر، اما أن يسكرك واما أن ينجسك، والموحد كبائع المسك انا أن يحذيك واما أن يبيعك واما أن تجد منه ريحا طيبة.

المثل التاسع: المعطل قد تخلف عن سفينة النجاة ولم يركبها فأركه الطوفان، والمشبه قد انكسرت به اللجة، فهو يشاهد الغرق بالعيان، والموحد قد ركب سفينة نوح، وقد صاح به به الربان: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها، ان ربي لغفور رحيم.

المثل العاشر: منهل المعطل كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا فرجع خاسئا حسيرا. ومشرب المسبه من ماء قد تغير طعمه ولونه وريحه بالنجاسة تغييرا، ومشرب الموحد من كأس كان مزاجها كافورا، عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا.
(وقد سميتها بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)
وهذا حين الشروع في المحاكمة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:01 AM
القصيدة النونية

حكم المحبة ثابت الأركان*** ما للصدود بفسخ ذاك يدان
أني وقاضي الحسن نفذ حكمها*** فلذا أقر بذلك الخصمان
وأتت شهود الوصل تشهد أنه*** حق جرى في مجلس الاحسان
فتأكد الحكم العزيز فلم يجد*** فسخ الوشاة اليه من سلطان
وأتى الوشاة فصادفوا الحكم الذي *** حكموا به متيقن البطلان
ماصادف الحكم المحل ولا هو استوفى الشروط فصار ذا بطلان
فلذاك قاضي الحسن أثبت محضرا *** بفساد حكم الهجر والسلوان
وحكى لك الحكم المحال ونقضه*** فاسمع اذا? يا من له أذنان
حكم الوشاة بغير ما برهان *** أن المحبة والصدود لدان
والله ما هذا بحكم مقسط *** أين الغرام وصد ذي هجران
شتان بين الحالتين فان ترد*** جمعا فما الضدان يجتمعان


يا والها هانت عليه نفسه *** اذ باعها غبنا بكل هوان
أتبيع من يهواه نفسه طائعا *** بالصد والتعذيب والهجران
أجهلت أوصاف المبيع وقدره*** أم كنت ذا جهل بذي الأثمان
واها لقلب لا يفارق طيره الأغـ*** صان قائمة على الكثبان
ويظل يسجع فوقها ولغيره *** منها الثمار وكل قطيف دان
ويبيت يبكي والمواصل ضاحك*** ويظل يشكو وهو ذو شكران
هذا ولو أن الجمال معلق*** بالنجم همّ اليه بالطيران


لله زائره بليل لم تخف*** عس الأمير ومرصد السجان
قطعت بلاد الشام ثم تيممت*** من أرض طيبة مطلع الايمان
وأتت على وادي العقيق فجاوزت*** ميقاته حلا بلا نكران
وأتت على وادي الأراك ولم يكن*** قصدا لها فألا بأن ستراني
وأتت على عرفات ثم محسر*** ومنى فكم نحرته من قربان
وأتت على الجمرات ثم تيممت*** ذات الستور وربة الأركان
هذا وما طافت ولا استلمت ولا*** رمت الجمار ولا سعت لقران


ورقت الى أعلى الصفا فتيممت*** دارا هنالك للمحث العاني
أترى الدليل أعارها أثوابه** والريج أعطتها من الخفقان
والله لو أن الدليل مكانها*** ما كان ذلك منه في امكان
هذا ولو سارت مسير الريح ما*** وصلت به ليلا الى نعمان
سارت وكان دليلها في سيره*** سعد السعود وليس بالدبران
وردت جفار الدمع وهي غزيرة*** فلذاك ما احتاجت ورود الضان
وعلت على مين الهوى وتزودت***ذكر الحبيب ووصلة المتداني


جهم بن صفوان وشيعته الألى*** جحدوا صفات الخالق الديان
بل عطلوا منه السموات العلى*** والعرش أخلوه من الرحمن
ونفوا كلام الرب جل جلاله*** وقضوا له بالخلق والحدثان


قالوا وليس لربنا سمع ولا*** بصر ولا وجه، فكيف يدان
وكذاك ليس لربنا من قدرة*** وإرادة أورحمة وحنان
كلا ولا وصف يقوم به سوى*** ذات مجردة بغير معان
وحياته هي نفسه وكلامه*** هو غيره فاعجب لهذا البهتان


وكذاك قالوا ما له من خلقه***أحد يكون خليله النفساني
وخليله المحتاج عندهم وفي*** ذا الوصف يدخل عابد الأوثان
فالكل مفتقر اليه لذاته*** في أسر قبضته ذليل عان
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ*** ـقسري يوم ذبائح القربان
اذ قال ابراهيم ليس خليله*** كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة*** لله درك من أخي قربان


والعبد عندهم فليس بفاعل*** بل فعله كتحرك الرجفان
وهبوب ريح أو تحرك نائم*** وتحرك الأشجار للميلان
والله يصليه على ما ليس من*** أفعاله حر الحميم الآن
لكن يعاقبه على أفعاله*** فيه تعالى الله ذو الاحسان
والظلم عندهم المحال لذاته*** أنى ينزه عنه ذو السلطان
ويكون مدحا ذلك التنزيه ما*** هذا بمقبول لدى الأذهان


وكذلك قالوا ماله من حكمة*** هي غاية للأمر والاتقان
ما ثم غير مشيئة قد رجحت*** مثلا على مثل بلا رجحان
هذا وما تلك المشيئة وثفه*** بل ذاته أو فعله قولان
وكلامه مذ كان غيرا كان مخـ *** ـلوقا له من جملة الأكوان


قالوا واقرار العباد بأنه*** خلاقهم هو منتهى الايمان
والناس في الايمان شيء واحد*** كالمشط عند تماثل الأسنان
فاسأل أبا جهل وسيعته ومن*** والاهم من عابدي الأثوان
وسل اليهود وكل أقلف مشرك*** عبد المسيح مقبل الصلبان
واسأل ثمود وعاد بل سل قبلهم*** أعداء نوح أمة الطوفان
واسأل أبا الجن اللعين أتعرف الـ *** خلاق أم أصبحت ذا نكران
واسأل شرار الخلق أغلى أمة*** لوطية هم ناكحو الذكران
واسأل كذاك أمام كل معطل*** فرعون مع قارون مع هامان
هل كان فيهم منكر للخالق الـ *** ـرب العظيم مكوّن الأكوان
فليبشروا ما فيهم من كافر*** هم عند جهم كاملوا الايمان


وقضى بأن الله كان معطلا***والفعل ممتنع بلا امكان
ثم استحال وصار مقدورا له*** من غير أمر قام بالديان
بل حاله سبحانه في ذاته*** قبل الحدوث وبعدها سيان


وقضى بأن النار لم تخلق ولا*** جنات عدن بل هما عدمان
فإذا هما خلقا ليوم معادنا*** فهنا على الأوقات فانيتان
وتلطف العلاف من أتباعه*** فأتى بضحكة جاهل مجان
قال الفناء يكون في الحركات لا*** في الذات واعجبا لذا الهذيان


أيصير أهل الخلد في جناتهم*** وجحيمهم كحجارة البنيان
ما حال من قد كان يغشى أهله*** عند انقضاء تحرك الحيوان
وكذاك ما حال الذي رفعت يدا*** ه أكلة من صفحة وخوان
فتناهت الحركات قبل وصولها*** للفم عند تفتح الأسنان
وكذاك ما حال الذي امتدت يدا*** منه الى قنو من القنوات
فتناهت الحراكت قبل الأخذ هل*** يبقى كذلك سائر الأزمان
تبا لهاتيك العقول فانها*** والله قد مسخت على الأبدان
تبا لمن أضحى يقدمها على ال*** آثار والأخبار والقرآن


وقضى بأن الله يعدم خلقه*** عدما ويقلبه وجودا ثان
العرش والكرسي والأرواح وال*** أملاك الأفلاك والقمران
والأرض والبحر المحيط وسائر ال*** أكوان من عرض ومن جثمان
كل سيفنيه الفناء المحض لا*** محض الوجود اعادة بزمان


هذا المعاد وذلك المبدا الذي*** جهم وقد نسبوه للقرآن
هذا الذي قاد ابن سينا والألى*** قالوا مقالته الى الكفران
لم تقبل الأذهان ذا وتوهموا *** أن الرسول عناه بالايمان
هذا كتاب الله أنى قالوا ذا*** أو عبده المبعوث بالبرهان
أو صحبه من بعده أو تابع*** لهم على الايمان والاحسان


بل صرح الوحي المبين بأنه*** حقا مغير هذه الأكوان
فيبدل الله السموات العلى*** والأرض أيضا ذات تبديلان
وهما كتبديل الجلود لساكني النـ*** ـيران عند النضج من نيران
وكذاك يقبض أرضه وسماءه*** بيديه ما العدمان مقبوضان
وتحدث الأرض التي كنا بها*** اخبارها في الحشر للرحمن
وتظل تشهد وهي عدل بالذي*** من فوقها قد أحدث الثقلان
أفيشهد العدم الذي هو كاسمه*** لا شيء، هذا ليس في الامكان


لكن تسوى ثم تبسط ثم تشـ***ـهد ثم تبدل وهي ذات كيان
وتمد أيضا مثل مد اديمنا*** من غير أودية ولا كثبان
وتقيء يوم العرض من أكبادها*** كالاسطوان نفائس الأثمان
كل يراه بعينه وعيانه*** ما لامرئ بالأخذ منه يدان
وكذا الجبال تفتّ فتا? محكما*** فتعود مثل الرمل ذي الكثبان
وتكون كالعهن الذي ألوانه*** وصباغه من سائر الألوان
وتبس بسا مثل ذاك فتنثني*** مثل الهباء لناظر الانسان


وكذا البحار فانها مسجورة*** قد فجرت تفجير ذي سلطان
وكذلك القمران يأذن ربنا*** لهما فيجتمعان يلتقيان
هذي مكوّرة وهذا خاسف*** وكلاهما في النار مطروحان
وكواكب الأفلاك تنثر كلها*** كلآلئ نثرت على ميدان
وكذا السماء تشق ظاهرا*** وتمور أيما موران
وتصير بعد الانشقاق كمثل ها*** ذا المهل أو تك وردة كدهان


والعرش والكرسي لا يفنيهما*** أيضا وأنهما لمخلوقان
والحور لا تفني كذلك جنة الـ*** مأوى وما فيها من الولدان
ولأجل هذا قال جهم انها*** عدم ولم تخلق الى ذا الآن
والأنبياء فانهم تحت الثرى*** أجسامهم حفظت من الديدان
ما للبلى بلحومهم وجسومهم*** ابدا وهم تحت التراب يدان
وكذلك الأرواح لا تبلى كما*** منه تركب خلقة الانسان
وكذاك عجب الظهر لا يبلى بل*** تبلى الجسوم ولا بلى اللحمان
ولأجل ذلك لم يقر الجهم ما ال*** ارواح خارجة عن الأبدان
لكنها من بعض أعراض بها***قامت وذا في غاية البطلان


فالشأن للأرواح بعد فراقها*** أبدانها والله أعظم شأن
إما عذاب او نعيم دائم*** قد نعمت بالروح والريحان
وتصير طيرا سارحا مع شكلها*** تجني الثمار بجنة الحيوان
وتظل واردة لانهار بها*** حتى تعود لذلك الجثمان
لكن أرواح الذين استشهدوا*** في جوف طير أخضر ريان
فلهم بذاك مزية في عيشهم*** ونعيمهم للروح والأبدان
بذلوا الجسوم أربهم فأعاضهم*** أجسام تلك الطير بالاحسان
ولها قناديل اليها تنتهي*** مأوى لها كمساكن الانسان


فالروح بعد الموت أكمل حالة*** منها بهذي الدار في جثمان
وعذاب أشقاها أشد من الذي*** قد عاينت أبصارنا بعيان
والقائلون بأنها عرض أبوا*** ذا كله تبا لذي نكران


وإذا أراد الله إخراج الورى*** بعد الممات الى المعاد الثاني
ألقى على الأرض التي هم تحتها*** والله مقتدر وذو سلطان
مطرا غليظا أيضا متتابعا*** عشرا وعشرا بعدها عشران
فتظل تنبت منه أجسام الورى*** ولحومهم كمنابت الريحان
حتى إذا ما الأم حان ولادها*** وتمخضت فنفاسها متدان
أوحى لها رب السماء فشققت*** فبدا الجنين كأكمل الشبان
وتخلت الأم الولود وأخرجت*** أثقالها أنثى ومن ذكران


والله ينشئ خلقه في نشأة*** اخرى كما قد قال في القرآن
هذا الذي جاء الكتاب وسنة الـ***ـهادي به فأحرص على الايمان
ما قال ان الله يعدم خلقه*** طرأ كقول الجاهل الحيران


وقضى بأن الله ليس بفاعل*** فعلا يقوم به بلا برهان
بل فعله المفعول خارج ذاته*** كالوصف غير الذات في الحسبان
والجبر مذهبه الذي قرت به*** عين العصاة وشيعة الشيطان
كانوا على وجل من العصيان ذا*** هو فعلهم والذنب للانسان
واللوم لا يعدوه اذ هو فاعل*** بإرادة وبقدرة الحيوان
فأراحهم جهم وشيعته من ألـ*** لوم العنيف وما قضوا بأمان
لكنهم حملوا ذنوبهم على*** رب العباد بعزة وأمان
وتبرأوا منها وقالوا انها*** أفعاله ما حيلة الانسان


ما كلف الجبار نفسا وسعها*** انى وقد جبرت على العصيان
وكذا على الطاعات أيضا قد غدت*** مجبورة فلها اذا جبران
والعبد في التحقيق شبه نعامة*** قد كلفت بالحمل والطيران
اذ كان صورتها تدل عليهما*** هذا وليس لها بذاك يدان
فلذاك قال بأن طاعات الورى*** وكذاك ما فعلوه من عصيان
هي عين فعل الرب لا أفعالهم*** فيصح عنهم عند ذا نفيان
نفي لقدرتهم عليها أولا*** وصدورها منهم بنفي ثان


فيقال ما صاموا ولا صلوا ولا*** زكوا ولا ذبحوا من القربان
وكذاك ما شربوا وما قتلوا وما*** سرقوا ولا فيهم غوي زان
وكذاك لم يأتوا اختيار منهم*** بالكفر والاسلام والايمان
الا على وجه المجاز لأنها*** قامت بهم كالطعم والألوان
جبروا على ما شاءه خلاقهم*** ما ثم ذو عون وغير معان
الكل مجبور وغير ميسر*** كالميت أدرج داخل الأكفان


وكذاك أفعال المهيمين لم تقم*** أيضا به خوفا من الحدثان
فاذا جمعت مقالتيه أنتجا*** كذبا وزورا واضح البهتان
اذ ليست الأفعال فعل إلهنا*** والرب ليس بفاعل العصيان
فإذا انتفت صفة الاله وفعله*** وكلامه وفعائل الانسان
فهناك لا خلق ولا أمر ولا*** وحي ولا تكليف عبد فان


وقضى على أسمائه بحدوثها*** وبخلقها من جملة الأكوان
فانظر الى تعطيله الأوصاف والـ*** أفعال والأسماء للرحمن
ماذا الذي في ضمن ذا التعطيل من*** نفي ومن جحد ومن كفران
لكنه أبدى المقالة هكذا*** في قالب التنزيه للرحمن
وأتى الى الكفر العظيم فصاغه*** عجلا ليفتن أمة الثيران
وكساه أنواع الجواهر والحلى*** من لؤلؤ صاف ومن عقيان
فرآه ثيران الورى فأصابهم*** كمصاب اخوتهم قديم زمان
عجلان قد فتنا العباد بصوته*** احداهما وبحرفه ذا الثاني


والناس اكثرهم فأهل ظواهر*** تبدو لهم ليسوا بأهل معان
فهم القشور وبالقشور قوامهم*** واللب خلاصة الانسان
ولذا تقسمت الطوائف قوله*** وتوارثوه ارث ذي السهمان
لم ينج من أقواله طرا? سوى*** أهل الحديث وشيعة القرآن
فتبرأوا منها براءة حيدر*** وبراءة المولود من عثمان
من كل شيعي خبيث وصفه*** وصف اليهود محللي الحيتان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:15 AM
فصل

يا أيها الرجل المريد نجاته*** إسمع مقالة ناصح معوان
كن في أمورك كلها متمسكا*** بالوحي لا بزخارف الهذيان
وانصر كتاب الله والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالفرقان
واضرب بسيف الوحي كل معطل*** ضرب المجاهد فوق كل بنان
واحمل بعزم الصدق حملة مخلص*** متجرد لله غير جبان
واثبت بصبرك تحت ألوية الهدى*** فإذا أصبت ففي رضا الرحمن


واجعل كتاب الله والسنن التي*** ثبتت سلاحك ثم صح بجنان
من ذا يبارز فليقدم نفسه*** أو من يسابق يبد في الميدان
واصدع بما قال الرسول ولا تخف*** من قلة الأنصار والأعوان
فالله ناصر دينه وكتابه*** والله كاف عبده بأمان
ولا تخش من كيد العدو ومكرهم*** فقتالهم بالكذب والبهتان
فجنود أتباع الرسول ملائك*** وجنودهم فعساكر الشيطان
شتان بين العسكرين فمن يكن*** متحيرا فلينظر الفئتان


وأثبت وقاتل تحت رايات الهدى*** واصبر فنصر الله ربك دان
واذكر مقاتلهم لفرسان الهدى*** للد رد مقاتل الفرسان
وادرأ بلفظ النص في محر العدا*** وارجمهم بثواقب الشهبان
لا تخش كثرتهم فهم همج الورى*** وذبابه أتخاف من ذبان
واشغلهم عند الجدال ببعضهم*** بعضا فذاك الحزم للفرسان
وإذا هم حملوا عليك فلا تكن*** فزعا لحملتهم ولا بجبان
واثبت ولا تحمل بلا جند فما*** هذا بمحمود لدى الشجعان


فاذا رأيت عصابة الاسلام قد*** وافت عساكرها مع السلطان
فهناك فاخترق الصفوف ولا تكن*** بالعاجز الواني ولا الفزعان
وتعر من ثوبين من يلبسهما*** يلقى الردى بمذمة وهوان
ثوب من الجهل المركب فوقه*** ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحل بالانصاف أفخر حلة*** زينت بها الأعطاف والكتفان
واجعل شعارك خشية الرحمن مع*** نصح الرسول فحبذا الأمران
وتمسكن بحبله وبوحيه*** وتوكلن حقيقة التكلان


فالحق وصف الرب وهو صراطه الـ***هادي اليه لصاحب الايمان
وهو الصراط عليه رب العرش أيـ***ضا وذا قد جاء في القرآن
والحق منصور وممتحن فلا*** تعجب فهذي سنة الرحمن
وبذاك يظهر حزبه من حزبه*** ولأجل ذاك الناس طائفتان
ولأجل ذاك الحرب بين الرسل والـ*** كفار مذ قام الورى سجلان
لكنما العقبى لأهل الحق أن *** فأتت هنا كان لدى الديان



فاجعل لقلبك هجرتين ولا تنم*** فهما على كل امرئ فرضان
فالهجرة الأولى الى الرحمن بالـ*** اخلاص في سر وفي اعلان
فالقصد وجه الله بالأقوال وال*** اعمال والطاعات والشكران
فبذاك ينجو العبد من أشراكه*** ويصير حقا عابد الرحمن
والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ*** حق المبين وواضح البرهان
فيدور مع قول الرسول وفعله*** نفيا وإثباتا بلا روغان


ويحتكم الوحي المبين على الذي*** قال الشيوخ فعنده حكمان
لا يحكمان بباطل أبدا وكل*** العدل قد جاءت به الحكمان
وهما كتاب الله أعدل حاكم*** فيه الشفا وهداية الحيان
والحاكم الثاني كلام رسوله*** ما ثم غيرهما لذي ايمان
فاذا دعوك لغير حكمهما فلا*** سمعا لداعي الكفر والعصيان
قل لا كرامة لا ولا نعمى ولا***طوعا لمن يدعو الى طغيان
وإذا دعيت الى الرسول فقل لهم*** سمعا وطوعا لست ذا عصيان


وإذا تكاثرت الخصوم وصيحوا*** فأثبت فصيحتهم كمثل دخان
يرقى الى الأوج الرفيع وبعده*** يهوي الى قعر الحضيض الداني
هذا وإن قتال حزب الله بالـ*** أعمال لا بكتائب الشجعان
والله ما فتحوا البلاد بكثرة*** أنى وأعداءهم بلا حسبان
وكذاك ما فتحوا القلوب بهذه الـ*** آراء بل بالعلم والايمان


وشجاعة الفرسان نفس الزهد في*** نفس وذا محذور كل جبان
وشجاعة الحكام والعلماء زهـ***ـد في الثناء من كل ذي بطلان
فإذا هما اجتمعا لقلب صادق*** شدت ركائبه الى الرحمن
واقصد الى الأقران لا أطرافها*** فالعز تحت مقاتل الأقران
واسمع نصيحة من له خبر بما*** عند الورى من كثرة الجولان
ما عندهم والله خير غير ما*** أخذوه عمن جاء بالقرآن
والكل بعد فبدعة أو فرية*** أو بحث تشكيك ورأي فلان


فاصدع بأمر الله لا تخش الورى*** في الله واخشاه تفز بأمان
واهجر ولو كل الورى في ذاته*** لا في هواك ونخوة الشيطان
واصبر بغير تسخط وشكاية*** واصفح بغير عتاب من هو جان
واهجرهم الهجر الجميل بلا أذى*** أن لم يكن بد من الهجران
وانظر الى الأقدار جارية بما*** قد شاء من غي ومن ايمان


واجعل لقلبك مقلتين كلاهما*** بالحق في ذا الخلق ناظرتان
فانظر بعين الحكم وارحمهم بها*** اذ لا ترد مشيئة الديان
وانظر بعين الأمر واحملهم على*** أحكامه فهما اذا نظران
واجعل لوجهك مقلتين كلاهما*** من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضا مثلهم*** فالقلب بين أصابع الرحمن


واحذر كمائن نفسك اللاتي متى*** خرجت عليك كسرت كسر مهان
واذا انتصرت لها فأنت كمن بغى*** طفي الدخان بموقد النيران
والله أخبر وهو أصدق قائل*** ان سوف ينصر عبده بأمان
من يعمل السوءى سيجزى مثلها*** أو يعمل الحسنى يفز بجنان
هذي وصية ناصح ولنفسه*** وصي وبعد سائر الاخوان


فصل

فاجلس اذا? في مجلس الحكمين للر***حمن لا للنفس والشيطان
الأول النقل الصحيح وبعده الـ ***ـعقل الصريح وفطرة الرحمن
واحكم اذا في رفقة قد سافروا*** يبغون فاطر هذه الأكوان
فترافقوا في سيرهم وتفارقوا*** عند افتراق الطرق بالحيران
فأتى فريق ثم قال وجدته*** هذا الوجود بعينه وعيان
ما ثم موجود سواه وانما*** غلط اللسان فقال موجودان


فهو السماء بعينها ونجومها*** وكذلك الأفلاك والقمران
وهو الغمام بعينه والثلج وال*** امطار مع برد ومع حسبان
وهو الهواء بعينه والماء والـ*** ترب الثقيل ونفس ذي النيران
هذي بسائطه ومنه تركبت*** هذي المظاهر ما هنا شيئان
وهو الفقير لها لأجل ظهوره*** فيها كفقر الروح للأبدان
وهي التي افتقرت اليه لأنه*** هو ذاتها ووجودها الحقاني


وتظل تلبسه وتخلعه وذا الـ***ايجاد والاعدام كل أوان
ويظل يلبسها ويخلعها وذا*** حكم المظاهر كي يرى بعيان
وتكثر الموجود كالأعضاء في ال*** محسوس من بشر ومن حيوان
أو كالقوي في النفس ذلك واحد*** متكثر قامت به الأمران
فيكون كلا هذه أجزاؤه*** هذه مقالة مدعي العرفان


أو أنها لتكثر الأنواع في*** جنس كما قال الفريق الثاني
فيكون كليا وجزئياته*** هذا الوجود فهذه قولان
أحداهما نص الفصوص وبعده*** قول ابن سبعين وما القولان
عند العفيف التلمساني الذي*** هو غاية في الكفر والبهتان
الا من الأغلاط في حس وفي*** وهم وتلك طبيعة الانسان
والكل شيء واحد في نفسه*** ما للتعدد فيه من سلطان

فالضيف والمأكون شيء واحد*** والوهم يحسب ها هنا شيئان
وكذلك الموطوء عين الوطء وال*** وهم البعيد يقول ذا اثنان
ولربما قالا مقالته كما*** قد قال قولهما بلا فرقان
وأبى سواهم ذا وقال مظاهر*** تجلوه ذات توحد ومثان
فالظاهر المجلو شيء واحد*** لكن مظاهره بلا حسبان
هذي عبارات لهم مضمونها*** ما ثم غير قط في الأعيان


فالقوم ما صانوه عن انس ولا*** جن ولا شجر ولا حيوان
كلا ولا علو ولا سفل ولا*** واد ولا جبل ولا كثبان
كلا ولا طعم ولا ريح ولا*** صوت ولا لون من الألوان
لكنه المطعوم والملبوس والـ*** مشموم والمسموع بالآذان
وكذاك قالوا أنه المنكوح والـ*** مذبوح بل عين الغوي الزاني


والكفر عندهم هدى ولو أنه*** دين المجوس وعابدي الأوثان
وقالوا ما عبدوا سواه وانما*** ضلوا بما خصوا من الأعيان
ولو أنهم عموا وقالوا كلها***معبودة ما كان من كفران
فالكفر ستر حقيقة المعبود بالـ*** تخصيص عند محقق رباني
قالوا ولم يك كافرا في قوله*** أنا ربكم فرعون ذو الطغيان
بل كان حقا قوله اذ كان عيـ***ـن الحق مضطلعا بهذا الشان
ولذا غدا تطهيره في البحر تطـ***ـهيرا من الأوهام والحسبان


قالوا ولم يك منكرا موسى لما*** عبدوه من عجل لذي الخوران
الا على من كان ليس بعابد*** معهم وأصبح ضيق الأعطان
ولذاك جر بلحية الأخ حيث لم*** يك واسعا في قومه لبطان
بل فرق الانكار منه بينهم*** لما سرى في وهمه غيران


ولقد رأى ابليس عارفهم فأهـ***ـوى بالسجود هوي ذي خضعان
قال له ماذا صنعت فقال هل*** غير الاله وانتما عميان
ما ثم غير فاسجدوا أن شئتم*** للشمس والأصنام والشيطان
فالكل عين الله عند محقق*** والكل معبود لذي العرفان
هذا هو المعبود عندهم فقل*** سبحانك اللهم ذا السبحان
يا أمة معبودها موطوؤها*** أين الاله وثغرة الطعان
يا أمة قد صار من كفرانها*** جزء يسير جملة جملة الكفران

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:16 AM
فصل
في قدوم ركب آخر

وأتى فريق ثم قال وجدته*** بالذات موجودا بكل مكان
هو كالهواء بعينه لا عينه***ملأ الخلاء ولا يرى بعيان
والقوم ما صانوه عن بئر ولا*** قبر ولا وحش ولا أعطان
بل منهم من قد رأى تشبيهه*** بالروح داخل هذه الأبدان
ما فيهم ما قال ليس بداخل*** أو خارج عن جملة الأكوان
لكنهم حاموا على هذا ولم*** يتجاسروا من عسكر الايمان
وعليهم رد الأئمة أحمد*** وصحابه من كل ذي عرفان
فهم الخصوم لكل صاحب سنة*** وهم الخصوم لمنزل القرآن
ولهم مقالات ذكرها أصولها*** لما ذكرت الجهم في الأوزان


فصل
في قدوم ركب آخر

وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا ولكن جد في الكفران
فأسر قول معطل ومكذب*** في قالب التنزيه للرحمن
اذ قال ليس بداخل فينا ولا*** هو خارج عن جملة الأكوان
بل قال ليس ببائن عنها ولا***فيها ولا هو عينها ببيان
كلا ولا فوق السموات العلى*** والعرش من رب ولا رحمن
والعرش ليس عليه معبود سوى العـ***ـدم الذي لا شيء في الأعيان
بل حظه من ربه حظ الثري*** منه وحظ قواعد البنيان
لو كان فوق العرش كان كهذه الـ*** أجسام سبحان العظيم الشأن


ولقد وجدت لفاضل منهم مقا***ما قامه في الناس منذ زمان

قال اسمعوا يا قوم أن نبيكم*** قد قال قولا واضح البرهان
لا تحكموا بالفضل لي أصلا على*** ذي النون يونس ذلك الغضبان
هذا يرد على المجسم قوله*** الله فوق العرش والأكوان
ويدل أن الهنا سبحانه*** وبحمد يلقى بكل مكان
قالوا له بين لنا هذا فلم*** يفعله فأعطوه من الأثمان
الفا من الذهب العتيق فقال في*** تبيانه فاسمع لذا التبيان
قد كان يونس في قرار البحر تحـ***ـت الماء في قبر من الحيتان
ومحمد صعد السماء وجاوز الـ***ـسبع الطباق وجاز كل عنان
وكلاهما في قربه من ربه*** سبحانه إذ ذاك مستويان
فالعلو والسفل الذان كلاهما*** في بعده من ضدع طرفان
أن ينسبا لله نزه عنهما*** بالاختصاص بل هما سيان
في قرب من أضحى مقيما فيهما*** من ربه فكلاهما مثلان
فلأجل هذا خص يونس دونهم*** بالذكر تحقيقا لهذا الشان
فأتى الثناء عليه من أصحابه*** من كل ناحية بلا حسبان


فاحمد الهك أيها السني اذ*** عافاك من تحريف ذي بهتان
والله ما يرضى بهذا خائف*** من ربه أمسى على الايمان
هذا هو الالحاد حقا بل هو التحـ***ـريف محضا أبرد الهذيان
والله ما بلي المجسم قط بمثل ذ*** ي البلوى ولا أمسى بذي الخذلان
أمثال ذا التأويل أفسد هـ***ـذه الأديان حين سرى الى الأديان
والله لولا الله حافظ دينه*** لتهدمت منه قوى البنيان


فصل

وأتى فريق ثم قارب وصفه*** هذا وزاد عليه في الميزان
قال اسمعوا يا قوم لا تلهيكم*** هذي الأماني هن شر أماني
اتعبت راحلتي وكلت مهجتي*** وبذلت مجهودي وقد أعياني
فتشت فوق وتحت ثم امامنا*** ووراء ثم يسار مع أيمان
ما دلني أحد عليه هنا كم*** كلا ولا بشر اليه هداني
الا طوائف بالحديث تمسكت*** تعزي مذاهبها الى القرآن


قالوا الذي تبغيه فوق عباده*** فوق السماء فوق كل مكان
وهو الذي حقا على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان
واليه يصعد كل قول طيب*** واليه يرفع سعي ذي الشكران
والروح والأملاك منه تنزلت*** واليه تعرج عند كل أوان
واليه أيدي السائلين توجهت*** نحو العلو بفطرة الرحمن
واليه قد عرج الرسول فقدرت*** من قربه من ربه قوسان


واليه قد رفع المسيح حقيقة*** ولسوف ينزل كي يرى بعيان
واليه تصعد روح كل مصدق*** عند الممات فتنثني بأمان
واليه آمال العباد توجهت*** نحو العلو بلا تواصي ثان
بل فطرة الله التي لم يفطروا*** ألا عليها الخلق والثقلان
ونظير هذا أنهم فطروا على*** اقرارهم لا شك بالديان
ولكن أولوا التعطيل منهم أصبحوا*** مرضى بداء الجهل والخذلان


فسألت عنهم رفقتي وأحبتي*** أصحاب جهم حزب جنكيز خان
من هؤلاء ومن يقال لهم فقد*** جاءوا بأمر مالئ الآذان
ولهم علينا صولة ما صالها*** ذو باطل بل صاحب البرهان
أو ما سمعتم قولهم وكلامهم***مثل الصواعق ليس ذا لجبان
جاءوكم من فوقكم وأتيتم*** من تحتهم ما أنتم سيان
جاءكم بالوحي لكن جئتم*** بنحاتة الأفكار والأذهان


قالوا مشبهة ومجسمة فلا*** تسمع مقال مجسم حيوان
والعنهم لعنا كبيرا واغزهم*** بعساكر التعطيل غير جبان
واحكم بسفك دمائهم وبحبسهم*** أو لا فشردهم عن الأوطان
حذر صحابك منهم فهم أضل*** من اليهود وعابدي الصلبان
واحذر تجادلهم بقال الله أو*** قال الرسول فتنثني بهوان
أني وهم أولى به قد أنفذوا*** فيه قوى الأذهان والأبدان
فاذا ابتليت بهم فغالطهم على التأ***ويل للأخبار والقرآن
وكذاك غالطهم على التكذيب للـ***آحاد ذان لصحبنا أصلان


أوصى بها أشياخنا أشياخهم*** فاحفظهما بيديك والأسنان
واذا اجتمعت وهو بمشهد مجلس*** فابدر بايراد وشغل زمان
لا يملكوه عليك بالآثار والـ*** أخبار والتفسير للفرقان
فتصير ان وافقت مثلهم وان*** عارضت زنديقا أخا كفران
واذا سكت يقال هذا جاهل*** فابدر ولو بالفشر والهذيان
هذا الذي والله أوصانا به*** أشياخنا في سالف الأزمان


فرجعت من سفري وقلت لصاحبي*** ومطيتي قد آذنت بحران
عطل ركابك واسترح من سيرها*** ما ثم شيء غير ذي الأكوان
لو كان للأكوان رب خالق*** كان المجسم صاحب البرهان
أو كأن رب بائن عن الورى*** كأن المجسم صاحب الايمان
ولكان عند الناس أولى الخلق بال*** اسلام والايمان والاحسان
ولكان هذا الحزب فوق رؤوسهم*** لم يختلف منهم عليه اثنان


فدع التكاليف التي حملتها*** واخلع عذارك وارم بالأرسان
ما ثم فوق العرش من رب ولم*** يتكلم الرحمن بالقرآن
لو كان فوق العرش رب ناظر*** لزم التحيز وافتقار مكان
لو كان ذا القرآن عين كلامه*** حرفا وصوتا كان ذا جثمان
فإذا انتفى هذا وهذا ما الذي*** يبقى على ذا النفي من ايمان
فدع الحلال مع الحرام لأهله*** فهما السياج لهم على البستان
فاخرقه ثم ادخل ترى في ضمنه*** قد هيئت لك سائر الألوان
وترى بها ما لا يراه محجب*** من كل ما تهوى به زوجان
واقطع علائقك التي قد قيدت*** هذا الورى من سالف الأزمان
لتصير حرا لست تحت أوامر*** كلا ولا نهي ولا فرقان


لكن جعلت حجاب نفسك اذ ترى*** فوق السماء للناس من ديان
لو قلت ما فوق السماء مدبر*** والعرش نخليه من الرحمان
والله ليس مكلما لعباده*** كلا ولا متكلما بقرآن
ما قال قط ولا يقول ولا له*** قول بدا منه الى انسان
لحللت طلسمه وفزت بكنزه*** وعلمت أن الناس في هذيان


لكن زعمت بان ربك بائن*** من خلقه اذ قلت موجودان
وزعمت أن الله فوق العرش والكرسي*** حقا فوقه القدمان
وزعمت أن الله يسمع خلقه*** ويراهم من فوق سبع ثمان
وزعمت أن كلامه منه بدا*** واليه يرجع آخر الأزمان
ووصفته بالسمع والبصر الذي*** لا ينبغي الا لذي الجثمان
ووصفته بارداة وبقدرة*** وكراهة ومحبة وحنان
وزعمت أن الله يعلم كل ما*** في الكون من سر ومن اعلان
والعلم وصف زائد عن ذاته*** عرض يقوم بغير ذي جثمان

وزعمت أن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه ندا الرحمن
أفتسمع الآذان غير الحروف والصـ***ـوت الذي خصت به الأذنان
وكذا النداء فانه صوت باجمـ***ـاع النحاة وأهل كل لسان
لكنه صوت رفيع وهو ضد*** للنجاء كلاهما صوتان
فزعمت أن الله ناداه ونا***جاه وفي ذا الزعم محذوران
قرب المكان وبعده والصوت بل***نوعاه محذوران ممتنعان


وزعمت أن محمدا أسرى به*** ليلا اليه فهو منه دان
وزعمت أن محمدا يوم اللقا*** يدنيه رب العرش بالرضوان
حتى يرى المختار حقا قاعدا*** معه على العرش الرفيع الشان
وزعمت أن لعرشه أطا به*** كالرحل أطّ براكب عجلان
وزعمت أن الله أبدى بعضه*** للطور حتى عاد كالكثبان
لما تجلى يوم تكليم الرضى*** موسى الكليم مكلم الرحمن
وزعمت للمعبود وجها باقيا*** وله يمين بل زعمت يدان
وزعمت أن يديه للسبع العلى*** والأرض يوم الحشر قابضتان


وزعمت أن يمينه ملآى من الخيرات*** ما غاضت على الأزمان
وزعمت أن العدل في الأخرى بها*** رفع وخفض وهو بالميزان
وزعمت أن الخلق طرا? عنده*** يهتز فوق أصابع الرحمن
وزعمت أيضا أن قلب العبد ما*** بين اثنتين من أصابع عان
وزعمت أن الله يضحك عندما*** يتقابل الصفان يقتتلان
من عبده يأتي فيبدي نحره***لعدوه طلبا لنيل جنان
وكذاك يضحك عندما يثب الفتى*** من فرشه لتلاوة القرآن
وكذاك يضحك من قنوط عباده*** اذ أجدبوا والغيث منهم دان


وزعمت أن الله يرضى عن أولى*** الحسنى ويغضب من اولى العصيان
وزعمت أن الله يسمع صوته*** يوم المعاد بعيدهم والداني
لما يناديهم أنا الديان لا*** ظلم لدي فيسمع الثقلان
وزعمت أن الله يشرق نوره*** في الأرض يوم الفصل والميزان
وزعمت أن الله يكشف ساقه*** فيخر ذاك الجمع للأذقان
وزعمت أن الله يبسط كفه*** لمسيئنا ليتوب من عصان
وزعمت أن يمينه تطوى السما*** طي السجل على كتاب بيان


وزعمت أن الله ينزل في الدجى*** في ثلث ليل آخر أو ثان
فيقول هل من سائل فأجيبه*** فأنا القريب أجيب من ناداني
وزعمت أن له نزولا ثانيا*** يوم القيامة للقضاء الثاني
وزعمت أن الله يبدو جهرة*** لعباده حتى يرى بعيان
بل يسمعون كلامه ويرونه*** فالمقلتان اليه ناظرتان
وزعمت ان لربنا قدما وأن*** الله واضعها على النيران
فهناك يدنو بعضها من بعضها*** وتقول قط قط حاجتي وكفاني


وزعمت أن الناس يوم مزيدهم*** كل يحاضر ربه ويداني
بالحاء مع ضاد وجامع صادها*** وجهان في ذا اللفظ محفوظان
في الترمذي ومسند وسواهما*** من كتب تجسيم بلا كتمان
ووصفته بصفات حي فاعل*** بالاختيار وذانك الأصلان
أصل التفرق بين هذا الخلق فـ***ـي الباري فكن في النفي غير جبان
أو لا فلا تلعب يدينك ناقضا*** أو ثالث متناقض صنفان
فالناس بين معطل أو مثبت*** نفيا باثبات بلا فرقان
والله لست برابع لهم بلى*** اما حمارا أو من الثيران


فاسمع بانكار الجميع ولا تكن*** متناقضا رجلا له وجهان
أو لا ففرق بين ما أثبته*** ونفيته بالنص والبرهان
فالباب باب واحد في النفي*** والاثبات في عقل وفي ميزان
فمتى أقر ببعض ذلك مثبت*** لزم الجميع أو ائت بالفرقان
ومتى نفى شيئا وأثبت مثله*** فمجسم متناقض ديصان
فذروا المراء وصرحوا بمذاهب*** القدماء وانسلخوا من الايمان
أو قاتلوا مع أمة التجسيم والتشـ***ـبيه تحت لواء ذي القرآن
أو لا فلا تتلاعبوا بعقولكم*** وكتابكم وبسائر الأديان
فجميعها قد صرحت بصفاته*** وكلامه وعلوه ببيان
والناس بين مصدق أو جاحد*** أو بين ذلك أو شبيه أتان


فأصنع من التنزيه ترسا محكما*** وانف الجميع بصنعة وبيان
وكذاك لقب مذهب الاثبات*** بالتجسيم ثم احمل على الاقران
فمتى سمحت لهم بوصف واحد*** حملوا عليك بحملة الفرسان
فصرعت صرعة من غدا متلطيا*** وسط العرين ممزق اللحمان
فلذاك أنكرنا الجميع مخافة*** التجسيم ان صرنا الى القرآن
ولذا خلعنا ربقة الأديان من*** أعناقنا في سالف الأزمان


ولنا ملوك قاوموا الرسل الالى***جاءوا باثبات الصفات كمان
في آل فرعون وهامان وقا***رون ونمرود وجنكيز خان
ولنا الأئمة كالفلاسفة الألى*** لم يعبأوا أصلا بذي الأديان
منهم أرسطو ثم شيعته الى*** هذا الأوان وعند كل أوان
ما فيهم من قال ان الله فو***ف العرش خارج هذه الأكوان
كلا ولا قالوا بأن الهنا*** متكلم بالوحي والقرآن
ولأجل هذا رد فرعون على*** موسى ولم يقدر على الايمان
اذ قال موسى ربنا متكلم*** فوق السماء وأنه متداني


وكذا ابن سينا لم يكن منكم ولا*** أتباعه بل صانعوا بدهان
وكذلك الطوسي لما أن غدا*** ذا قدرة لم يخش من سلطان
قتل الخليفة والقضاة وحاملي الـ*** قرآن والفقهاء في البلدان
اذ هم مشبهة مجسمة وما*** دانوا بدين أكبار اليونان
ولنا الملاحدة الفحول أئمة التـ*** ـعطيل والتسكين آل سنان
ولنا تصانيف بها غالبتم*** مثل الشفا ورسائل الاخوان
وكذا الاشارات التي هي عندكم*** قد ضمنت لقواطع البرهان


قد صرحت بالضد مما جاء في التـ***وراة والانجيل والفرقان
هي عندكم مثل النصوص وفوقها*** في حجة قطيعة وبيان
واذا تحاكمنا فإن اليهم*** يقع التحاكم لا الى القرآن
اذ قد تساعدنا بأن نصوصه*** لفظية عزلت عن الايقان
فلذاك حكمنا عليه وأنتم*** قول المعلم أولا والثاني


يا ويح جهم وابن درهم والألى*** قالوا بقولها من الخوران
بقيت من التشبه فيه بقية*** نقضت قواعده من الأركان
بنفي الصفات مخافة التجسيم لا*** يلوي على خبر ولا قرآن
ويقول أن الله يسمع أو يرى*** وكذلك يعلم سر كل جنان
ويقول أن الله قد شاء الذي*** هو كائن من هذه الأكوان
ويقول أن الفعل مقدور له*** والكون ينسبه الى الحدثان
وينفيه التجسيم يصرح في الورى*** والله ما هذان متفقان
لكننا قلنا محال كل ذا*** حذرا من التجسيم والامكان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:17 AM
فصل

وأتى فريق ثم قال ألا اسمعوا***قد جئتكم من مطلع الايمان
من أرض طيبة من مهاجر أحمد*** بالحق والبرهان والتبيان
سافرت في طلب الاله فدلني ال*** هادي عليه ومحكم القرآن
مع فطرة الرحمن جل جلاله*** وصريح عقلي فاعقلي ببيان
فتوافق الوحي الصريح وفطرة الـ***ـرحمن والمعقول في أيماني
شهدوا بأن الله جل جلاله*** متفرد بالملك والسلطان
وهو الاله الحلق لا معبود الا*** وجه الأعلى العظيم الشان
بل كل معبود سواه فباطل*** من عرشه حتى الحضيض الداني


وعبادة الرحمن غاية حبه*** مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر***ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله*** لا بالهوى والنفس والشيطان
فقيام دين الله بالاخلاص والا***حسان انهما له أصلان
لم ينج من غضب الاله وناره *** الا الذي قامت به الأصلان
والناس بعد فمشرك بالهه***أو ذو ابتداع أو له الوصفان
والله لا يرضى بكثرة فعلنا*** لكن بأحسنه مع الايمان
فالعارفون مرادهم إحسانه*** والجاهلون عموا عن الاحسان


وكذا قد شهدوا بأن الله ذو*** سمع وذو بصر هما صفتان
وهو العلي يرى ويسمع خلقه*** من فوق عرش فوق ست ثمان
فيرى دبيب النمل في غسق الدجى*** ويرى كذلك تقلب الأجفان
وضجيج أصوات العباد بسمعه*** ولديه لا يتشابه الصوتان
وهو العليم بما يوسوس عبده*** في نفسه من غير نطق لسان
بل يستوي في علمه الداني مع الـ*** قاصي وذو الأسرار والاعلان
وهو العليم بما يكون غدا وما*** قد كان والمعلوم في ذا الآن
وبكل شيء لم يكن لو كان كيـ***ـف يكون موجودا لدى الأعيان


وهو القدير فكل شيء فهو مقـ*** دور له طوعا بلا عصيان
وعموم قدرته تدل بأنه *** هو خالق الأفعال للحيوان
هي خلقه حقا وأفعال لهم*** حقا ولا يتناقض الأمران
لكن أهل الجبر والتكذيب با***لاقدار ما انفتحت لهم عينان
نظروا بعيني أعور اذ فاتهم*** نظر البصير وغرات العينان
فحقيقة القدر الذي حار الورى*** في شأنه هو قدرة الرحمن
وأستحسن بن عقيل ذا من أحمد*** لما حكاه عن الرضا الرباني
قال الامام شفا القلوب بلفظه*** ذات اختصار وهي ذات بيان


فصل

وله الحياة كمالها فلأجل ذا***ما للمات عليه من سلطان
وكذلك القيّوم من أوصافه*** ما للمنام لديه من غشيان
وكذاك أوصاف الكمال جميعها*** ثبتت له ومدارها الوصفان
فمصحح الأوصاف والأفعال والأ***سماء حقا ذانك الوصفان
ولأجل ذا جاء الحديث بأنه*** في آية الكرسي وذي عمران
اسم الاله الأعظم اشتملا على اسـ***ـم الحي والقيوم مقترنان
فالكل مرجعها الى الاسمين يد**ري ذاك ذو بصر بهذا الشان


وله الارادة والكراهة والرضا*** وله المحبة وهو ذو الاحسان
وله الكمال المطلق العاري عن التـ***ـشبيه والتمثيل بالانسان
وكمال من أعطى الكمال لنفسه*** أولى وأقدم وهو أعظم شان
أيكون قد أعطى الكمال لنفسه*** أولى وأقدم أذاك ذو امكان
أيكون انسان سميعا مبصرا*** متكلما بمشيئة وبيان
وله الحياة وقدرة وإرادة*** والعلم بالكلي والأعيان
والله قد أعطاه ذاك ليس هـ***ـذا وصفه فاعجب من البهتان


والله ربي لم يزل متكلما*** وكلامه المسموع بالآذان
صدق وعدلا أحكمت كلماته*** طلبا واخبار بلا نقصان
ورسوله قد عاذ بالكلمات من*** لدغ ومن عين ومن شيطان
ايعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ*** اشراك وهو معلم الايمان
بل عاذ بالكلمات وهي صفاته*** سبحانه ليست من الأكوان
وكذلك القرآن عين كلامه المـ***ـسموع منه حقيقة ببيان
هو قول ربي كله لا بعضه*** لفظا ومعنى ما هما خلقان
تنزيل رب العالمين وقوله*** اللفظ والمعنى بلا روغان


لكن أصوات العباد وفعلهم*** كمدادهم والرق مخلوقان
فالصوت للقاري ولكن الكلا***م كلام رب العرش ذي الاحسان
هذا اذا ما كان ثم وساطة*** كقراءة المخلوق للقرآن
فإذا انتفت تلك الوساطة مثل ما*** قد كلم المولود من عمران
فهنالك المخلوق نفس السمع لا*** شيء من المسموع فافهم ذان
هذا مقالة أحمد ومحمد*** وخصومهم من بعد طائفتان
احداهما زعمت بأن كلامه*** خلق له ألفاظ ومعاني
والآخرون أبوا وقالوا شطره*** خلق وشطر قام بالرحمن


زعموا القرآن عبارة وحكاية*** قلنا كما زعموه قرآنان
هذا الذي نتلوه مخلوق كما*** قال الوليد وبعده الفئتان
والآخر المعنى القديم فقائم*** بالنفس لم يسمع من الديان
والأمر عين النهي واستفهامه*** هو عين اخبار وذو حدان
وهو الزبور وعين توراة وانـ***ـجيل وعين الذكر والفرقان
الكل شيء واحد في نفسه*** لا يقبل البعيض في الأذهان
ما ان له كل ولا بعض ولا*** حرف ولا عربي ولا عبراني


ودليلهم في ذاك بيت قاله*** فما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في*** معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
ولأجل ذا جعلوا المسيح الههم*** اذ قيل كلمة خالق رحمن
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا*** هوتا قديما بعد متحدان
ونظير هذا من يقول كلامه*** معنى قديم غير ذي حدثان
والشطر مخلوق وتلك حروفه*** ناسوته لكن هما غيران
فانظر الى ذاك الاتفاق فانه*** عجب وطالع سنة الرحمن


وتكايست أخرى وقالت ان ذا*** قول محال وهو خمس معان
وتلك التي ذكرت ومعنى جامع*** لجميعها كالأس للبنيان
فيكون أنواعا وعند نظيرهم*** أوصافه وهما فمتفقان
أن الذي جاء الرسول به لمخـ***ـلوق ولم يسمع من الديان
والخلف بينهم فقيل محمد*** أنشاه تعبيرا عن القرآن
والاخرون أبو وقالوا انما*** جبريل أنشاه عن المنان


وتكايست أخرى وقالت أنه*** نقل من اللوح الرفيع الشأن
فاللوح مبدؤه ورب اللوح قد*** أنشأه خلقا فيه ذا حدثان
هذا مقالات لهم فانظر ترى*** في كتبهم يا من له عينان
لكن أهل الحق قالوا انما*** جبريل بلغه عن الرحمن
القاه مسموعا له من ربه*** للصادق المصدوق بالبرهان


فصل
في مجامع طرق أهل الأرض واختلافهم في القرآن

واذا أردت
مجامع الطرق التي*** فيها افتراق الناس في القرآن
فمدارها أصلان قام عليهما*** هذا الخلاف هما له ركنان
هل قوله بمشيئة أم لا وهل*** في ذاته أم خارج هذان
أصل اختلاف جميع أهل الأرض في*** القرآن فاطلب مقتضى البرهان
ثم الالى قالووا بغير مشيئة*** وارادة منه فطائفتان
احداهما جعلته معنى قائما*** بالنفس أو قالوا بخمس معان
والله أحدث هذه الألفاظ كي*** تبديه معقولا الى الأذهان



وكذاك قالوا أنها ليست هي الـ*** ـقرآن بل دلت على القرآن
ولربما سمي بها القرآن تسـ***ـمية المجاز وذاك وضع ثان
وكذلك اختلفوا فقيل حكاية*** عنه وقيل عبارة لبيان
اذ كان ما يحكي كمحكي وهـ***ـذا اللفظ والمعنى فمختلفان
ولذا يقال حكى الحديث بعينه*** اذ كان أوله نظير الثاني
فلذاك قالوا لا نقول حكاية*** ونقول ذاك عبارة الفرقان
والآخرون يرون هذا البحث لفـ***ـظيا وما فيه كبير معان


فصل
في مذهب الاقترانية

والفرقة الأخرى فقالت انه*** لفظا ومعنى ليس ينفصلان
واللفظ كالمعنى قديم قائم*** بالنفس ليس بقابل الحدثان
فالسين عند الباء لا مسبوقة*** لكن هما حرفان مقترنان
والقائلون بهذا يقولون انما*** ترتيبها بالسمع والآذان
ولها اقتران ثابت لذواتها*** فأعجب لذا التخليط والهذيان


لكن زاغونيهم قد قال ان*** ذواتها ووجودها غيران
فترتبت بوجودها لا ذاتها*** يا للعقول وزيغة الأذهان
ليس الوجود سوى حقيقتها لذي الـ***أذهان بل في هذه الأعيان
لكن اذا أخذ الحقيقة خارجا*** ووجودها ذهنا فمختلفان
والعكس أيضا مثل ذا فإذا هما*** اتحدا اعتبارا لم يكن شيئان
وبذا يزول جميع أشكالاتهم*** في ذاته ووجوده الرحمن


فصل
في مذاهب القائلين بأنه متعلق بالمشيئة والارادة

والقائلون بأنه بمشيئته وارادة أيضا فهم صنفان
احداهما جعلته خارج ذاته*** كمشيئة للخلق والأكوان
قالوا وصار كلامه باضافة الـ*** تشريف مثل البيت ذي الأركان
ما قال عندهم ولا هو قائل*** والقول لم يسمع من الديان
فالقول مفعول لديهم قائم*** بالغير كالأعراض والأكوان
هذي مقالة كل جهمي وهم*** فيها الشيوخ معلم الصبيان


لكن أهل الاعتزال قديمهم*** لم يذهبوا ذا المذهب الشيطاني
وهم الالى اعتزلوا عن الحسن الر***ضي البصري ذاك العالم الرباني
وكذاك أتباع على مناهجهم*** من قبل جهم صاحب الحدثان
لكنما متأخروهم بعد ذا***لك وافقوا جهما على الكفران
فهم بذا جهمية أهل اعتزا***ل ثوبهم أضحى له علمان
ولقد تقلد كفرهم خمسون في*** عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الامام حكاه عنـ***ـهم بل حكاه قبله الطبراني


فصل
في مذهب الكرامية

والقائلون بأنه بمشيئة*** في ذاته أيضا فهم نوعان
إحداهما جعلته مبدوءا به*** نوعا حذار تسلسل الأعيان
فيسد ذاك عليهم في زعمهم*** اثبات خالق هذه الأكوان
فلذاك قالوا أنه ذو أول*** ما للفناء عليه من سلطان
وكلامه كفعاله وكلاهما*** ذو مبدأ بل ليس ينتهيان


قالوا ولم ينصف خصوم جعجعوا*** وأتوا بتشنيع بلا برهان
قلنا كما قالوه في أفعاله*** بل بيننا بون من الفرقان
بل نحن أسعد منهم بالحق اذ*** قلنا هما بالله قائمتان
وهم فقالوا لم يقم بالله لا*** فعل ولا قول فتعطيلان
لفعاله ومقاله شرا وأبـ***طل من حلول حوادث ببيان
تعطيله عن فعله وكلامه*** شر من التشنيع بالهذيان
هذي مقالات ابن كرام وما*** ردوا عليه قط بالبرهان
أني وما قد قال أقرب منهم*** للعقل والآثار والقرآن
لكنهم جاءوا له بجعاجع*** وفراقع وقعاقع بشمان


فصل
في ذكر مذهب أهل الحديث

والآخرون أولو الحديث كأحمد*** ومحمد وأئمة الايمان
قالوا بأن الله حقا لم يزل*** متكلما بمشيئة وبيان
ان الكلام هو الكمال فكيف يخـ*** لو عنه في أزل بلا أمكان
ويصير فيما لم يزل متكلما*** ماذا اقتضاه له من الامكان
وتعاقب الكلمات أمر ثابت*** للذات مثل تعاقب الأزمان
والله رب العرش قال حقيقة*** حم مع طه بغير قران
بل أحرف مترتبات مثل ما*** قد رتبت في مسمع الانسان
وقتان في وقت محال هكذا*** حرفان أيضا يوجدا في آن
من واحد متكلم بل يوجدا*** بالرسم أو يتكلم الرجلان
هذا هو المعقول أما اقترا***ن فليس معقولا لذي الأذهان


وكذا كلام من سوى متكلم*** أيضا محال ليس في أمكان
الا من قام الكلام به فذا*** ط كلامه المعقول في الأذهان
أيكون حيا سامعا أو مبصرا*** من غير سمع وغير عيان
والسمع والأبصار قام بغيره*** هذا المحال وواضح البهتان
وكذا مريد والارادة لم تكن*** وصفا له هذا من الهذيان
وكذا قدير ماله من قدره*** قامت به من أوضح البطلان
والله جل جلاله متكلم*** بالنقل والمعقول والبرهان
قد أجمعت رسل الاله عليه لم*** ينكره من اتباعهم رجلان
فكلامه حقا يقوم به والا*** لم يكن متكلما بقرآن


والله قال وقائل وكذا يقول*** الحق ليس كلامه بالفاني
ويكلم الثقلين يوم معادهم*** حقا فيسمع قوله الثقلان
وكذا يكلم حزبه في جنة الحيـ***ـيوان بالتسليم والرضوان
وكذا يكلم رسله يوم اللقا*** حقا فيسألهم عن التبيان
ويراجع التكليم جل جلاله*** وقت الجدال له من الانسان
ويكلم الكفار في العرصات تو***بيخا وتقريعا بلا غفران
ويكلم الكفار أيضا وفي الجحـ***ـيم أن اخسئوا فيها بكل هوان
والله قد نادى الكليم وقبله*** سمع الندا في الجنة الأبوان
وأتى النداء في تسع آيات له*** وصفا فراجعهما من القرآن


وكذا يكلم جبريل بأمره*** حتى ينفذه بكل مكان
واذكر حديثا في صحيح محمد*** ذاك البخاري العظيم الشان
فيه نداء الله يوم معادنا*** بالصوت يبلغ قاصيا والداني
هب أن هذا اللفظ ليس بثابت*** بل ذكره مع حذفه سيان
ورواه عندكم البخاري المجسـ***ـم بل رواه مجسم فوقاني
أيصح في عقل وفي نقل ندا***ء ليس مسموعا لنا بأذان
أم أجمع العلماء والعقلاء من*** أهل اللسان وأهل كل لسان
أن الندا الصوت الرفيع وضده*** فهو النجاء كلاهما صوتان
والله موصوف بذاك حقيقة*** هذا الحديث ومحكم القرآن


واذكر حديثا لابن مسعود صر***يحا أنه ذو أحرف ببيان
الحرف منه في الجزا عشر من الـ*** ـحسنات ما فيهن من نقصان
وانظر الى السور التي افتتحت بأحـ***ـرفها ترى سرا عظيم الشان
لم يأت قط بسورة الا أتى*** في أثرها خبر عن القرآن
اذ كان أخبار به عنها وفي*** هذا الشفاء لطالب الايمان
ويدل أن كلامه هو نفسها*** لا غيرها والحق ذو تبيان
فانظر الى مبدأ الكتاب وبعدها الا*** عراف ثم كذا الى لقمان
مع تلوها أيضا ومع حم مع*** يس وافهم مقتضى القرآن



فصل
في الزامهم القول بنفي الرسالة اذا انتفت صفة الكلام

والله عز وجل موص آمر*** ناه منيب مرسل لبيان
ومخاطب ومحاسب ومنبيء *** ومحدث ومخبر بالشان
ومكلم متكلم بل قائل*** ومحذر ومبشر بأمان
هاد يقول الحق يرشد خلقه*** بكلامه للحق والايمان
فإذا انتفت صفة الكلام فكل*** هذا منتف متحقق البطلان


واذا انتفت صفة الكلام كذلك الـ***ارسال منفي بلا فرقان
فرسالة المبعوث تبليغ كلا***م المرسل الداعي بلا نقصان
وحقيقة الارسال نفس خطابه*** للمرسلين وانه نوعان
نوع بغير وساطة ككلامه*** موسى وجبريل القريب الداني
منه واليه من وراء حجابه*** اذ لا تراه ها هنا العينان
والآخر التكليم منه بالوسا**طة وهو أيضا عنده ضربان
وحي وارسال اليه وذاك في الشـ***ـورى أتى في أحسن التبيان


فصل
في الزامهم التشبيه للرب بالجماد الناقص
اذا انتفت صفة الكلام

واذا انتفت صفة الكلام فضدها*** خرس وذلك غاية النقصان
فلئن زعمتم أن ذلك في الذي*** هو قابل من أمة الحيوان
والرب ليس بقابل صفة الكلا***م فنفيها ما فيه من نقصان
فيقال سلب كلامه وقبوله*** صفة الكلام أتم للنقصان
اذ أخرس الانسان أكمل حالة*** من ذا الجماد بأوضح البرهان
فجحدت أوصاف الكمال مخافة التشـ***ـبيه والتجسيم بالانسان
ووقعت في تشبيهه بالناقصات*** الجامدات وذا من الخذلان
الله أكبر هتكت أستاركم*** حتى غدوتم ضحكة الصبيان


فصل
في الزامهم بالقول بأن كلام الخلق،
حقه وباطله، عين كلام الله سبحانه

أوليس قد قام الدليل بأن أفعـ***ـال العباد خلقة الرحمن
من ألف وجه أو قريب الألف يحصيـ***ـها الذي يعني بهذا الشان
فيكون كل كلام هذا الخلق*** عين كلامه سبحانه ذي السلطان
اذ كان منسوبا اليه كلامه*** خلقا كبيت الله ذي الأركان
هذا ولازم قولكم قد قاله*** ذو الاتحاد مصرحا ببيان
حذر التناقض اذ تناقضتم ولكـ***ـن طرده في غاية الكفران
فلئن زعمتم أن تخصيص القرآ***ن كبيته وكلاهما خلقان
فيقال ذا التخصيص لا ينفي العمو***م كرب ذي الأكوان
ويقال رب العرش أيضا هكذا*** تخصيصه لاضافة القرآن
لا يمنع التعميم في الباقي وذا*** في غاية الايضاح والتبيان


فصل
في التفريق بين الخلق والأمر

ولقد أتى الفرقان بين الخلق وال***أمر الصريح وذاك في الفرقان
وكلاهما عند المنازع واحد*** والكل خلق ما هنا شيئان
والعطف عندهم كعطف الفرد من*** نوع عليه وذاك في القرآن
فيقال هذا ذو امتناع ظاهر*** فيآية التفريق ذو تبيان
فالله بعد الخلق أخبر أنها*** قد سخرت بالأمر للجريان
وأبان عن تسخيرها سبحانه*** بالأمر بعد الخلق بالتبيان


والأمر اما مصدر أو كان مفعـ***ـولا هما في ذاك مستويان
مأموره هو قابل للأمر*** كالمصنوع قابل صنعة الرحمن
فإذا انتفى الأمر انتفى المأمور*** كالمخلوق ينفى لانتفا الحدثان
وانظر الى نظم السياق تجد به*** سرا عجيبا واضح البرهان
ذكر الخصوص وبعده متقدما*** والوصف والتعميم في ذا الثاني
فأتى بنوعي خلقه وبأمره*** فعلا ووصفا موجزا ببيان
فتدبر القرآن ان رمت الهدى*** فالعام تحت تدبر القرآن

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:19 AM
فصل
في التفريق بين ما يضاف الى الرب تعالى
من الأوصاف والأعيان

والله أخبر في الكتاب بأنه*** منه ومجرور، ( من ) نوعان
عين ووصف قائم بالعين فا***لاعيان خلق الخالق الرحمن
والوصف بالمجرور قام لأنه*** أولى به في عرف كل لسان
ونظير ذا أيضا سواء ما يضا***ف اليه من صفة ومن أعيان
فاضافة الأوصاف ثابتة لمن*** قامت به كادراة الرحمن
واضافة الأعيان ثابتة له*** ملكا وخلقا ما هما سيان
فانظر الى بيت الاله وعلمه*** لما أضيفا كيف يفترقان
وكلامه كحياته وكعلمه***في ذي الاضافة اذ هما وصفان
لكن ناقته وبيت إلهنا*** فكعبده أيضا هما ذاتان
فانظر الى الجهمي لما فاته الـ***ـحق المبين وواضح البرهان
كان الجميع لديه بابا واحدا*** والصبح لاح لمن له عينان


وأتى ابن حزم بعد ذلك فقال ما*** للناس قرآن لا اثنان
بل أربع كل يسمى بالقرآ***ن وذاك قول بين البطلان
هذا الذي يتلى وآخر ثابت*** في الرسم يدعى بالمصحف العثماني
والثالث محفوظ بين صدورنا*** هذي الثلاثة خليقة الرحمن
والرابع المعنى القديم كعلمه*** كل يعبر عنه بالقرآن
وأظنه قد رام شيئا لم يجد*** عنه عبارة في ناطق ببيان
أن المعين ذو مراتب أربع*** عقلت فلا تخفى على انسان
في العين ثم الذهن ثم اللفظ*** ثم الرسم حين تخطه ببنان
وعلى الجميع الاسم يطلق لكن*** الأولى به الموجود في الأعيان
بخلاف قول ابن الخطيب فإنه*** قد قال أن الوضع للأذهان


فالشيء واحد لا أربع*** فدهي ابن حزم قلة الفرقان
والله أخبر أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والفرقان
وكذاك أخبرنا بأن كتابه*** بصدور أهل العلم والايمان
وكذاك أخبر أنه المكتوب في*** صحف مطهرة من الرحمن
وكذاك أخبر أنه المتلو والمقـ***روء عند تلاوة الانسان
والكل شيء واحد لا أنه*** هو أربع وثلاثة واثنان


وتلاوة القرآن أفعال لنا*** وكذا الكتابة فهي خط بنان
لكنما المتلو والمكتوب والـ***ـمحفوظ قول الواحد الرحمن
والعبد يقرؤه بصوت طيب*** وبضده فهما له*** صوتان
وكذاك يكتبه بخط جيد*** وبضده فهما له خطان
أصواتنا ومدادنا وأدائنا*** والرق ثم كتابة القرآن
ولقد أتى في نظمه من قال قو***ل الحق والانصاف غير جبان
أن الذي هو في المصاحف مثبت*** بأنامل الأشياخ والشبان
هو قول ربي آية وحروفه*** ومدادنا والرق مخلوقان
فشفى وفرق بين متلو ومصنـ***ـوع وذاك حقيقة العرفان


الكل مخلوق وليس كلامه*** المتلو مخلوقا هنا شيئان
فعليك بالتفصيل والتمييز فالا***طلاق والاجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الـ***ـأذهان والآراء كل زمان
وتلاوة القرآن في تعريفها*** باللام قد يعني بها شيئان
يعني به المتلو فهو كلامه*** هو غير مخلوق كذي الأكوان
ويراد أفعال العباد كصوتهم*** وأدائهم وكلاهما خلقان


هذا الذي نصت عليه أئمة الـ***ـاسلام أهل العلم والعرفان
وهو الذي قصد البخاري الرضي*** لكن تقاصر قاصر الأذهان
عن فهمه كتقاصر الأفهام عن*** قول الامام الأعظم الشيباني
في اللفظ لما أن نفى الضدين*** عنه واهتدى للنفي ذو عرفان
فاللفظ يصلح مصدرا هو فعلنا*** كتلفظ بتلاوة القرآن
وكذاك يصلح نفس ملفوظ به***وهو القرآن فذاك محتملان
فلذاك أنكر أحمد الأطلاق في*** نفي وأثبات بلا فرقان


فصل
في كلام الفلاسفة والقرامطة
في كلام الرب جل جلاله

وأتى ابن سينا القرمطي مصانعا*** للمسلمين بافك ذي بهتان
فرآه فيضا فاض من عقل هو الـ*** ـفعال علة هذه الأكوان
حتى نلقاه زكي فاضل*** حسن التخيل جيد التبيان
فأتى به للعالمين خطابة*** ومواعظا عريت عن البرهان
ما صرحت أخباره بالحق بل*** رمزت اليه اشارة لمعان


وخطاب هذا الخلق والجمهور بالحـ***ـق الصريح فغير ذي امكان
لا يقبلون حقائق المعقول الا*** في مثال الحس والأعيان
ومشارب العقلاء لا يردونها*** الا اذا وضعت لهم بأوان
من جنس ما ألفت طباعهم من الـ***ـمحسوس في ذا العالم الجثمان
فأتوا بتشبيه وتمثيل وتجـ***ـسيم وتخييل الى الأذهان
ولذاك يحرم عندهم تأويله*** لكنه حل لذي العرقان
فإذا تأولناه كان جناية*** منا وخرق سياج ذا البستان


لكن حقيقة قولهم ان قد اتوا*** بالكذب عند مصالح الانسان
والفيلسوف وذا الرسول لديهم*** متفاوتان وما هما عدلان
أما الرسول ففيلسوف عوامهم***والفيلسوف نبي ذي البرهان
والحق عندهم ففيما قاله*** اتباع صاحب منطق اليونان
ومضى على هذه المقالة أمة*** خلف ابن سينا فاغتذوا بلبان
منهم نصير الكفرة في أصحابه*** الناصرين لملة الشيطان
فأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم*** أعداء كل موحد رباني
وأسأل بهم ذا خبرة تلقاهم*** أعداء رسل الله والقرآن


صوفيهم عبد الوجود المطلق*** المعدوم عند العقل في الأعيان
أو ملحد بالاتحاد يدين لا بالتوحيـ***ـد منسلخ من الأديان
معبوده موطوءه فيه يرى*** وصف الجمال ومظهر الاحسان
الله أكبر كم على المذهب الـ***ـملعون بين الناس من شيخان
يبقون منهم دعوة ويقبلو***ن أياديا منهم رجا الغفران
ولو أنهم عرفوا حقيقة أمرهم*** رجموهم لا شك بالصوان
فابذر لهم أن كنت تبغي كشفهم***وافرش لهم كفان من الأتبان
وأظهر بمظهر قابل منهم ولا*** تظهر بمظهر صاحب النكران
وانظر الى أنهار كفرت فجرت*** وتهم لولا السيف بالجريان


فصل
في مقالات طوائف الاتحادية في كلام الرب جل جلاله

وأتت طوائف الاتحاد بملة*** طمت على ما قال كل لسان
قالوا كلام الله كل كلام هذا الـ***ـخلق من جن ومن انسان
نظما ونثرا زوره وصحيحه*** صدقا وكذبا واضح البطلان
فالسب والشتم القبيح وقذفهم*** للمحصنات وكل نوع اغان
والنوح والتعزيم والسحر المبـ***ـين وسائر البهتان والهذيان
هو عين قول الله جل جلاله*** وكلامه حقا بلا نكران
هذا الذي أدى اليه أصلهم*** وعليه قام مكسح البنيان


اذ أصلهم أن الاله حقيقة*** عين الوجود وعين ذي الأكوان
فكلامهما وصفاتها هو قوله*** وصفاته ما ها هنا قولان
وكذاك قالوا أنه الموصوف بالضـ***ـدين من قبح ومن أحسان
وكذلك قد وصفوه أيضا بالكما***ل وضده من سائر النقصان
هذي مقالات الطوائف كلها*** حملت اليك رحصة الأثمان
وأظن لو فتشت كتب الناس ما*** ألفيتها أبدا بذا التبيان
زفت اليك فإن يكن لك ناظر*** أبصرت ذات الحسن والاحسان


فاعطف على الجهمية المغل الألي*** خرقوا سياج العقل والقرآن
شرد بهم من خلفهم واكسرهم*** بل ناد في ناديهم بأذان
أفسدتم المعقول والمنقول والـ***ـمسموع من لغة بكل لسان
أيصح وصف الشيء بالمشتق الـ***ـمسلوب معناه لذي الأذهان
أيصح صبار ولا صبر له*** ويصح شكار بلا شكران
ويصح علام ولا علم له*** ويصح غفار بلا غفران
ويقال هذا سامع أو مبصر*** والسمع والأبصار مفقودان
هذا محال في العقول وفي النقو***ل وفي اللغات وغير ذي امكان


فلئن زعمتم أنه متكلم*** لكن بقول قام بالانسان
أو غيره فيقال هذا باطل*** وعليكم في ذاك محذوران
نفي اشتقاق اللفظ للموجود معـ***ـناه به وثبوته للثاني
أعني الذي ما قام معناه به*** قلب الحقائق أقبح البهتان
ونظير ذا اخوان هذا مبصر*** وأخوه معدود من العميان
سميه الأعمى بصيرا اذ أخو***ه مبصر وبعكسه في الثاني


فلئن زعمتم أن ذلك ثابت*** في فعله كالخلق للأكوان
والفعل ليس بقائم بالهنا*** اذ لا يكون محل ذي حدثان
ويصح أن يشتق منه خالق*** فكذلك المتكلم الوحداني
هو فاعل لكلامه وكتابه*** ليس الكلام له بوصف معان
ومخالف المعقول والمنقول والـ***ـفطرات والمسموع للانسان
من قال أن كلامه سبحانه*** وصف قديم أحرف ومعان
والسين عند الباء ليست بعدها*** لكن هما حرفان مقترنان


أو قال أن كلامه سبحانه*** معنى قديم قام بالرحمن
ما أن له كل ولا بعض ولا أل***عربي حقيقته ولا العبراني
والأمر عين النهي وأستفهامه*** هو عين أخبار بلا فرقان
وكلامه كحياته ما ذاك مقـ***ـدور له بل لازم الرحمن
هذا الذي قد خالف المعقول والـ***ـمنقول والفطرات للانسان
أما الذي قد قال أن كلامه*** ذو أحرف قد رتبت ببيان
وكلامه بمشيئة وارادة*** كالفعل منه كلاهما سيان
فهو الذي قد قال قولا يعلم الـ*** ـعقلاء صحته بلا نكران


فلأي شيء كان ما قد قلتم*** أولى وأقرب منه للبرهان
ولأي شيء دائما كفرتم*** أصحاب هذا القول بالعدوان
فدعوا الدعاوى وابحثوا معنى*** بتحقيق وانصاف بلا عدوان
وارفوا بمذاهبكم وسدوا خرقها*** ان كان ذاك الرفو في الامكان
فاحكم هداك الله بينهم فقد*** ادلوا اليك بحجة وبيان
لا تنصرن سوى الحديث وأهله*** هم عسكر الايمان والقرآن
وتحيزن اليهم لا غيرهم*** لتكون منصورا لدى الرحمن


فتقول هذا القدر قد أعيا على*** أهل الكلام وقاده أصلان
أحديهما هل فعل مفعوله*** او غيره فهما لهم قولان
والقائلون بانه هو عينه*** فروا من الأوصاف بالحدثان
لكن حقيقة قولهم وصريحة*** تعطيل خالق هذه الأكوان
عن فعله اذ فعله مفعوله*** لكنه ما قام بالرحمن
فعلى الحقيقة ما له فعل اذ الـ*** ـمفعول منفصل عن الديان


والقائلون بأنه غير له*** متنازعون وهم فطائفتان
احداهما قالت قديم قائم*** بالذات وهو كقدرة المنان
سموه تكوينا قديما قاله*** اتباع شيخ العالم النعماني
وخصومهم لم ينصفوا في رده*** بل كابروهم ما اتوا ببيان
والآخرون لما رأوه أمرا حادثا*** بالذات قام وانهم نوعان
أحداهما جعلته مفتتحا به***حذر التسلسل ليس ذا امكان
هذا الذي قالته كرامية*** ففعاله وكلامه سيان


والآخرون أولو الحديث كأحمد*** ذاك ابن حنبل الرضي الشيباني
قد قال ان الله حقا لم يزل*** متكلما أن شاء ذو احسان
جعل الكلام صفات فعل قائم*** بالذات لم يفقد من الرحمن
وكذاك نص على دوام الفعل*** بالاحسان أيضا في مكان ثان
وكذا ابن عباس فراجع قوله*** لما أجاب مسائل القرآن
وكذاك جعفر الامام الصادق الـ*** ـمقبول عند الخلق ذو العرفان
قد قال لم يزل المهيمن محسنا***برا جوادا عند كل أوان


وكذا الامام الدارمي فانه*** قد قال ما فيه هدى الحيران
قال الحياة مع الفعال كلاهما*** متلازمان فليس يفترقان
صدق الامام فكل حي فهو فعال وذا في غاية التبيان
الا اذا ما كان ثم موانع***من آفة أو قاسر الحيوان
والرب ليس لفعله مانع*** ما شاء كان بقدرة الديان
ومشيئة الرحمن لازمة له***وكذاك قدرة ربنا الرحمن


هذا وقد فطر الاله عباده*** أن المهيمن دائم الاحسان
أو لست تسمع قول كل موحد*** يا دائم المعروف والسلطان
وقديم الاحسان الكثير ودائم ال*** جود العظيم وصاحب الغفران
من غير انكار عليهم فطرة*** فطروا عليها لا توصي ثان
أو ليس فعل الرب تابع وصفه*** وكماله أفذاك ذو حدثان
وكماله سبب الفعال وخلقه*** أفعالهم سبب الكمال الثاني
أو ما فعال الرب عين كماله*** أفذاك ممتنع عن المنان
أزلا الى أن صار فيما لم يزل*** متمكنا والفعل ذو امكان


تالله قد ضلت عقول القوم اذ*** قالوا بهذا القول ذي البطلان
ماذا الذي أضحى له متجددا*** حتى تمكن فانطقوا ببيان
والرب ليس معطلا عن فعله*** بل كل يوم ربنا في شان
والأمر والتكوين وصف كماله*** ما فقد ذا ووجوده سيان
وتخلف التأثير بعد اتمام مو***جبه محال ليس في الامكان
والله ربي لم يزل ذا قدرة*** ومشيئة ويليها وصفان
العلم مع وصف الحياة وهذه*** اوصاف ذات الخلق المنان
وبها تمام الفعل ليس بدونها*** فعل يتم بواضح البرهان
فلأي شيء قد تأخر فعله*** مع موجب قد تمّ بالأركان
ما كان ممتنعا عليه الفعل بل*** ما زال فعل الله ذا امكان


والله عاب المشركين بأنهم*** عبدوا الحجارة في رضا الشيطان
ونعى عليهم كونها لس بخا***لقة وليست ذات نطق وبيان
فأبان أن العقل والتكليم من*** أوثانهم لا شك فقودان
واذا هما فقدوا فما مسلوبها*** بأله حق هو ذو بطلان
والله فهو اله الحق دائما*** أفعنه ذا الوصفان مسلوبان
أزلا وليس لفقدها من غاية هذا المحال وأعظم البطلان


ان كان رب العرش حقا لم يزل*** أبدا اله الحق ذا سلطان
فكذاك أيضا لم يزل متكلما***بل فاعلا ما شاء ذا احسان
والله ما في العقل ما يقضي لذا*** بالرد والابطال والنكران
بل ليس في المعقول غير ثبوته*** للخالق الأزلي ذي الاحسان
هذا وما دون المهيمن حادث*** ليس القديم سواه في الأكوان
والله سابق كل شيء غيره*** سبحانه جل العظيم الشان


لسنا نقول كما يقول الملحد الـ***زنديق ضاحب منطق اليونان
بدوام هذا العام المشهود والـ***أرواح في أزل وليس بفان
هذا مقالات الملحدة الألى*** كفروا بخالق هذه الأكوان


وأتى ابن سينا بعد ذاك مصانعا*** للمسلمين فقال بالامكان
لكنه الأزلي ليس بمحدث*** ما كان معدوما ولا هو فان
وأتى بصلح بين طائفتين بينهما الحروب وما هما سلمان
أنى يكون المسلمين وشيعة الـ***يونان صلحا قط في الايمان
والسيف بين الأنبياء وبينهم*** والحرب بينهم فحرب عوان


وكذا أتى الطوسي بالحرب الصر***يح بصارم منه وسل لسان
وأتى الى الاسلام ليهدم أصله*** من أسه قواعد البنيان
عمر المدارس للفلاسفة الألى*** كفروا بدين الله والقرآن
وأتى الى أوقاف أهل الدين بنقلها اليهم فعل ذي أضغان
وأراد تحويل الاشارت التي*** هي لابن سينا موضع الفرقان
وأراد تحويل الشريعة بالنوا*** ميس التي كانت لذي اليونان
لكنه علم اللعين بأن ها***ذا ليس في المقدور والامكان
الا اذا قتل الخليفة والقضا***ة وسائر الفقهاء في البلدان
فسعى لذلك وساعد المقدور بالأمر الذي هو حكمة الرحمن


فأشار أن يضع التتار سيوفهم*** في عسكر الايمان والقرآن
لكنهم يبقون أهل مصانع الد*** نيا لأجل مصالح الأبدان
فغدا على سيف التتار الألف في*** مثل لها مضروبة بوزان
وكذا ثمان مئينهما في الفها***مضروبة بالعد والحسبان
حتى بكى الاسلام أعداه اليهود***كذا المجوس وعابد الصلبان
فشفى اللعين النفس من حزب الر***سول وعسكر الايمان والقرآن
وبوده لو كان في أحد وقد*** شهد الوقيعة مع أبي سفيان
لأقر أعينهم وأوفى نذره*** أو ان يرى متمزق اللحمان


وشواهد الأحداث ظاهرة على*** ذا العالم المخلوق بالبرهان
وأدلة التوحيد تشهد كلها*** بحدوث كل ما سوى الرحمن
أو كان غير الله جل جلاله*** معه قديما كان ربا ثان
اذ كان عن رب العلى مستغنيا*** فيكون حينئذ لنا ربان
والرب باستقلاله متوحد*** أفممكن أن يستقل اثنان
لو كان ذاك تنافيا وتساقطا*** فإذا هما عدمان ممتنعان
والقهر والتوحيد يشهد منهما*** كل لصاحبه هما عدلان
ولذك اقترنا جميعا في صفا***ت الله فانظر ذاك في القرآن
فالواحد القهار حقا ليس في الا*** مكان أن تحظى به ذاتان




فصل
في اعتراضهم على القول بدوام فاعلية الرب تعالى
وكلامه والانفصال عنه

فلئن زعمتم أن ذاك تسلسل*** قلنا صدقتم وهو ذو امكان
كتسلسل التأثير في مستقبل***هل بيت ذلك قط من فرقان
والله ما افترقا لذي عقل ولا*** نقل ولا نظر ولا برهان
في سلب امكان ولا في ضده*** هذي العقول ونحن ذو أذهان
فليأت بالفرقان من هو فاروق*** فرقا يبين لصالح الأذهان
وكذاك سوى الجهم بينهما كـ***ـذا العلاف في الانكار والبطلان
ولأجل ذا حكما بحكم باطل*** قطعا على الجنات والنيران
فالجهم أفنى الذات والعلاف*** للحركات افنى قاله الشوران


وأبو علي وابنه والأشعري*** وبعده ابن الطيب الرباني
وجميع أرباب الكلام الباطل ال***مذموم عند أئمة الايمان
فرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل*** حق وفي أزل بلا امكان
قالوا لأجل تناقض الأزلي وال***أحداث ما هذان يجتمعان
لكن دوام الفعل في مستقبل*** ما فيه محذور من النكران


فانظر الى التلبيس في ذا الفرق تر**ويجا على العوران والعميان
ما قال ذو عقل بأن الفرد ذو*** أزل لذي ذهن ولا أعيان
بل كل فرد فهو مسبوق بفرد***قلبه أبدا بلا حسبان
ونظير هذا كل فرد فهو ملحـ ***ـوق بفرد بعده حكمان
النوع والآحاد مسبوق وملحـ ***ـوق وكل فهو منها فان
والنوع لا يفنى أخيرا فهو لا*** يفنى كذلك أولا ببيان
وتعاقب الآنات أمر ثابت*** في الذهن وهو كذلك في الأعيان


فإذا أبيتم ذا وقلتم أول الـ*** ـآنات مفتتح بلا نكران
ما كان ذاك الآن مسبوقا يرى*** الا بسلب وجوده الحقاني
فيقال ما تعنون بالآنات هل*** تعنون مدة هذه الأزمان
من حين أحداث السموات العلى*** والأرض والأفلاك والقمران
ونظنكم تعنون ذاك ولم يكن*** من قبلها شيء من الأكوان
هل جاءكم في ذاك من أثر ومن *** نص ومن نظر ومن برهان
هذا الكتاب وهذه الآثار والمعـ***ـقول في الفطرات والأذهان
أنا نحاكمكم الى ما شئتمو*** منها فكل الحق في تبيان


أزليس خلق الكون في الأيام كا***ن وذاك مأخوذ من القرآن
أوليس ذلكم الزمان بمدة*** لحدوث شيء وهو عين زمان
فحقيقة الأزمان نسبة حادث*** لسواه تلك حقيقة الأزمان
واذكر حديث السبق للتقدير والتو***قيت قبل جميع ذي الأعيان
خمسين ألفا من سنين عدها المخـ***ـتار سابقة لذي الأكوان
هذا وعرش الرب فوق الماء من*** قبل السنين بمدة وزمان


والناس مختلفون في القلم الذي*** كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده*** قولان عند ابي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه*** قبل الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت*** ايجاده من غير فصل زمان
لما براه الله قال أكتب كذا*** فغدا بأمر الله ذا جريان
فجرى بما هو كائن أبدا الى*** يوم الميعاد بقدرة الرحمن


أفكان رب العرش جل جلاله*** من قبل ذا عجز وذا نقصان
أم لم يزل ذا قدرة والفعل مقـ***ـدور له أبدا وذو امكان
فلئن سئلت وقلت ما هذا الذي***اداهم لخلاف ذا التبيان
ولأي شيء لم يقولوا إنه*** سبحانه هو دائم الاحسان
فأعلم بأن القوم لما أسسوا*** أصل الكلام عموا عن القرآن
وعن الحديث ومقتضى المعقول بل*** عن فطرة الرحمن والبرهان
وبنوا قواعدهم عليه فقادهم*** قسرا الى التعطيل والبطلان


نفي القيام لكل أمر حادث*** بالرب خوف تسلسل الأعيان
فيسد ذاك عليهم في زعمهم*** اثبات صانع هذه الأكوان
اذ أثبتوه يكون ذي الأجساد حا***دثة فلا تنفك عن حدثان
فإذا تسلسلت الحوادث لم يكن*** لحدوثها اذ ذاك من برهان
فلأجل ذا قالوا التسلسل باطلا*** والجسم لا يخلو عن الحدثان
فيصح حينئذ حوث الجسم من*** هذا الدليل بواضح البرهان
هذي نهايات لاقدام الورى*** في ذا المقام الضيق الأعطان
فمن ذا الذي يأتي بفتح بين*** ينجي الورى من غمرة الحيران
فالله يجزيه الذي هو أهله*** من جنة المأوى مع الرضوان


فاسمع إذا وافهم فذاك معطل*** ومشبه وهداك ذو الغفران
هذا الدليل هو الذي أرداهم*** بل هد كل قواعد القرآن
وهو الدليل الباطل المردود عند أئمة التحقيق والعرفان
ما زال أمر الناس معتدلا الى*** أن دار في الأوراق والأذهان
وتمكنت أجزاؤه بقلوبهم*** فأتت لوزمه الى الايمان
وفعت قواعده وتحت اسه***فهوى البناء وخر الأركان
وجنوا على الاسلام كل جناية*** اذ سلطوا الأعداء بالعدوان


حملوا بأسلحة المحال فخانهم*** ذاك السلاح فما اشتفوا بطعان
وأتى العدو الى سلاحهم فق***تلهم به في غيبة الفرسان
يا محنة الاسلام والقرآن من*** جهل الصديق وبغي ذي طغيان
والله لولا الله ناصر دينه*** وكتابه بالحق والبرهان
لتخطفت أعداؤنا أرواحنا*** ولقطعت منا عرى الايمان


أيكون حقا ذا الدليل وما اهتدى***خير القرون له محال ذان
وفتقتم للحق اذ حرموه في*** أصل اليقين ومقعد العرفان
وهديتمونا للذي لم يهتدوا*** أبدا به وأشدة الحرمان
ودحلتم للحق من باب وما*** دخلوه واعجبا لذا الخذلان
وسلكتم طرق الهدى والعلم دو***ن تبيان عجبا لذا الهتان
وعرفتم الرحمن بالأجسام*** والاعراض والحركات والألوان
وهم فما عرفوه منها بل من*** الايات وهي فغير ذي برهان
الله أكبر أنتم أو هم على*** حق وفي غي وفي خسران


دع ذا أليس انه قد أبدى لنا*** حق الأدلة وهي في القرآن
متنوعات صرفت وتظاهرت*** في كل وجه فهي ذو أفنان
معلومة للعقل أو مشهودة*** للحس أو في فطرة الرحمن
أسمعتم لدليلكم في بعضها*** خبرا أو أحسستم له ببيان
أيكون أصل الدين ما تم الهدى*** الا به وبه قوى الايمان
وسواه ليس بموجب من لم يحط*** علما به لم ينج من كفران


والله ثم رسوله قد بينا*** طرق الهدى في غاية التبيان
فلأي شيء أعرضا عنه ولم*** نسمعه في أثر ولا قرآن
لكن أتانا بعد خير قروننا*** بظهور أحداث من الشيطان
وعلى لسان الجهم جاؤا حزبه***من كل صاحب بدعة حيران
ولذلك اشتد النكير عليهم*** من سائر العلماء في البلدان
صاحوا بهم من كل قطر بل رموا*** في أثرهم بثواقب الشهبان
عرفوا الذي يفضي اليه قولهم*** ودليلهم بحقيقة العرفان
وأخو الجهالة في خفارة جهله*** والجهل قد ينجي من الكفران


فصل في الرد عى الجهمية المعطلة القائلين بأنه ليس على العرش اله
يعبد ولا فوق السموات اله يصلى له ويسجد، وبيان فساد قولهم
عقلا ونقلا ولغة وفطرة

والله كان وليس شيء غيره*** ويرى البرية وهي ذو حدثان
فسل المعطل هل يراها خارجا*** عن ذاته أم فيه حلت ذان
لا بد من احداهما أو أنها*** هي عينه ما ثم مودجودان
ما ثم مخلوق وخالقه وما*** شيء مغاير هذه الأعيان
لا بد من إحدى ثلا مالها***من رابع خلوا من الروغان
ولذاك قال محقق القوم الذي*** رفع القواعد مدعي العرفان
هو عين هذا الكون ليس بغيره*** أنى وليس مباين الأكوان
كلا وليس مجانبا أيضا لها*** فهو الوجود بعينه وعيان


ان لم يكن فوق الخلائق ربها*** فالقول هذا القول في الميزان
اذ ليس يعقل بعد الا أنه*** قد حل فيها وهي كالأبدان
والروح ذات الحق جل جلاله*** حلت بها كمقالة النصراني
فأحكم على من قال ليس بخارج*** عنها ولا فيها بحكم بيان
بخلافه الوحيين والاجماع والعقـ***ـل الصريح وفطرة الرحمن
فعليه أوقع حد معدوم وذا*** حد المحال بغير ما فرقان


يا للعقول اذا نفيتم مخبرا*** ونقيضه هل ذاك في امكان
ان كان نفي دخوله وخروجه*** لا يصدقان معا لذي الامكان
الا على عدم صريح نفيه*** متحقق ببداهة الانسان
أيصح في المعقول يا أهل النهي*** ذاتان لا بالغير قائمتان
ليست اباين منهما ذات لأخـ***ـرى أو تحاثيها فيجتمعان
ان كان في الدنيا محال فهو ذا*** فارجع الى المعقول والبرهان


فلئن زعمتم أن ذلك في الذي*** هو قابل من جسم أو جثمان
والرب ليس كذا فنفي دخوله*** وخروجه ما فيه من بطلان
فيقال هذا أولا من قولكم*** دعوى مجردة بلا برهان
ذاك اصطلاح من فريق فارقوا الـ***ـوحي المبين بحكمة اليونان
والشيء يصدق نفيه عن قابل*** وسواه في معهود كل لسان
أنسيت نفي الظلم عنه وقولك الـ***ـظلم المحال وليس ذا امكان
ونسيت نفي النوم والسنة التي*** ليست لرب العرش في الامكان
ونسيت نفي الطعم عنه وليس ذا*** مقبولة والنفي في القرآن
ونسيت نفي ولادة أو زوجة*** وهما على الرحمن ممتنعان


والله قد وصف الجماد بأنه*** ميت أصم وما له عينان
وكذا نفي عنه الشعور ونطقه*** والخلق نفيا واضح التبيان
هذا وليس بها قبول للذي*** ينفي ولا من جملة الحيوان
ويقال أيضا ثانيا لو صح هـ***ـذا الشرط لما هما ضدان
لا في النقيضين اللذين كلاهما*** لا يثبتان وليس يرتفعان
ويقال أيضا نفيكم لقبوله*** لها يزيل حقيقة الامكان
بل ذا كنفي قيامه بالنفس أو*** بالغير في الفطرات والأذهان


فإذا المعطل قال أن قيامه*** بالنفس أو بالغير ذو بطلان
إذ ليس يقبل واحد من ذينك الـ***أمرين الا وهو وذو امكان
جسم يقوم بنفسه أيضا كذا*** عرض يقوم بغيره اخوان
في حكم امكان وليس بواجب*** ما كان فيه حقيقة الامكان
فكلاكما ينفي الاله حقيقة*** وكلاكما في نفيه سيان


ماذا يرد عليه من هو مثله*** في النفي صرفا اذا هما عدلان
والفرق ليس بممكن لك بعد ما*** ضاهيت هذا النفي في البطلان
فوزان هذا النفي ما قد قلته*** حرفا بحرف أنتم صنوان
والخصم يزعم أن ما هو قابل*** لكليهما فكقابل لمكان
فأفرق لنا فرقا يبين مواقع الـ***اثبات والتعطيل بالبرهان
أو لا فأعط القوس باريها وخـ***ـل الفشر عنك وكثرة الهذيان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:20 AM
فصل
في الاشارة الى الطرق النقلية الدالة
على أن الله تعالى فوق سمواته على عرشه

ولقد أتانا عشر أنواع من المنقول في فوقية الرحمن
مع مثلها أيضا تزيد بواحد*** ها نحن نسردها بلا كتمان
منها استواء الرب فوق العرش في*** سبع أتت في محكم القرآن
وكذلك اطردت بلا لام ولو*** كانت بمعنى اللام في الأذهان
لأتت بها في موضع كي يحمل الـ*** باقي عليها بالبيان الثاني
ونظير ذا اضمارهم في موضع*** حملا على المذكور في التبيان
لا يضمرون مع اطراد دون ذكره***فاذا هم ألفوه إلف لسان
حذفوه تخفيفا وإيجازا فلا*** يخفى المراد به على الانسان
هذا ومن عشرين وجها يبطل*** التفسير باستولى لذي عرفان
قد أفرد بمصنف لامام هذا*** الشان بحر العلم الرباني


فصل

هذا وثانيها صريح علوه*** وله بحكم صريحة لفظان
لفظالعلى ولفظه الأعلى معر***فة لقصد بيان
ان العلو له بمطلقه على التـ***ـعميم والاطلاق بالبرهان
وله العلو من الوجوه جميعها*** ذاتا وقهرا مع علو الشان
لكن نفاة علوه سلبوه أكـ***مال العلو فصار ذا نقصان
حاشاه من أفك النفاة وسلبهم*** فله الكمال المطلق الرباني


وعلوه فوق الخليقة كلها*** فطرت عليه الخلق والخلقان
لا يستطيع معطل تبديلها*** أبدا وذلك سنة الرحمن
كل اذا ما نابه أمر يرى*** متوجها بضرورة الانسان
نحو العلو فليس يطلب خلفه***وأمامه أو جانب الانسان
ونهاية الشبهات تشكيك وتخميش وتغبير على الايمان
لا يستطيع تعارض المعلوم والـ*** معقول عند بدائه الانسان
فمن المحال القدح في المعلوم*** بالشبهات هذا بين البطلان
واذا البدائة قابلتها هذه*** الشبهات لم تحتج الى بطلان
شتان بين مقالة أوصى بها*** بعض لبعض أو للثاني
ومقالة فطر الاله عباده*** حقا عليها ما هما عدلان


فصل

هذا وثالثها صريح الفوق مصـ***حوبا بمن وبدونها نوعان
احداهما هو قابل التأويل والأ***صل الحقيقة وحدها ببيان
فإذا ادعى تأويل ذلك مدع*** لم تقبل الدعوى بلا برهان
لكنما المجرور ليس بقابل التأ*** ويل في لغة وعرف لسان
وأضخ لفائدة جليل قدرها***تهديك للتحقيق والعرفان
ان الكلام اذا أتى بسياقة*** يبدي المراد لمن له أذنان
أضحى كنص قاطع لا يقبل التأويل يعرف ذا أولو الأذهان
فسياقة الألفاظ مثل شواهد ال***أحوال انهما لنا صنوان
احداهما للعين مشهود بها*** لكن ذاك لمسمع الانسان


فإذا أتى التأويل بعد سياقة*** تبدي المراد أتى على استهجان
وإذا اتى الكتمان بعد شواهد ال***أحوال كان كأقبح الكتمان
فتأمل الألفاظ وانظر ما الذي*** سيقت له ان كنت ذا عرفان
والفوزق وصف ثابت بالذات من*** كل الوجوه لفاطر الأكوان
لكن نفاة الفوق ما وافوا به*** جحدوا كمال الفوق للديان
بل فسروه بأن قدر الله أعـ***لى لا بفوق الذات للرحمن
قالوا وهذا مثل قول الناس في*** ذهب يرى من خالص العقبان
هو فوق جنس الفضة البيضاء لا*** بالذات بل في مقتضى الأثمان
والفوق أنواع ثلاث كلها*** لله ثابتة بلا نكران
هذا الذي قالوا وفوق القهر وال***فوقية العليا على الأكوان


فصل

هذا ورابعها عروج الروح وال***أملاك صاعدة الى الرحمن
ولقد أتى في سورتين كلاهما اشتملا على التقدير بالأزمان
في سورة فيها المعارج قدرت*** خمسين ألفا كامل الحسبان
وبسجدة التنزيل ألفا قدرت*** فلأجل ذا قالوا هما يومان
يوم المعاد بذي المعارج ذكره*** واليوم في تنزيل في ذا الآن
وكلاهما عندي فيوم واحد*** وعروجهم فيه الى الديان
فالألف فيه مسافة لنزولهم*** وصعودهم نحو الرفيع الداني
هذي السماء فإنها قد قدرت*** خمسين في عشر وذا صنفان
لكنما الخمسون ألف مسافة السبع الطباق وبعد ذي الأكوان
من عرش رب العالمين الى الثرى*** عند الحضيض الأسفل التحتاني


واختار هذا القول في تفسيره البغوي ذاك العالم الرباني
ومجاهد قد قال هذا القول لكن ابن اسحاق الجليل الشان
قال المسافة بيننا والعرش ذا المقدار في سير من الانسان
والقول الأول قول عكرمة وقو***ل قتادة وهما لنا علمان
واختاره الحسن الرضي ورواه عن*** بحر العلوم مفسر القرآن
ويرجع القول الذي قد قاله*** ساداتنا في فرقهم أمران
أحداهما ما في الصحيح لمانع*** لزكاته من هذه الأعيان
يكوي بها يوم القيامة ظهره*** وجبينه وكذلك الجنبان
خمسون ألفا قد ذاك اليوم في*** هذا الحديث وذاك ذو تبيان


فالظاهر اليومان في الوجهين يو***م واحد ما أن هما يومان
قالوا وإيراد السياق بين المضـ***ـمون منه بأوضح التبيان
فانظر الى الأضمار ضمن يرونه*** ونراه ما تفسيره ببيان
فاليوم بالتفسير أولى من عذا***ب واقع للقرب والجيران
ويكون ذكر عروجهم في هذه الدنيـ** ـا ويوم قيامة الأبدان
فنزولهم أيضا هنالك ثابت*** كنزولهم أيضا هنا للشأن
وعروجهم بعد القضا كعروجهم*** أيضا هنا فلهم اذا? شانان
ويزول هذا السقف يوم معادنا*** فعروجهم للعرش والرحمن
هذا وما اتضحت لدي وعلمها المـ***ـوكول بعد لمنزل القرآن
وأعوذ بالرحمن من جزم بلا*** علم وهذا غاية الامكان
والله أعلم بالمراد بقوله*** ورسوله المبعوث بالفرقان


فصل

هذا وخامسها صعود كلامنا*** بالطيبات اليه والاحسان
وكذا صعود الباقيات الصالحا***ت اليه من أعمال ذي الايمان
وكذا صعود تصدق من طيب*** أيضا اليه عند كل أوان
وكذا عروج ملائك قد وكلوا*** منا بأعمال وهم بدلان
فإليه تعرج بكرة وعشية*** والصبح يجمعهم على القرآن
كي يشهدون ويعرجون اليه بالأعمـ***ـال سبحان العظيم الشان
وكذاك سعي الليل يرفعه الى الـ***ـرحمن من قبل النهار الثاني
وكذاك سعي اليوم يرفعه له*** من قبل ليل حافظ الانسان


وكذلك معراج الرسول اليه حـ***ـق ثابت ما فيه من نكران
بل جاوز السبع الطباق وقد دنى*** منه الى أن قدرت قوسان
بل عاد من موسى اليه صاعدا*** خمسا عداد الفرض في الحسبان
وكذاك رفع الروح عيسى المرتضى*** حقا اليه جاء في القرآن
وكذاك تصعد روح كل مصدق*** لما تفوز بفرقة الأبدان
حقا اليه كي تفوز بقربه*** وتعود يوم العرض للجثمان
وكذا دعا المظلوم أيضا صاعد*** حقا اليه قاطع الأكوان


فصل

هذا وسادسها وسابعها النزول*** كذلك التنزيل للقرآن
والله أخبرنا بأن كتابه*** تنزيله بالحق والبرهان
أيكون تنزيلا وليس كلام من*** فوق العباد أذاك ذو امكان
أيكون تنزيلا من الرحمن والر*** حمن ليس مباين الأكوان
وكذا نزول الرب جل جلاله*** في النصف من ليل وذاك الثاني
فيقول لست بسائل غيري بأحـ***ـوال العباد أنا العظيم الشأن
من ذاك يسألني فيعطي سؤله*** من ذا يتوب اليّ من عصيان
من ذاك يسألني فأغفر ذنبه*** فأنا الودود الواسع الغفران
من ذا يريد شفاءه من سقمه*** فأنا القريب مجيب من ناداني
ذا شأنه سبحانه وبحمده*** حتى يكون الفجر فجرا ثان
يا قوم ليس نزوله وعلوه*** حقا لديكم بل هما عدمان
وكذا يقول ليس شيئا عندكم*** لا ذا ولا قول سواه ثان
كل مجاز لا حقيقة تحته*** أول وزد وانقص بلا برهان


هذا وثامنها بسورة غافر*** هو رفعة الدرجات للرحمن
درجاته مرفوعة كمعارج*** أيضا له وكلاهما رفعان
وفغيل فيها ليس معنى فاعل*** وسياقها يأباه ذو التبيان
لكنها مرفوعة درجاته*** لكمال رفعته على الأكوان
هذا هو القول الصحيح فلا تحد*** عنه وخذ معناه في القرآن
فنظيرها المبدي لنا تفسيرها*** في ذي المعارج ليس يفترقان
والروح والأملاك تصعد في معا*** رجه اليه جل ذو السلطان
ذا رفعة الدرجات حقا ما هما*** الا سواء أو هما شبهان
فخذ الكتاب ببعضه بعضا كذا*** تفسير أهل العلم للقرآن


فصل

هذا وتاسعها النصوص بأنه*** فوق السماء وذا بلا حسبان
فاستحضر الوحيين وأنظر ذاك تلقـ***ـاه مبينا واضح التبيان
ولسوف نذكر بعض ذلك عن قر***يب كي تقوم شواهد الايمان
واذا أتتك فلا تكن مستوحشا*** منها ولا تك عندها بجبان
ليست تدل على انحصار الهنا*** عقلا ولا عرفان ولا بلسان
اذ أجمع السلف الكرام بأن معنـ***ـاها كمعنى الفوق بالبرهان
أو أن لفظ سمائه يعني به*** نفس العلو المطلق الحقاني
والرب فيه وليس يحصره من الـ*** ـمخلوق شيء عز ذو السلطان
كل الجهات بأسرها عدمية*** في حقه هو فوقها ببيان
قد بان عنها كلها فهو المحيـ***ـط ولا يحاط بخالق الأكوان
ما ذاك ينقم بعد ذو التعطيل من*** وصف العلو لربنا الرحمن
أيرد ذو عقل سليم قط ذا*** بعد التصور يا أولي الأذهان
والله ما رد امرؤ هذا بغـ***ير الجهل أو بحمية الشيطان


فصل

هذا وعاشرها اختصاص البعض*** من أملاكه بالعند للرحمن
وكذا اختصاص كتاب رحمته بعند الله فوق العرش ذو التبيان
لو لم يكن سبحانه فوق الورى*** كانوا جميعا عند ذي السلطان
ويكون عند الله ابليس وجبريل هما في العند مستويان
وتمام ذاك القول أن محبة الرحمن عين ارادة الأكوان
وكلاهما محبوبه ومراده*** وكلاهما هو عنده سيان


ان قلتم عندية التكوين فالذاتان عند الله مخلوقان
أو قلتم عندية التقريب تقريب الحبيب وما هما عدلان
فالحب عندكم المشيئة نفسها*** وكلاهما في حكمهما مثلان
لكن منازعكم يقول بأنها*** عندية حقا بلا روغان
جمعت له حب الاله وقربه*** من ذاته وكرامة الاحسان
والحب وصف وهو غير مشيئة*** والعند قرب ظاهر التبيان


فصل

هذا وحادي عشر هن اشارة*** نحو العلو بإصبع وبنان
لله جل جلاه لا غيره*** إذ ذاك اشراك من الانسان
ولقد أشار رسوله في مجمع الحج العظيم بموقف الغفران
نحو السماء بأصبع قد كرمت*** مستشهدا للواحد الرحمن
يا رب فأشهد انني بلغتهم*** ويشير نحوهم لقصد بيان
فغدا البنيان مرفعا ومصوبا*** صلى عليك الله ذو الغفران
أديت ثم نصحت اذ بلغتنا*** حق البلاغ الواجب الشكران


فصل

هذا وثاني عشرها وصف الظهو***ر له كما قد جاء في القرآن
والظاهر العالي الذي ما فوقه*** شيء كما قد قال ذو البرهان
حقا رسول الله ذا تفسيره*** ولقد رواه مسلم بضمان
فاقبله لا تقبل سواه من التفا***سير التي قيلت بلا برهان
والشيء حين يتم منه علوه*** فظهوره في غاية التبيان
أو ما ترى هذي السما وعلوها*** وظهورها وكذلك القمران
والعكس أيضا ثابت فسفوله*** وخفاؤه اذ ذاك مصطحبان


فانظر الى علو المحيط وأخذه*** صفة الظهور وذاك ذو تبيان
وانظر خفاء المركز الأدنى ووصف السفل فيه وكونه تحتاني
وظهوره سبحانه بالذات مثل علوه فهما له صفتان
لا تجحدنها جحود الجهم أو*** صاف الكمال تكون ذا بهتان
وظهوره هو مقتض لعلوه*** وعلوه لظهوره ببيان
وكذاك قد دخلت هناك الفاء للتبيب مؤذنة بهذا الشان
فتأملن تفسير أعلم خلقه*** بصفاته من جاء بالقرآن
اذ قال أنت كذا فليس لضده*** أبدا اليك من تطرق الاتيان


فصل

هذا وثالث عشرها اخباره*** انا نراه بجنة الحيوان
فسل المعطل هل نرى من تحتنا*** أم عن شمائلنا وعن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه*** أم هل نرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا*** أو أن رؤيته بلا امكان
اذ رؤية لا في مقابلة من الرائي محال ليس في الامكان
ومن أدعى شيئا سوى ذا كان دعواه مكابرة على الأذهان


ولذاك قال محقق منكم لأهل الاعتوال مقالة بأمان
ما بيننا خلف وبينكم لذي التحقيق في معنى فيا اخواني
شدوا بأجمعنا لنحمل حملة*** نذر المجسم في أذل هوان
اذ قال ان الهنا حقا يرى*** يوم المعاد كما يرى القمران
وتصير أبصار العباد نواظرا*** حقا اليه رؤية بعيان
لا ريب أنهم اذ قالوا بذا*** لزم العلو لفاطر الأكوان
ويكون فوق العرش جل جلاله*** فلذاك نحن وحزبهم خصمان
لكننا سلم وأنتم اذ تسا***عدنا على نفي العلو لربنا الرحمن
فعلوه عين المحال وليس فو***ق العرش من رب ولا ديان
ولا تنصبوا معنا الخلاف فما له*** طعم فنحن وأنتم سلمان
هذا الذي والله مودع كتبهم*** فانظر ترى يا من له عينان


فصل

هذا ورابع عشرها اقرار سا***ئلة بلفظ الأين للرحمن
ولقد رواه أبو رزين بعدما*** سأل الرسول بلفظه بوزان
ورواه تبليغا له ومقررا*** لما أقر به بلا نكران
هذا وما كان الجواب جواب من*** لكن جواب اللفظ بالميزان
كلا وليس لمن دخول قط في*** هذا السياق لمن له أذنان
دع ذا فقد قال الرسول بنفسه*** اين الاله لعالم بلسان
والله ما قصد المخاطب غير معناها الذي وضعت له الحقاني
والله ما فهم المخاطب غيره*** واللفظ موضوع لقصد بيان


يا قوم لفظ الأين ممتنع على الرحمـ***ـن عندكم وذو بطلان
ويكاد قائلكم يكفرنا به*** بل قد وهذا غاية العدوان
لفظ صريح جاء عن خير الورى*** قولا واقرارا هما نوعان
والله ما كان الرسول بعاجز*** عن لفظ من مع أنها حرفان
والأين أحرفها ثلاث وهي ذو*** لبس ومن غاية التبيان
والله ما الملكان أفصح منه اذ*** في القبر من رب السما يسلان
ويقول أين الله يعني من فلا*** والله ما اللفظان متحدان
كلا ولا معناهما أيضا لذي *** لغة ولا شرع ولا انسان


فصل

هذا وخامس عشرها الاجماع من*** رسل الاله الواحد المنان
فالمرسلون جميعهك مع كتبهم*** قد صرحوا بالفوق للرحمن
وحكى لنا أجماعهم شيخ الورى*** والدين عبد القادر الجياني
وأبو الوليد المالكي أيضا حكى*** اجماعهم علم الهدى الحراني
وله اطلاع لم يكن من قبله*** لسواه من متكلم ولسان
هذا ونقطع نحن أيضا أنه *** اجماعهم قطعا على البرهان


وكذاك نقطع انهم جاؤا باثبات الصفات لخالق الأكوان
وكذاك نقطع أنهم جاؤا باثبات الكلام لربنا الرحمن
وكذاك نقطع انهم جاؤوا باثبات المعاد لهذه الأبدان
وكذاك نقطع أنهم جاؤا بتو*** حيد الاله وما له من ثان
وكذاك نقطع أنهم جاؤا باثبـ***ـات القضاء وما له قولان
فالرسل متفقون قطعا في أصو***ل الدين دون شرائع الايمان
كل له شرع ومنهاج وذا*** في الأمر لا التوحيد فافهم ذان
فالدين في التوحيد واحد*** لم يختلف منهم عليه اثنان


دين الاله اختاره لعباده*** ولنفسه هو قيم الأديان
فمن المحال بأن يكون لرسله*** في وصفه خبران مختلفان
وكذاك نقطع أنهم جاؤوا بعد*** لـ الله بين طوائف الانسان
وكذاك نقطع أنهم أيضا دعوا*** للخمس وهي قواعد الايمان
أيماننا بالله ثم برسله*** وبكتبه وقيامة الأبدان
وبجنده وهو أصول الملائكة الآلى*** هم رسله لصالح الأكوان
هذي أصول الدين حقا لا أصو***ل الخمس للقاضي وهو الهمداني


تلك الاصول للاعتزال وكم لها*** فرع فمنه الخلق للقرآن
وجحود أوصاف الاله ونفيهم*** لعلوه والفوق للرحمن
وكذاك نفيهم لرؤيتنا له*** يوم اللقاء كما يرى القمران
ونفوا قضاء الرب والقدر الذي*** سيبق الكتاب به هما شيئان
من أجل هاتيك الأصول خلدوا*** أهل الكبائر في لظى النيران
ولأجلها نفوا الشفاعة فيهم*** ورموا رواة حديثها بطعان
ولأجلها حكموا على الرحمن*** بالشرع المحال شريعة البهتان
لأجلها هم يوجبون رعاية*** للأصلح الموجود في الامكان
حقا على رب الورى بعقولهم*** سبحانك الله ذي السبحان


فصل

هذا وسادس عشرها اجماع أهـ***ـل العلم أعني حجة الأزمان
من كل صاحب سنة شهدت له*** أهل الحديث وعسكر القرآن
لا عبرة بمخالف لهم ولو*** كانوا عديد الشاء والبعران
ان الذي فوق السموات العلى*** والعرش وهو مباين الأكوان
هو ربنا سبحانه وبحمده*** حقا على العرش استوى الرحمن
فأسمع اذا أقوالهم وأشهد لهم ولو*** كانوا عديد الشاء والبعران
ان الذي فوق السموات العلى*** والعرش وهو مباين الأكوان
هو ربنا سبحانه وبحمده*** حقا على العرش استوى الرحمن
فأسمع اذا أقوالهم وأشهد عليـ***ـهم بعدها بالكفر والايمان
واقرأ تفاسير الأئمة ذاكري الأسـ**ـناد فهي هداية الحيران
وانظر الى قول ابن عباس بتفسـ***ـير استوى ان كنت ذا عرفان
وانظر الى أصحابه من بعده*** كمجاهد ومقاتل حبران


وانظر الى الكلبي أيضا والذي*** قد قاله من غير ما نكران
وكذا رفيع التابعي أجلهم*** ذاك الرياحي العظيم الشان
كم صاحب القي اليه علمه*** فلذاك ما اختلفت عليه اثنان
فليهن من قد سبه اذ لم يوا***فق قوله تحريف ذي البهتان
فلهم عبارات عليها أربع*** قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك أر**تقع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو أربع*** وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره*** أدرى من الجهمي بالقرآن
والأشعري يقول تفسير استوى*** بحقيقة استولى من البهتان
هو قول أهل الاعتزال وقول*** اتباع لجهم وهو ذو بطلان
في كتبه قد قال ذا من موجز*** وأبانة ومقالة ببيان
وكذلك البغوي أيضا قد حكا***ه عنهم بمعالم القرآن


وانظر كلام امامنا هو مالك*** قد صاح عن قول ذي اتقان
في الاستواء بأنه المعلوم لكن كيفه خاف على الأذهان
وروى ابن نافع الصدوق سماعه*** منه على التحقيق والاتقان
الله حقا في السماء وعلمه*** سبحانه حقا بكل مكان
فانظر الى التفريق بين الذات والـ*** معلوم من ذا العالم الرباني
فالذات خصت بالسماء وانما ال***معلوم عم جميع ذي الأكوان
ذا ثابت عن مالك من رده*** فلسوف يلقى مالكا بهوان
وكذاك قال الترمذي بجامع*** عن بعض أهل العلم والايمان
الله فوق العرش لكن علمه*** مع خلقه تفسير ذي ايمان


وكذاك أوزاعيهم أيضا حكى*** عن سائر العلماء في البلدان
من قرنه والتابعين جميعهم*** متوافرين وهم أولو العرفان
أيمانهم بعلوه سبحانه*** فوق العباد وفوق ذي الأكوان
وكذاك قال الشافعي حكاه عنه البيهقي وشيخه الرباني
حقا قضى الله الخلافة ربنا*** فوق السماء لأصدق العبدان
حب الرسول وقائم من بعده*** بالحق لا فشل ولا متوان
فانظر الى المقضي في ذي الأرض لكن في السماء قضاء ذي السلطان
وقضاؤه وصف له لم ينفصل*** عنه وهذا واضح البرهان


وكذلك النعمان قال وبعده*** يعقوب والألفاظ للنعمان
من لم يقر بعرشه سبحانه*** فوق السماء***وفوق كل مكان
ويقر أن الله فوق العرش لا*** يخفى عليه هواجس الأذهان
فهو لا شك في تكفيره*** لله درك من امام زمان
هذا الذي في الفقه الأكبر عندهم*** وله شروح عدة ليان
وانظر مقالة أحمد ونصوصه*** في ذاك نلقاها بلا حسبان
فجميعها قد صرحت بعلوه*** وبالاستوى والفوق للرحمن
وله نصوص واردات لم تقع*** لسواه من فرسان هذا الشان
اذ كان ممتحنا بأعداء الحديث وشيعة التعطيل والكفران
واذا أردت نصوصه فانظر الى*** ما قد حكي الخلال ذو الاتقان


وكذاك اسحاق الامام فانه*** قد قال ما فيه هدى الحيران
وابن المبارك قال قولا شافيا*** أنكاره علم على البهتان
قالوا له ما ذاك نعرف ربنا*** حقا به لنكون ذا ايمان
فأجاب نعرفه بوصف علوه*** فوق السماء مباين الأكوان
وبأنه سبحانه حقاعلى العرش الرفيع فجل ذو السلطان
وهو الذي قد شجع ابن خزيمة*** اذ سل سيف الحق والعرفان
وقضي بقتل المنكرين علوه*** بعد استتابتهم من الكفران
وبانهم يلقون بعد القتل فو**ق مزابل الميتات والأنتان
فشفى الامام العالم الحبر الذي*** يدعي أمام أئمة الأزمان
وقد حكاه الحاكم العدل الرضي*** في كتبه عنه بلا نكران


وحكى ابن عبد البر في تمهيده*** وكتاب الاستذكار غير جبان
اجماع أهل العلم أن الله فو***ق العرش بالايضاح والبرهان
وأتى هناك بما شفى أهل الهدى*** لكنه مرض على الهميان
وكذا على الأشعري فانه*** في كتبه قد جاء بالتبيان
من موجز وابانة ومقالة*** ورسائل للثغر ذات بيان
وأتى بتقرير استواء الرب فو***ق العرش بالايضاح والبرهان
وأتى بتقرير العلو بأحسن التقرير فانظر كتبه بعيان
والله ما قال المجسم مثل ما*** قد قاله ذا العالم الرباني
فأرموه ويحكم بما ترموا به*** هذا المجسم يا أولي العدوان
أو لا فقولوا أن ثم حزازة*** وتنفس الصعداء من حران
فسلوا الاله شفاء ذا الداء العضا***ل مجانب الاسلام والايمان


وانظر الى حرب واجماع حكى*** لله درك من فتى كرماني
وانظر الى قول ابن وهب أوحد الـ***علماء مثل الشمس في الميزان
وأنظر الى ما قال عبدالله في***تلك الرسالة مفصحا ببيان
من أنه سبحانه وبحمده*** بالذات فوق العرش والأكوان
وانظر الى ما قاله الكرخي في*** شرح لتصنيف امرء رباني
وانظر الى الأصل الذي هو شرحه*** فهما الهدى للمدد حيران
وانظر الى تفسير ذاك الفاضل*** الثبت الرضي المتطلع الرباني
ذاك الامام ابن الامام وشيخه*** وأبوه سفيان فرازياني
وانظر الى النسائي في تفسيره*** هو عندنا سفر جليل معان
واقرأ كتاب العرش للعبسي وهو*** محمد المولود من عثمان
واقرأ لمسند عمه ومصنف*** أتراهما نجمين بل شمسان
واقرأ كتاب الاستقامة للرضي*** ذاك ابن أصرم حافظ رباني


واقرأ كتاب الحافظ الثقة الرضي*** في السنة العليا فتى الشيباني
ذاك ابن أحمد أوحد الحفاظ قد*** شهدت له الحفاظ بالاتقان
واقرأ كتاب تأثرم العدل الرضي*** في السنة الأولى امام زمان
وكذا الامام ابن الامام المرتضي*** حقا أبي داود ذي العرفان
تصنيفه نظما ونثرا واضح*** في السنة المثلى هما نجمان
واقرأ كتاب السنة الأولى التي*** أبداه مضطلع من الايمان
ذاك النبيل ابن النبيل وكتابه*** أيضا نبيل واضح البرهان
وانظر الى قول ابن أسباط الرضي*** وانظر الى قول الرضي سفيان
وانظر الى قول ابن زيد ذاك حماد وحماد الامام الثاني


وانظر الى ما قاله علم الهدى*** عثمان ذاك الدرامي الرباني
في نقضه والرد يا لهما كتا***با سنة وهما لنا علمان
هدمت قواعد فرقة جهمية*** فخرت سقوفهم على الحيطان
وانظر الى ما في صحيح محمد***ذاك البخاري العظيم الشان
من رده ما قاله الجهمي بالنقل الصحيح الواضح البرهان
وانظر الى تلك التراجم ما الذي*** في ضمنها ان كنت ذا عرفان
وانظر الى ما قاله الطبري في الشرح الذي هو عندكم سفران
أعني الفقيه الشافعي اللالكا***ئي المسدد ناصر الايمان
وانظر الى ما قاله علم الهدى التيمي في ايضاحه وبيان
ذاك الذي هو صاحب الترغيب والترهيب ممدوح بكل لسان
وانظر الى ما قاله في السنة الكبرى سليمان هو الطبراني
وانظر الى ما قاله شيخ الهدى*** يدعى بطلمنكيهم ذو شان
وانظر الى قول الطحاوي الرضي*** وأجره من تحريف ذي بهتان
وكذلك القاضي أبو بكر هو ابن الباقلاني قائد الفرسان
قد قال في تمهيده ورسائل*** والشرح ما فيه جلي ببيان
في بعضها حقا على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان
وأتى بتقرير العلو وأبطل اللام التي زيدت على القرآن
من أوجه شتى وذا في كتبه*** باد لمن كانت له عينان


وانظر الى قول ابن كلاب وما*** يقضي به المعطل الرحمن
اخرج من النقل الصحيح وعقله*** من قال قول الزور والبهتان
أوليس الاله بداخل في خلقه*** أو خارج عن جملة الأكوان
وانظر الى ما قاله الطبري في التـ*** فسير والتهذيب قول معاني
وانظر الى ما قاله في سورة الأعراف مع طه ومع سبحان
وانظر الى ما قاله البغوي في*** تفسيره والشرح بالاحسان
في سورة الأعراف عند الاستوى*** فيها وفي الاولى من القرآن
وانظر الى ما قاله ذو سنة*** وقراءة ذاك الامام الداني
وكذاك سنة الأصبهاني أبي الشيخ الرضي المستل من حبان
وانظر الى ما قاله ابن سريج البحر الخضم الشافعي الثاني
وانظر الى ما قاله علم الهدى*** أعني أبا الخير الرضي النعمان


وكتابه في الفقيه وهو بيانه*** يبدي مكانته من الايمان
وانظر الى السنن التي قد صنف العلماء بالآثار والقرآن
زادت على المائتين منها مفردا*** أوفى من الخمسين في الحسبان
منها لأحمد عدة موجودة*** فينا رسائله الى الاخوان
واللاء في ضمن التصانيف التي*** شهرا ولم تحتج الى حسبان
فكثيرة جدا فمن يك راغبا*** فيها يجد فيها هدى الحيران
وهم النجوم لكل عبد سائر*** يبغى الاله وجنة الحيوان
أصحابها هم حافظوا الاسلام لا*** أصحاب جهم حافظو الكفران
وسواهم والله قطاع الطريق أئمة تدعو الى النيران
ما في الذين حكيت عنهم آنفا*** من حنبلي واحد بضمان
بل كلهم والله شيعة أحمد*** فأصوله وأصولهم سيان
وبذاك في كتب لهم قد صرحوا*** وأخو العماية ما له عينان
أتظنهم لفظية جهلية*** مثل الحمير تقاد بالارسان
حاشاهم من ذاك بل والله هم*** أهل العقزل وصحة الأذهان


فانظر الى تقريرهم لعلوه*** بالنقل والمعقول والبرهان
عقلان عقل بالنصوص مؤيد*** ومؤيد بالمنطق اليوناني
والله ما استويا ولن يتلاقيا*** حتى تشيب مفارق الغربان
افتقذفون أولاء بل أضعافهم*** من سادة العلماء كل زمان
بالجهل والتشبيه والتجسيم والتبديع والتضليل والبهتان
يا قومنا اعتبرا بمصرع من خلا*** من قبلكم في هذه الأزمان
لم يغن عنهم كذبهم ومحالهم*** وقتالهم بالزور والبهتان
كلا ولا التدليس والتلبيس عند الناس والحكام والسلطان


وبدا لهم عند انكشاف غطائهم*** ما لم يكن للقوم في حسبان
وبدا لهم عند انكساف حقائق الـ***إيمان أنهم على البطلان
ما عندهم والله غير شكاية*** فاءتوا بعلم وانطقوا ببيان
ما يشتكي الا الذي هو عاجز*** فاشكوا لنعذركم الى القرآن
ثم اسمعوا ماذا الذي يقضي لكم*** وعليكم فالحق في الفرقان
لبستم معنى النصوص وقولنا*** فغدا لكم للحق تلبيسان
من حرف النص الصريح فكيف لا*** يأتي بتحريف على إنسان


يا قوم والله العظيم أسأتم *** بأئمة الاسلام ظن الشاني
ما ذنبهم ونبيهم قد قال ما*** قالوا كذاك منزل الفرقان
ما الذنب الا النصوص لديكم*** اذ جسمت بل شبهت صنفان
ما ذنب من قد قال ما نطقت له*** من غير تحريف ولا عدوان
هذا كما قال الخبيث لصحبه*** كلب الروافض أخبث الحيوان
لما أفاضوا في حديث الرفض عند القبر لا تخشون من انسان
يا قوم أصل بلائكم ومصابكم*** من صاحب القبر الذي تريان
كم قدم ابن أبي قحافة بل غدا*** يثنى عليه ثناء ذي شكران
ويقول في مرض الوفاء يؤمكم*** عني أبو بكر بلا روغان
ويظل يمنع من امامة غيره*** حتى يرى في صورة ميلان


ويقول لو كنت الخليل لواحد*** في الناس كان هو الخليل الداني
لكنه الأخ والرفيق وصاحبي*** وله علينا منه الاحسان
ويقول للصديق يوم الغار لا*** تحزن فنحن ثلاثة الا اثنان
الله ثالثنا وتلك فضيلة*** ما حازها الى فتى عثمان
يا قوم ما ذنب النواصب بع ذا*** لم يدهكم الا كبير الشان
فتفرقت تلك الروافض كلهم*** قد أطبقت أسنانه الشفتان
وكذلك الجهمي ذاك رضيعهم*** فيما رضيعا كفرهم بلبان
ثوبان قد نسجا على المنوال يا*** عريان لا تلبس فما ثوبان
والله شر منهما فهما على*** أهل الضلالة والشقا علمان




فصل

هذا وسابع عشرها اخباره*** سبحانه في محكم القرآن
عن عبده موسى الكليم وحربه*** فرعون ذي التكذيب والطغيان
تكذيبه موسى الكليم بقوله*** لببه ربي في السماء نباني
ومن المصائب قولهم أن اعتقا***د الفوق من فرعون ذي الكفران
فإذا اعتقدتم ذا أشياع له*** أنتم وذا من أعظم البهتان
فأسمع إذا من ذا الذي أولى بفر***عون المعطل جاحد الرحمن
وانظر الى ما جاء في القصص التي*** تحكي مقال أمامهم ببيان


والله قد جعل الضلالة قدوة*** بأئمة تدعو الى النيران
فامام كل معطل في نفسه*** فرعون مع نمرود مع هامان
طلب الصعود الى السماء مكذبا*** موسى ورام الصرح بالبنيان
بل قال موسى كاذب في زعمه*** فوق السماء الرب ذو السلطان
فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني*** ارقى اليه بحيلة الانسان
وأظن موسى كاذبا في قوله*** اله فوق العرش ذو السلطان
وكذاك كذبه بأن الهه*** ناداه بالتكليم دون عيان
هو أنكر التكليم والفوقية الـ*** ـعليا كقول الجهمي ذي صفوان
فمن الذي أولى بفرعون اذا*** منا ومنكم بعد ذا التبيان


يا قومنا والله ان لقولنا*** ألفا تدل عليه بل الفان
عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ***ولى وذوق حلاوة القرآن
كل يدل بأنه سبحانه*** فوق السماء مباين الأكوان
أترون أنا تاركون ذا كله*** لحباجع التعطيل والهذيان
يا قوم ما انتم على شيء الى*** أن ترجعوا للوحي بالاذعان
وتحكموه في الجليل ودقه*** تحكيم تسليم مع الرضوان


قد أقسم الله العظيم بنفسه*** قسما يبين حقيقة الايمان
أن ليس يؤمن من يكون محكما*** غير الرسول الوضح البرهان
بل ليس يؤمن غير من قد حكم الـ*** وحيين حسب فذاك ذو ايمان
هذا وما ذاك المحكم مؤمنا*** ان كان ذا حرج وضيق بطان
هذا وليس بمؤمن حتى يسلم للذي يقضي به الوحيان
يا قوم بالله العظيم نشدتكم*** وبحرمة الايمان والقرآن
هل حدثتكم قط أنفسكم بذا*** فسلوا نفوسكم عن الايمان


لكن رب العالمين وجنده** ورسوله المبعوث بالقرآن
هم يشهدون بأنكم أعداء من*** ذا شأنه أبدا بكل زمان
ولأي شيء كان أحمد خصمكم**** اعني ابن خنبل الرضي الشيباني
ولأي شيء كان بعد خصومكم*** أهل الحديث وعسكر القرآن
ولأي شيء كان أيضا خصمكم*** شيخ الوجود العالم الحراني
أعني أبا العباس ناصر سنة المختـ***ـار قامع سنة الشيطان
والله لم يك ذنبه شيئا سوى*** تجريده لحقيقة الايمان
اذ جرد التوحيد عن شرك كذا*** تجريده للوحي عن بهتان
فتجرد المقصود عن قصد له*** فلذاك لم ينصف الى انسان


ما منهم أحد دعا لمقالة*** غير الحديث ومقتضى الفرقان
فالقوم لم يدعو الى غير الهدى*** ودعوتم أنتم لرأي فلان
شتان بين الدعوتين فحسبكم*** يا قوم ما بكم من الخذلان
قالوا لنا لما دعوناهم الى*** هذا مقالة ذي هوى ملآن
ذهبت مقادير الشيوخ وحـ***ـمة العلماء بل عبرتهم العينان
وتركتم أقوالهم هدرا وما*** أصغت اليها منكم أذنان
لكن حفظنا نحن حرمتهم ولم*** نعد الذي قالوه قدر بنان


يا قوم والله العظيم كذبتم*** وأتيتم بالزور وبالهتان
ونسبتم العلماء للأمير الذي*** هم منه أهل براءة وأمان
والله ما أوصاكم أن تتركوا*** قول الرسول لقولهم بلسان
كلا ولا في كتبهم هذا بلى*** بالعكس أوصاكم بلا كتمان
اذ قد أحاط العلم منهم أنهم*** ليسوا بمعصومين بالبرهان
كلا وما منهم أحاط بكل ما*** قد قاله المبعوث بالقرآن
فلذاك أوصاكم بأن لا تجعلوا*** اقوالهم كالنص في الميزان
لكن زنوها بالنصوص فإن توا***فقها فتلك صحيحة الأوزان


لكنكم قدمتم أقوالهم*** أبدا على النص العظيم الشان
والله لا لوصية العلماء نفـ***ـذتم ولا لوصية الرحمن
وركبتهم الجهلين ثم تركتم النصـ***ـين مع ظلم ومع عدوان
قلنا لكم فتعلموا قلتم أما*** نحن الأئمة فاضلوا الأزمان
من أين والعلماء أنتم فاستحوا*** اين النجوم من ثرى التحتاني
لم يشبه العلماء الا أنتم*** أشبهتم العلماء في الأذقان
والله لا علم ولا دين ولا*** عقل ولا بمروءة الانسان
عاملتم العلماء حين دعوكم*** للحق بل بالبغي والعدوان


ان أنتم الا الذباب اذا رأى*** طعما فيا لمساقط الدبان
واذا رأى فزعا تطاير قلبه*** مثل البغاث يساق بالعقبان
واذا دعوناكم الى البرهان كا***ن جوابكم جهلا بلا برهان
نحن المقلدة الألى ألفو كذا*** آباءهم في سالف الأزمان
قلنا فكيف تكفرون وما لكم*** علم بتكفير ولا ايمان
اذ أجمع العلماء أن مقلدا*** للناس والأعمى هما أخوان
والعلم معرفة الهدى بدليله*** ما ذاك والتقليد مستويان
حرما بكم والله لا أنتم مع العلمـ***ـاء تنفادون للبرهان
كلا ولا متعلمون فمن ترى*** تدعون نحسبكم من الثيران
لكنها والله أنفع منك*** للأرض في حرث وفي دوران
نالت بهم خيرا ونالت منكم المعهـ***ـود من بغي ومن عدوان
فمن الذي هير وأنفع للورى*** أنتم أم الثيران بالبرهان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:25 AM
فصل

هذا وثامن عشرها تنزيهه*** سبحانه عن موجب النقصان
وعن العيوب وموجب التمثيل*** والتشبيه جل الله ذو السطلن
ولذاك نزه نفسه سبحانه*** عن أن يكون له شريك ثان
أو أن يكون له ظهير في الورى*** سبحانه عن افك ذي بهتان
أو أن يوالي خلقه سبحانه*** من حاجة أو ذلة وهوان
أو أن يكون لديه أصلا شافع*** الا باذن الواحد المنان
وكذاك نزه نفسه عن والد*** وكذاك عن ولدها نسبان
وكذاك نزه نفسه عن زوجة*** وكذاك عن كفو يكون مداني


ولقد أتى التنزيه عما لم يقم*** كي لا يزور بخاطر الانسان
فانظر الى التنزيه عن طعم ولم*** ينسب اله قط من انسان
وكذلك التنزيه عن موت وعن*** نوم وعن سنة وعن غشيان
وكذلك التنزيه عن نسيانه*** والرب لم ينسب الى نسيان
وكذلك التنزيه عن ظلم وفي الأفعـ***ـال عن عبث وعن بطلان
وكذلك التنزيه عن تعب وعن*** عجز ينافي قدرة الرحمن


ولقد حكى الرحمن قولا قاله*** فنحاص ذون البهتان والكفران
ان الاله هو الفقير ونحن أصحـ***ـاب الغنى ذو الوجد والامكان
وكذاك أضحى ربنا مستقرضا*** أموالنا سبحان ذي الاحسان
وحكى مقالة قائل من قومه*** أن العزيز ابن من الرحمن
هذا وما القولان قط مقالة *** منصورة في موضع وزمان
لكن مقالة كونه فوق الورى*** والعرش وهو مباين الأكوان
قد طبقت شرق البلاد وغربها*** وغدت مقررة لذي الأذهان
فلأي شيء لم ينزه نفسه*** سبحانه في محكم القرآن
عن ذي المقالة مع تفاقم أمرها*** وظهورها في سائر الأديان
بل دائما يبدي لنا اثباتها*** ويعيده بأدلة التبيان


لا سيما تلك المقالة عندكم*** مقرونة بعبادة الأوثان
أو أنها كمقالة لمثلث*** عبد الصليب المشرك النصراني
اذ كان جسما كل موصوف بها*** ليس الاله منزل الفرقان
فالعابدون لمن على العرش استوى*** بالذات ليسوا عابدي الديان
لكنهم عباد أوثان لدى*** هذا المعطل جاحد الرحمن
ولذاك قد جعل المعطل كفرهم*** هو مقتضى المعقول والبرهان
هذا رأيناه بكتبكم ولم*** نكذب عليكم فعل ذي البهتان
ولأي شيء لم يحذر خلقه*** عنها وهذا شأنها ببيان
هذا وليس فسادسها بمبين*** حتى يحال لنا على الأذهان
ولذاك قد شهدت أفاضلكم لها*** بظهورها للوهم في الانسان
وخفاء ما قالوه من نفي على الا***ذهان بل تحتاج للبرهان


فصل

هذا وتاسع عشرها الزام ذي التعطيل أفسد لازم ببيان
وفساد لازم قوله هو مقتضى*** لفساد ذاك القول بالبرهان
فسل المعطل عن ثلاث مسائل*** تقضي على التعطيل بالبطلان
ماذا تقول كان يعرف ربه*** هذا الرسول حقيقة العرفان
أم لا وهل كانت نصيحته لنا*** كل النصيحة ليس بالخوان
أم لا وهل حاز البلاغة كلها*** فاللفظ والمعنى له طواعن
فاذا انتهت هذي الثلاثة فيه كا***ملة مبرأة من النقصان
فلأي شيء عاش فينا كاتما*** للنفي والتعطيل في الأزمان
بل مفصحا بالضد نته حقيقة الا***فصاح موضحة بكل بيان


ولأي شيء لم يصرّح بالذي*** صرحتم في ربنا الرحمن
العجزه عن ذاك أم تقصيره*** في النصح أم لخفاء هذا الشان
حاشاه بل ذا وصفكم يا أمة التطيل الا المبعوث بالقرآن
ولأي شيء كان يذكر ضد ذا*** في كل مجتمع وكل زمان
أتراه أصبح عاجزا عن قوله أستولى وينزل أمره وفلان
والله ما قاله الأئمة غير ما*** قد قاله من غير ما كتمان
لكن لأن عقول أهل زمانهم*** ضاقت بحمل دقائق الايمان
وغدت بصائرهم كخفاش أتى*** ضوء النهار فكف عن طيران
حتى اذا ما الليل جاء ظلامه*** أبصرته يسعى بكل مكان


وكذاك عقولكم لو استشعرتم**** يا قوم كالحشرات والفيران
أنست بايحاش الظلام وما لها*** بمطالع الأنوار قد يدان
لو كان حقا ما يقول معطل*** لعلوه وصفاته الرحمن
لزمتكم شنع ثلاث فارتؤا*** أو خلة منهن أو ثنتان
تقديمهم في العلم أو في نصحهم*** أو في البيان أذاك ذو امكان
ان كان فيهما ضد الذي قلتم وما*** ضدان في المعقول يجتمعان
بل كان أولى أن يعطل منهما*** ويحال في علم وفي عرفان
أما على جهم وجعد أو على النظام أو ذي المذهب اليوناني


وكذاك اتباع لهم فقع الفلا***صم وبكم تابعوا العميان
وكذاك أفراخ القرامطة الألى*** قد جاهروا بعداوة الرحمن
كالحاكمية والألى والوهم*** كأبي سعيد ثم آل سنان
وكذا ابن سينا والنصير نصير أهل الشرك والتكذيب والكفران
وكذاك أفراخ المجوس وشبههم*** والصابئين وكل ذي بهتان
اخوان ابليس اللعين وجنده*** لا مرحبا بعساكر الشيطان


أفمن حوالته على التنزيل والوحي المبين ومحكم القرآن
كمحير أضحت حوالته على*** أمثاله أم كيف يستويان
ام كيف يشعر تائه بمصابه*** والقلب قد جعلت له قفلان
قفل من الجهل المركب فوقه*** قفل التعصب كيف ينفتحان
ومفاتيح الأقفال في يد من له*** التصريف سبحانه عظيم الشان
فاسأله فتح القفل مجتهدا على الأسنان أن الفتح بالأسنان


فصل

هذا وخاتم العشرين وجها هو أقربها الى لأذهان
سرد النصوص فانها قد نوعت*** طرق الأدلة في أتم بيان
والنظم يمنعني من استيفائها*** وسياقه الألفاظ بالميزان
فأشير بعض اشارة لمواضع*** منها وأين البحر من خلجان
فاذكر نصوص الاستواء فإنها*** في سبع آيات من القرآن
واذكر نصوص الفوق أيضا ف ثلا***ث قد غدت معلومة التبيان
واذكر نصوص علوه في خمسة*** معلومة برئت من النقصان


واذكر نصوصا في الكتاب تضمنت***تنزيله من ربنا الرحمن
فتضمنت أصلين قام عليهما الـ***ـاسلام والايمان كالبنيان
كون الكتاب كلامه سبحانه*** وعلوه من فوق كل مكان
وعدادها سبعون حين تعد أو*** زادت على السبعين في الحسبان
واذكر نصوصا ضمنت رفعا ومعرا***جا وأصعادا الى الديان
هي خمسة معلومة بالعد وال*** حسبان فاطلبها من القرآن


ولقد أتى في سورة الملك التي*** تنجي لقارئها من النيران
نصان أن الله فوق سمائه*** عند المحرف ما هما نصان
ولقد أتى التخصيص بالعند الذي*** قلنا بسبع بل أتى بثمان
منها صريح موضعان بسورة الأ***عراف ثم الأنبياء الثاني
فتدبر التعيين وانظر ما الذي*** لسواه ليست تقتضي النصان
وبسورة التحريم أيضا ثالث*** بادي الظهور لمن له أذنان


ولديه في مزمل قد بينت*** نفس المراد وقيدت ببيان
لا تنقض الباقي فما لمعطل*** من راحة فيها ولا تبيان
وبسورة الشورى وفي مزمل*** سر عظيم شانه ذو شان
لم يسمح المتأخرون بنقله*** جبنا وضعفا عنه في الايمان
بل قاله المتقدمون فوارس الا***يلام هم امراء هذا الشان
ومحمد بن جرير الطبري في*** تفسيره حكيت به القولان


فصل

هذا وحاديها وعشرون الذي*** قد جاء في الأخبار والقرآن
اتيان رب العرش جل جلاله*** ومجيئه للفصل بالميزان
انظر الى التقسيم والتنويع في القـ*** ـرآن تلفيه صريح بيان
ان المجيء لذاته لا أمره*** كلا ولا ملك عظيم الشان
اذ ذانك الأمران قد ذكرا وبينهمـ***ـا مجيء الرب ذي الغفران
والله ما احتمل المجيء سوا مجي***ْ الذات بعد تبين البرهان
من أين يأتي يا أولي المعقول أن*** كنتم ذوي عقل مع العرفان
من فوقنا أو تحتنا أو عن شما*** ئلنا ومن خلف وعن أيمان
والله لا يأتيهم من تحتهم*** أبدا تعالى الله ذو السلطان
كلا ولا من خلفهم وأمامهم*** وعن الشمائل أو عن الأيمان
والله لا يأتيهم الا من العـ***ـلو الذي هو فوق كل مكان


فصل في الاشارة الى ذلك من السنة

وأذكر حديثا في الصحيح تضمّنت*** كلماته تكذيب ذي البهتان
لما قضى الله الخليقة ربنا*** كتبت يداه كتاب ذي الاحسان
وكتابه هو عنده وضع على العـ***ـرش المجيد الثابت الأركان
اني انا الرحمن تسبق رحمتي*** غضبي وذاك لرأفتي وحناني
ولقد أشار نبينا في خطبة*** نحو السماء بأصبع وبنان
مستشهدا رب السموات العلى*** ليرى ويسمع قوله الثقلان
أتراه أمسى في رقية المرضـ***ـى عن الهادي المبين أتم ما تبيان
نص بأن الله فوق سمائه *** فاسمعه ان سمعت لك الأذنان


ولقد أتى خبر رواه عمه العبـ***ـاس صنو أبيه ذو الاحسان
أن السموات العلى من فوقهـ***ـن الكرسي عليه العرش للرحمن
والله فوق العرش ينظر خلقه*** فانظره أن سمحت لك العينان
واذكر حديث حصين بن المنـ***ـذر الثقة الرضي أعني أبا عمران
اذ قال ربي في السماء لرغبتي*** ولرهبتي أدعوه كل أوان
فأقره الهادي البشير ولم يقل*** أنت المجسم قائل بمكان
حيزت بل جيهت بل شبهت بل*** جسمت لست بعارف الرحمن
هذي مقالتهم لمن قد قال ما*** قد قاله حقا أبو عمران
فالله يأخذ حقه منهم ومن*** أتباعهم فالحق للرحمن


واذكر شهادته لمن قال ربـ***ـي في السما بحقيقة الايمان
وشهادة العدل المعطل للذي*** قد قال ذا بحقيقة الكفران
واحكم بأيهما تشاء وأنني*** لأراك تقبل شاهد البطلان
ان كنت من أتباع جهم صـ***ـاحب التعطيل والعدوان والبهتان
واذكر حديثا لابن اسحاق الرضي*** ذاك الصدوق الحافظ الرباني
في قصة استسقائهم يستشفعو*** ن الله الى الرسول بربه المنان
فاستعظم المختار ذاك وقال شأ***ن الله رب العرش أعظم شأن
الله فوق العرش فوق سمائه*** سبحان ذي الملكوت والسلطان
ولعرشه منه أطيط مثل ما*** قد أط رحل الراكب العجلان


لله ما لقي ابن اسحاق من الجهمي اذ يرميه بالعدوان
ويظل يمدحه اذا كان الذي*** يروي يوفق مذهب الطعان
كم قد رأينا منهم أمثال ذا*** فالحكم لله العلي الشان
هذا هو التطفيف لا التطفيق في*** ذرع ولا كيل ولا ميزان
واذكر حديث نزوله نصف الدجى *** في ثلث ليل آخر أو ثان
فنزول رب ليس فوق سمائه*** في العقل ممتنع وفي القرآن
واذكر حديث الصادق ابن رواحة*** في شأن جارية لدى الغشيان
فيه الشهادة أن عرش الله فو***ق الماء خارج هذه الأكوان
والله فوق العرش جل جلاله*** سبحانه عن نفي ذا البهتان
ذكر ابن عبد البر في استيعابه*** هذا وصححه بلا نكران


وحديث معراج الرسول فثابت*** وهو الصريح بغاية التبيان
والى اله العرش كان عروجه*** لم يختلف من صحبه رجلان
واذكر قصة بخندق حكما عروجه*** لقريظة من سعد الرباني
شهد الرسول بأن حكم الهنا*** من فوق سبع وفقه بوزان
واذكر حديثا للبراء رواه أصحاب المساند منهم الشيباني
وأبو عوانة ثم حاكمنا الرضي*** وأبو نعيم الحافظ الرباني
قد صححوه وفيه نص ظاهر*** ما لم يحرفه أولوا العدوان
في شأن روح العبد عند وداعها*** وفراقها لمساكن الأبدان
فتظل تصعد في سماء فوقها*** أخرى الى خلاقها الرحمن
حتى تصير الى سماء ربها*** فيها وهذا نصه بأمان


واذكر حديثا في الصحيح وفيه تحذير لذات البعل من الهجران
من سخط رب السماء على التي*** هجرت بلا ذنب ولا عدوان
واذكر حديثا قد رواه جابر*** فيه الشفاء لطالب الايمان
في شأن أهل الجنة العليا*** يلقون من فضل ومن احسان
بيناهم في عيشهم ونعيمهم*** واذا بنور ساطع الغشيان
لكنهم رفعوا اليه رؤوسهم*** فإذا هو الرحمن ذو الغفران
فيسلم الجبار جل جلاله*** حقا عليهم وهو ذو الاحسان


واذكر حديثا قد رواه الشافعي طريقه فيه أبو اليقظان
في فضل يوم الجمعة الذي*** بالفضل قد شهدت له النصان
يوم استواء الرب جل جلاله*** حقا على العرش العظيم الشان
واذكر مقالته ألست أمين من*** فوق السماء الواحد الرحمن
واذكر حديث أبي رزين ثم سقه بطوله كم فيه من عرفان
والله ما لمعطل بسماعه*** أبدا قوي الا على النكران
فأصول دين نبينا فيه أتت*** في غاية الايضاح والتبيان
وبطوله قد ساقه ابن امامنا *** في سنة والحافظ الطبراني
وكذا أبو بكر بتاريخ له*** وأبوه ذاك زهير الرباني


واذكر كلام مجاهد في قوله*** أقم الصلاة وتلك في سبحان
في ذكر تفسير المقام لأحمد*** ما قيل ذا بالرأي والحسبان
ان كان تجسيما فان مجاهدا*** هو شيخهم بل شيخه الفوقاني
وقد أتى ذكر الجلوس به وفي*** أثر رواه جعفر الرباني
أعني ابن عم نبينا وبغيره*** أيضا والحق ذو التبيان
والدارقطني الامام يثبت الآثار في ذا الباب غير جبان
وله قصيد ضمنت هذا وفيها لست للمروي ذا نكران
وجرت لذلك فتنة في وقته*** من فرقة التعطيل والعدوان


والله ناصر دينه وكتابه*** ورسوله في سائر الأزمان
لكن بمحنة حزبه من حربه*** ذا حكمة مذ كانت الفئتان
وقد اقتصرت على يسير من كثير فائت للعد والحسبان
ما كل هذا بقابل التأويل والتحريف فاستحيوا من الرحمن


فصل
في جناية التأويل على ما جاء به الرسول
والفرق بين المردود منه والمقبول

هذا وأصل بلية الاسلام من*** تاويل ذي التحريف والبطلان
وهو الذي قد فرق السبعين بل*** زادت ثلاثا قول ذي البرهان
وهو الذي قتل الخليفة جامع القرآن ذا النورين والاحسان
وهو الذي قتل الخليفة بعده*** أعني عليا قاتل الأقران
وهو الذي قتل الحسين وأهله*** فغدوا عليه ممزقي اللحمان
وهو الذي في يوم حربهم ابا*** ح حمى المدينة معقل الايمان
حتى جرت تلك الدماء كأنها*** في يوم عيد سنة القربان
وغدا له الحجاج يسفكها ويقتل صاحب الايمان والقرآن
وجرى بمكة ما جرى من أجله***من عسكر الحجاج ذي العدوان


وهو الذي أنشأ الخوارج مثل انشـ***ـاء الروافض أخبث الحيوان
ولأجله شتموا خيار الخلق بغـ***ـد الرسل بالعدوان والبهتان
ولأجله سل البغاة سيوفهم*** ظنا بأنهم ذوو احسان
ولأجله قد قال أهل الاعتزا***ل مقالةهدت قوى الايمان
ولأجله قالوا بأن كلامه*** سبحانه خلق من الأكوان
ولأجله قد كذبت بقضائه*** شبه المجوس العابدي النيران
ولأجله قد خلدوا أهل الكبا***ئر في الجحيم كعابدي الأوثان
ولأجله قد أنكروا الشفاعة الـ***ـمختار فيهم غاية النكران


ولأجله ضرب الامام بسوطهم*** صديق أهل السنة الشيباني
ولأجله قد قال خهم ليس رب*** العرش خارج هذه الأكوان
كلا ولا فوق السموات العلى*** والعرش من رب ولا رحمن
ما فوقها رب يطاع جباهنا*** تهوى له بسجود ذي خضعان
ولأجله جحدت صفات كماله*** والعرش أخلوه من الرحمن
ولأجله أفنى الجحيم وجنة الـ***ـمأوى مقالة كاذب وفتان
ولأجله قالوا الاله معطل*** أزلا بغير نهاية وزمان
ولأجله قد قال ليس لفعله*** من غاية هي حكمة الديان


ولأجله قد كذبوا بنزوله*** نحو السماء بنصف ليل ثان
ولأجله زعموا الكتاب عبارة*** وحكاية عن ذلك القرآن
ما عندنا شيء سو المخلوق والـ***ـقرآن لم يسمع من الرحمن
ماذا كلام الله قط حقيقة*** لكن مجاز ويح ذا البهتان
ولأجله قتل ابن نصر أحمد*** ذاك الخزاعي العظيم الشان
اذ قال ذا القرآن نفس كلامه*** ما ذاك مخلوق من الاكوان


وهو الذي جر ابن سينا والآلي*** قالوا مقالته على الكفران
فتأولوا خلق السموات العلى*** وحدوثها بحقيقة الامكان
وتأولوا علم الاله وقوله*** وصفاته بالسلب والبطلان
وتأولوا البعث الذي جاءت به*** رسل الاله لهذه الأبدان
بفراقها لعناصر قد ركبت*** حتى تعود بسيطة الأركان
وهو الذي جر القرامطة الألى*** يتأولون شرائع الايمان
فتأولوا العملي مثل تأويل العـ***ـلمي عندكم بلا فرقان
وهو الذي جر النصير وحزبه*** حتى اتوا بعساكر الكفران
فجرى على الاسلام أعظم محنة*** وخمارها فينا الى ذا الآن


فأساسها التأويل ذو البطلان لا*** تأويل أهل العلم والايمان
اذ ذاك تفسير المراد وكشفه*** وبيان معناه الى الأذهان
قد كان أعلم خلقه بكلامه*** صلى عليه الله كل أوان
يتأول القرآن عند ركوعه*** وسجوده تأويل ذي برهان
هذا الذي قالته أم المؤمنـ***ـين حكاية عنها بلسان
فانظر الى التأويل ما تعني به*** خير النساء وافقه النسوان
أتظنها تعني به صرفا عن ال***معنى القوي لغير ذي الرجحان


وانظر الى التأويل حين يقـ***ـول علمه لعبد الله في القرآن
ماذا أراد به سوى تفسيره*** وظهور معناه ليه ببيان
قول ابن عباس هو التأويل لا*** تأويل جهمي أخي بهتان
وحقيقة التأويل معناه الرجو***ع الى الحقيقة لا الى البطلان
وكذاك تأويل المنام حقيقة الـ***ـمرئي لا التحريف بالبهتان
وكذاك تأويل الذي قد أخبرت*** رسل الاله به من الايمان
لا خلف بين أئمة التفسير في*** هذا وذلك واضح البرهان
نفس الحقيقة اذ تشاهدها لدي*** يوم المعاد برؤية وعيان


هذا كلام الله ثم رسوله*** وأئمة التفسير للقرآن
تأويله هو عند تفسيره*** بالظاهر المفهوم للأذهان
ما قال منهم قط شخص واحد*** تأويله صرف عن الرحجان
كلا ولا نفي الحقيقة ولا ولا*** عزل النصوص عن اليقين فذان
تأويل أهل الباطل المردود عنـ***ـد أئمة العرفان والايمان
وهو الذي لا شك في بطلانه*** والله يقضي فيه بالبطلان


فجعلتم للفظ معنى غير*** معناه لديهم باصطلا ثان
وحملتم الكتاب عليه حتى*** جاءكم من ذاك محذوران
كذب على الألفاظ مع كذب على*** من قالها كذبان مقبوحان
وتلاهما أمران أقبح منهما*** جحد الهدى وشهادة البهتان
اذ يشهدون الزور أن مراده*** غير الحقيقة وهي ذو بطلان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:29 AM
فصل
فيما يلزم مدعي التأويل لتصحيح دعواه

وعليكم في ذا وظائف أربع***والله ليس لكم بهن يدان
منها دليل صارف للفظ عن*** موضوعه الأصلي بالبرهان
اذ مدعي نفس الحقيقة مدع*** للأصل لم يحتج الى برهان
فإذا استقام لكم دليل الصرف يا*** هيهات طولبتم بأمر ثان
وهو احتمال اللفظ للمعنى الذي*** غ\قلتم هو المقصود بالتبيان
فإذا أتيتم ذاك طولبتم بأمر*** ثالث قلتم هو المقصود بالتبيان
فإذا أتيتم ذاك طولبتم بأمر*** ثالث من بعد هذا الثاني
اذ قلتم ان المراد كذا فما*** ذا دلكم اتخرص الكهان


هب أنه لم يقصد الموضوع لكـ***ـن قد يكون القصد معنى ثان
غير الذي عنيتموه وقد يكو***ن اللفظ مقصودا بدون معان
كتعبد وتلاوة وتحريف لها يسمى بتأ***ويل مع الأتعاب للأهان
والله ما القصدان في حد سوا***ء في حكمة المتكلم المنان
بل حكمة الرحمن تبطل قصـ***ـده التحريف حاشا حكمة الرحمن
وكذاك تبطل قصده انزالها*** من غير معنى واضح التبيان
وهما طريقا فرقتين كلاهما*** عن مقصد القرآن منحرفان


فصل
في طريقة ابن سينا وذويه
من الملاحدة في التأويل

وأتى ابن سينا بعد ذا بطريقة *** أخرى ولم يأنف من الكفران
قال المراد حقائق الألفاظ تخييـ***ـلا وتقريبا الى الأذهان
عجزت عن الادراك للمعقول*** لا في مثال الحس كالصبيان
كي يبرز المعقول في صور من المحسـ***ـوس مقبولا لدى الأذهان
فتسلط التأويل أبطال لهذا القصد وهو جناية من جان
هذا الذي قد قاله مع نفيه*** لحقائق الألفاظ في الأذهان
وطريقة التأويل أيضا قد غدت*** مشتقة من هذه الخلجان
وكلاهما اتفقا على أن الحقيقـ***ـة منتف مضمونها ببيان


لكن قد اختلفا فعند فريقكم*** ما أن أريدت قط بالتبيان
لكن عندهم أريد ثبوتا*** في الذهن اذ عدمت من الاحسان
اذ ذاك مصلحة المخاطب عندهم*** وطريقة البرهان أمر ثان
فكلاهما ارتكبا أشد جناية*** جنيت على القرآن والايمان
جعلوا النصوص لأجلها غرضابهم*** قد خرقوه بأسهم الهذيان
وتسلط الأوغاد والأوقاح*** والأرذال بالتحريف والبهتان
كل اذا قابلته بالنص قا***بله بتأويل بلا برهان


ويقول تأويلي كتأويل الـ***ـذين تأولوا فوقية الرحمن
بل دونه فظهورها في الوحي بالنصـ***ـين مثل الشمس في التبيان
أيسوغ تأويل الصفات مع أنها*** ملء الحديث وملء ذا القرآن
والله تأويل العلو أشد من*** تأويلنا لقيامة الأبدان
وأشد من تأويلنا لحياته*** ولعلمه بمشيئة الأكوان
وأشد من تأويلنا لحدوث هـ***ـذا العالم المحسوس بالامكان
وأشد من تأويلنا بعض الشرا***ئع عند ذي الانصاف والميزان
وأشد من تأويلنا لكلامه*** بالفيض من فعال ذي الأكوان


وأشد من تأويل أهل الرفض أخبار الفضائل حازها الشيخان
وأشد من تأويل كل مؤول*** نصا أبان مراده الوحيان
اذ صرح الوحيان مع كتب الاله جميعها بالفوق للرحمن
فلأي شيء نحن كفار بهذا التأويل بل أنتم على الايمان
انا تأولنا وأنتم قد تأو***لتم فهاتوا أوضح الفرقان
ألكم على تأويلكم أجران حيث لنا على تأويلنا وزران
هذي مقالتهم لكم في كتبهم*** منها نقلناها بلا عدوان
ردوا عليهم ان قدرتم أو فنحوا على طريق عساكر الايمان
لا تحطمنكم جنودهم كحطم السيل ما لاقى من الديدان


وكذا نطالبكم بأمر رابع*** والله ليس لكم بذا امكان
وهو الجواب عن المعارض اذ به الدعوى تتم سليمة الأركان
لكن ذا عين المحال ولو يسا***عدكم عليه رب كل لسان
فأدلة الاثبات حقا لا يقو***م لها الجبال وسائر الأكوان
تنزيل رب العالمين ووحيه*** مع فطرة الرحمن والبرهان
أني يعارضها كناسة هذه*** الأذهان بالشبهات والهذيان
وجعاجع وفراقع ما تحتها*** الا السراب لوارد ظمآن

فلتهنكم هذي العلوم اللاء قد*** ذخرت لكم عن تابع الاحسان
بل عن مشايخهم جميعا ثم وقفتم لها من بعد طول زمان
والله ما ذخرت لكم لفضيلة*** لكم عليهم يا أولي النقصان
لكن عقول القوم كانت فوق ذا*** قدرا وشأنهم فأعظم شان
وهمأجل وعلمهم أعلى وأشرف أن يشاب بزخرف الهذيان
فلذاك صانهم الاله عن الذي*** فيه وقعتم صون ذي احسان


سميتم التحريف تأويلا كذا التعطيل تنزيها هما لقبان
وأضفتم أمرا الى ذا ثالثا*** شر وأقبح منه ذا بهتان
فجعلتم الاثبات تجسيما وتشبيها وذا من أصبح العدوان
فقلبتم تلك الحقائق مثل ما*** قلبت قلوبكم عن الايمان
وجعلتم الممدوح مذموما كذا*** بالعكس حتى استكمل اللبسان
وأردتم أن تحمدوا بالاتبا***ع نعم لكن لمن يا فرقة البهتان
وبغيتم أن تنسبوا للابتدا***ع عساكر الآثار والقرآن

وجعلتم الوحيين غير مفيدة*** للعلم والتحقيق والبرهان
لكن عقول الناكبين عن الهدى*** لها تفيد ومنطق اليونان
وجعلتم الايمان كفرا والهدى*** عين الضلال وذا من الطغيان
ثم استحقيتم عقولا ما أرا***د الله أن تزكوا على القرآن
حتى استجابوا مهطعين لدعوة التعطيل قد هربوا من الايمان
يا ويحهم لو يشعرون بمن دعا***ولما دعا قعدوا قعود الجبان




فصل
في شبه المحرفين للنصوص باليهود وارثهم التحريف منهم
وبراءة أهل الاثبات مما رموهم به من هذا المشبه

هذا وثم بلية مستورة*** فيهم سأبديها لكم ببيان
ورث المحرف من يهود وهم أولو التحريف والتبديل والكتمان
فأراد ميراث الثلاثة منهم*** فعصت عليه غاية العصيان
اذ كان لفظ النص محفوظا فما التبديل والكتمان في الامكان
فأراد تبديل المعاني اذ هي المقصود من تعبير كل لسان
فأتى اليها وهي بارزة من الـ***ألفاظ ظاهرة بلا كتمان
فنفى حقائقها وأعطى لفظها*** معنى سوى موضوعه الحقاني
فجنى على المعنى جناية جاحد*** وجنى على الألفاظ بالعدوان


وأتى الى حزب الهدى أعطاهم*** شبه اليهود وذا من البهتان
اذ قال انهم مشبهة وأنتم مثلهم فمن الذي يلحاني
في هتك أستار اليهود وشبههم*** من فرقة التحريف للقرآن
يا مسلمون بحق ربكم اسمعوا*** قولي وعوه عي ذي عرفان
ثم احكموا من بعد من هذا الذي*** أولى بهذا الشبه بالبرهان
أمر اليهود بأن يقولوا حطة*** فابوا وقالوا حنطة لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى*** فابى وزاد الحرف للنقصان
قال استولى وذا من جهله***لغة وقلا ما هما سيان


عشرون وجها تبطل التأويل باسـ***تولى فلا تخرج عن القرآن
قد أفردت بمصنف هو عندنا*** تصنيف حبر عالم رباني
ولقد ذكرنا أربعين طريقة*** قد أبطلت هذا بحسن بيان
هي في الصواعق أن ترد تحقيقها*** لا تختفي الا على العميان
نون اليهود ولام الجهمي هما*** في وحي رب العرش زائدتان
وكذلك الجهمي عطل وصفه*** ويهود قد وصفوه بالنقصان
فهما اذا? في نفيهم لصفاته العليا كما بينته أخوان


فصل
في بيان بهتانهم في تشبيه أهل الاثبات بفرعون وقولهم ان مقالة
العلو عنه أخذوها وانهم أولى بفرعون وهم أشباهه

ومن العجائب قولهم فرعون مذ***هبه العلو وذاك في القرآن
ولذاك قد طلب الصعود اليه بالصرح الذي قد رام من هامان
هذا رأيناه بكتبهم ومن*** أفواههم سمعا الى الآذان
فاسمع ذا الذي أولى بفر***عون المعطل جاحد الرحمن
وانظر الى من قال موسى كاذب*** حين ادعى فوقية الرحمن
فمن المصائب أن فرعونيكم*** أضحى يكفر صاحب الايمان
ويقول ذاك مبدل للدين سا***ع بالفساد وذا من البهتان


أن الموروث ذا لهم فرعون حين رمى به المولود من عمران
فهو الامام لهم وهافيهم بمتبوع يقودهم الى النيران
هو أنكر الوصفين وصف الفوق والتكليم انكارا على البهتان
اذ قصده انكار ذات الرب فالتعطيل مرقاة لذا النكران
وسواه جاء بسلم وبآلة*** وأتى بقانون على بنيان
وأتى بذاك مفكرا ومقدرا*** ورث الوليد لعابد الأوثان
وأتى الى التعطيل من أبوابه*** لا من ظهور الدار والجدران


وأتى به في قالب التنزيه والتعظيم تلبيا على العميان
وأتى الى وصف العلو فقال ذا التجسيم ليس يليق بالرحمن
فاللفظ قد أنشأه من تلقائه*** وكساه وصف الواحد المنان
والناس كلهم صبي العقل لم*** يبلغ ولو كانوا من الشيخان
الا أناسا سلموا للوحي هم*** أهل البلوغ وأعقل الانسان
فأتى الى الصبيان فانقادوا له*** كالشاء اذ تنقاد للجوبان
فانظر الى عقل صغير في يدي*** شيطان ما يلقى من الشيطان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:30 AM
فصل
في بيان تدليسهم وتلبيسهم الحق بالباطل

قالوا اذا قال المجسمربنا*** حقا على العرش استوى بلسان
فسلوه كم للعرش معنى واستوى*** أيضا له في الوضع خمس معان
وعلى فكم معنى لها أيضا لدى*** عمرو فداك أمام هذا الشان
بين لنا تلك المعاني والذي*** منها أريد بواضح التبيان
فاسمع فذاك معطل هذي الجعا***جع ماالذي فيها من الهذيان
قل للمجعجع ويحك اعقل ذا الذي*** قج قلته ان كنت ذا عرفان
العرش عرش الرب جل جلاله*** واللام للمعهود في الأذهان
ما فيه اجمال ولا هو موهم*** نقل المجاز ولا له وضعان
ومحمد والأنبياء جميعهم*** شهدوا به للخالق الرحمن
منهم عرفناه وهم عرفوه من*** رب عليه قد استوى ديان


لم تفهم الأذهان منه سرير بلقيس ولا بيتا على الأركان
كلا ولا عرشا على بحر ولا*** عرشا لجبريل بلا بنيان
كلا ولا العرش الذي ان ثل من*** عبد هوى تحت الحضيض الداني
كلا ولا عرش الكروم وهذه الأعناب في حرث وفي بستان
لكنها فهمت بحمد الله منه عر***ش الرب فوق جميع ذي الأكوان
وعليه رب العالمين قد استوى*** حقا كما قد جاء في القرآن


وكذا استوى الموصول بالحرف الذي*** ظهر المراد به ظهور بيان
لا فيه اجمال ولا هو مفهم*** للاشتراك ولا مجاز ثان
تركيبه مع حرف الاستعلاء نص في العلو بوضع كل لسان
فإذا تركب مع الى فالقصد مع*** معنى العلو لوضعه ببيان
والى السماء قد استوى فمقيد*** بتمام صنعتها مع الاتقان
لكن على العرش استوى هو مطلق*** من بعدها قد تم بالأركان
لكنما الجهمي يقصر فهمه*** عن ذا فتلك مواهب المنان
فإذا اقتضى واو المعية كان معناه استوى متقدم والثاني
فإذا أتى من غير حرف كان معناه الكمال فليس ذا نقصان
لا تلبسوا بالباطل الحق الذي*** قد بين الرحمن وفي الفرقان


وعلا للاستعلاء فهي حقيقة*** فيه لدى أرباب هذا الشان
وكذلك الرحمن جل جلاله*** لم يحتمل معنى سوى الرحمن
يا ويحه بعماه لو وجد اسمه الر*** حمن محتملا لخمس معان
لقضى بأن ذلك اللفظ لا معنى له*** الا التلاوة عندنا بلسان
فلذاك قال أئمة الاسلام في*** معناه ما قد ساءكم ببيان
ولقد أحلناكم على كتب لهم*** هي عندنا والله بالكيمان


فصل
في بيان سبب غلطهم في الألفاظ والحكم عليها
باحتمال عدة معان حتى أسقطوا الاتدلال بها

واللفظ منه مفرد ومركب*** في الاعتبار فما هما سيان
واللفظ في التركيب نص في الذي*** قصد المخاطب منه في التبيان
أو ظاهر فيه وذا من حيث نسبته الى الأفهام والأذهان
فيكون نصا عند طائفة وعند سواهم هو ظاهر التبيان
ولدى سواهم مجمل لم يتضح*** لهم المراد به اتضاح بيان
فالأولون لأالفهم ذاك الخطا***ب والفهم معناه طول زمان
طال المراس لهم لمعناه كما اشتدت عنايتهم بذاك الشأن
والعلم منهم بالمخطاب اذ هم*** أولى به من سائر الانسان
لهم أتم عناية بكلامه*** وقصوده مع صحة العرفان
فخطابه نص لديهم قاطع*** فيما أريد به من التبيان


لكن من هو ذانك دونهم في ذاك ولم*** يقطع بقطعهم على البرهان
ويقول يظهر ذا وليس بقاطع*** في ذهنه ولا سائر الأذهان
ولألفه بكلام من هو مقتد*** بكلامه من عالم الأزمان
هو قاطع بمراده وكلامه*** نص لديه واضح التبيان
والفتنة العظمى من المتسلق المخدوع ذي الدعوى وأخي الهذيان
لم يعرف العلم الذي فيه الكلا***م ولا ألف بهذا الشان
لكنه منه غريب ليس من*** سكانه كلا ولا الجيران
فهو الزنيم دعي قوم لم يكن*** منهم ولم يصحبهم بمكان
وكلامهم أبدا لديه مجمل*** وبمعزل عن أمرة الايقان


نشد التجارة بالزيوف يخالها*** نقدا صحيحا وهو ذو بطلان
حتى إذا ردت اليه ناله*** من ردها خزي وسوء هوان
فأراد تصحيحا لها اذا لم يكن*** نقد الزيوف يروج في الأثمان
ورأى استحالة ذا بدون الطعن في*** باقي النقود فجاء بالعدوان
واستعوض الثمن الصحيح بجهله*** وبظلمه يبغيه بالبهتان
عوجا ليسلم نقده بين الورى*** ويروّج فيهم كامل الأوزان
والناس ليسوا أهل نقد للذي*** قد قيل الا الفرد في الأزمان
والزيف بينهم هو النقد الذي*** قد راج في الأسفار والبلدان
اذ هم قد اصطلحوا عليه وارتضوا*** بجوازه جهرا بلا كتمان


فإذا أتاهم غيره ولو انه*** ذهب مصفى خالص العيقان
ردوه واعتذروا بأن نقودهم*** من غيره بمراسم السلطان
فإذا تعاملنا بنقد غيره*** قطعت جوامكنا من الديون
والله منهم قد سمعنا ذا ولم*** نكذب عليهم ويح ذي البهتان
يا من يريد تجارة تنجيه من*** غضب الاله وموقد النيران
وتفيده الأرباح بالجنات والحور الحسان ورؤية الرحمن
في جنة طابت ودام نعيمها*** ما للفناء عليه من سلطان
هيئ لها ثمنا يباع بمثلها*** لا تشتري بالزيف من أثمان
نقدا عليه سكة نبوية*** ضرب المدينة أشرف البلدان


أظننت يا مغرور بائعها الذي*** يرضى بنقد ضرب جنكيز خان
منتك والله المحال النفس أن*** طمعت بذا وخدعت الشيطان


فاسمع اذا سبب الضلال ومنشأ التخليط اذ يتناظر الخصمان
يحتج باللفظ لمركب عارف*** مضمونه بسياقه لبيان
واللفظ حين يساق بالتركيب محفوف به للفهم والتبيان
جند ينادي عليه مثل ندائنا بإقامة وأذان
كي يحصل الاعلام بالمقصود من*** ايراده ويصير في الأذهان
فيفك تركيب الكلام معاند*** حتى يقلقله من الأركان
ويروم منه لفظة قد حملت*** معنى سواها في كلام ثان
فيكون دبوس الشقاق وعدة*** للدفع فعل الجاهل الفتان
فيقول هذا مجمل واللفظ محتمل وذا من أعظم البهتان


وبذاك يفسد كل علم في الورى*** والفهم من خبر ومن قرآن
إذا أكثر الألفاظ تقبل ذاك في الـ***ـأفراد قبل العقد والتيان
لكن إذا ما ركبت زال الذي*** قد كان محتملا لدى الوحدان
فإذا تجرد كان محتملا لغير مراده أو في كلام ثان
لكن ذا التجريد ممتنع فان*** يفرض يكن لا شك في الأذهان
والمفردات بغير تركيب كمثل*** الصوت تنعقه بتلك الضان
وهنالك الاجمال والتشكيك والتجهيل والتحريف والاتيان بالبطلان
فإذا هم فعلوه راموا نقله*** لمركب قد حف بالتبيان
وقضوا على التركيب بالحكم الذي*** حكموا به للمفرد الوحداني
جهلا وتجهيلا وتدليسا*** وتلبيسا وترويجا على العميان


فصل
في بيان شبه غلطهم في تجريد اللفظ بغلط
الفلاسفة في تجريد المعاني

هذا هداك الله من إضلالهم*** وضلالهم في منطق الانسان
كمجردات في الخيل وقد بنى*** قوم عليها أوهن البنيان
ظنوا بأن لها وجودا خارجا*** ووجودها لو صح في الأذهان
أني وتلك مشخصات حصلت*** في صورة جزئية بعيان
لكنها كلية ان طابقت*** افرادها كاللفظ في الميزان
يدعونه الكلي وهو معين*** فرد كذا في المعنى هما سيان
تجريدا ذا في الذهن أو في خارج*** عن كل قيد ليس في الامكان
لا الذهن يعقله ولا هو خارج*** هو كالخيال لطيفة السكران


لكن تجردها المقيد ثابت*** وسواه ممتنع بلا امكان
فتجرد الأعيان عن وصف وعن*** وضع وعن وقت لها ومكان
فرض من الأذهان يفرضه كفر***ض المستحيل هما لها فرضان
الله أكبر كم دهى من فاضل*** هذا التجرد من قديم زمان
تجريد ذي الألفاظ عن تركيبها*** وكذاك تجريد المعاني الثاني
والحق أن كليهما في الذهن مفروض فلا تحكم عليه وهو في الأذهان
فيقودك الخصم المعاند بالذي*** سلمته للحكم في الأعيان
فعليك بالتفصيل إن هم أطلقوا*** أو أجملوا فعليك بالتبيان


فصل
في بيان تناقضهم وعجزهم
عن الفرق بين ما يجب تأويله وما لا يجب

وتمسكوا بظواهر المنقول عن*** اشياخهم كتمسك العميان
وأبو بأن يتمسكوا بظواهر النصين واعجبا من الخذلان
قول الشيوخ محرم تأويله*** اذ قصدهم للشرح والتبيان
فإذا تأولنا عليهم كان أبطـ***ـالا لما راموا بلا برهان
فعلى ظواهرها تمر نصوصهم*** وعلى الحقيقة حملها لبيان
يا ليتهم أجروا نصوص الوحي*** ذا المجرى من الاثار والقرآن
بل عندهم تلك النصوص طواهر*** لفظية عزلت عن الايقان
لم تغن شيئا طالب الحق الذي*** يبغي الدليل ومقتضى البرهان


وسطوا على الوحيين بالتحريف إذ*** سموه تأويلا بوضع ثان
فانظر الى الأعراف ثم ليوسف*** والكهف وافهم مفتضى القرآن
فإذا مررت بآل عمران فهمـ***ـت القصد فهم موفق رباني
وعلمت أن حقيقة التأويل تبـ***ـين الحقيقة لا المجاز الثاني
ورأيت تأويل النفاة مخالفا*** لجميع هذا ليس يجتمعان
اللفظ هم أنشوا له معنى بذا***ك الاصطلاح وذاك أكر دان
وأتو الى الحاد في الأسماء*** والتحريف للألفاظ بالبهتان
فكسوه هذا اللفظ تلبيسا وتد***ليسا على العميان والعوران


فاستن كل منافق ومكذب*** من باطني قرمطي جان
في ذا بسنتهم وسمى جحده*** للحق تأويلا بلا فرقان
وأتى بتأويل كتأويلاتهم*** شبرا بشبر صارخا بأذان
أنا تأولنا كما أولتم*** فأتوا نحاكمكم الى الوزان
في الكفتين نحط تأويلاتنا*** وكذاك تأويلاتكم بوزان
هذا وقد أقررتم أنا بأيـ***ـدينا صريح العدل والميزان
وغدوتم فيه تلاميذا لنا*** أو ليس ذلك منطق اليونان
منا تعلمتم ونحن شيوخكم*** لا تجحدونا منه الاحسان
فسلوا مباحثكم بسؤال تفهم*** وسلوا القواعد ربة الأركان
من أين جاءتكم وأين أصولها*** وعلى يدي من يا أولي النكران
فلأي شيء نحن كفار*** وأنتم مؤمنون ونحن متفقان


أن النصوص أدلة لفظية*** لم تفض قط بنا الى ايقان
فلذاك حكمنا العقول وأنتم*** أيضا كذاك فنحن مصطلحان
فلأي شيء قد رميتم بيننا*** حرب الحروب ونحن كالاخوان
الأصل معقول ولفظ الوحي معـ***ـزول ونحن وأنتم صنوان
لا بالنصوص نقول نحن وأنتم*** أيضا كذاك فنحن مصطلحان


فذروا عداوتنا فإن وراءنا*** ذاك العدو الثقل ذي الأضغان
فهم عدوكم وهم أعداؤنا*** فجميعنا في حربهم سيان
تلك المجسمة الألى قالوا بأن*** الله فوق جميع ذي الأكوان
واليه يصعد قولنا وفعالنا*** واليه ترقى روح ذي الايمان
واليه قد عرج الرسول حقيقة*** وكذا ابن مريم مصعد الأبدان
وكذاك قالوا أنه بالذات فو***ق العرش قدرته بكل مكان
وكذاك ينزل كل آخر ليلة*** نحو السماء فها هنا جهتان
للابتداء والانتهاء وذان للأ***جسام أين الله من هذان
وكذاك قالوا أنه متكلم*** قام الكلام به فيا اخوان
أيكون ذاك بغير حرف أم بلا*** صوت فهذا ليس في الامكان


وكذلك قالوا ما حكينا عنهم*** من قبل قول مشبه الرحمن
فذروا الحراب لنا وشدوا كلنا*** جمعا عليهم حملة الفرسان
حتى نسوقهم بأجمعنا الى*** وسط العرين ممزقي اللحمان
فلقد كوونا بالنصوص وما لنا*** بلقائها أبد الزمان يدان
كم ذا يقال الله قال رسوله*** من فوق أعناق لنا وبنان
إذا نحن قلنا أرسطو ذا المعـ***ـلم أولا أو قال ذاك الثاني
وكذاك ان قلنا ابن سينا قال ذا*** أو قاله الرازي ذو التبيان
قالوا لنا قال الرسول وقال في القرآن كيف الدفع للقرآن
وكذاك أنتم منهم أيضا بهذا المنزل الضنك الذي تريان
ان جئتموهم بالعقول أتوكم*** بالنص من أثر ومن قرآن


فتحالفوا إنا عليهم كلنا*** حزب ونحن وأنتم سلمان
فإذا فرغنا منهم فخلافنا*** سهل فنحن وأنتم اخوان
فالعرش عند فريقنا وفريقكم*** ما فوقه أحد بلا كتمان
ما فوقه شيء سوى العدم الذي*** لا شيء في الأعيان والأذهان
ما الله موجود هناك وانما العدم لمحقق فوق ذي الأكوان
والله معدوم هناك حقيقة*** بالذات عكس مقالة الديصان
هذا هو التوحيد عند فريقنا*** وفريقكم وحقيقة العرفان
وكذا جماعتنا على التحقيق*** في التوراة والانجيل والفرقان
ليست كلام الله بل فيض من*** الفعال أو خلق من الأكوان
فالأرض ما فيها له قول ولا*** فوق السما للخلق من ديان
بشر أتى بالوحي وهو كلامه*** في ذاك نحن وأنتم مثلان


ولذاك قلنا أن رؤيتنا له*** عين المحال وليس في الامكان
وزعمتم أن نراه رؤية المعدوم لا الموجود في البرهان
إذ كل مرئي يقوم بنفسه*** أو غيره لا بد في البرهان
من أن يقابل من يراه حقيقة*** من غير بعد مفرط وتدان
ولقد تساعدنا على إبطال ذا*** أنتم ونحن فما هنا قولان
أما البلية فهي قول مجسم*** قال القرآن بدا من الرحمن
هو قوله وكلامه منه بدا*** لفظا ومعنى ليس يفترقان
سمع الأمين كلامه منه وأد*** اه الى المختار من انسان
فله الأداء كما الأدا لرسوله*** ولقول قول الله ذي السلطان


هذا الذي قلنا وأنت أنه*** عين المحال وذاك ذو بطلان
فإذا تساعدنا جميعا أنه*** ما بيننا لله من قرآن
الا كبيت الله إضافة المخلوق لا الأوصاف للديان
فعلام هذا الحرب فيما بيننا*** مع ذا الوفاق ونحن مصطلحان
فإذا أبيتم سلمنا فتحيزوا***لمقالة التجسيم بالأذعان
عودوا مجسمة وقولوا ديننا الـ***أثبات دين مشبه الديان
أو لا فلا منا ولا منه وذا*** شأن المنافق إذ له وجهان
هذا يوقل مجسم وخصومه*** ترميه بالتعطيل والكفران
هو قائم هو قاعد هو جاحد*** هو مثبت تلقاه ذا ألوان
يوما بتأويل يقول وتارة*** يسطو على التأويل بالنكران


فصل
في المطالبة بالفرق بين ما يتأول وما لا يتأول

فنقول فرق بين ما أولته*** ومعته تفريق ذي برهان
فيقول ما يفضي الى التجسيم أولناه من خبر ومن قرآن
كالاستواء مع التكلم هكذا*** لفظ النزول وكذاك لفظ يدان
إذا هذه أوصاف جسم محدث*** لا ينبغي للواحد المنان
فنقول أنت وصفته أيضا بما*** يقضي الى التجسيم والحدثان
فوصفته بالسمع والأبصار مع*** نفس الحياة وعلم ذي الأكوان
ووصفته بمشيئة مع قدرة*** وكلامه النفسي وهو معان
أو واحد والجسم حامل هذه الأ***وصاف حقا فاءت بالفرقان
بين الذي يفضي الى التجسيم أو*** لا يقتضيه بواضح البرهان
والله لو نشرت شيوخك كلهم*** لم يقدرةا أبدا على الفرقان


فصل
في ذكر فرق لهم آخر وبيان بطلانه

فلذاك قال زعيمهم في نفسه*** فرقا سوى هذا الذي تريان
هذي صفات عقولنا دلت على*** إثباتها مع ظاهر القرآن
فلذاك صناها عن التأويل فاعجب يا أخا التحقيق والعرقان
كيف اعتراف القوم أن عقولهم*** دلت على التجسيم بالبرهان
فيقال هل في العقل تجسيم أم المعقول ننفيه كذا النقصان
إن قلتم ننفيه فانفوا هذه الأوصاف وانسلخوا من القرآن
أو قلتم ننفيه باثبات له*** ففراركم منها لأي معان
أو قلتم ننفيه في صف ولا*** ننفيه في وصف بلا برهان
فيقال ما الفرقان بينهما وما البرهان فاتوا الآن بالفرقان


ويقال قد شهد العيان بأنه***ذو حكمة وعناية وحنان
مع رأفة ومحبة لعباده*** أهل الوفاء وتابعي القرآن
ولذاك خصوا بالكرامة دون أعداء الاله وشيعة الكفران
وهو الدليل لنا على غضب وبغض منه مع مقت لذي العصيان
والنص جاء بهذه الأوصاف مع*** مثل الصفات السبع في القرآن
ويقال سلمنا بأن العقل لا*** يفضي اليها فهي في الفرقان
أفنفي آحاد الدليل يكون للمـ***ـدلول نفيا يا أولي العرفان
أو نفي مطلقه يدل على انتفا المدلون في عقل وفي قرآن
أفبعد ذا الانصاف ويحكم سوى*** محض العناد ونخوة الشيطان
وتحيز منكم اليهم لا الى القـ***ـرآن والآثار والايمان


فصل
في بيان مخالفة طريقهم عكس الطر***يق المستقيم لمن له عينان
جعلوا كلام شيوخهم نصا له الأ***حكام موزونا به النصان
وكلام باريهم وقول رسولهم*** متشابها محتملا لمعان
فتولدت من ذينك الأصلين أو*** لاد بئس الوليد وبئست الأبوان
عرضوا النصوص على كلام شيوخهم*** فكأنها جيش لذي السلطان
والعزل والابقاء مرجعه الى السلطان دون رعية السلكان
وكذاك أقوال الشيوخ فإنها الميزان دون النص والقرآن
ان وافقا قول الشيوخ فمرحبا*** أو خالفت فالدفع بالاحسان
أما بتأويل فإن أعيا فتفويض ونتركها لقول فلان


اذ قوله نص لدينا محكم*** فظواهر المنقول ذات معان
والنص فهو به عليم دوننا*** وبحاله ما حيلة العميان
إلا تمسكهم بأيدي مبصر*** حتى يقودهم كذي الأرسان
فاعجب لعميان البصائر أبصروا*** كون المقلد صاحب البرهان
ورأوه بالتقليد أولى من سوا***ه بغير ما بصر ولا برهان
وعموا عن الوحيين إذ لم يفهموا*** معناهما عجبا لذي الحرمان
قول الشيوخ أتم تبيانا من الوحيين لا والواحد الرحمن
النقل نقل صادق والقول من*** ذي عصمة في غاية التبيان
وسواه إما كاذب أو صح لم*** يك قول معصوم وذي تبيان
أفيستوي النقلان يا أهل النهى*** والله لا يتماثل النقلان


هذا الذي ألقى العداوة بيننا*** في الله نحن لأجله خصمان
نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم*** لكن نصرنا موجب القرآن
ولنا سلوك ضد مسلكهم فما*** رحلان منا قط يلتقيان
إنا أبينا أن ندين بما به*** دانوا من الآراء والبهتان
إنا عزلناها ولم نعبأ بها*** يكفي الرسول ومحكم الفرقان
من لم يكن يكفيه ذان فلا كفا***ه الله شر حوادث الأزمان
من لم يك يشفيه ذان فلا شفا***ه الله في قلب ولا أبدان
من لم يغنيه ذان رماه رب*** العرش بالاعدام والحرمان
من لم يكن يهديه ذان فلا هدا***ه الله سبل الحق والايمان


ان الكلام مع الكبار وليس مع*** تلك الأراذل سفلة الحيوان
أوساخ هذا الخلق بل أنتانه*** جيف الوجود أخبث الانسان
الطالبين دماء أهل العلم بالكفران والعدوان والبهتان
الشاتمي أهل الحديث عداوة*** للسنة العليا مع القرآن
جعلوا مسبتهم طعام حلوقهم*** فالله يقطعها من الأذقان
كبرا واعجابا وتيها زائدا*** وتجاوزا لمراتب الانسان
لو كان هذا من وراء كفاية*** كنا حملنا راية الشكران
لكنه من خلف كل تخلف*** عن رتبة الايمان والاحسان


من لي بشبه خوارج قد كفروا*** بالذنب تأويلا بلا احسان
ولهم نصوص قصروا في فهمها*** فأتوا من التقصير في العرفان
وخصومنا قد كفرونا بالذي*** هو غاية التوحيد والايمان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:31 AM
فصل
في بيان كذبهم ورميهم أهل الحق بأنهم أشباه الخوارج
وبيان شبههم المحقق بالخوارج

ومن العجائب أنهم قالوا لمن*** قد دان بالآثار والقرآن
أنتم مثل الخوارج وأنهم*** أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان
فانظر الى ذا ألهبت هذا وصفهم*** نسبوا اليه شيعة الايمان
سلو على سنن الرسول وحزبه*** سيفيه سيف يد وسيف لسان
خرجوا عليهم مثل ما خرج الالى*** من قبلهم بالغي والعدوان
والله ما كان الخوارج هكذا*** وهم البغاة أئمة الطغيان
كفرتم أصحاب سنته وهم*** فساق ملته فمن يلحاني
ان قلت هم خير وأهدى منكم*** والله ما الفئتان مستويان
شتان بين مكفر بالسنة العليا وبين مكفر العصيان


قلتم تأولنا كذاك تأولوا*** وكلاكما فئتان باغيتان
ولكم عليهم ميزة التعطيل والتحريف والتبديل والبهتان
ولهم عليكم ميزة الاثبات والتصديق مع خوف من الرحمن
ألكم على تأويلكم أجران إذ*** لهم على تأويلهم وزران
حاشا رسول الله من ذا الحكم بل*** أنتم وهم في حكمه سيان
وكلاكما للنص فهو مخالف*** هذا وبينكما من الفرقان
هم خالفوا نصا لنص مثله*** لم يفهموا التوفيق بالاحسان
لكنكم خالفتم المنصوص للشبه التي هي فكرة الاذهان
فلأي شيء أنتم خير وأقرب منهم للحق والايمان
هم قدموا المفهوم من لفظ الكتاب على الحديث الموجب التبيان
لكنكم قدمتمو رأي الرجا***ل عليها أفانتما عدلان
أم هم الى الاسلام أقرب منكم*** لاح الصباح لمن له عينان


والله يحكم بينكم يوم الجزا*** بالعدل والانصاف والميزان
هذا ونحن فمنهم بل منكم*** براء الى من هدى وبيان
فاسمع اذا قول الخوارج ثم قو***ل خصومنا واحكم بلا ميلان
من ذا الذي منا إذا أشباههم*** إن كنت ذا علم وذا عرفان
قال الخوارج للرسول اعدل فلم*** تعدل وما ذي قسمة الديان
وكذلك الجهمي قال نظير ذا*** لكنه قد زاد في الطغيان
قال الصواب بانه استولى فلم*** قلت استوى وعدلت عن تبيان
وكذلك ينزل أمره سبحانه*** لم قلت ينزل صاحب الغفران
ماذا يعدل في العبارة وهي مو***همة التحرك وانتقال مكان
وكذاك قلت بأن ربك في السما*** أوهمت حيز خالق الأكوان
كأن الصواب بأن يقال بأنه*** فوق السما سلطان ذي السلطان
وكذاك قلت اليه يعرج والصوا***ب الى كرامة ربنا المنان


وكذاك قلت بأن منه يزل القـ***ـرآن تنزيلا من الرحمن
كان الصواب بأن يقال نزوله*** من لوحة أم من محل ثان
وتقول أين الله ذاك الأين ممتنـ***ـع عليه وليس في الامكان
لو قلت من كان الصواب كما ترى*** في القبر يسأل ذلك الملكان
وتقول اللهم أنت الشاهد الأ***على تشير بأصبع وبنان
نحو السماء وما اشارتنا له*** حسية بل تلك في الأذهان
والله ما ندري الذي نبديه في*** هذا من التأويل للاخوان
قلنا لهم ان السما هي قبلة الد***اعي كبيت الله ذي الأركان
قالوا لنا هذا دليل أنه*** فوق السماء بأوضح البرهان
فالناس طرا انما يدعونه*** من فوق هذي فطرة الرحمن
لا يسألون القبلة العليا ولـ***ـكن يسألون الرب ذا الاحسان
قالوا وما كانت اشارته الى*** غير الشهيد منزل الفرقان
أتراه أمسى للسما مستشهدا*** حاشاه من تحريف ذي البهتان


وكذاك قلت بأنه متكلم*** وكلامه المسموع بالآذان
نادى الكليم بنفسه وذاك قد*** سمع الندا في الجنة الأبوان
وكذا ينادي الخلق يوم معادهم*** بالصوت يسمع صوته الثقلان
أني أنا الديان آخذ حق مظـ***ـلوم من العبد الظلوم الجاني
وتقول أن الله قا وقائل*** وكذا يقول وليس في الامكان
قول بلا حرف ولا صوت يرى*** من غير ما شفة وغير لسان
أوقعت في التشبيه والتجسيم من*** لم ينف ما قد قلت في الرحمن


لو لم تقل فوق السماء ولم تشر*** باشارة حسية ببنان
وسكت عن تلك الأحاديث التي*** قد صردحت بالفوق للديان
وذكرت أن الله ليس بداخل*** فينا ولا هو خارج الأكوان
كنا انتصفنا من أولي التجسيم بل*** كانوا لنا اسرى عبيد هوان
لكن منحهم سلاحا كلما*** شاؤوا لنا منهم أشد طعان
وغدروا بأسهمك التي أعطيتهم*** يرموننا غرضا بكل مكان
لو كنت تعدل في العبارة بيننا*** ما كان يوجد بيننا رجفان
هذا لسان الحال منهم وهو في*** ذات الصدور يغل بالكتمان
يبدو على فلتات أنفسهم وفي*** صفحات أوجههم يرى بعيان
سيما اذا قرئ الحديث عليهم*** وتلوث شاهده من القرآن
فهناك بين النازعات وكوّرت*** تلك الوجوه كثيرة الألوان
ويكاد قائلهم يصرح لو يرى*** من قابل فتراه ذا كتمان


يا قوم شاهدنا رؤوسكم على*** هذا ولم نشهده من انسان
الا وحشو فؤاده غل على*** سنن الرسول وشيعة القرآن
وهو الذي في كتبهم لكن بلطف عبـ***ـارة منهم وحسن بيان
وأخو الجهالة نسبة للفظ والمـ***ـعنى فنسب العالم الرباني
يا من يظن بأننا حفنا عليـ***ـهم كتبهم تنبيك عن ذا الشان
فانظر تر لكن نرى لك تركها*** حذرا عليك مصايد الشيطان
فسباكها والله لم يعلق بها*** من ذي جناح قاصر الطيران
الا رأيت الطير في قفص الردى*** يبكي له نوح على الأغصان
ويظل يخبط طالبا لخلاصه*** فيضيق عنه فرجة العيدان
والذنب ذنب الطير أخلى طيب الثمـ***ـرات في عال من الأفنان
وأتى الى تلك المزابل يبتغي الفضـ***ـلات كالحشرات والديدان


يا قوم والله العظيم نصيحة*** من مشفق واخ لكم معوان
جربت هذا كله ووقعت في*** تلك الشباك وكن ذا طيران
حتى أتاح لي الاله بفضله*** من ليس تجزيه يدي ولساني
حبر أتى من أرض حران فيا** أهلا بمن جاء من حران
فالله يجزيه الذي هو اهله*** من جنة المأوى مع الرضوان
أخذت يداه يدي وسار فلم يرم*** حتى أراني مطلع الايمان
ورأيت اعلام المدينة حولها*** نزل الهدى وعساكر القرآن
ورأيت آثارا عظيما شأنها*** محجوبة عن زمرة العميان
ووردت رأس الماء أبيض صافيا*** حصباؤه كلآلئ التيجان
ورأيت أكوازا هناك كثيرة*** مثل النجوم لوارد ظمآن
ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي*** لا زال يشخب فيه ميزابان
ميزاب سنته وقول الهه*** وهما مدى الأيام لا ينيان
والناس لا يردونه الا من الآ***لاف أفرادا ذوي ايمان
وردوا عذاب مناهل أكرم بها*** ووردتم أنتم عذاب هوان


فبحق من أعطاكم ذا العدل والا***نصاف والتخصيص بالعرفان
من ذا على دين الخوارج بعد ذا*** انتم أم الحشوي ما تريان
والله ما أنتم لدى الحشوي*** أهلا أن يقدمكم على عثمان
فضلا عن الفاروق والصديق فضـ***ـلا عن رسول الله والقرآن
والله لو أبصرتم لرأيتم الحشـ***ـوي حامل راية الايمان
وكلام رب العالمين وعبده*** في قلبه أعلى وأكبر شان
من أن يحرّف عن مواضعه وأن*** يقضى له بالعزل عن أيقان
ويرى الولاية لابن سينا أو أبي*** نصر أو المولود من صفوان
أو من يتابعهم على كفرانهم*** أو من يقلدهم من العميان
يا قومنا بالله قوموا وأنظروا*** وتفكروا في السر والاعلان
نظرا وان شئتم مناظرة فمن*** مثنى على هذا ومن وحدان
أي الطوائف بعد ذا أدنى الى*** قول الرسول ومحكم القرآن
فاذا تبين ذا فاما تتبعوا*** أو تعذروا أو تؤذنوا بطعان


فصل في تلقيبهم أهل السنة بالحشوية
وبيان من أولى بالوصف المذموم من هذا اللقب من الطائفتين
وذكر أول من لقب به أهل السنة أم أهل البدعة

ومن العجائب قولهم لمن اقتدى*** بالوحي من أثر ومن قرآن
حشوية يعنون حشوا في الوجو***د وفضله في امة الانسان
ويظن جاهلهم بأنهم حشوا*** رب العباد بداخل الأكوان
إذ قولهم فوق العباد وفي السما***ء الرب ذو الملكوت والسلطان
ظن الحمير بأن في الظروف والر*** حمن محوى بظروف مكان
والله لم يسمع ندا من فرقة*** قالته في ومن من الأزمان
لا تبهتوا أهل الحديث به فما*** ذا قولهم تبا لذي البهتان
بل قولهم أن السموات العلى*** في كف خالق هذه الأكوان
حقا كخردلة ترى في كف ممسكها تعالى الله ذو السطان
أترونه المحصور بعد أم السما*** يا قومنا ارتدعوا عن العداون
كم ذا مشبهة وكم حشوية*** فالبهت لا يخفى على الرحمن


يا قوم ان كان الكتاب وسنة المختار حشوا فاشهدوا ببيان
أنا بحمد الهنا حشوية*** صرف بلا جحد ولا كتمان
تدرون من سمت شيوخكم بهذا الاسم في الماضي من الأزمان
سمى به ابن عبيد الله عبدالله ذا***ك ابن الخليفة طارد الشيطان
فورثتم عمرا كما ورثوا لعبد الله أنى يستوي الارثان
تدرون من أولى بهذا الاسم وهـ***ـو مناسب أحواله بوزان
من قد حشا الأوراق والأذهان من*** بدع تخالف موجب القرآن
هذا هو الحشوي لأ أهل الحد*** يث أئمة الاسلام والايمان
وردوا عذاب مناهل السنن التي*** ليست زبالة هذه الأذهان
وردتم القلوط مجرى كل ذي الـ***ـأوساخ والأقذار والأنتان
وكسلتم أن تصعدوا للورد من*** رأس الشريعة خيبة الكسلان





فصل
في بيان عدوانهم في تلقيب أهل القرآن والحديث بالمجسمة
وبيان أنهم أولى بكل لقب خبيث

كم ذا مشبهة مجسمة نوا***بته مسبة جاهل فتان
أسماء سميتم بها أهل الحـ***ـديث وناصري القرآن والايمان
سميتموهم أنتم وشيوخكم*** بهتا بها من غير ما سلطان
وجعلتموها سبة لتنفروا*** عنهم كفعل ساحر الشيطان
ما ذنبهم والله إلا أنهم*** أخذوا بوحي الله والفرقان
وأبوا بأن يتحيزوا لمقالة*** غير الحديث ومقتضى القرآن
وأبوا يدينوا بالذي دنتم به*** من هذه الآراء والهذيان
وصفوه بالأوصاف في النصين من*** خبر صحيح ثم من قرآن
إن كان ذا التجسيم عندكم فيا*** أهلا به ما فيه من نكران
أنا مجسمة بحمد الله لم*** نجحد صفات الخالق الديان


والله ما قال امرؤ منا بـ***ـأن الله جسم يا أولي البهتان
والله يعلم أننا في وصفه*** لم نعد ما قد قال في القرآن
أو قاله أيضا رسول الله فهو الصادق المصدوق بالبرهان
أو قاله أصحابه من بعده*** فهم النجوم مطالع الايمان
سموه تجسيما وتشبيها فلسنا جاحديه لذلك الهذيان
بل بيننا فرق لطيف بل هو الفرق العظيم لمن له عينان
ان الحقيقة عندنا مقصودة*** بالنص وهو مراده التبيان
لكن لديكم فهي غير مرادة*** أنى يراد محقق البطلان
فكلامه فيما لديكم لا حقيـ***ـقة تحته تبدو الى الأذهان
في ذكر آيات العلو وسائر الأ***وصاف وهي القلب للقرآن
بل قول رب الناي ليس حقيقة*** فيما لديكم يا أولي العرفان


واذا جعلتم ذا مجازا صح أن*** ينفي على الاطلاق والامكان
وحقائق الألفاظ بالعقل انتفت*** فيما زعمتم فاستوى النفيان
نفي الحقيقة وانتقاء اللفظ أن*** دلت عليه فحظكم نفيان
ونصيبنا إثبات ذاك جميعه*** لفظا ومعنى ذاك إثباتان
فمن المعطل في الحقيقة غيركم*** لقب بلا كذب ولا عدوان
وإذا سببتم بالمحال فسبنا*** بأدلة وحجج ذي برهان
تبدي فضائحكم وتهتك ستركم*** وتبين جهلكم مع العدوان
ما بعد ما بين السباب بذاكم*** وسبابكم بالكذب والطغيان
من سب بالبرهان ليس بظالم*** والظلم سب العبد بالبهتان


فصل
في بيان مورد أهل التعطيل
وأنهم تعوّضوا بالقلوط عن السلسبيل

يا وارد القلوط ويحك لو ترى*** مذا على شفتيك والأسنان
أو ما ترى آثارها في القلـ***ـب والنيات والأعمال والأركان
لو طاب منك الورد طابت كلها*** أنى تطيب موارد الانتان
يا وارد القلوط طهر فاك من*** خبث به واغسله من انتان
يا شاتم الحشوي حشو الـ***ـذين والقرآن والآثار والايمان
أهلا بهم حشو الهدى وسواهم*** حشو الضلال فما هما سيان
أهلا لهم حشو اليقين وغيرهم*** حشو الشكوك فما هما صنوان
اهلا بهم حشو المساجد والسوى*** حشو الكنيف فما هما عدلان
أهلا بهم حشو الجنان وغيرهم*** حشو الجحيم أيستوي الحشوان


يا وارد القلوط ويحك لو تـ***ـرى الحشوي وارد منهل الفرقان
وتراه من رأس الشريعة شاربا*** من كف من قد جاء بالفرقان
وتراه يسقي الناس فضلة كأسه*** وختامها مسك على ريحان
لعذرته أن بال في القلوط لم*** يشرب به مع جملة العميان
يا وارد القلوط لا تكسل فرأ***س الماء فاقصده قريب دان
هو منهل سهل قريب واسع*** كاف إذا نزلت به الثقلان
والله ليس بأصعب الوردين بل*** هو أسهل الوردين للظمآن


فصل
في بيان هدمهم لقواعد الاسلام
والايمان بعزلهم نصوص السنة والقرآن

يا قوم والله انظروا وتفكروا*** في هذه الأخبار والقرآن
مثل التدبر والتفكر للذي*** قد قاله ذو الرأي والحسبان
فأقل شيء أن يكونا عندكم*** حدا سواء يا أولي العدوان
والله ما استويا لدى زعمائكم*** في العلم والتحقيق والعرفان
عزلوهما بل صرحوا بالعزل عن*** نيل اليقين ورتبة البرهان
قالوا وتلك أدلة لفظية*** لسنا نحكمها على الايقان
ما أنزلت لينال منها العلم بالا***ثبات للأوصاف للرحمن
بل بالعقول ينال ذاك وهذه*** عنه بمعزل غير ذي السلطان


فبجهدنا تأويلها والدفع في*** أكنافها دفعا لذي الصولان
ككبير قوم جاء يشهد عند ذي *** حكم يريد دفاعه بليان
فيقول قدرك فوق ذا وشهادة*** لسواك تصلح فاذهبن بأمان
وبوده لو كان شيء غير ذا*** لكن مخافة صاحب السلطان
فلقد أتانا عن كبير فيهم*** وهو الحقير مقالة الكفران
لو كان يمكنني وليس بممكن*** لحككت من ذا المصحف العثماني
ذكر استواء الرب فوق العرش لكن ذاك ممتنع على الانسان
والله لولا هيبة الاسلام والقرآن والامرأء والسلطان
لأتوا بكل مصيبة ولدكدكوا الاسلام فوق قواعد الأركان


فلقد رأيتم ما جرى لأئمة الا***سلام من محن على الأزمان
لا سيما لما استمالوا جاهلا*** ذا قدرة في الناس مع سلطان
وسعوا اليه بكل افك بين***بل قاسموه بأغلظ الأيمان
ان النصيحة قصدهم كنصيحة الشيطان حين خلا به الأبوان
فيرى عمائم ذات أذناب على*** تلك القشور طويلة الأردان
ويرى هيولي لا تهول لمبصر*** وتهول أعمى في ثياب جبان
فإذا أصاخ بسمعه ملؤوه من*** كذب وتلبيس ومن بهتان
فيرى ويسمع فشرهم وفشارهم*** يا محنة العينين والأذنان
فتحوا جراب الجهل مع كذب فخذ***واحمل بلا كيل ولا ميزان


وأتوا الى قلب المطاع ففتشوا*** عما هناك ليدخلوا بأمان
فإذا بدا غرض لهم دخلوا به***منه اليه كحيلة الشيطان
فإذا رأوه هش نحو حديثهم*** ظفروا وقالوا ويح آل فلان
هو في الطريق يعوق مولانا عن المقصود وهو عدو هذه الشان
فإذا هم غرسوا العداوة واظبوا*** سقي الغراس كفعل ذي البستان
حتى إذا ما أثمرت ودنا لهم*** وقت الجذاذ وصار ذا إمكان
ركبوا على حرد لهم وحمية*** واستنجدوا بعساكر الشيطان
فهنالك ابتليت جنود الله من*** جند اللعين يسائر الألوان
ضربا وحبسا ثم تكفيرا وتبديعا وشتما ظاهر البهتان


فلقد رأينا من فريق منهم*** أمرا تهد له قوى الايمان
من سبهم اهل الحديث ودينهم*** اخذ الحديث وترك قول فلان
يا أمة غضب الاله عليهم*** ألأجل هذا تشتموا بهوان
تبا لكم إذ تشتمون زوامل*** الاسلام حزب الله والقرآن
وسببتموهم ثم لستم كفؤهم*** فرأوا مسبتكم من النقصان
هذا وهم قبلوا وصية ربهم*** في تركهم لمسبة الأوثان
حذر المقابلة القبيحة منهم*** بمسبة القرآن والرحمن
وكذاك أصحاب الحديث فإنهم*** صربت لهم ولكم بذا مثلان
سبوكم جهالهم فسببتم***سنن الرسول وعسكر الايمان
وصددتم سفهاءكم عنهم وعن*** قول الرسول وذا من الطغيان


ودعتموهم للذي قالته أشياخ لكم بالخرص والحسبان
فأبوا اجابتكم ولم يتحيزوا*** الا الى الآثار والقرآن
والى أولاي العرفان من أهل الحد***يث خلاصة الانسان والأكوان
قوم أقامهم الاله لحفظ هذا الـ***ـدين من ذي بدعة شيطان
وأقامهم حرسا من التبديل والتحريف والتتميم والنقصان
يزك على الاسلام بل حصن له*** يأوي اليه عساكر الفرقان
فهم المحك فمن يرى متنقصا*** لهم فزنديق خبيث جنان
ان تتهمه فقلبك السلف الألى*** كانوا على الايمان والاحسان
أيضا قد اتهموا الخبيث على الهدى*** والعلم والآثار والقرآن
وهو الحقيق بذاك إذ عادى روا***ة الدين وهي عداوة الديان


فإذا ذكرت الناصحين لربهم*** وكتابه ورسوله بلسان
فاغسله ويلك من دم التعطيل والتكذيب والكفران والبهتان
أتسبهم عدوا ولست بكفئهم*** فالله يفدي حزبه بالجاني
قوم هم بالله ثم رسوله*** أولى وأقرب منك للايمان
شتان بين التاركين نصوصه*** حقا لأجل زبالة الأذهان
والتاركين لأجلها آراء من***آراؤهم ضرب من الهذيان
لما فسا الشيطان في آذانهم*** ثقلت رؤوسهم عن القرآن
فلذاك ناموا عنه حتى أصبحوا*** يتلاعبون تلاعب الصبيان
والركب قد وصلوا العلى وتيمموا*** من أرض طيبة مطلع الايمان
فاتوا الى روحاتها وتيمموا*** من أرض مكة مطلع القرآن
قوم اذا ما ناجذ النص بدا*** طاروا له بالجمع والوحدان
وإذا بدا علم الهدى استبقوا له*** كتسابق الفرسان يوم رهان
وإذا هم سمعوا بمبتدع هذي صاحوا به طرا بكل مكان


ورثوا رسول الله لكن غيرهم*** قد راح بالنقصان والحرمان
وإذا استهان سواهم بالنص لم*** يرفع به رأسا من الخسران
عضوا عليه بالنواجذ رغبة*** فيه وليس لديهم بمهان
ليسوا كمن نبذ الكتاب حقيقة*** وتلاوة قصدا بترك فلان
عزلوه في المعنى وولوا غيره*** كأبي الربيع خليفة السلطان
ذكروه فوق منابر وبسكة*** رقموا اسمه في ظاهر الاثمان
والأمر والنهي المطاع لغيره*** ولمهتد ضربت بذا مثلان
يا للعقول أيستوي من قـ***ـال بالقرآن والآثار والبرهان
ومخالف هذا وفطرة ربه***الله أكبر كيف يستويان


بل فطرة الله التي فطروا على*** مضمونها والعقل مقبولان
والوحي جاء مصدقا لها فلا*** تلق العداوة ما هما حربان
سلمان عند موفق ومصدق*** والله يشهد أن هما سلمان
فإذا تعارض نص لفظ وراد*** والعقل حتى ليس يلتقيان
فالعقل اما فاسد ويظنه الرائي*** صحيحا وهو ذي بطلان
أو أن ذاك النص ليس بثابت*** ما قاله المعصوم بالبرهان
ونصوصه ليست تعارض بعضها*** بعضا فسل عنها عليم زمان
وإذا ظننت تعارضا فيها فذا*** من آفة الأفهام والأذهان
أو أن يكون البعض ليس بثابت*** ما قاله المبعوث بالقرآن


لكن قول محمد والجهم في*** قلب الموحد ليس يجتمعان
الا ويطرد قل قول ضده*** فإذا هما اجتمعا فمقتتلان
والناس بعد على ثلاث: حزبه***أو حربه أو فارغ متوان
فاختر لنفسك أين تجعلها فلا*** والله لست برابع الأعيان
من قال بالتعطيل فهو مكذب***بجميع رسل الله والفرقان
ان المعطل لا اله له سوى المـ***ـنحوت بالأفكار في الأذهان
وكذا اله المشركيم نحيته الأ***يدي هما في نحتهم سيان
لكن اله المرسلين هو الذي*** فوق السماء مكون الأكوان
تالله قد نسب المعطل كل من*** بالبينات أتى الى الكتمان
والله ما في المرسلين مشبه*** حاشاهم من افك ذي بهتان
فخذ الهدى من عبده وكتابه*** فهما الى سبل الهدى سببان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:33 AM
فصل
في بطلان قول الملحدين ان الاستدلال بكلام الله ورسوله
لا يفيد العلم واليقين

واحذر مقالات الذين تفرقوا*** شيعا وكانوا شيعة الشيطان
واسأل خبيرا عنهم ينبيك عن*** أسرارهم بنصيحة وبيان
قالوا الهدى لا يستفاد بسنة*** كلا ولا أثر ولا قرآن
اذ كل ذاك أدلة لفظية*** لم تبد عن علم ولا أيقان
فيها اشتراك ثم اجمال يرى*** وتجوز بالتزييد والنقصان
وكذلك الأضمار والتحقيق والحـ***ـذف الذي لم يبد عن تبيان
والنقل آحاد فموقوف على*** صدق الرواة وليس ذا برهان
اذ بعضهم في البعض يقدح دائما*** والقدح فيهم فهو ذو امكان
وتواتر وهو القليل ونادر*** جدا فأين القطع بالبرهان
هذا ويحتاج السلامة بعد من*** ذاك المعارض صاحب السلطان
وهو الذي بالعقل يفرض صدقه*** والنفي مظنون لدى الانسان
فلأجل هذا قد عزلناها*** وولينا العقول ومنطق اليونان


فانظر الى الاسلام كيف بقاؤه*** من بعد هذا القول ذي البطلان
وانظر الى القرآن معزولا لـ***ـديهم عن نفوذ ولاية الايقان
وانظر الى قول الرسول كذاك معـ***ـزولا لديهم ليس ذا سلطان
والله ما عزلوه تعظيما له*** أيظن ذلك قط ذو عرفان
يا ليتهم اذ يحكمون بعزله*** لم يرفعوا رايات جنكسخان
يا ويلهم ولوا اشارات ابن سـ***ـينا حين ولوا منطق اليونان
وانظر الى نص الكتاب مجندلا*** وسط العرين ممزق اللحمان
بالطعن بالاجمال والاضمار*** والتخصيص وتأويل بالبهتان
والاشتراك وبالمجاز وحذف ما*** شاؤوا بدعواهم بلا برهان
وانظر اليه ليس ينفذ حكمه*** بين الخصوم وما له من شان
وانظر اليه ليس يقبل قوله*** في العلم بالأوصاف للرحمن
لكنما المقبول حكم العقل لا***أحامه لا يستوي الحكمان
يبكي عليه أهله وجنوده*** بدمائهم ومدامع الأجفان


عهدوه قدما ليس يحكم غيره*** وسواه معزول عن السلطان
ان غاب نابت عنه أقوال الرسو***ل هما لهم دون الورى حكمان
فأتاهم ما لم يكن في ظنهم*** في حكم جنكسخان ذي الطغيان
بجنود تعطيل وكفران من المفعـ***ـول ثم اللاص والعلان
فعلوا بملته وسنته كما*** فعلوا بأمته من العدوان
والله ما انقادوا لجنكسخان حتى أعـ***ـرضوا عن محكم القرآن
والله ما ولوه الا بعد عز***ل الوحي عن علم وعن ايقان
عزلوه عن سلطانه وهو اليقـ***ـين المستفاد لنا من السطان
هذا ولم يكف الذي فعلوه حتى*** تمموا الكفران بالبهتان
جعلوا القرآن عضين اذ عضـ***ـهوه أنواعا معددة من النقصان


منها انتفاء خروجه من ربنا*** لم يبد من رب ولا رحمن
لكنه خلق من اللوح ابتداء*** أو جبرئيل أو الرسول الثاني
ما قاله رب السموات العلى*** ليس الكلام بوصف ذي الغفران
تبا لهم سلبوه أكمل وصفه*** عضهوه عضه الريب والكفران
هل يستوي بالله نسبته الى*** بشر ونسبته الى الرحمن
كم أين للمخلوق عين صفاته*** الله أكبر ليس يستويان
بين الصفات وبين مخلوق كما*** بين الاله وهذه الأكوان
هذا وقد عضهوه أن نصوصه*** معزولة عن امرة الايقان
لكن غايتها الظنون وليته*** ظنا يكون مطابقا ببيان
لكن ظواهر ما يطابق ظنها*** ما في الحقيقة عندنا بوزان
الا اذا ما أولت فمجازها*** بزيادة فيها أو النقصان
أو بالكناية واستعارات وتشـ***ـبيه وأنواع المجاز الثاني
فالقطع ليس يفيده والظن*** منفي كذلك فانتفى الأمران
فلم الملامة اذ عزلناها*** وولينا العقول وفكرة الأذهان


فالله يعظم في النصوص أجوركم*** يا أمة الآثار والقرآن
ماتت لدى الأقوام لا يحيونها*** أبدا ولا تحييهم لهوان
هذا وقولهم خلاف الحس*** والمعقول والمنقول والبرهان
مع كونه أيضا خلاف الفطرة الأو***لى وسنة ربنا الرحمن
فالله قد فطر العباد على التفا***هم بالخطاب لمقصد التبيان
كل يدل على الذي في نفسه*** بكلامه من أهل كل لسان
فترى المخاطب قاطع بمراده*** هذا مع التقصير في الانسان
اذ كل لفظ غير لفظ نبينا*** هو دونه في ذا بلا نكران
حاشا كلام الله فهو الغاية القصـ***ـوى له أعلى ذرى التبيان


لم يفهم الثقلان من لفظ كما*** فهموا من الأخبار والقرآن
فهو الذي استولى على التبيان كاستيلائه حقا على الاحسان
ما بعد تبيان الرسول لناظر*** الا العمى والعيب في العميان
فانظر الى قول الرسول لسائل*** من صحبه عن رؤية الرحمن
كالبدر ليل تمامه والشمس في*** نحر الظهيرة ما هما مثلان
بل قصده تحقيق رؤيتنا له*** فأتى بأظهر ما يرى بعيان
ونفى السحاب وذاك امر مانع*** من رؤية القمرين في ذا الآن
فأتى بالمقتضى ونفى الموا***نع خشية التقصير في التبيان
صلى عليه الله ما هذا الذي*** يأتي به من بعد ذا ببيان
ماذا يقول القاصد التبيان يا*** أهل العمى من بعد ذا التبيان


فبأي لفظ جاءكم قلتم له*** ذا اللفظ معزول عن الايقان
وضربتم في وجهه بعسـ***ـاكر التأويل دفعا منكم بليان
لو أنكم والله عاملتم بذا*** أهل العلوم وكتبهم بوزان
فسدت تصانيف الوجود بأسرها*** وغدت علوم الناس ذات هوان
هذا وليسوا في بيان علومهم*** مثل الرسول ومنزل القرآن
والله لو صح الذي قد قلتم*** قطعت سبيل العلم والايمان
فالعقل لا يهدي الى تفصيلها*** لكن ما جاءت به الوحيان
فاذا غدا التفصيل لفظيا ومعـ***زولا عن الايقان والرجحان
فهناك لا علم أفادت لا ولا*** ظنا وهذا غاية الحرمان


لو صح ذاك القول لم يحصل لنا*** قطع بقول قط من انسان
وغدا التخاطب فاسدا وفساده*** أصل الفساد لنوع ذا الانسان
ما كان يحصل علمنا بشهادة*** ووصية كلا ولا إيمان
وكذلك الاقرار يصبح فاسدا*** إذ كان محتملا لسبع معان
وكذا عقود العالمين بأسرها*** باللفظ إذ يتخاطب الرجلان
أيسوغ للشهدا إذا شهادتهم بها*** من غير علم منهم ببيان
إذ تكلم الألفاظ غير مفيدة*** للعلم بل للظن ذي الرجحان
بل لا يسوغ لشاهد أبد شها***دته على مدلول نطق لسان
بل لا يراق دم بلفظ الكفر من*** متكلم بالظن والحسبان
بل لا يباح الفرج بالاذن الذي*** هو شرط صحته من النسوان
أيسوغ للشهداء جزمهم بأن*** رضيت بلفظ قابل لمعان
هذا وجملة ما يقال بأنه*** في ذا فساد العقل والأديان


هذا ومن بهتانهم أن اللغا***ت أتت بنقل الفرد والوحدان
فانظر الى الألفاظ في جريانها*** في هذه الأخبار والقرآن
أتظنها تحتاج نقلا مسندا*** متواترا أو نقل ذي وحدان
ام قد جرت مجرى الضرورات لا*** تحتاج نقلا وهي ذان بيان
الا الأقل فانه يحتاج للنقل الصحيح وذاك ذو تبيان
ومن المصائب قول قائلهم بـ***ـأن الله أظهر لفظة بلسان
وخلافهم فيه كثير ظاهر*** عربي وضع ذاك أم سرياني
وكذا اختلافهم امشتقا يرى*** أم جامدا قولان مشهوران
والأصل ماذا فيه حلف ثابت*** عند النحاة وذاك ذو ألوان
هذا ولفظ الله أظهر لفظة*** نطق اللسان بها مدى الأزمان
فانظر بحق الله ماذا في الذي *** قالوه من لبس ومن بهتان
هل خالف العقلاء أن الله*** رب العالمين مدبر الأكوان
ما فيه اجمال ولا هو موهم*** نقل المجاز ولا له وضعان


والخلف في أحوال ذاك اللفظ لا*** في وضعه لم يختلف رجلان
وإذا هم اختلفوا بلفظ مكة*** فيه لهم قولان معروفان
أفبينهم خلف بأن مرادهم*** حرم الاله وقلبه البلدان
وإذا هم اختلفوا بلفظة أحمد*** فيه لهم قولان مذكوران
أفبينهم خلف بأن مرادهم*** منه رسول الله ذو البرهان
ونظير هذا ليس يحصره كثرة*** يا قوم فاستحيوا من الرحمن
أبمثل ذا الهذيان قد عزلت نصو***ص الوحي عن علم وعن ايقان
فالحمد لله المعافي عبده*** مما بلاكم يا ذوي العرفان
فلأجل ذا نبذوا الكتاب وراءهم*** ومضوا على آثار كل مهان
ولأجل ذاك غدوا على السنن التي*** جاءت وأهليها ذوي أضغان
يرمونهم كذبا بكل عظيمة*** حاشاهم من افك ذي بهتان


فصل في تنزيه أهل الحديث والشريعة
عن الألقاب القبيحة الشنيعة


فرموهم بغيا بما الرامي به*** أولى ليدفع عنه فعل الجاني
يرمي البريء بما جناه مباهتا*** ولذاك عند الغر يشتبهان
سموهم حشوية ونوابتا*** ومجسمين وعابدي أوثان
وكذاك أعداء الرسول وصحبه*** وهم الروافض أهبث الحيوان
نصبوا العداوة للصحابة ثم سموا بالنواصب شيعة الرحمن
وكذا المعطل شبه الرحمن بالمعدوم فاجتمعت له الوصفان
وكذاك شبه قوله بكلامنا*** حتى نفاه وذان تشبيهان
وكذاك شبه وصفه بصفاتنا*** حتى نفاه عنه بالبهتان
وأتى الى وصف الرسول لربه*** سمّاه تشبيها فيا اخواني
بالله من أولى بهذا الاسم من*** هذا الخبيث المخبث الشيطاني
ان كان تشبيها ثبوت صفاته*** سبحانه فبأكمل ذي شأن
لكن نفي صفاته تشبيهه*** بالجامدات وكل ذي نقصان
بل بالذي هو غير شيء وهـ***ـو معدوم وان يفرض ففي الأذهان
فمن المشبه بالحقيقة أنتم*** أم مثبت الأوصاف للرحمن


فصل
في نكتة بديعة تبين ميراث الملقبين
والملقبين من المشركين والموحدين


هذا وثم لطيفة أعجب سأبديها لكم يا معشر الاخوان
فاسمع فذاك معطل ومشبه*** واعقل فذاك حقيقة الانسان
لا بد أن يرث الرسول وضده*** في الناس طائفتان مختلفتان
فالوارثون له على منهاجه*** والوارثون لضده فئتان
أحداهما حرب له ولحزبه*** ما عندهم في في ذاك من كتمان
فرموه من ألقابهم بعظائم*** هم أهلها لا خيرة الرحمن
فأتى الألى ورثوهم فرموا بها*** وراثه بالبغي والعدوان
هذا يحقق ارث كل منهما*** فاسمع وعه يا من له أذنان
والآخرون أولوا النفاق فاضمروا*** شيئا وقالوا غيره بلسان
وكذا المعطل مضمر تعطيله*** قد أظهر التنزيه للرحمن
هذي مواريث العباد تقسمت*** بين الطوائف قسمة المنان


هذا وثمة لطيفة أخرى***سلوان من قد سب بالبهتان
تجد المعطل لا عنا لمجسم*** ومشبه لله بالانسان
والله يصرف ذاك عن اهل الهدى*** كمحمد ومذموم اسمان
هم يشتمون مذمما ومحمد*** عن شتمهم في معزل وصيان
صان الاله محمدا عن شتمهم*** في اللفظ والمعنى هما صنوان
كصيانة الاتباع عن شتم المعطل للمشبه هكذا الارثان
والسب مرجعه اليهم اذ هم*** أهل لكل مذمة وهوان
وكذا المعطل يلعن اسم مشبه*** واسم الموحد في حمى الرحمن


هذي حسان عرائس زفت لكم*** ولدى المعطل هن غير حسان
والعلم يدخل قلب كل موفق*** من غير أبواب ولا استئذان
ويرده المحروم من خذلانه*** لا تشقنا اللهم بالحرمان
يا فرقة نفت الاله وقوله*** وعلوه بالجحد والكفران
مونوا بغيظكم فربي عالم*** بسرائر منكم وخبث جنان
فالله ناصر دينه وكتابه*** ورسوله بالعلم والسلطان
والحق ركن لا يقوم لهذه*** أحد ولو جمعت له الثقلان
توبوا الى الرحمن من تعطيلكم*** فالرب يقبل توبة الندمان
من تاب منكم فالجنان مصيره*** أو مات جهميا ففي النيران


فصل في بيان اقتضاء التجهم والجبر والارجاء
للخروج عن جميع ديانات الأنبياء

واسمع وعه سرا عجيبا كان مكتوما من الأقوام منذ زمان
فأذعته بعد اللتيا والتي*** نصحا وخوف معرة الكتمان
جيم وجيم ثم جيم معهما*** مقرونة مع أحرف بوزان
فيها لدى الأقوام طلسم متى*** تحلله تحلل ذروة العرفان
فإذا رأيت الثور فيه تقارن الجيمات بالتثليث شر قران
دلت على أن النحوس جميعها*** سهم الذي قد فاز بالخذلان
جبر وارجاء وجيم تجهم**** فتأمل المجموع في الميزان
فاحكم بطالعها لمن حصلت له*** بخلاصة من ربقة الايمان


فاحمل على الأقدار ذنبك كله*** حمل الجذوع على قوى الجدران
وافتح لنفسك باب عذر اذ ترى*** الأفعال فعل الخالق الديان
فالجبر يشهدك الذنوب جميعها*** مثل ارتعاش الشيخ ذي الرجفان
لا فاعل أبدا ولا هو قادر*** كالميت أدرج داخل الأكفان
والأمر والنهي اللذان توجها*** فهما كأمر العبد بالطيران
وكأمره الأعمى بنقط مصاحف*** أو شكلها حذرا من الألحان
واذا ارتفعت دريجة أخرى*** رأيت الكل طاعات بلا عصيان
ان قيل قد خالفت أمر الشرع قل*** لكن أطعت ارادة الرحمن
ومطيع أمر الله مثل مطيع*** ما يقضي به وكلاهما عبدان
عبد الأوامر مثل عبد مشيئة*** عند المحقق ليس يفترقان
فانظر الى ما قادت الجيم الذي*** للجبر من كفر ومن بهتان


وكذلك الارجاء حين تقر بالمعبود تصبح كامل الايمان
فارم المصاحف في الحشوش وخرب البيت العتيق وجد في العصيان
واقتل اذا ما اسطعت كل موحد*** وتمسحن بالقس والصلبان
واشتم جميع المرسلين ومن أتوا*** من عنده جهرا بلا كتمان
وإذا رأيت حجارة فاسجد لها*** بل خر للأصنام والأوثان
وأقر أن رسوله حقا أتى*** من عنده بالوحي والقرآن
فتكون حقا مؤمنا وجميع ذا*** وزر عليك وليس بالكفران
هذا هو الارجاء عند غلاتهم*** من كل جهمي أخي الشيطان


فأضف الى الجيمين جيم تجهم*** وانف الصفات وألق بالأرسان
قل ليس فوق العرش رب علم*** بسرائر منا ولا اعلان
بل ليس فوق العرش ذو سمع ولا*** بصر ولا عدل ولا احسان
بل ليس فوق العرش معبود سوى العدم الذي لا شيء في الاعيان
بل ليس فوق العرش من متكلم*** بأوامر وزواجر وقران
كلا ولا كلم اليه صاعد*** أبدا ولا عمل لذي شكران
إني وحظ العرش منه مخط ما*** تحت الثرى عند الحضيض الداني
بل نسبة الرحمن عند فريقهم*** للعرش نسبته الى البنيان
فعليهما استولى جميعا قدرة*** وكلاهما من ذاته خلوان
هذا الذي أعطته جيم تجهم*** حشوا بلا كيل ولا ميزان


تالله ما استجمعن عند معطل*** جيماتها ولديه من ايمان
والجهم أصلها جميعا فاغتدت*** مقسموة في الناس بالميزان
والوراثون له على التحقيق هم*** أصحابها لا شيعة الايمان
لكن تقسمت الطوائف قوله*** ذو السهم والسهمين والسهمان
لكن نجا أهل الحديث المحض أتبـ***ـاع الرسول وتابعوا القرآن
عرفوا ما الذي قد قال مع علم بما*** قال الرسول فهم أولوا العرفان
وسواهم في الجهل والدعوى مـ***ـع الكبر العظيم وكثرة الهذيان
مدوا يدا نحو العلى بتكلف*** وتخلف وتكبر وتوان
أترى ينالوها وهذا شأنهم*** حاشا العلى من ذا الزبون الغاني


فصل
في جواب الرب تبارك وتعالى يوم القيامة
اذا سأل المعطل والمشبه عن قول كل منهما

وسل المعطل ما تقول اذا أتى*** فئتان عند الله يختصمان
احداهما حكمت على معبودها*** بعقولها وبفكرة الأذهان
سمته معقولا وقالت أنه*** أولى من المنصوص بالبرهان
والنص قطعا لا يفيد فنحن أولـ***ـنا وفوضنا لنا قولان
قالت وقلنا فيك لست بداخل*** فينا ولست بخارج الأكوان
والعرش أخليناه منك فلست فوق*** العرش لست بقابل لمكان
وكذاك لست بقائل القرآن بل*** قد قاله بشر عظيم الشان
ونسبته حقا اليك بنسبة التشـ***ـريف تعظيما لذي القرآن
وكذاك قلنا لست تنزل في الدجى*** ان النزول صفات ذي الجثمان
وكذاك قلنا لست ذا وجه ولا*** سمع ولا بصر فكيف يدان
وكذاك قلنا لا ترى في هذه الدنيـ***ـا ولا يوم المعاد الثاني
وكذاك قلنا ما لفعلك حكمة*** من أجلها خصصته بزمان
ما ثم غير مشيئة قد رجحت*** كثلا على مثل بلا رجحان
لكن منا من يقول بحكمة*** ليست بوصف قام بالرحمن
هذا وقلنا ما اقتضته عقولنا*** وعقول أشياخ ذوي عرفان
قالوا لنا لا تأخذوا بظواهـ***ـر الوحيين تنسلخوا من الايمان
بل فكروا بعقولكم ان شئتم*** أو فاقبلوا آراء عقل فلان
فلأجل هذا لم نحكم لفظ آ***ثار ولا خير ولا قرآن
اذ كل تلك أدلة لفظية*** معزولة عن مقتضى البرهان


فصل

والآخرين أتوا بما قد قاله*** من غير تحريف ولا كتمان
قالوا تلقينا عقيدتنا عـ***ـن الوحيين بالأخبار والقرآن
فالحكم ما حكما به لا رأي اهـ***ـل الاختلاف وظن ذي الحسبان
آراؤهم أحداث هذا الدين نا***قضة لأصل طهارة الايمان
آراؤهم ريح المقاعد أين تلك*** الريح من روح ومن ريحان
قالوا وأنت رقيبنا وشهيدنا*** من فوق عرشك يا عظيم الشان
انا أبينا أن ندين ببدعة*** وضلالة أو افك ذي بهتان
لكن بما قد قلته أو قاله*** من قد أتانا عنك بالفرقان
وكذاك فارقناهم حين احتيا***ج الناس للأنصار والأعوان
كيلا تصير مصيرهم في يومنا*** هذا ونطمع منك بالغفران


فمن الذي منا أحق بأمنه*** فاختر لنفسك يا أخا العرفان
لا بد نلقاه نحن وأنتم*** في موقف العرض العظيم الشان
وهناك من يسألنا جميعا ربنا*** ولديهقطعا نحن مختصمان
فنقول قلت كذا وقال نبينا*** أيضا كذا فأمامنا الوحيان
فافعل بنا ما أنت أهل بعد ذا*** نحن العبيد وأنت ذو الاحسان
أفتقدرون على جواب مثل ذا*** أم تعدلون على جواب ثان
ما فيه قال الله قال رسوله*** بل فيه قلنا مثل قول فلان
وهو الذي أدت اليه عقولنا*** لما وزنا الوحي بالميزان
ان كان ذلكم الجواب مخلصا*** فامضوا عليه يا ذوي العرفان
تالله ما بعد البيان لمنصف*** الا العناد ومركب الخذلان


فصل
في تحميل أهل الاثبات للمعطلين
شهادة تؤدي عند رب العالمين

يا أيها الباغي على أتباعه*** بالظلم والبهتان والعدوان
قد حملوك شهادة فاشهد بها*** ان كنت مقبولا لدى الرحمن
واشهد عليهم ان سئلت بأنهم*** قالوا اله العرش والأكوان
فوق السموات العلى حقا على العـ***ـرش استوى سبحان ذي السلطان
والأمر ينزل منه ثم يسير في الا***قطار سبحان العظيم الشان
واليه يصعد ما يشاء بأمره*** من طيبات القول والشكران
واليه قد صعد الرسول وقبله*** عيسى ابن مريم كاسر الصلبان
وكذلك الأملاك تصعد دائما*** من ها هنا حقا على الديان
وكذاك روح العبد بعد مماتها*** ترقى اليه وهو ذو ايمان


وأشهد عليهم أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والقرآن
سمع الأمين كلامه منه وأد***اه الى المبعوث بالفرقان
هو قول رب العالمين حقيقة*** لفظا ومعنى ليس يفترقان
وأشهد عليهم أنه سبحانه*** قد كلم المولود من عمران
سمع ابن عمران الرسول كلامه*** منه اليه مسمع الاذان
وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله ناداه بلا كتمان
وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله نادى قبله الأبوان
وأشهد عليهم أنهم قالوا بأن*** الله يسمع صوته الثقلان
والله قال بنفسه لرسوله*** اني أنا العظيم الشان
والله قال بنفسه لرسوله*** اذهب الى فرعون ذي الطغيان
والله قال بنفسه حم مع*** طه ومع يس قول بيان


وأشهد عليهم أنهم وصفوا الالـ***ـه بكل ما قد جاء في القرآن
وبكل ما قال الرسول حقيقة*** من غير تحريف ولا عدوان
وأشهد عليهم أن قول نبيهم*** وكلام رب العرش ذا التبيان
نص يفيد لديهم لديهم علم اليقـ***ـين افادة المعلوم بالبرهان
واشهد عليهم أنهم قد قابلوا التعطيل والتمثيل بالنكران
ان المعطل والممثل ما هما*** متيقنين عبادة الرحمن
ذا عابد المعدوم لا سبحانه*** أبدا وهذا عابد الأوثان
وأشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ***سماء والأوصاف للديان
وكذلك الأحكام أحكام الصفا***ت وهذه الأركان للايمان


قالوا عليم وهو ذو علم يعـ***ـلم غاية الأسرار والاعلان
وكذا بصير وهو ذو بصر يبصـ***ـر كل مرئي وذي الأكوان
وكذا سميع وهو ذو سمع ويسمـ***ـع كل مسموع من الأكوان
متكلم وله كلام وصفه*** ويكلم المخصوص بالرضوان
وهو القوي بقوة هي وصفه*** ومليك يقدر يا أخا السلطان
وهو المريد له الارادة هكذا *** أبدا يريد صانع الاحسان
والوصف معنى قائم بالذات والاسـ***ـماء أعلام له بوزان
أسماؤه دلت على أوصافه*** مشتقة منها اشتقاق معان
وصفاته دلت على أسمائه*** والفعل مرتبط به الأمران
والحكم نسبتها الى متعلقا***ت تقتضي آثارها ببيان
ولربما يعني به الأخبار عن*** آثارها يعني به أمران
والفعل اعطاء الارادة حكمها*** مع قدرة الفعال والامكان
فاذا انتفت أوصافه سبحانه*** فجميع هذا بين البطلان


وأشهد عليهم أنهم قالوا بهذا*** كله جهرا بلا كتمان
وأشهد عليهم انهم براء من*** تأويل كل محرف شيطان
واشهد عليهم انهم يتأولو***ن حقيقة التأويل في القرآن
هم في الحقيقة أهل تأويل الذي*** يعني به لا قائل الهذيان
واشهد عليهم أن تأويلاتهم*** صرف عن المرجوح للرجحان
واشهد عليهم انهم حملوا النصو***ص على الحقيقة لا المجاز الثاني
الا اذا ما اضطرهم لمجازها المضطر من حس ومن برهان
فهناك عصمتها إباحته بغير تجانف للاثم والعدوان
واشهد عليهم أنهم لا يكفرو***نكم بما قلتم من الكفران
إذ أنتم اهل الجهالة عندهم*** لستم أولي كفر ولا ايمان
لا تعرفون حقيقة الكفران بل*** لا تعرفون حقيقة الايمان
الا اذا عاندتم ورددتم*** قول الرسول لأجل قول فلان
فهناك أنتم أكفر الثقلين من*** إنس وجن ساكني النيران


واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا الأ***قدار ورادة من الرحمن
واشهد عليهم أن حجة ربهم*** قامت عليهم وهو ذو غفران
واشهد عليهم أنهم هم فاعلو***ن حقيقة الطاعات والعصيان
والجبر عندهم محال هكذا*** نفي القضاء فبئست الرأيان
واشهد عليهم ان ايمان الورى*** قول وفعل ثم عقد جنان
ويزيد بالطاعات قطعا هكذا*** بالضد يمسي وهو ذو نقصان
والله ما إيمان عاصينا كإيمان الأمين منزل القرآن
كلا ولا ايمان مؤمننا كايمان الرسول معلم الايمان
واشهد عليهم أنهم لم يخلدوا *** أهل الكبائر في حميم آن
بل يخرجون بإذانه بشفاعة*** وبدونها لمساكن بجنان
واشهد عليهم أن ربهم يرى*** يوم المعاد كما يرى القمران
واشهد عليهم أن أصحاب الرسو***ل خيار خلق الله من إنسان
حاشا النبيين الكرام فإنهم*** خير البرية خيرة الرحمن
وخيارهم خلفاؤه من بعده*** وخيارهم حقا هما العمران
والسابقون الأولون أحق*** بالتقديم ممن بعدهم ببيان
كل بحسب السبق أفضل رتبة*** من لاحق والفضل للمنان


فصل
في عهود المثبتين مع رب العالمين

يا ناصر الاسلام والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالقرآن
يا من هو الحق المبين وقوله*** ولقاؤه ورسوله ببيان
أشرح لدينك صدر كل موحد*** شرحا ينال به ذرا الايمان
واجعله مؤتما بوحيك لا بما*** قد قاله ذو الافك والبهتان
وانصر به حزب الهدى واكبت به*** حزب الضلال وشيعة الشيطان
وأنعش به من قصد إحياءه*** واعصمه من كيد امرئ فتان
واضرب بحقك عنق أهل الزيغ*** والتبديل والتكذيب والطغيان
فوحق نعمتك التي أوليتني*** وجعلت قلبي واعي القرآن
وكتبت في قلبي متابعة الهدى*** فقرأت فيه أسطر الايمان
ونشلتني من حب أصحاب الهوى*** بحبائل من محكم الفرقان
وجعلت شربي المنهل العذب الذي*** هو رأس ماء الوارد الظمآن
وعصمتني من شرب سفل الماء تحت نجاسة الآراء والأذهان
وحفظتني مما ابتليت به الألى*** حكموا عليك بشرعة البهتان
نبذوا كتابك من وراء ظهورهم*** وتمسكوا بزخارف الهذيان
وأريتني البدع المضلة كيف يلقيها مزخرفة الى الانسان
شيطانه فيظل ينقشها له*** نقش المشبه صورة بدهان
فيظنها المغرور حقا وهي في التحقيق مثل اللال في القيعان


لأجاهدن عداك ما أبقيتني*** ولأجعلن قتالهم ديداني
ولأفضحنهم على رؤوس الملا*** ولأفرين أديمهم بلساني
ولأكشفن سرائر خفيت على*** ضعفاء خلقك منهم ببيان
ولأتبعنهم الى حيث انتهوا*** حتى يقال أبعد عبادان
ولأرجمنهم بأعلام الهدى*** رجم المريد بثاقب الشهبان
ولأقعدن لهم مراصد كيدهم*** ولأحصرنهم بكل مكان
ولأجعلن لحومهم بعساكر*** ليست تفر اذا التقى الزحفان
بعساكر الوحيين والفطرات والمعقول والمنقول بالاحسان
حين يبين لمن له عقل من الأولى بحكم العقول والبرهان
ولأنصحن الله ثم رسوله*** وكتابه وشرائع الايمان
ان شاء ربي ذا يكون بحوله*** ان لم يشأ فالأمر للرحمن


تم الجزء الأول والحمد لله رب العالمين
والى الجزء الثاني ان شاء الله
أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
الجمعة 3 رمضان 1423

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:35 AM
القصيدة النونيه 2











فصل
في شهادة أهل الاثبات
على أهل التعطيل أنه ليس في السماء اله يعبد
ولا لله بيننا كلام ولا في القبر رسول الله

إنّا تحملنا الشهادة بالذي*** قلتم نؤديها لدى الرحمن
ما عندكم في الأرض قرآن كلا***م الله حقا يا أولي العدوان
كلا ولا فوق السموات العلى*** رب يطاع بواجب الشكران
كلا ولا في القبر أيضا عندكم*** من مرسل والله عند لسان
هاتيك عورات ثلاث قد بدت*** منكم فغطوها بلا روغان
فالروح عندكم من الاعراض قا***ئمة بجسم الحي كالألوان
وكذا صفات الحي قائمة به*** مشروطة بحياة ذي الجثمان
فاذا انتفت تلك الحياة فينتفى*** مشروطها بالعقل والبرهان
ورسالة المبعوث مشروطة بها*** كصفاته بالعام والايمان
فاذا انتفت تلك الحياة فكل مشـ***ـروط بها عدم لذي الأذهان


فصل
في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم

ولأجل هذا رام ناصر قولكم*** ترقيعه يا كثرة الخلقان
قال الرسول بقبره حيّ كما*** قد كان فوق الأرض والرجمان
من فوقه أطياق ذاك الترب واللبنـ***ـات قد عرضت على الجدران
أو كان حيا في الضريح حياته*** قبل الممات بغير ما فرقان
ما كان تحت الأرض بل من فوقها*** والله هذي سنة الرحمن
أتراه تحت الأرض حيا ثم لا*** يفتيهم بشرائع الايمان
ويريح أمته من الآراء*** والخلف العظيم وسائر البهتان
أم كان حيا عاجزا عن نطقه*** وعن الجواب لسائل لهفان
وعن الحراك فما الحياة اللات قد*** أثبتموها أوضحها ببيان


هذا ولم لا جاءه أصحابه*** يشكون بأس الفاجر الفتان
اذ كان ذلك دأبهم ونبيهم*** حيّ يشاهدهم شهود عيان
هل جاءكم أثر بأن صحابه*** سألوه فتيا وهو في الأكفان
فأجابهم بجواب حي ناطق*** فأتوا اذاً بالحق والبرهان
هلا أجابهم جوابا شافيا*** ان كان حيا ناطقا بلسان
هذا وما شدت ركائبه عـ***ـن الحجرات للقاصي من البلدان
مع شدة الحرص العظيم له على*** ارشادهم بطرائق التبيان
أتراه يشهد رأيهم وخلافهم***ويكون للتبيان ذا كتمان
ان قلتم سبق البيان صدقتم*** قد كان بالتكرار ذا احسان


هذا وكم من أمر أشكل بعده*** أعنى على علماء كل زمان
أو ما ترى الفاروق ود بأنه*** قد كان منه العهد ذا تبيان
بالجد في ميراثه وكلالة*** وببعض أبواب الربا الفتان
قد قصّر الفاروق عند فريقكم*** اذ لم يسله وهو في الأكفان
أتراهم ياتون حول ضريحه*** لسؤال امهم أعز حصان
ونبيهم حي يشاهدهم ويسـ***ـمعهم ولا يأتي لهم ببيان
أفكان يعجز أن يجيب بقوله*** أن كان حيا داخل البنيان
يا قومنا استحيوا من العقلاء والمبعـ***ـوث بالقرآن والرحمن
والله لا قدر الرسول عرفتم*** كلا ولا للنفس والانسان
من كان هذا القدر مبلغ علمه*** فليستتر بالصمت والكتمان


ولقد أبان الله أن رسوله*** ميت كما قد جاء في القرآن
أفجاء أن الله باعثه لنا*** في القبر قبل قيامة الأبدان
أثلاث موتات تكون لرسله*** ولغيرهم من خلقه موتان
اذ عند نفخ الصور لا يبقى امرؤ*** في الأرض حيا قط بالبرهان
أفهل يموت الرسل أم يبقوا اذا*** مات الورى أم هل لكم قولان
فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجيبـ***ـوا بالدليل فنحن ذو أذهان
أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأ***صوات حول القبر بالنكران
لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده*** ميتا كحرمته لدى الحيوان
قد كان يمكنهم يقولوا أنه*** حي فغضوا الصوت بالاحسان
لكنهم بالله أعلم منكم*** ورسوله وحقائق الايمان
ولقد أتوا الى العباس يستـ***ـقون من قحط وجدب زمان
هذا وبينهم وبين نبيهم*** عرض الجدار وحجرة النسوان
فنبيهم حي ويستسقون غـ***ـير نبيهم حاشا أولى الايمان


فصل
فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور

فان احتججتم بالشهيد بأنه*** حيّ كما قد جاء في القرآن
والرسل أكمل حالة منه بلا***شك وهذا ظاهر التبيان
فلذاك كانوا بالحياة أحق من*** شهدائنا بالعقل والبرهان
وبأن عقد نكاحه لم ينفسخ** فنساؤه في عصمة وصيان
ولأجل هذا لم يحل لغيره*** منهن واحدة مدى الأزمان
أفليس في هذا دليل أنه*** حيّ لمن كانت له أذنان
أو لم ير المختار موسى قائما*** في قبره لصلاة ذي القربان
أفميت يأتي الصلاة وان ذا*** عين المحال وواضح البطلان
أو لم يقل أني أرد على الذي*** يأتي بتسليم مع الاحسان
أيرد ميت السلام على الذي*** يأتي به هذا من البهتان
هذا وقد جاء الحديث بأنهم*** أحياء في الأجداث ذا تبيان
وبأن أعمال العباد عليه تعـ***ـرض دائما في جمعة يومان
يوم الخميس ويوم الاثنين الذي*** قد خص بالفضل العظيم الشأن


فصل
في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة

فيقال اصل دليلكم في ذاك حجتنا عليكم وهي ذات تبيان
ان الشهيد حياته منصوصة***لا بالقياس القائم الأركان
هذا مع النهي المؤكد أننا*** ندعوه ميتا ذاك في القرآن
ونساؤه حل لنا من بعده*** والمال مقسوم على السهمان
هذا وأن الأرض تأكل لحمه*** وسباعها مع أمة الديدان
لكنه مع ذلك حيّ فارح*** مستبشر بكرامة الرحمن
فالرسل أولى بالحياة لديه مع*** موت الجسوم وهذه الأبدان
وهي الطرية في التراب وأكلها*** فهو الحرام عليه بالبرهان
ولبعض أتباع الرسول يكون ذا*** أيضا وقد وجدوه رأي عيان
فانظر الى قلب الدليل عليهم*** حرفا بحرف ظاهر التبيان


لكن رسول الله خص نساؤه*** بخصيصة عن سائر النسوان
خيرن بين رسوله وسواه فا***خترن الرسول لصحة الايمان
شكر الاله لهن ذلك وربنا*** سبحانه للعبد ذو شكران
قصر الرسول على أولئك رحمة*** منه بهن وشكر ذي الاحسان
وكذاك أيضا قصرهن عليه معـ***ـلوم بلا شك ولا حسبان
زوجاته في هذه الدنيا وفي الأخـ***ـرى يقينا واضح البرهان
فلذا حرمن على سواه بعده*** إذ ذاك صون عن فراش ثان
لكن أتين بعدة شرعية*** فيها الحداد وملزم الأوطان


هذا ورؤيته الكليم مصليا*** في قبره اثر عظيم الشان
في القلب منه حسيكة هل قاله*** فالحق ما قد قال ذو البرهان
ولذاك أعرض في الصحيح محمد*** عنه على عمد بلا نسيان
والدارقطني الامام أعله*** برواية معلومة التبيان
أنس يقول رأي الكليم مصليا*** في قبره فأعجب لذا الفرقان
فرواه موقوفا عليه وليس بالمـ***رفوع أشواقا الى العرفان
بين السياق الى السياق تفاوت*** لا تطرحه فما هما سيان
لكن تقلد مسلما وسواه ممـ***ـ، صحّ هذا عنده ببيان
فرواته الاثبات أعلام الهدى*** حفاظ هذا الدين في الأزمان
لكن هذا ليس مختصا به*** والله ذو فضل وذو احسان
فروى ابن حبان الصدوق وغيره*** خبرا صحيحا عنده ذا شان
فيه صلاة العصر في قبر الذي*** قد مات وهو محقق الايمان
فتمثل الشمس الذي قد كان ير***عاها لأجل صلاة ذي القربان
عند الغروب يخاف فوت صلاته*** فيقول للملكين هل تدعاني
حتى أصلي العصر قبل فواتها*** قالا ستفعل ذاك بعد الآن
هذا مع الموت المحقق لا الذي*** حكيت لنا بثبوته القولان
هذا وثابت البناني قد دعـ***ـا الرحمن دعوة صادق الايقان
أن لا يزال مصليا في قبره*** ان كان أعطي ذاك من انسان


لكن رؤيته لموسى ليلة المعـ***ـراج فوق جميع ذي الأكوان
يرويه أصحاب الصحاح جميعهم*** والقطع موجبة بلا نكران
ولذاك ظن معارضا لصلاته*** في قبره اذ ليس يجتمعان
وأجيب عنه بأنه أسرى به*** ليراه ثم مشاهدا بعيان
فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا*** بتناقض إذ أمكن الوقتان
هذا ورد نبينا التسليم من*** يأتي بتسليم مع الاحسان
ما ذاك مختصا به أيضا كما*** قد قاله المبعوث بالقرآن
من زار قبر أخ له فأتى بتسـ***ـليم عليه وهو ذو ايمان
رد الاله عليه حقا روحه*** حتى يرد عليه رد بيان
وحديث ذكر حياتهم بقبورهم*** لما يصح وظاهر النكران
فانظر الى الاسناد تعرف حاله*** ان كنت ذا علم بهذا الشأن


هذا ونحن نقول هم أحياء لـ***ـكن عندنا كحياة ذي الأبدان
والترب تحتهم وفوق رؤوسهم*** وعن الشمائل ثم عن أيمان
مثل الذي قد قلتوه معاذنا*** بالله من أفك ومن بهتان
بل عند ربهم تعالى مثل ما*** قد قال في الشهداء في القرآن
لكن حياتهم أجل وحالهم*** أعلى وأكمل عند ذي الاحسان
هذا وأما عرض أعمال العبا***د عليه فهو الحق ذو امكان
وأتى به أثر فإن صح الحـ***ـديث به فحق ليس ذا نكران
لكن هذا ايس مختصا به*** أيضا بآثار روين حسان
فعلى أبي الانسان يعرض سعيه*** وعلى أقاربه مع الأخوان
ان كان سعيا صالحا فرحوا به*** واستبشروا يا لذة الفرحان
أو كان سعيا سيئا حزنوا وقا***لوا رب راجعه الى الاحسان
ولذا استعاذ من الصحابة من روى*** هذا الحديث عقيبه بلسان
يا رب إني عائذ من خزية*** أخزي بها عند القريب الداني
ذاك الشهيد المرتضى ابن روا***حة المحبوّ بالغفران والرضوان
لكن هذا ذو اختصاص والذي*** للمصطفى ما يعمل الثقلان


هذي نهايات لأقدام الورى*** في ذا المقام الضنك صعب الشان
والحق فيه ليس تحمله عقو***ل بني الزمان لغلظة الأذهان
ولجهلهم بالروح مع أحكامها*** وصفاتها للألف بالأبدان
فارض الذي رضي الاله لهم به*** أتريد تنقض حكمة الديان
هل في عقولهم بأن الروح في*** أعلى الرفيق مقيمة بجنان
وترد أوقات السلام عليه من*** أتباعه في سائر الأزمان
وكذاك إن زرت القبور مسلما*** ردت لهم أرواحهم للآن
فهم يردون السلام عليك لـ*** ـكن لست تسمعه بذي الأذنان
هذا وأجواف الطيور الخضر*** مسكنها لدى الجنات والرضوان
من ليس يحمل عقله هذا فلا*** تظلمه واعذره على النكران
للروح شأن غير ذي الأجسام لا*** تهمله شأن الروح أعجب شان
وهو الذي حار الورى فيه فلم*** يعرفه غير الفرد في الأزمان
هذا وأمر فوق ذا لو قلته*** بادرت بالانكار والعدوان
فلذاك أمسكت العنان ولو أرى*** ذاك الرفيق جريت في الميدان
هذا وقولي أنها مخلوقة*** وحدوثها المعلوم بالبرهان
هذا وقولي أنها ليست كما*** قد قال أهل الافك والبهتان
لا داخل فينا ولا هي خارج*** عنا كما قالوه في الديان
والله لا الرحمن أثبتم ولا*** أرواحكم يا مدعي العرفان
عطلتم الأبدان من أرواحها*** والعرش عطلتم من الرحمن


فصل
في كسر المنجنيق الذي نصبه أهل التعطيل
على معاقل الايمان وحصونه جيلا بعد جيل

لا يفزعنك قعاقع وفراقع*** وجعاجع عريت عن البرهان
ما عندكم شيء يهولك غير ذا***ك المنجنيق مقطع الأفخاذ والأركان
وهو الذي يدعونه التركيب منـ***ـصوبا على الاثبات منذ زمان
أرأيت هذا المنجنيق فإنهم*** نصبوه تحت معاقل الايمان
بلغت حجارته الحصون فهدت الـ***ـشرفات واستولت على الجدران
لله كم حصن عليه استولت الـ***ـكفار من ذا المنجنيق الجاني
والله ما نصبوه حتى عبروا*** قصدا على الحصن العظيم الشأن
ومن البليّة أن قوما بين أهـ***ـل الحصن واطوهم على العدوان
ورموا به معهم وكان مصاب أهـ***ـل الحصن منهم فوق ذي الكفران
فتركبت من كفرهم ووفاق من*** في الحصن أنواع من الطغيان
وجرت على الاسلام أعظم محنة*** من ذين تقديرا من الرحمن
والله لولا أن تدارك دينه*** الرحمن كان كسائر الأديان
لكن أقام له الاله بفضله*** يزكا من الأنصار والأعوان
فرموا على ذا المنجنيق صواعقا*** وحجارة هدته للأركان


فاسألهم ماذا الذي يعنون*** بالتركيب فالتركيب ست معان
إحدى معانيه هو التركيب من*** متباين كتركيب الحيوان
من هذه الأعضا كذا أعضاؤه*** قد ركبت من أربع الأركان
أفلازم ذا للصفات لربنا*** وعلوه من فوق كل مكان
ولعل جاهلكم يقول مباهتا*** ذا لازم الاثبات بالبرهان
فالبهت عندكم رخيص سعره*** حثوا بلا كيل ولا ميزان
هذا وثانيها فتركيب الجوا***ر وذاك بين اثنين يفترقان
كالجسر والباب الذي تركيبه*** بجواره لمحلة من بان
والأول المدعو تركيب امتزا***ج واختلاط وهو ذو تبيان
أفلازم ذا من ثبوت صفاته*** أيضا تعالى الله ذو السلطان


والثالث التركيب من متماثل*** يدعي الجواهر فردة الأكوان
والرابع الجسم المركب من هيو***لاه وصورته لذي اليونان
والجسم فهو مركب من ذين عنـ***ـد الفيلسوف وذاك ذو بطلان
ومن الجواهر عند أرباب الكلا***م وذاك أيضا واضح البطلان
فالمثبتون الجوهر الفرد الذي*** زعموه أصل الدين والايمان
قالوا بأن الجسم منه مركب*** ولهم خلاف وهو ذو ألوان
هل يمكن التركيب من جزئين أو*** من أربع أو ستة وثمان
أو ست عشرة قد حكاه الأشـ***ـعري لذي مقالات على التبيان
أفلازم ذا من ثبوت صفاته*** وعلوه سبحان ذي السبحان


والحق أن الجسم ليس مركبا*** من ذا ولا هذا هما عدمان
والجوهر الفرد الذي قد أثبتو***ه في الحقيقة ليس ذا إمكان
لو كان ذلك ثابتا لزم المحا***ل لواضح البطلان والبهتان
من أوجه شتى ويعسر نظمها*** جدا لأجل صعوبة الأوزان
أتكون خردلة تساوي الطود في الأ***جزاء في شيء من الأذهان
إذ كان كل منهما أجزاؤه*** لا تنتهي بالعد والحسبان
وإذا وضعت كل الجوهرين وثالثا*** في الوسط وهو الحاجز الوسطاني
فلأجله افترقا فلا يلتقيا*** حتى يزول إذاً فيلتقيان
ما مسه إحداهما منه هو الممـ***سوس للثاني بلا فرقان
هذا محال أو تقول بغيره*** فهو انقسام واضح التبيان


والخامس التركيب من ذات من الـ***أوصاف هذا باصطلاح ذان
سموه تركيبا وذلك وضعهم*** ما ذاك في عرف ولا قرآن
لسنا نقر بلفظة موضوعة*** في الاصطلاح لشيعة اليونان
أو من تلقى عنهم من فرقة*** جهمية ليست بذي عرفان
من وصفه سبحانه بصفاته العليـ***ـا ويترك مقتضى القرآن
والعقل والفطرة أيضا كلها*** قبل الفساد ومقتضى البرهان
سموه ما شئتم فليس الشأن في الأسـ***ـماء بالألقاب ذات الشان
هل من دليل يقتضي ابطال ذا التركـ***ـيب من عقل ومن فرقان
والله لو نشرت شيوخكم لما*** قدروا عليه لو أتى الثقلان


والسادس التركيب من ماهية*** ووجودها ما ها هنا شيئان
الا اذا اختلف اعتبارهما فذا*** في الذهن والثاني ففي الأعيان
فهناك يعقل كون ذا غير لذا*** فعلى اعتبارهما هما غيران
أما اذا اتحدا اعتبار كل نفس وجـ***ـودها هو ذاتها لا ثان
من قال شيء غير ذا كان الذي*** قد قاله ضرب من الفعلان


هذا وكم خبط هنا قد زال بالتفصـ***ـيل وهو الأصل في العرفان
وابن الخطيب وحزبه من بعده*** لم يهتدوا لمواقع الفرقان
بل خبطوا نقلا وبحثا اوجبا*** شكا لكل ملدد حيران
هل ذات رب العالمين وجوده*** أم غيره فهما اذا شيئان
فيكون تركيبا محالا ذاك أن*** قلنا به فيصير ذا امكان
وإذا نفينا ذاك صار وجوده*** كالمطلق الموجود في الأذهان
وحكوا أقاويلا ثلاثا زينـ***ـك القولين اطلاقا بلا فرقان
الثالث التفريق بين الواجب الأ***على وبين وجود ذي الامكان
وسطوا عليها كلها بالنقض والا*** بطال والتشكيك للانسان
حتى أتى من أرض آمد آخرا*** ثور كبير بل حقير الشان
قال الصواب الوقف في ذا كله*** والشك فيه ظاهر التبيان
هذا قصارى بحثه وعلومه*** أن شك في الله العظيم الشان




فصل
في أحكام بيان هذه التراكيب الستة

فلأولان حقيقة التركيب لا***تعدوها في اللفظ والأذهان
وكذلك الأعيان أيضا انما التركـ***ـيب فيها ذلك النوعان
والأوسطان هما اللذان تنازعا العقـ***ـلاء في تركيب ذي الجثمان
ولهم أقاويل ثلاث قد حكينـ***ـاها وبينا أتم بيان
والآخران هما اللذان عليهما*** درات رحى الحرب التي تريان
أنتم جعلتم وصفه سبحانه*** بعلوه من فوق ذي الأكوان
وصفاته العليا التي ثبتت له*** بالعقل والمنقول ذي البرهان
من جملة التركيب ثم نفيتم*** مضمونها من غير ما برهان
فجعلتم المرقاة للتعطيل هـ***ـذا الاصطلاح وذا من العدوان


ولكن اذا قيل اصطلاح حادث*** لا حجر في هذا على انسان
فتقول نفيكم بهذا الاصطلا***ح صفاته هو أبطل البطلان
وكذاك نفيكم به لعلوه*** فوق السماء وفوق كل مكان
وكذاك نفيكم به لكلامه*** بالوحي كالتوراة والقرآن
وكذاك نفيكم لرؤيتنا له*** يوم المعاد كما يرى القمران
وكذاك نفيكم لسائر ما أتى*** في النقل من وصف بغيرمعان
كالوجه واليد والأصابع والذي*** أبدا يسوءكم بلا كتمان
وبودكم لو لم يقله ربنا*** ورسوله المبعوث بالبرهان
وبودكم الله لما قالها*** أن ليس يدخل مسمع الانسان


قام الدليل على استنادكم الكـ***ـون أجمعه الى خلاقه الرحمن
ما قام قط على انتفاء صفاته*** وعلوه من فوق ذي الأكوان
هو واحد في وصفه وعلوه*** ما للورى رب سواه ثان
فلأي معنى تجحدون علوه*** وصفاته بالفشر والهذيان
هذا وما المحذور الا أن يقال*** مع الاله لنا اله ثان
أو أن يعطل عن صفات كماله*** هذا محذوران محظوران
أما اذا ما قيل رب واحد*** أوصافه أربت على الحسبان
وهو القديم فلم يزل يصفاته*** متوحدا بل دائم الاحسان
فبأي برهان نفيتم ذا وقلـ***ـتم ليس هذا قط في الامكان


فلئن زعمتم أنه نقص فذا***بهت فما في ذاك من نقصان
النقص في أمرين سلب كماله*** أو شركة بالواحد الرحمن
أتكون أوصاف الكمال نقيصة*** في أي عقل ذاك أم قرآن
أن الكمال بكثرة الأوصاف لا*** في سلبها ذا واضح البرهان
ما النقص غير السلب حسب وكل نقص أصله سلب وهذا واضح التبيان
فالجهل سلب العلم وهو نقيصه*** والظلم سلب العدل والاحسان
منتقص الرحمن سالب وصفه*** والحمد والتمجيد كل أوان
ولذاك أعلم خلقه أدراهم*** بصفاته من جاء بالقرآن
وله صفات ليس يحصيها سوا***ه من ملائكة ولا انسان
ولذاك يثني في القيامة ساجدا*** لما يراه المصطفى بعيان
بثناء حمد لم يكن في هذه الدنيـ***ـا ليحيصيه مدى الأزمان
وثناؤه بصفاته لا بالسلو***ب كما يقول العادم العرفان


والعقل دل على انتهاء الكون أجمعه الى رب عظيم الشان
وثبوت أوصاف الكمال لذاته*** لا يقتضي إبطال ذا البرهان
والكون يشهد أن خالقه تعا***لى ذو الكمال ودائم السلطان
وكذاك يشهد أنه سبحانه*** فوق الوجود وفوق كل مكان
وكذلك يشهد أنه سبحانه المـ***ـعبود لا شيء من الأكوان
وكذاك يشهد أنه سبحانه*** ذو حكمة في غاية الاتقان
وكذاك يشهد أنه سبحانه*** ذو قدرة حي عليم دائم الاحسان
وكذاك يشهد أنه الفعال حـ***ـقا كل يوم ربنا في شان
وكذاك يشهد أنه المختار في *** أفعاله حقا بلا نكران
وكذاك يشهد القيوم قا*** م بنفسه ومقيم ذي الأكوان
وكذاك يشهد أنه ذو رحمة*** وإرادة ومحبة وحنان
وكذاك يشهد أنه سبحانه*** متكلم بالوحي والقرآن
وكذاك يشهد أنه سبحانه الـ***ـخلاق باعث هذه الأبدان
لا تجعلوه شاهدا بالزور والتـ***ـعطيل تلك شهادة البطلان


وإذا تأملت الوجود رأيته*** ان لم تكن من زمرة العميان
بشهادة الاثبات حقا قائما*** لله لا بشهادة النكران
وكذاك رسل الله شاهدة به*** أيضا فسل عنهم عليم زمان
وكذاك كتب الله شاهدة به*** أيضا فهذا محكم القرآن
وكذلك الفطر التي ما غيرت*** عن أصل خلقتها بامر ذان
وكذا العقول المستنيرات التي*** فيها مصابيح الهدى الرباني
أترون أنا تاركو ذا كله*** لشهادة الجهمي واليوناني
هذي الشهود فان طلبتم شاهدا*** من غيرها سيقوم بعد زمان
إذ ينجلي هذا الغبار فيظهر الـ***ـحق المبين مشاهدا بعيان
فإذا نفيتم وقلت أنه*** ملزوم تركيب فمن يلحاني
ان قلت لا عقل ولا سمع لكم*** وصرخت فيما بينكم بأذان
هل يجعل الملزوم عين اللزم الـ***ـمنفى هذا بيّن البطلان
فالشيء ليس لنفسه ينفى لدى*** عقل سليم يا ذوي العرفان


قلتم نفينا وصفه وعلوه*** من خشية التركيب والامكان
لو كان موصوفا لكان مركبا*** فالوصف والتركيب متحدان
أو كان فوق العرش كان مركبا*** فالفوق والتركيب متفقان
فنفيتم التركيب بالتركيب مع*** تغيير احدى اللفظين بثان
بل صورة البرهان أصبح شكلها*** شكلا عقيما ليس ذا برهان
لو كان موصوفا لكان كذاك مو***صوفا وهذا حاصل البرهان
فإذا جعلتم لفظة الترطيب بالـ***ـمعنى الصحيح أمارة البطلان
جئنا الى المعنى فخلصناه منـ***ـها وأطّرحناها أطراح مهان
هي لفظة مقبوحة بدعية*** مذمومة منا بكل لسان
واللفظ بالتوخيد نجعله مكا***ن اللفظ بالتكريب في التبيان
واللفظ بالتوحيد أولى بالصفا***ت وبالعلو لمن له أذنان
هذا هو التوحيد عند الرسل لا*** أصحاب جهم شيعة الكفران

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:37 AM
فصل
في أقسام التوحيد
والفرق بين توحيد المرسلين وتوحيد النفاة المعطلين

فاسمع اذا أنواعه هي خمسة*** قد حصلت أقسامها ببيان
توحيد أتباع ابن سينا وهو منـ***ـسوب لأرسطو من اليونان
ما للاله لديهم ماهية*** غير الوجود المطلق الوجدان
مسلوب أوصاف الكمال جميعها*** لكون وجود حسب ليس بفان
ما أن له ذات سوى نفس الوجو***د المطلق المسلوب كل معان
فلذاك لا سمع ولا بصر ولا***علم ولا قول من الرحمن
ولذاك قالوا ليس ثم مشيئة*** وإرادة لوجود ذي الأكوان
بل تلك لازمة له بالذات لم*** تنفك عنه قط في الأزمان
ما اختار شيئا قط يفعله ولا*** هذا له أبدا بذي امكان
وبنوا على هذا استحالة خر***ق ذي الأفلام يوم قيامة الأبدان
ولذاك قالوا ليس يعلم قط شيـ***ـئا ما من الموجود في الأعيان
لا يعلم الأفلاك كم أعدادها*** وكذا النجوم وذانك القمران
بل ليس يسمع صوت كل مصوت***كلا وليس يراه رأي عيان
بل ليس يعلم حالة الانسان تفـ***ـصيلا من الطاعات والعصيان
كلا ولا علم له يتساقط الـ***أوراق أو بمنابت الأغصان
علما على التفصيل عندهم*** عين المحال ولازم الامكان


بل نفس آدم عندهم عين المحا***ل ولم يكن في سالف الأزمان
ما زال نوع الناس موجودا ولا*** يفنى كذاك الدهر والملوان
هذا هو التوحيد عند فريقهم*** مثل ابن سينا والنصير الثاني
قالوا والجأنا الى ذا خشية التـ***ـركيب والتجسيم ذي البطلان
ولذاك قلنا ما له سمع ولا*** بصر ولا علم فكيف يدان
وكذاك قلنا ليس فوق العرش*** الا المستحيل وليس ذا امكان
جسم على جسم كلا الجسمين*** محدود يكون كلاهما صنوان
فبذاك حقا صرحوا في كتبهم*** وهم الفحول أئمة الكفران
ليسوا مخانيث الوجود فلا إل***ى الكفران ينحازوا ولا الايمان
والشرك عندهم ثبوت الذات والأ***وصاف إذ يبقى هناك اثنان
غير الوجود فصار ثم ثلاثة*** فلذا نفينا اثنين بالبرهان
نفى الوجود فلا يضاف اليه شيء*** غيره فيصير ذا إمكان


فصل
في النوع الثاني من أنواع التوحيد لأهل الالحاد

هذا وثاتيها فتوحيد ابن سبـ***تعين وشيعته أولي البهتان
كل اتحادي خبيث عنده*** معبوده موطوؤه الحقاني
توحيدهم أن الاله هو الوجو***د المطلق المبثوث في الأعيان
هو عينها لا غيرها ما ها هنا*** رب وعبد كيف يفترقان
لكن وهم العبد ثم خياله*** في ذي المظاهر دائما يلجان
فلذاك حكمهما عليه نافذ*** فابن الطبيعة ظاهر النقصان
فإذا تجرّد علمه عن عقله أيضا فإن الـ***ـعقل لا يدنيه من ذا الشان
بل يخرق الحجب الكثيفة كلها*** وهما وحسا ثم عقل وإن
فالوهم منه وحسه وخياله*** والعلم والمعقول في الأذهان
حجب على ذا الشأن فاخرقها وإلـ***ـا كنت محجوبا عن العرفان
هذا وأكثفها حجاج الحس والـ***ـمعقول ذانك صاحب الفرقان
فهناك صرت موحدا حقا ترى*** هذا الوجود حقيقة الديان
والشرك عندهم فتنويع الوجو***د وقولنا ان الجود اثنان
واحتج يوما بالكتاب عليهم*** شخص فقالوا الشرك في القرآن
لكنما التوحيد عند القائلين*** بالاتحاد فهم أولو العرفان
رب وعبد كيف ذاك وإنما الـ***ـموجود فرد ماله من ثان


فصل
في النوع الثالث من التوحيد لأهل الالحاد

هذا وثالثها هو التوحيد عنـ***ـد الجهم وتعطيل بلا ايمان
نفي الصفات مع العلو كذاك نفـ***ـس كلامه بالوحي والقرآن
فالعرش ليس عليه شيء بتة*** لكنه خلو من الرحمن
ما فرقة رب يطاع ولا عليـ***ـه للورى من خالق رحمن
بل حظ عرش الرب عند فريقهم*** منه كحظ الأسفل التحتاني
فهو المعطل عن نعوت كماله*** وعن الكلام وعن جميع معان
وانظر الى ما قد حكينا عنه في*** مبدأ القصيد حكاية التبيان
هذا هو التوحيد عند فريقهم*** تلك الفحول مقدمي البهتان
والشرك عندهم فإثبات الصفا***ت لربنا ونهاية الكفران
إن كان شرك ذا وكل الرسل قد*** جاؤوا به يا خيبة الانسان


فصل
في النوع الرابع من أنواعه

هذا ورابعها فتوحيد لدى*** جبريهم هو غاية العرفان
العبد ميت ما له فعل ولكن ما*** ترى هو فعل ذي السلطان
والله فاعل فعلنا من طاعة*** ومن الفسوق وسائر العصيان
هي فعل رب العالمين حقيقة*** ليست بفعل قط للانسان
فالعبد ميت وهو مجبور على** افعاله كالميت في الأكفان
وهو الملوم على فعال الهه*** فيه وداخل جاحم النيران
يا ويحه المسكين مظلوم يرى*** في صورة العبد الظلوم الجاني
لكن نقول بأنه هو ظالم*** في نفسه أدبا مع الرحمن
هذا هو التوحيد عند فريقهم*** من كل جبري خبيث جنان
الكل عند غلاتهم طاعات***ما ثم في التحقيق من عصيان
والشرك عندهم في اعتقادك فاعلا*** غير الاله المالك الديان
فانظر الى التوحيد عند القوم ما*** فيه من الاشراك والكفران
ما عندهم والله شيء غيره*** هاتيك كتبهم بكل مكان
أترى أبا جهل وشيعته رأوا*** من خالق ثان لذي الأكوان
أم كلهم جمعا أقروا أنه*** هو وحده الخلاق ليس اثنان
الا المجوس فإنهم قالوا*** بأن الشر خالقه اله ثان


فصل
في بيان توحيد الأنبياء والمرسلين
ومخالفته لتوحيد الملاحدة والمعطلين

فاسمع اذاً توحيد رسل الله ثم اجـ***ـعله داخل كفة الميزان
مع هذه الأنواع وانظر أيها*** أولى لدى الميزان بالرجحان
توحيدهم نوعان قولي وفعـ***ـلي كلا نوعيه ذو برهان
فالأول القولي ذو نوعين أيـ***ـضا في كتاب الله موجودان
إحداهما سلب وذا نوعان أيـ***ـضا فيه حقا فيه مذكوران
سلب النقائص والعيون جميعها*** عنه هما نوعان معقولان


سلب لمتصل ومنفصل هما*** نوعان معروفان أما الثاني
وكذاك سلب الزوج والولد الذي*** نسبوا اليه عابدو الصلبان
سلب الشريك مع الظهير مع الشـ***ـفيع بدون اذن الخالق الديان
وكذاك نفى الكفو أيضا والولي*** لنا سوى الرحمن ذي الغفران


والأول التنزيه للرحمن عن*** وصف العيوب وكل ذي نقصان
كالموت والاعياء والتعب الذي*** ينفى اقتدار الخالق الديان
والنوم والسنة التي هي أصله*** وعزوب شيء عنه في الأكوان


وكذلك العبث الذي تنفيه حكمتـ***ـه وحمد الله ذي الاتقان
وكذاك ترك الخلق اهمالا سدى*** لا يبعثون الى معاد ثان
كلا ولا أمر ولا نهي*** عليهم من اله قادر ديان


وكذاك ظلم عباده وهو الغني*** فما له والظلم للانسان
وكذاك غفلته تعالى وهو علا***م الغيوب فظاهر البطلان
وكذاك النسيان جل الهنا*** لا يعتريه قط من نسيان
وكذاك حاجته الى طعم ورز***ق وهو رازق بلا حسبان


هذا وثاني نوعي السلب الذي*** هو أول الأنواع في الأوزان
تنزيه أوصاف الكمال له عن التشـ***ـبيه والتمثيل والنكران
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا*** ان المشبه عابد الأوثان
كلا ولا نخليه من أوصافه*** ان المعطل عابد البهتان
من مثل الله العظيم بخلقه*** فهو النسيب لمشرك نصراني
أو عطل الرحمن من أوصافه*** فهو الكفور وليس ذا ايمان


فصل
في النوع الثاني من النوع الأول وهو الثبوت

هذا ومن توحيدهم اثبات أو*** صاف الكمال لربنا الرحمن


كعلوه سبحانه فوق السماوات*** العلى بل فوق كل مكان
فهو العلي بذاته سبحانه*** اذ يستحيل خلاف ذا ببيان
وهو الذي حقا على العرش استو***ى قد قام بالتدبير للأكوان


حي مريد قادر متكلم*** ذو رحمة وإرادة وحنان
هو أول هو آخر هو ظاهر*** هو باطن هي أربع بوزان
ما قبله شيء كذا وما بعده*** شيء تعالى الله ذو السلطان
ما فوقه شيء كذا ما دونه*** شيء وذا تفسير ذي البرهان
فانظر الى تفسيره بتدبر*** وتبصر وتعقل لمعان
وانظر الى ما فيه من انواع معـ***ـرفة لخالقنا العظيم الشان


وهو العلي فكل أنواع العلـ***ـلو له فثابته بلا نكران
وهو العظيم بكل معنى يوجب التـ***ـعظيم لا يحصيه من انسان


وهو الجليل فكل أوصاف الجلا***ل له محققة بلا بطلان
وهو الجميل على الحقيقة كيف لا*** وجمال سائر هذه الأكوان
من بعض آثار الجميل فربها*** أولى وأجدر عند ذي العرفان
فجماله بالذات والأوصاف والـ***أفعال والأسماء بالبرهان
لا شيء يشبه ذاته وصفاته*** سبحانه عن افك ذي بهتان


وهو السميع يسمع ويرى كل ما*** في الكون من سر ومن اعلان
ولكل صوت منه سمع حاضر*** فالسر والاعلان مستويان
والسمع منه واسع والأصوات لا*** يخفى عليه بعيدها والداني
وهو البصير يرى دبيب النملة السـ***ـوداء تحت الصخرة الصوان
ويرى مجاري القوت في اعضائها*** ويرى نياط عروقها بعيان
ويرى خيانات العيون بلحظة*** ويرى كذاك تقلب الأجفان

وهو العليم أحاط علما بالذي*** في الكون من سر ومن اعلان
وبكل شيء علمه سبحانه*** فهو المحيط وليس ذا نسيان
وكذاك يعلم ما يكون غدا وما*** قد كان والموجود في ذا الآن
وكذاك أمر لم يكن لو***كان كيف يكون ذا امكان


فصل

وهو الحميد فكل حمد واقع*** أو كان مفروضا مدى الأزمان
ملأ الوجود جميعه ونظيره*** من غير ما عد ولا حسبان
هو أهله سبحانه وبحمده*** كل المحامد وصف ذي الاحسان


فصل

وهو المكلم عبده موسى بتكـ***ـليم الخطاب وقبله الأبوان
كلماته جلت عن الاحصاء والتعداد بل عن حصر ذي الحسبان
لو أن أشجار البلاد جميعها الـ***أقلام تكتبها بكل بنان
والبحر تلقى فيه سبعة أبحر*** لكتابة الكلمات كل زمان
نفدت ولم تنفد بها كلماته *** ليس الكلام من الاله بفان

وهو القدير وليس يعجزه إذا*** ما رام شيئا قط ذو سلطان
وهو القوي له القوى جمعا تعا***لى الله ذو الأكوان والسلطان
وهو الغني بذاته فغناه ذا*** تي له كالجود والاحسان
وهو العزيز فلن يرام جنابه*** أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم*** يغبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه*** فالعز حينئذ ثلاث معان
وهي التي كملت له سبحانه*** من كل وجه عاد النقصان


وهو الحكيم وذاك من أوصافه*** نوعان أيضا ما هما عدمان
حكم وأحكام فكل منهما*** نوعان أيضا ثابتا البرهان
والحكم شرعي وكوني ولا*** يتلازمان وما هما سيان
بل ذاك ذوجد ذون هذا مفردا*** والعكس أيضا ثم يجتمعان
لكن يخلو المربوب من إحداهما*** أو منهما بل ليس ينتفيان
لكنما الشرعي محبوب له*** أبدا ولن يخلو من الأكوان
هو أمره الديني الذي جاءت رسله*** بقيامه في سائر الأزمان
لكنما الكوني فهو قضاؤه*** في خلقه بالعدل والاحسان
هو كله حق وعدل ذو رضى*** والشأن في القضي كل الشان
فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط الـ***ـمقضيّ ما الأمران متحدان
فقضاؤه صفة به قامت وما*** المقضي الا صنعة الرحمن
والكون محبوب ومبغوض له*** وكلاهما بمشيئة الرحمن
هذا البيان يزيل لبسا طالما*** هلكت عليه الناس كل زمان
ويحل ما قد عقدوا بأصولهم*** وبحوثهم فافهمه فهم بيان
من وافق الكوني وافق سخطه*** إن لم يوافق طاعة الديان
فلذاك لا يعدوه ذم أو فوا***ت الحمد مع أجر ومع رضوان
وموافق الديني لا يعدوه أجـ***ـر بل له عند الصواب اثنان


فصل

والحكمة العليا على نوعين أيـ***ـضا حصلا بقواطع البرهان
إحداهما في خلقه سبحانه*** نوعان أيضا ليس يفترقان
أحكام هذا الخلق ذا ايجاده*** في غاية الاحكام والاتقان
وصدوره من أجل غايات له*** وله عليها حمد كل لسان
والحكمة الأخرى فحكمة شرعه*** أيضا وفيها ذانك الوصفان
غاياتها اللائي حمدن وكونها*** في غاية الاتقان والاحسان


وهو الحي فليس يفضح عبده*** عند التجاهر منه بالعصيان
لكنه يلقى عليه ستره*** فهو الستير صاحب الغفران


وهو الحليم فلا يعجل عبده*** بعقوبة ليتوب من عصيان
وهو العفو فعفوه وسع الورى*** لولاه غار الأرض بالسكان


وهو الصبور على أذى أعدائه*** شتموه بل نسبوه للبهتان
قالوا له ولد وليس يعيدنا*** شتما وتكذيبا من الانسان
هذا وذاك بسمعه وبعلمه*** لو شاء عاجلهم بكل هوان
لكن يعافيهم ويرزقهم وهم*** يؤذونه بالشرك والكفران


وهو اللطيف بعبده ولعبده*** واللطف في أوصافه نوعان
إدرك أسرار الأمور بخبرة***واللطف عند مواقع الاحسان
فيريك عزته ويبدي لطفه*** والعبد في الغفلات عن ذا الشان


وهو الرفيق يحب أهل الرفق بل*** يعطيهم بالرفق فوق أمان


وهو القريب وقربه المختص بالد***اعي وعابد ه على الايمان


وهو المجيب يقول من يدعو أجبـ***ـه أنا المجيب لكل من ناداني
وهو المجيب لدعوة المضطر إذ*** يدعوه في سر وفي اعلان


وهو الجواد فجوده عم الوجو***د جميعه بالفضل والاحسان
وهو الجواد فلا يخيب سائلا*** ولو أنه من أمة الكفران


وهو المغيث لكل مخلوقاته*** وكذا يجيب اغاثة اللهفان


فصل

وهو الودود يحبهم ويحبه*** أحبابه والفضل للمنان
وهذا الذي جعل المحبة في قلو***بهم وجازاهم بحب ثان
هو هو الاحسان حقا لا معا***وضة ولا لتوقيع شكران
لكن يحب شكورهم وشكورهم*** لا لاحتياج منه للشكران
وهو الشكور فلن يضيع سعيهم*** لكن يضاعفه بلا حسبان


ما للعباد عليه حق واجب***هو أوجب الأجر العظيم الشأن
كلا ولا عمل لديه ضائع*** إن كان بالاخلاص والاحسان
ان عذبوا فبعدله أو نعموا*** فبفضله والحمد للمنان


فصل

وهو الغفور فلو أتى بقرابها*** من غير شرك بل من العصيان
لاقاه بالغفران ملء قرابها*** سبحانه هو واسع الغفران
وكذلك التواب من أوصافه*** والتواب في أوصافه نوعان
إذن بتوبة عبده وقبولها*** بعد المتاب بنعمة المنان


فصل

وهو الاله السيد الصمد الذي*** صمدت اليه الخلق بالاذعان
الكامل الأوصاف من كل الوجو*** ه كماله ما فيه من نقصان


وكذلك القهار من أوصافه*** فالخلق مقهورون بالسلطان
لو لم يكن حيا عزيزا قادرا*** ما كان من قهر ومن سلطان


وكذلك الجبار من أوصافه*** والجبر في أوصافه نوعان
جبر الضعيف وكل قلب قد غدا*** ذا كسرة فالجبر منه دان
والثاني جبر القهر بالعز الذي*** لا ينبغي لسواه من إنسان
وله مسمى ثالث وهو العـ***ـلو فليس يدنو من انسان
من قولهم جبارة للنخلة العليـ***ـا التي فاتت لكل بنان


وهو الحسيب حماية وكفاية*** والحسب كافي العبد كل أوان


وهو الرشيد فقوله وفعاله*** رشد وربك مرشد الحيران
وكلاهما حق فهذا وصفه*** والفعل للارشاد ذاك الثاني

والعدل من أوصافه في فعله*** ومقاله والحكم في الميزان
فعلى الصراط المستيق الهنا*** قولا وفعلا ذاك في القرآن


فصل

هذا ومن أوصافه القـ***ـدوس ذو التنزيه بالتعظيم للرحمن
وهو السلام على الحقيقة سالم*** من كل تمثيل ومن نقصان


والبر في أوصافه سبحانه*** هو كثرة الخيرات والاحسان
صدرت عن البر الذي هو وصفه*** فالبر حينئذ له نوعان
وصف وفعل فهو بر محسن*** مولى الجميل ودائم الاحسان
وكذلك الوهاب من أسمائه*** فانظر مواهبه مدى الأزمان
أهل السموات العلى والآرض عن*** تلك المواهب ليس ينفكان


وكذلك الفتاح من أسمائه*** والفتح في أوصافه أمران
فتح بحكم وهو شرع الهنا*** والفتح بالأقدار فتح ثان
والرب فتاح بذين كليهما*** عدلا وإحسانا من الرحمن



وكذلك الرزاق من أسمائه*** والرزق من أفعاله نوعان
رزق على يد عبده ورسوله*** نوعان أيضا ذان معروفان
رزق القلوب العلم والايمان*** والرزق المعد لهذه الأبدان
هذا هو الرزق الحلال وربنا*** رزاقه والفضل للمنان
والثاني سوق القوت للأعضاء في*** تلك المجاري سوقه بوزان
هذا يكون من الحلال كما يكو***ن من الحرام كلاهما رزقان
والله رازقه بهذا الاعتبا***ر وليس بالاطلاق دون بيان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:40 AM
فصل

هذا ومن أوصافه القيوم والـ***قيوم في أوصافه امران
إحداهما القيوم قام بنفسه*** والكون قام به هما الأمران
فالأول استغناؤه عن غيره*** والفقر من كل اليه الثاني
والوصف بالقيوم ذو شأن كذا*** موصوفه أيضا عظيم الشان
والحي يتلوه فأوصاف الكما***ل هما لأفق سماؤها قطبان
فالحي والقيوم لن نتخلف ال***أوصاف أصلا عنها ببيان


هو قابض هو باسط هو خافض*** هو رافع بالعدل والاحسان
وهو المعز لأهل طاعته وذا*** عز حقيقي بلا بطلان
وهو المذل لمن يشاء بذله الدّا***رين ذل شقاء وذل هوان
هو مانع معط فهذا فضله*** والمنع عين العدل للمنان
يعطي برحمته ويمنع من يشا***ء بحكمة والله ذو سلطان


فصل

والنور من أسمائه أيضا ومن*** أوصافه سبحانه ذي البرهان
قال ابن مسعود كلاما قد حكا***ه الدرامي عنه بلانكران
ما عنده ليل يكون ولا نها***ر قلت تحت الفالك يوجد ذان
نور السموات العلى من نوره*** والأرض كيف كيف النجوم والقمران
من نور وجه الرب جل جلاله*** وكذا حكاه الحافظ الطبراني
فيه استنار العرش والكرسي مع*** سبع الطباق وسائر الأكوان
وكتابه نور كذك شرعه*** نور كذا المبعوث بالفرقان
وكذلك الايمان في قلب الفتى*** نور على نور مع القرآن
وحجابه نور فلو كشف الحجا***ب لأحرق السبحات للأكوان
وإذ أتى للفصل يشرق نوره*** في الأرض يوم قيامة الأبدان
وكذاك دار الرب جنات العلى*** نور تلألأ ليس ذا بطلان


والنور ذو نوعين مخلوق ووصـ***ـف ما هما والله متحدان
وكذلك المخلوق ذو نوعين محـ***ـسوس ومعقول هما شيئان
إحذر تزلّ رجليك هوة*** كم قد هوى فيها على الأزمان
من عابد بالجهل زلت رجله*** فهوى الى قعر الحضيض الداني
لاحت له أنوار آثار العبا***دة ظنها الأنوار للرحمن
فأتى بكل مصيبة وبلية*** ما شئت من شطح ومن هذيان
وكذا الحلولي الذي هو خدنه*** من ههنا حقا هما أخوان
ويقابل الرجلي ذو التعطيل والـ***ـحجب الكثيفو ما هما سيان
ذا في كثافة طبعه وظلامه*** وبظلمة التعطيل هذا الثاني
والنور محجوب فلا هذا ولا*** هذا له من ظلمة يريان


فصل

وهو المقدم والمؤخر ذانك الصـ***ـفتان للأفعال تابعتان
وهما صفات الذات أيضا إذ هما*** بالذات لا بالعير قائمتان
ولذاك قد غلط المقسم حين ظـ***ـن صفاته نوعان مختلفان
إن لم يرد هذا ولكن قد أرا***د قيامها بالفعل ذي الامكان
والفعل والمفعول شيء واحد*** عند المقسم ما هما شيئان
فلذاك وصف الفعل ليس لديه إلا***نسبة عدمية ببيان
فجميع أسماء الفعال لديه ليـ***ـست قط ثابتة ذوات معان
موجودة لكن أمور كلها*** نسب ترى عدمية الوجدان
هذا هو التعطيل للأفعال*** كالتعطيل للأوصاف بالميزان


فلحق أن الوصف ليس بمورد التقـ***ـسيم هذا مقتضى البرهان
بل مورد التقسيم ما قد قام*** بالذات التي للواحد الرحمن
فهما إذا نوعان أوصاف وأفعـ***ـال فهذي قشمة التبيان
فالوضف بالأفعال يستدعي قيا***م الفعل بالموصوف بالبرهان
كالوصف بالمعنى سوى الأفعال ما*** أن بين ذينك قط من فرقان


ومن العجائب أنهم ردوا على *** من أثبت الأسماء دون معان
قامت بمن هي وصفه هذا محا***ل غير معقول لذي الأذهان
وأتوا الى الأوصاف باسم العقل قا*** لوا لم تقم بالواحد الديان
فانظر اليهم أبطلوا الأصل الذي*** ردوا به أقوالهم بوزان
إن كان هذا ممكنا فكذاك قو***ل خصومكم أيضا فذو إمكان
والوصف بالتقديم والتأخير كو***ني وديني هما نوعان
وكلاهما أمر حقيقي ونسـ***ـبي ولا يخفى على الأذهان
والله قد ذاك أجمعه بإحـ***ـكام وإتقان من الرحمن


هذا ومن أسمائه ما ليس يفـ***ـرد بل يقال إذا أتى بقران
وهي التي تدعى بمزدوجاتها*** أفرادها خطر على الانسان
إذ ذاك موهم نوع نقص جل رب*** العرش عن غيب وعن نقصان
كالمانع المعطي وكالضار الذي*** هو نافع وكماله الأمران
ونظير هذا القابض المقرون با***سم الباسط اللفظان مقترنان
وكذا المعز مع الذل وخافض*** مع رافع لفظان مزدوجان
وحديث أفراد اسم منتقم فمو***قوف كما قد قال ذو العرفان
ما جاء في القرآن غير مقيد*** بالمجرمين وجا بذو نوعان


فصل

ودلالة الأسماء أنواع ثلا***ث كلها معلومة ببيان
دلت مطابقة كذاك تضمنا*** وكذا التزاما واضح البرهان
أما مطابقة الدلالة فهي أن*** الاسم يفهم منه مفهومان
ذات الاله وذلك الوصف الذي*** يشتق منه الاسم بالميزان
لكن دلالته على إحداهما*** يتضمن فافهمه فهم بيان
لكن دلالته على الصفة التي*** ما اشتق منها فالتزام دان
وإذا أردت لذا مثالا بينا*** فمثال ذلك لفظة الرحمن
ذات الاله ورحمة مدلولها*** فهما لهذا اللفظ مدلولان
احداهما بعض لذا الموضوع فـ***ـهي تضمن ذا واضح التبيان
لكن وصف الحي لازم ذلك المـ***ـعنى لزوم العلم للرحمن
فلذا دلالته عليه بالتزا***م بين الحق ذو تبيان


فصل
في بيان حقيقة الالحاد في أسماء
رب العالمين وذكر انقسام الملحدين

أسماؤه أوصاف مدح كلها*** مشتقة قد حملت لمعان
إياك والالحاد فيها أنه***كفر معاذ الله من كفران
وحقيقة الالحاد فيها الميـ***ـل بالاشراك والتعطيل والنكران
فالملحدون إذا ثلاث طوائف*** فعليهم غضب من الرحمن
المشركون لأنهم سموا بها*** أوثانهم قالوا اله ثان
هم شبهوا المخلوق بالخلاق عكـ***ـس مشبه الخلاق بالانسان


وكذلك أهل الاتحاد فإنهم*** أخوانهم من أقرب الاخوان
أعطوا الوجود جميعه أسماءه*** اذ كان عين الله ذي السلطان
والمشركون أقل شركا منهم*** خم خصصوا ذا الاسم بالأوثان
وذاك كانوا أهل شرك عندهم*** لو عمموا ما كان من كفران


والملحد الثاني فذو التعطيل إذ*** ينفي حقائقها بلا برهان
ما ثم غير الاسم أوله بما*** ينفي الحقيقة نفي ذي بطلان
فالقصد دفع النص عن معنى*** الحقيقة فاجتهد فيه بلفظ بيان
عطل وحرف ثم أول وانفها*** واقذف بتجسيم وبالكفران
للمثبتين حقائق الأسماء والأ***وصاف بالأخبار والقرآن
فإذا هم احتجوا عليك فقل لهم*** هذا مجاز وهو وضع ثان
فإذا غلبت على المجاز فقل لهم*** لا يستفاد حقيقة الايقان
أنى وتلك أدلة لفظية*** عزلت عن الايقان منذ زمان


فاذا تضافرت الأدلة كثرة*** وغلبت عن تقرير ذا تبيان
فعليك حينئذ بقانون وضـ***ـعناه لدفع أدلة القرآن
ولكل نص ليس يقبل أن يؤو***ل بالمجاز ولا بمعنى ثان
قل عارض المنقول معقولا وما الأ***مران عند العقل يتفقان
ما ثم الا واحد من أربع*** متقابلات كلها بوزان
أعمال ذين وعكسه أو تلغى المعقـ***ول ما هذا بذي أمكان
العقل أصل النقل وهو أبوه أن*** تبطله يبطل فرعه التحتاني
فتعين الأعمال للمعقول والا***لغاء للمنقول بالبرهان
أعماله يفضي الى الغائه*** فاهجره هجر الترك والنسيان


والله لم نكذب عليهم أننا*** وهم لدى الرحمن مختصمان
وهناك يجزى الملحدون ومن نفى الا***لحاد يجزى ثم بالغفران
فاصبر قليلا انما هي ساعة*** يا مثبت الأوصاف للرحمن
فلسوف تجني أجرك صبرك حـ***ـين يجني الغير وزر الاثم والعدوان
فالله سائلنا وسائلهم عن الا***ثبات والتعطيل بعد زمان
فأعد حينئذ جوابا كافيا*** عند السؤال يكون ذا تبيان


هذا وثالثهم فنافيها ونا***فى ما تدل عليه بالبهتان
ذا جاحد الرحمن رأسا لم يقر*** بخالق أبدا ولا رحمن
هذا هو الالحاد فاحذره لعـ***ـل الله أن ينجيك من نيران
وتفوز بالزلفى لديه وجنة المـ***ـأوى مع الغفران والرضوان
لا توحشنك غربة بين الورى*** فالناس كالأموات في الحسبان
أو ما علمت بأن أهل السنة*** الغرباء حقا عند كل زمان
قل لي متى سلم الرسول وصحبه*** والتابعون لهم على الاحسان
من جاهل ومعاند ومنافق*** ومحارب بالبغي والطغيان
وتظن أنك وارث لهم وما*** ذقت الأذى في نصرة الرحمن
كلا ولا جاهدت حق جهاده*** في الله لا بيد ولا لسان
منّتك والله المحال النفس فاسـ***ـتحدث سوى ذا الرأي والحسبان
لو كنت وارثه لآذاك الألى*** ورثوا عداه بسائر الألوان


فصل
في النوع الثاني من نوعي توحيد الأنبياء والمرسلين المخالف
لتوحيد المشركين والمعطلين

هذا وثاني نوعي التوحيد تو***حيد العبادة منك للرحمن
أن لا تكون لغيره عبدا ولا*** تعبد بغير شريعة الايمان
فتقوم بالاسلام والايمان والـ***إحسان في سرّ وفي إعلان
والصدق والاخلاص ركنا ذلك التـ***ـوحيد كالركنين للبنيان
وحقيقة الاخلاص توحيد المرا***د فلا يزاحمه مراد ثان
لكن مراد العبد يبقى واحدا*** ما فيه تفريق لدى الانسان
ان كان ربك واحدا سبحانه*** ما فيه تفريق لدى الانسان
ان كان ربك واحدا أنشاك لم*** يشركه اذ أنشاك رب ثان
فكذاك أيضا وحده فاعبد لا*** تعبد سواه يا أخا العرفان


والصدق توحيد الارادة وهو بذ***ل الجهد لا كسلا ولا متوان
والسنة المثلى لسالكها فتو***حيد الطريق الأعظم السلطاني
فلواحد كن واحدا في واحد*** أعني سبيل الحق والايمان
هذي ثلاث مسعدات للذي*** قد نالها والفضل للمنان
فاذا هي اجتمعت لنفس حرة*** بلغت من العلياء كل مكان


فصل

والشرك فاحذره فشرك ظاهر*** ذا القسم ليس بقابل الغفران
وهو اتخاذ الند للرحمـ***ـن أيا كان من حجر ومن انسان
يدعوه أو يرجوه ثم يخاف*** ويحبه كمحبة الديان
والله ما ساووهم بالله في*** خلق ولا رزق ولا احسان
فالله عندهم هو الخلاق والر***زاق مولى الفضل والاحسان
لكنهم ساووهم بالله في*** حب وتعظيم وفي ايمان


جعلوا محبتهم مع الرحمن ما*** حعلوا المحبة قط للرحمن
لو كان حبهم لأجل الله ما*** عادوا أحبته على الايمان
ولما أحبوا سخطه وتجنبوا*** محبوبه ومواقع الرضوان
شرط المحبة أن توافق من*** تحب على محبته بلا عصيان
فاذا ادعيت له المحبة مع خلا***فك ما يحب فأنت ذو بهتان
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ***حبا له ما ذاك في امكان
وكذا تعادي جاهدا أحبابه*** أين المحبة يا أخا الشيطان


ليس العبادة غير توحيد المحبـ***ـة مع خضوع القلب والأركان
والحب نفس وفاقه فيما يحبـ**ـه وبغض ما لا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره*** والقصد وجه الله ذي الاحسان
هذا هو الاحسان شرط في قبو***ل السعي فافهمه من القرآن
والاتباع بدون شرح رسوله*** عين المحال وأبطل البطلان
فإذا نبذت كتابه ورسوله*** وتبعت أمر النفس والشيطان
واتخذت أندادا تحبهم كحـ***ـب الله كنت مجانب الايمان


ولقد رأينا من فريق يدعي الا***سلام شركا ظاهر التبيان
جعلوا له شركاء والوهم وسو***وهم به في الحب لا السلطان
والله ما ساووهم بالله بل*** زادوا لهم حبا بلا كتمان
والله ما غضبوا اذا انتهكت محا*** رم ربهم في السر والاعلان
حتى إذا ما قيل في الوثن الذي*** يدعونه ما فيه من نقصان
فأجارك الرحمن من غضب ومن*** حرب ومن شتم ومن عدوان
وأجارك الرحمن من ضلرب وتعـ***ـزير ومن سب ومن تسجان


والله لو عطلت كل صفاته*** ما قابلوك ببعض ذا العدوان
والله لو خالفت نص رسوله*** نصا صريحا واضح التبيان
وتبعت قول شيوخهم أو غيرهم*** كنت المحقق صاحب العرفان
حتى إذا خالفت آراء الرجا***ل لسنة المبعوث بالقرآن
نادوا عليك ببدعة وضلالة*** قالوا وفي تكفيره قولان
قالوا تنقصت الكبار وسائر الـ***ـعلماء بل جاهرت بالبهتان
هذا ولم نسلبهم حقا لهم*** ليكون ذاب كذب وذا عدوان
وإذا سلبت صفاته وعلوه***وكلامه جهرا بلا كتمان
لم يغضبوا بل كان ذلك عندهم*** عين الصواب ومقتضى الاحسان
والأمر والله العظيم يزيد فو***ق الوصف لا يخفى على العميان
وإذا ذكرت الله توحيد رأيـ***ـت وجوههم مكسوفة الألوان
بل ينظرون اليك شزرا مثل ما*** نظر التيوس الى عصا الجوبان
وإذا ذكرت بمدحه شركاءهم*** يتباشرون تباشر الفرحان
والله ما شموا روائح دينه*** يا زكمة أعيت طبيب زمان


فصل
في صف العسكرين وتقابل الصفين
واستدارة رحى الحرب العوان وتصاول الأقران

يا من يشب الحرب جهلا ما لكم*** بقتال حزب الله قط يدان
أنى تقوم جنودكم لجنودهم*** وهم الهداة وناصرو الرحمن
وجنودكم ما بين كذاب ودجـ***ـال ومحتال وذي بهتان
من كل أرعن يدّعي المعقول وهـ***ـو مجانب للعقل والايمان
أو كل مبتدع وجهمي غدا*** في قلبه حرج من القرآن
أو كل من دان دين شيوخ أهـ***ـل الاعتزال البيّن البطلان
أو قائل بالاتحاد وأنه*** عين الاله وما هنا شيئان
أم من غدا في دينه متحيّرا*** أتباع كل ملدد حيران


وجنودهم جبريل مع ميكال مع*** باقي الملائك ناصري القرآن
وجميع رسل الله من نوح الى*** خير الورى المبعوث من عدنان
فالقلب خمستهم أولو العزم الأولى*** في سورة الئورى أتوا ببيان
في أول الأحزاب أيضا ذكرهم*** هم خير خلق الله من انسان
ولواؤهم بيد الرسول محمد*** والكل تحت لواء ذي الفرقان
وجميع أصحاب الرسول عصابة الا***سلام أهل العلم والايمان
والتابعون لهم بإحسان على*** طبقاتهم في سائر الأزمان
أهل الحديث جميعهم وأئمة الـ***ـفتوى واهل حقائق العرفان
العرفون بربهم ونبيهم*** ومراتب الأعمال في الرجحان
صوفية سنية نبوية*** ليسوا أولي شطح ولا هذيان


هذا كلامهم لدينا حاضر*** من غير ما كذب ولا كتمان
فاقبل حوالة من أحال عليهم*** هم املياء أولو امكان
فإذا بعثنا غارة من أخريا***ت العسكر المنصور بالقرآن
طحنتكم طحن الرحى للحب حـ***ـتى صرتم كالبعر في القيعان
انى يقاوم ذي العساكر طمطم*** أو تنكلوشا أو اخو اليونان
أعني أرسطو عابد الأوثان أو*** ذاك الكفور معلم الألحان
ذاك المعلم أولا للحروف والثـ***ـاني لصوت بئست العلمان
هذا أساس الفسق والحرف الذي*** وضعوا أساس الكفر والهذيان
أو ذلك المخدوع حامل راية الـ***إلحاد ذاك خليفة الشيطان
أعني ابن سينا ذلك المحلول من*** أديان أهل الأرض ذا الكفران
وكذا نصير الشرك في أتباعه*** أعداء رسل الله والايمان


نصروا الضلالة من سفاهة رأيهم*** وغزوا جيوش الدين والقرآن
فجرى على الاسلام منهم محنة*** لم تجر قط بسالف الأزمان
أو جعدا وجهم وأتباع له*** هم أمة التعطيل والبهتان
أو حفص أو بشرا والنظام ذا***ك مقدم الفساق والمجان
والجعفران كذاك شيطان ويد***عي الطاق لا حييت من شيطان
وكذلك الشحام والعلاف والنـ***جار أهل الجهل بالقرآن
والله ما في القوم شخص رافع*** بالوحي رأسا بل برأي فلان
وخيار عسكركم فذاك الأشعر***ـي القرم ذاك مقدم الفرسان
لكنكم والله ما أنتم على*** إثباته والحق ذو برهان
هو قال أن الله فوق العرش، واستولى مقالة كل ذي بهتان
في كتبه طرا وقرر قول ذي الـ***إثبات تقريرا عظيم الشان
لكنكم أكفرتموه وقلتم*** من قال هذا فهو ذو كفران
فخيار عسكركم فأنتم منهم*** برآء إذ قربوا من الايمان


هذه العساكر قد تلاقت جهرة*** ودنا القتال وصيح بالأقران
صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا***للحرب واقتربوا من الفرسان
فهم الى لقياكم بالشوق كي*** يوفوا بنذرهم من القربان
ولهم اليكم شوق ذي قرم فما*** يشفيه غير موائد اللحمان
تبا لكم لو تعقلون لكنتم*** خلف الخدور كأضعف النسوان
من أين أنتم والحديث واهله*** والوحي والمعقول بالبرهان
ما عندكم الا الدعاوى والشكا***وى أو شهادات على البهتان
هذا الذي والله نلنا منكم*** في الحرب إذ يتقابل الصفان


والله ما جئتم بقال الله أو*** قال الرسول ونحن في الميدان
الا بجعجعة وفرقعة وغم*** غمة وقعقعة بكل لسان
ويحق ذاك لكم وأنتم أهله*** انتم بحاصلكم أولو عرفان
وبحقكم تحموا مناصبكم وأن*** تحموا مآكلكم بكل سنان
وبحقنا نحمي الهدى ونذب عن*** سنن الرسول ومقتضى القرآن
قبح الاله مناصبا ومآكلا*** قامت على العدوان والطغيان
والله لو جئتم بقال الله أو*** قال الرسول كفعل ذي الايمان
كنا لكم شاويش تعظيم وإجـ***ـلال كشاويش لذي سلطان
لكن هجرتم ذا وجئتم بدعة*** وأردتم التعظيم بالبهتان


فصل

العلم قال الله قال رسوله*** قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة*** بين الرسول وبين رأي فلان
كلا ولا جحد الصفات لربنا*** في قالب التنزيه والسبحان
كلا ولا نفي العلو لفاطر الأ***كوان فوق جميع ذي الأكوان
كلا ولا عزل النصوص وأنها***ليست تفيد حقائق الايمان
إذ لا تفيدكم يقينا لا ولا*** علما فقد عزلت عن الايقان
والعلم عندكم ينال بغيرها*** بزبالة الأفكار والأذهان
سميتموه قواطعا عقلية*** تنفي الظواهر حاملات معان
كلا ولا إحصاء آراء الرجا***ل وصبطها بالحصر والحسبان
كلا ولا التأويل والتبديـ***ـل والتحريف للوحيين بالبهتان
كلا ولا الأشكال والتشكيك والـ***ـوقف الذي ما فيه من عرفان
هذي علومكم التي من أجلها*** عاديتمونا يا أولي العرفان


فصل
في عقد الهدنة والأمان الواقع بين المعطلة
وأهل الالحاد حزب جنكيزخان

يا قوم صالحتم نفاة الذات والأ***وصاف صلحا موجبا لأمان
وأغرتم وهنا عليهم غارة*** قعقعتم فيها لهم بشنان
ما كان فيها من قتيل منهم***كلا ولا فيها أسير عان
ولطفتم في القول أو صانعتم*** وآتيتم في بحثكم بدهان
وجلستم معهم مجالسكم مع الـ***أستاذ بالآداب والميزان
وضرعتم للقوم كل ضراعة*** حتى أعاروكم سلاح الجاني
فغزوتم بسلاحهم لعساكر الا*** ثبات والآثار والقرآن
ولأجل ذا كنتم مخانيثا لهم*** لم تنفتح منكم لهم عينان
حذرا من استرجاعهم لسلاحهم*** فترون بعد السلب كالنسوان


وبحثتم ما صاحب الاثبات بالتـ***ـكفير والتضليل والعدوان
وقلبتم ظهر المجن له وأجلبـ***ـتم عليه بعسكر الشيطان
والله هذي ريبة لا يختفي*** مضمونها الا على الثيران
هذا وبينهما أشد تفاوت*** فئتان في الرحمن يختصمان
هذا نفي ذات الاله ووصفه*** نفيا صريحا ليس بالكتمان
لكن إذا وصف الاله بكل أو*** صاف الكمال المطلق الرباني
ونفي النقائص والعيوب كنفيـ***ـه التشبيه للرحمن بالانسان
فلأي شيئ كان حربكم له*** بالحد دون معطل الرحمن
قلنا نعم هذا المجسم كافر*** أفكان ذلك كامل الايمان
لا تنطفي نيران غيظكم على*** هذا المجسم يا أولي النيران
فالله يوقدها ويصلي حرها*** يوم الحساب محرف القرآن


يا قومنا قد ارتكبتم خطة*** لم يرتكبها قط ذو عرفان
وأعنتم وأعداءكم بوفاقكم*** لهم على شيء من البطلان
أخذوا نواصيكم بها ولحاكم*** فغدت تجر بذلة وهوان
قلتم بقولهم ورمتم كسرهم*** أنّى وقد غلقوا لكم برهان
وكسرتم الباب الذي من خلفه*** أعداء رسل الله والايمان
فأتى عدو ما لكم بقتالهم*** وبحربهم أبد الزمان يدان
فغدوتم أسرى لهم بحبالهم*** أيديكم شدت الى الأذقان
حملوا عليكم كالسباع استقبلت*** حمرا معقرة ذوي إرسال
صالوا علكم بالذي صلتم به*** أنتم علينا وصولة الفرسان
لولا تحيزكم الينا كنتم*** وسط العرين ممزقي اللحمان
لكنا بنا استنصرتم وبقولنا*** صلتم عليهم صولة الشجعان
وآليتم الاثبات إذ صلتم به*** وعزلتم التعطيل عزل مهان
وأتيتم تغزوننا بسرية*** من عسكر التعطيل والكفران
من ذا بحق الله أجهل منكم*** وأحقنا بالجهل والعدوان
تالله ما يدري الفتى بمصابه*** والقلب تحت الختم والخذلان


فصل
في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة
أمراء الاثبات والتوحيد

وإذا أردت ترى مصارع من خلا*** من أمة التعكيل والكفران
وتراهم أسرى حقير شأنهم*** أيديهم غلت الى الأذقان
وتراهم تحت الرماح درئية*** ما فيهم من فارس طعان
وتراهم تحت السيوف نتوشهم*** من عن شمائلهم وعن إيمان
وتراهم انسلخوا من الوحيين والعـ***ـقل الصحيح ومقتضى القرآن
وتراهم والله ضحكة ساخر*** ولطالما سخروا من الايمان
قد أوحشت منهم ربوع زادهـ***ـها الجبار ايحاشا مدى الأزمان
وخلت ديارهم وشتت شملهم*** ما فيهم رجلان مجتمعان
قد عطل الرحمن أفئدة لهم*** من كل معرفة ومن إيمان
إذ عطلوا الرحمن من أوصافه*** والعرش أخلوه من الرحمن
بل عطلوه عن الكلام وعن صفا***ت كماله بالجهل والبهتان


فاقرأ تصانيف الامام حقيقة*** شيخ الوجود العالم الرباني
أعني أبا العباس أحمد ذلـ***ـك البحر المحيط بسائر الخلجان
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي*** ما في الوجود له نظير ثان
وكذاك منهاج له في رده*** قول الروافض شيعة الشيطان
وكذاك أهل الاعتزال فإنه*** أرداهم في حفرة الجبان
وكذلك التأسيس أصبح نقضه*** اعجوبة للعالم الرباني
وكذاك أجوبة له مصرية*** في ست أسفار كتبن سمان
وكذا جواب للنصارى فيه ما*** يشفي الصدور وأنه سفران
وكذاك شرح العقيدة للأصبها***ني شارح المحصول شرح بيان
فيها النبوات التي إثباتها*** في غاية التقرير والتبيان
والله ما لأولي الكلام نظيره*** أبدا وكتبهم بكل مكان
وكذا حدوث العالم العلـ***ـوي والسفلي فيه في أتم نبيان
وكذا قواعد الاستقامة أنها*** سفران فيما بيننا ضخمان
وقرأت أكثرها عليه فزادني*** والله في علم وفي إيمان
هذا ولو حدثت نفسي أنه*** قبلي يموت لكان هذا الشان


وكذاك توحيد الفلاسفة الألى*** توحيدهم هو غاية الكفران
سفر لطيف فيه نقض أصولهم*** بحقيقة المعقول والبرهان
وكذاك تسعينية فيها له*** رد عل من قال بالنفساني
تسعون وجها بينت بطلانه*** أعني كلام النفس ذا الوحدان
وكذا قواعده الكبار وأنها*** أوفى من المائتين في الحسبان
لم يتسع نظمي لها فأسوقها*** فأشرت بعض اشارة لبيب
وكذا رسائله الى البلدان والأ***طراف والأصحاب والاخوان
هي في الورى مبثوثة معلومة*** تبتاع بالغالي من الأثمان
وكذا فتاواه فأخبرني الذي*** أضحى عليها دائم الطوفان
بلغ الذي ألفاه منها عدة الأ***يام من شهر بلا نقصان
سفر يقابل كل يوم والذي*** قد فاتني منها بلا حسبان
هذا وليس يقصر التفسير عن*** عشر كبار ليس ذا نقصان
وكذا المفاريد التي في كل مسـ***ـألة فسفر واضح التبيان
ما بين عشر أو تزيد بضعفها*** هي كالنجوم لسالك حيران


وله المقامات الشهيرة في الورى*** قد قامها لله غير جبان
نصر الاله دينه وكتابه*** ورسوله بالسيف والبرهان
أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم*** وأرى تناقضهم بكل زمان
وأصارهم والله تحت معال أهـ***ـل الحق بعد ملابس التيجان
وأصارهم تحت الحضيض وطالما*** كانوا هم الأعلام للبلدان
ومن العجائب أنه بسلاحهم***أرداهم تحت الحضيض الداني
كانت نواصينا بأيديهم فما*** منا لهم الا أسير عان
فغدت نواصيهم بأيدينا فما*** يلقوننا الا بحبل أمان
وغدت ملوكهم ماليكا لأنصـ***ـار الرسول بمنة الرحمن
وأتت جنودهم التي صالوا بها*** منقادة لعساكر الايمان
يدري بهذا من له خبر بما*** قد قاله في ربه الفئتان
والفدم يوحشنا ولكن هناكم*** فحضوره ومغيبه سيان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:41 AM
فصل
في بيان أن المصيبة التي حلت بأهل التعطيل والكفران
من جهة الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان

يا قوم أصل بلائكم أسماء لم*** ينزل بها الرحمن من سلطان
هي عكستكم غاية التعكيس واقتـ***ـلعت دياركم من الأركان
فتهدمت تلك القصور وأوحشت*** منكم ربوع العلم والايمان
والذنب ذنبكم قبلتم لفظها*** من غير تفصيل ولا فرقان
وهي التي اشتملت على أمرين من*** حق وأمر واضح البطلان
سميتم عرش المهيمن حيّزا*** والاستواء تحيزا بمكان
وجعلتم فوق السموات العلى*** جهة وسقتم نفي ذا بوزان
وجعلتم الاثبات تشبيها وتجـ***ـسيما وهذا غاية البهتان
وجعلتم الموصوف جسما قابل الا***عراض والأكوان والألوان
وجعلتم أوصافه عرضا وهـ***ذا كله جسر الى النكران


وكذاك سميتم حلول حوادث*** أفعاله تلقيب ذي عدوان
إذ تنفر الأسماع من ذا اللفظ نفـ***ـرتها من التشبيه والنقصان
فكسوتم أفعاله لفظ الحوا***دث ثم قلتم قول ذي بطلان
ليست تقوم به الحوادث والمرا***د النفي للافعال للديان
فإذا انتفت أفعاله وصفاته*** وكلامه وعلو ذي السلطان
فبأي شيء كان ربا عندكم*** يا فرقة التحقيق والعرفان
والقصد نفي فعاله عن بذا التلـ***ـقيب فعل الشاعر الفتان
وكذاك حكمة ربنا سميتم*** عللا وأغراضا وذان اسمان
لا يشعران بل ضدهما*** فيهون حينئذ على الأذهان
نفي الصفات وحكمة الخلاق والأ***فعال إنكارا لهذا الشأن


وكذا استواء الرب فوق العر*** قلتم أنه التركيب ذو بطلان
وكذاك وجه الرب جل جلاله*** وكذاك لفظ يد ولفظ يدان
سميتم ذا كله الأعضاء بل*** سميتموه جوارح الانسان
وسطوتم بالنفي حينئذ عليـ***ـه كنفينا للعيب مع نقصان
قلتم ننزهه على الأعراض والا***غراض والأبعاض والجثمان
وعن الحوادث أن تحل بذاته*** سبحانه من طارق الحدثان
والقصد نفي صفاته وفعاله*** والاستواء وحكمة الرحمن
والناس أكثرهم بسجن اللفظ مسـ***ـجونون خوف معرة السبحان
والكل لا الفرد يقبل مذاهبا*** في قالب ويرده في ثان
والقصد أن الذات والأوصاف وال***أفعال لا تنفى بذا الهذيان
سموه ما شئتم فليس الشأن في ال*** أسماء بل في مقصد ومعان


كم ذا توسلتم بلفظ الجسم*** والتجسيم للتعطيل والكفران
وجعلتموه الترس ان قلنا لكم*** الله فوق العرش والأكوان
قلتم لنا جسم على جسم تعا***لى الله عن جسم وعن جثمان
وكذاك ان قلنا القرآن كلامه*** منه بدا لك يبد من إنسان
كلا ولا ملك ولا لوح ولـ***ـكن قاله الرحمن قول بيان
قلتم لنا أن الكلام قيامه*** بالجسم أيضا وهو ذا حدثان
عرض يقوم بغير جسم ولم يكن*** هذا بمعقول لذي الأذهان
وكذاك حين نقول ينزل ربنا*** في ثلث ليل وآخر أو ثان
قلتم لنا أن النزول لغير أجسـ***ـام محال ليس ذا إمكان
وكذاك ان قلنا يرى سبحانه*** قلتم أجسم كي يرى بعيان
أم كان ذا جهة تعالى ربنا*** عن ذا فليس يراه من إنسان


ما إذا قلنا وجه كما*** في النص أو قلنا كذاك يدان
وكذاك ان قلنا كما في النص أ***ن القلب بين أصابع الرحمن
وكذاك ان قلنا الأصابع فوقها*** كل العوالم وهي ذو رجفان
وكذاك ان قلنا يداه لأرضه*** وسمائه في الحشر قابضتان
وكذاك ان قلنا سيكشف ساقه*** فيخر ذاك الجميع للأذقان
وكذاك ان قلنا يجيء لفصله*** بين العباد بعدل ذي سلطان
قامت قيامتكم كذاك قيامة الآ***تي بهذا القول في الرحمن
والله لو قلنا الذي قال الصحا***بة والألى من بعدهم بلسان
لرجمتمونا بالحجارة ان قدر***تم بعد رجم الشتم والعدوان
وجعلتم الجسم الذي قدرتم*** بطلانه طاغوت ذا البطلان


ووضعتم للجسم معنى غير معـ***روف به في وضع كل لسان
وبنيتم نفي الصفات عليه فاجـ***ـتمعت لكم إذ ذاك محذوران
كذب على لغة الرسول ونفي إثـ***ـبات العلو لفاطر الأكوان
وركبتم إذ ذاك تحريفين تحـ***ـريف الحديث ومحكم القرآن
وكسبتم وزرين وزر النفي والتـ***ـحريف فاجتمعت لكم كفلان
وعداكم أجران أجر الصدق والـ***إيمان حتى فاتكم حظان
وكسبتم مقتين مقت الهكم*** والمؤمنين فنالكم مقتان
ولبستم ثوبين ثوب الجهل والـ***ـظلم القبيح فبئست الثوبان
واتخذتم طرزين طرز الكبر والتـ***ـيه لعظيم فبئست الطرزان
ومددتم نحو العلى باعين لـ***ـكن لم تطل منكم لها الباعان
وأتيتموها من سوى أبوابها*** لكن تسورتم من الحيطان
وغلقتم بابين لو فتحا لكم*** فزتم بكل بشارة وتهان
باب الحديث وباب هذا الوحي من***يفتحهما فليهنه البابان


وفتحتم بابين من يفتحهما*** تفتح عليه مواهب الشيطان
باب الكلام وقد نهيتم عنه*** والباب الحريق فمنطق اليونان


فدخلتم دارين دار الجهل في الد***نيا ودار الخزي في النيران
وطعمتم لونين لون الشك والتشـ***ـكيك بعد فبئست اللونان
وركبتم أمرين كم قد أهلكا*** من أمة في سالف الأزمان
تقديم آراء الرجال على الذي*** قال الرسول ومحكم القرآن
والثاني نسبتهم الى الألغاز*** والتلبيس والتدليس والكتمان
ومكرتم مكرين لو تما لكم***لانفصمت فينا عرى الايمان
أطفأتم نور الكتاب وسنة الهـ***ـادي بذا التحريف والهذيان
لكنكم أوقدتمو للحرب نا***را بين طائفتين مختلفان
والله مطفيها بألسنة الألى*** قد خصهم بالعام والايمان
والله لو غرق المجسم في فم التجسـ***ـيم من قدم الى الآذان
فالنص أعظم عنده وأجل قد*** را أن يعارضه بقول فلان





فصل
في كسر الطاغوت الذي نفوا به صفات ذي الملكوت والجبروت

أهون بذا الطاغوت لا عز اسمه*** طاغوت ذي التعطيل والكفران
كم من أسير بل جريح بل قتيـ***ـل تحت ذا الطاغوت في الأزمان
وترى الجبان يكاد يخلع قلبه *** من لفظه تبا لكل جبان
وترى المخنث حين يقرع سمعه*** تبدو عليه شمائل النسوان
ويظل منكوحا لكل معطل*** ولكل زنديق اخي كفران
وترى صبي العقل يفزعه اسمه*** كالغول حين يقال للصبيان
كفران هذا الاسم لا سبحانه*** أبدا وسبحان العظيم الشان
كم ذا التترس بالمحال أما ترى*** قد مزقته كثرة السهمان
جسم وتجسيم وتشبيه أما***تعيون من فشر ومن هذيان
أنتم وضعتم ذلك الطاغـ****ـوت ثم به نفيتم موجب القرآن
جعلتموه شاهدا بل حاكما*** هذا على من يا أولي العدوان
أعلى كتاب الله ثم رسوله*** بالله فاستحيوا من الرحمن
فقضاؤه بالجور والعدوان مثـ***ـل قيامه بالزور والعدوان
وقيامه بالزور مثل قضائه*** بالجور والعدوان والبهتان


كم ذي الجعاجع ليس شيء تحتها*** الا الصدى كالبوم في الخربان
ونظير هذا قول ملحدكم وقد*** جحد الصفات لفاطر الأكوان
لو كان موصوفا لكان مركبا*** فالوصف والتركيب متحدان
ذا المنجنيق وذلك الطاغوت قد*** هدما دياركم الى الأركان
والله ربي قد أعان بكسر ذا*** وبقطع ذا سبحان ذي الاحسان
فلئن زعمتم أن هذا لازم*** لمقالكم حقا لزوم بيان
فلنا جوابات ثلاث كلها*** معلومة الايضاح والتبيان
منع اللزوم وما بأيديكم سوى*** دعوة مجردة عن البرهان
لا يرتضيها عالم أو عاقل*** بل تلك حيلة مفلس فتان


فلئن زعمتم أن منع لزومه*** منكم مكابرة على البطلان
فجوابنا الثاني امتناع النفي في*** ما تدعون لزومه ببيان
ان كان ذلك لازما للنص والملـ***ـزوم حق وهو ذو برهان
والحق لازمه فحق مثله*** أنى يكون الشيء ذا بطلان
ويكون ملزوما به حقا فذا*** عين المحال وليس في الامكان
فتعين الالزام حينئذ على*** قول الرسول ومحكم القرآن
وجعلتم أتباعه منا نسترا*** خوف خوفا من التصريح بالكفران
والله ما قلنا سوى ما قاله*** هذي مقالتنا بلا كتمان
فجعلتموها جنة والقصد مفهـ***ـوم فنحن وقاية القرآن


هذا وثالث ما نجيب به هو استفسـ***ـاركم يا فرقة العرفان
ماذا الذي تعنون بالجسم الذي*** ألزمتمونا أوضحوا ببيان
تعنون ما هو قائم بالنفس أو*** عال على العرش العظيم الشان
أو ذا الذي قامت به الأوصاف أو*** صاف الكمال عديمة النقصان
أو ما تركب من جواهر فردة*** أو صورة حلت هيولي ثان
أو ما هو الجسم الذي في العرف أو*** في الوضع عند تخاطب بلسان
أو ما هو الجسم الذي في الذهن ذا***ك يقال تعليم لذي الأذهان
ماذا الذي في ذاك يلزم من ثبو***ت علوه من فوق كل مكان
فأتوا بتعيين الذي هو لازم*** فاذا تعين ظاهر التبيان
فأتوا ببرهانين برهان اللزو***م ونفي لازمه فذان اثنان
والله لو نشرت لكم أشياخكم*** عجزوا ولو واطاهم الثقلان


ان كنتم أنتم فحولا فابرزوا*** ودعوا الشكاوى حيلة النسوان
وإذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى ال***ى الوحيين لا القاضي ولا السلطان
فنجيب بالتركيب حينئذ جوابا*** شافيا فيه هدى الحيران
الحق اثبات الصفات ونفيها*** عين المحال وليس في الامكان
فالجسم اما لازم لثبوتها*** فهو الصواب وليس ذا بطلان
أو ليس يلزم من ثبوت صفاته*** فشناعة الالزام بالبهتان
فالمنع في إحدى المقدمتين معـ***ـلوم البيان إذا بلا نكران
المنع إما في اللزوم أو انتقا***ء اللازم المنسوب للبطلان
هذا هو الطاغوت قد أضحى كما*** أبصرتموه بمنة الرحمن


فصل
في مبدأ العداوة الواقعة بين المثبتين الموحدين
وبين النفاة المعطلين

يا قوم تدرون العداوة بيننا*** من أجل ماذا في قديم زمان
انا تحيزنا الى القرآن والنـ***ـقل الصحيح مفسر القرآن
وكذا الى العقل الصريح وفطرة الر***حمن قبل تغير الانسان
هي أربع متلازمات بعضها*** قد صدقت بعضا على ميزان
والله ما اجتمعت لديكم هذه*** أبدا كما أقررتم بلسان
اذ قلتم العقل الصحيح يعارض الـ***ـمنقول من أثر ومن قرآن
فتقدم المعقول ثم انصرف الـ***ـمنقول بالتأويل ذي الألوان
فإذا عجزنا عنه ثم ألقيناه لم*** نعبأ به قصدا الى الاحسان

ولكم بذا سلف لهم تابعتم*** لما دعوا للأخذ بالقرآن
صدوا فلما أن أصيبوا أقسموا*** لمرادنا توفيق ذي الاحسان
ولقد أصيبوا في قلوبهم وفي*** تلك العقول بغاية النقصان
فأتوا بأقوال إذا حصلتها*** أسمعت ضحكة هازل مجان
هذا جزاء المعرضين عن الهدى*** متعوضين زخارف الهذيان


واضرب لهم مثلا بشيخ القوم إذ*** يأبى السجود بكبر ذي طغيان
ثم ارتضى الى أن أن صار قوادا لأر***باب الفسوق وكل ذي عصيان
وكذاك أهل الشرك قالوا كيف ذا*** بشر أتى بالوحي والقرآن
ثم ارتضوا أن يجعلوا معبودهم*** من هذه الأحجار والأوثان
وكذاك عباد الصليب حموا بتا***ركهم من النسوان والولدان
وأتوا الى رب السموات العلى***جعلوا له ولدا من الذكران
وكذلك الجهمي نزه ربه*** عن عرشه من فوق ذي الأكوان
حذرا من الحصر الذي في ظنه*** أو أن يرى متحيزا بمكان
فأصاره عدما وليس وجوده*** متحققا في خارج الأذهان


لكنمكا قدمائهم قالوا بأن***ن الذات قد وجدت بكل مكان
جعلوه في الآبار والأنجاس والـ*** ـحانات والخربات والقيعان
والقصد أنكم تحيزتم الى الآر***راء وهي كثيرة الهذيان
فتلونت بكم فجئتم أنتم*** متلونين عجائب الأكوان
وعرضتم قول الرسول على الذي*** قد قاله الأشياخ عرض وزان
وجعلتم أقوالهم ميزان ما*** قد قاله والقول في الميزان
ووردتم سفل المياه ولم نكن*** نرضى بذاك الورد للظمآن
وأخذتم أنتم بنيات الطريق ونحـ***ـن سرنا في الطريق الأعظم السلطاني
وجعلتم ترس الكلام مجنكم*** تبا لذاك الترس عند طعان


ورميتم أهل الحديث بأسهم*** عن فوس موتور الفؤاد جبان
فتترسوا بالوحي والسنن التي*** تتلوه نعم الترس للشجعان
هو ترسهم والله من عدوانكم*** والترس يوم البعث من نيران
أفتاركوه لفشركم ومحالكم*** لا كان ذاك بمنة الرحمن
ودعوتمونا للذي قلتم به*** قلنا معاذ الله من خذلان
فاشتد ذاك الحرب بين فريقنا*** وفريقكم وتفاقم الأمران
وتأصلت تلك العداوة بيننا*** من يوم أمر الله للشيطان
بسجوده فعصى وعارض أمره*** بقياسه وبعقله الخوان
فأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا*** أخباره بالفشر والهذيان
ومعارض للأمر مثل معارض الأ***خبار هم في كفرهم صنوان
من عارض المنصوص بالمعقول قد*** ما أخبرونا يا أولي العرفان
أو ما عرفتم أنه القدري والـ***ـجبري أيضا ذاك في القرآم
إذ قال قد أغويتني وفتنتني***لأزينن لهم مدى الأزمان
فاحتج بالمقدور ثم أبان أن الـ***ـفعل منه بغية وزيان
فانظر الى ميراثهم ذا الشيـ***ـيخ بالتعصيب والميراث بالسهمان
فسألتكم بالله من وراثه؟*** منا ومنكم بعد ذا التبيان
هذا الذي ألقى العداوة بيننا*** إذ ذاك واتصلت به الى الآن
أصلتم أصلا وأصل خصمكم*** أصلا فحين تقابل الأصلان
ظهر التباين فانتشت ما بيننا الـ***ـحرب العوان وصيح بالأقران


أصلتم آراء الرجال وخصوصها*** من غير برهان ولا سلطان
هذا وكم رأي لهم فبرأي من***نزن النصوص فأوضحوا ببيان
كل له رأي ومعقول له*** يدعو ويمنع أخذ رأي فلان
والخصم أصل محكم القرآن مع*** قول الرسول فطرة الرحمن
وبنى عليه فاعتلى بنيانه*** نحو الاسما أعظم بذا البنيان
وعلى شفا جرف بنيتم أنتم*** فأتت سيول الوحي والايمان
قلعت أساس بنائكم فتهدمت*** تلك السقوف وخر للأركان
الله أكبر لو رأيتم ذلك البنيـ***ـان حين علا كمثل دخان
تسمو اليه نواظر من تحته*** وهو الوضيع ولو يرى بعيان
فاصبر له وهنا ورد الطرف تلقـ***ـاه قريبا في الحضيض الداني


فصل
في بيان أن التعطيل أساس الزندقة والكفران
والاثبات أساس العلم والايمان

من قال أن الله ليس بفاعل*** فعلا يقوم به قيام معان
كلا وليس الأمر أيضا قائما*** بالرب بل من جملة الأكوان
كلا وليس الله فوق عباده*** بل عرشه خلو من الرحمن
فثلاثة والله لا تبقى من الا***يمان حبة خردل بوزان
وقد استراح معطل هذه الثلا***ث من الاله وجملة القرآن
ومن الرسول ودينه وشريعة الاسلام بل من جملة الأديان
وتمام ذاك جحوده لصفاته*** والذات دون الوصف ذو بطلان
وتمام ذا الايمان اقرار الفتى*** بالله فاطر هذه الأكوان
فإذا أقر به وعطل كل مفـ***ـروض ولم يتوق من عصيان
لم ينقص الايمان حبة خردل*** أنى وليس يقابل النقصان


وتمام هذا قوله أن النبـ***ـوة ليس وصفا قام به الانسان
لكن تعلق ذلك المعنى القديـ***ـم بواحد من جملة الانسان
هذا وما ذاك التعلق ثابتا*** في خارج بل ذاك في الأذهان
فتعلق الأقوال لا يعطي الذي***وقفت عليه الكون في الأعيان
هذا إذا ما حصل المعنى الذي*** قلتم هو النفسي في البرهان
لكن جمهور الطوائف لم يروا***ذا ممكنا بل ذاك ذو بطلان
ما قال هذا غيركم من سائر النـ***ـظار في الآفاق والأزمان
تسعون وجها بينت بطلانه*** لولا القريض لسقتها بوزان


يا قوم أين الرب؟ أين كلامه؟*** أين الرسول فأوضحوا ببيان
ما فوق عرش الرب من هو قائل*** طه ولا حرفا من القرآن
ولقد شهدتم أن هذا قولكم*** والله يشهد مع أولي الايمان
وارحمتاه لكم غبنتم حظكم*** من كل معرفة ومن ايمان
ونسبتم للكفر أولى منمكم*** بالله والايمان والقرآن
هذي بضاعتكم فمن يستامها*** فقد ارتضى بالجهل والخسران
وتمام هذا قولكم في مبدأ*** ومعادنا أعني المعاد الثاني
وتمام هذا قولكم بفناء دا***ر الخلد فالداران فانيتان
يا قومنا بلغ الوجود بأسره الد***نيا مع الأخرى مع الايمان
الخلق والأمر المنزل والجزا***ومنازل الجنات والنيران


والناس قد ورثوه بعد فمنهم*** ذو السهم والسهمين والسهمان
بئس المورث والمورث والترا***ث ثلاثة أهل لكل هوان
يا وراثين نبيهم بشراكم*** ما إرثكم مع إرثهم سيان
شتان بين الوارثين وبين مو***روثيها وسهام ذي سهمان
يا قوم ما صاح الأئمة جهدهم*** بالجهم من أقطارها بأذان
الا لما عرفوه من أقواله***ومآلها بحقيقة العرفان
قول الرسول وقول جهم عندنا*** في قلب عبد ليس يجتمعان
نصحوكم والله جهد نصيحة*** ما فيهم والله من خوان
فخذو بهديهم فربي ضامن *** ورسوله أن تفعلوا بجنان
فإذا أبيت فالسلام على من اتبـ***ـع الهدى وانقاد للقرآن


سيروا على نجب العزائم واجعلوا*** بظهورها المسرى الى الرحمن
سبق المفرد وهو ذاكر ربه*** في كل حال ليس ذا نسيان
لكن أخو الغفلات منقطع به*** بين المفاوز تحت ذي الغيلان
صيد السباع وكل وحش كاسر*** بئس المضيف لأعجز الضيفان
وكذلك الشيطان يصطاد الذي*** لا يذكر الرحمن كل أوان
والذكر أنواع فأعلى نوعه*** ذكر الصفات لربنا المنان
وثبوتها أصل لهذا الذكر والنـ***ـافي لها داع الى النسيان
فلذاك كان خليفة الشيطان ذا*** لا مرحبا بخليفة الشيطان
والذاكرون على مراتبهم فأعـ***ـلاهم أولو الايمان والعرفان
بصفاته العليا اذا قاموا بحمـ***ـد الله في سر وفي اعلان


وأخص اهل الذكر بالرحمن أعـ***ـلمهم بها هم صفوة الرحمن
وكذاك كان محمد وأبوه ابـ***ـراهيم والمولود من عمران
وكذاك نوح وابن مريم عندنا*** هم خير خلق الله من إنسان
لمعارف حصلت لهم بصفاته*** لم يؤتها أحد من الانسان
وهم أولو العزم الذي بصورة الأ***حزاب والشورى أتوا ببيان
وكذلك القرآن مملوء من الأ***وصاف وهي القصد بالقرآن
ليصير معروفا لنا بصفاته*** ويصير مذكورا لنا بجنان
ولسان أيضا مع محبتنا له*** فلأجل ذا الاثبات في الايمان
مثل الأساس من البناء فمن يرم*** هدم الأساس فكيف بالبنيان
والله ما قام البناء لدين رسـ***ـل الله بالتعطيل للديّان
ما قام الا بصفات مفصلا*** إثباتها تفصيل ذي عرفان
فهي الأساس لديننا ولكل ديـ***ـن قبله من سائر الأديان


وكذاك ذندقة العباد أساسها التـ***ـعطيل يشهد ذا أولو العرفان
والله ما في الأرض زندقة بدت*** الا من التعطيل والنكران
والله ما في الأرض زندقة بدت*** من جانب الاثبات والقرآن
هذي زنادقة العباد جميعهم*** ومصنفاتهم بكل مكان
ما فيهم أحد يقول الله فو***ق العرش مستول على الأكوان
ويقول إن الله جل جلاله*** متكلم بالوحي والقرآن
ويقول إن الله كلم عبده*** موسى فأسمعه بذي الآذان
ويقول ان النقل غير معارض***للعقل بل أمران متفقان
والنقل جاء بما يحار العقل فيـ***ـه لا المحال البيّن البطلان
فانظر الى الجهمي كيف اتى الى*** أس الهدى ومعاقل الايمان
بمعاول التعطيل يقطعها فما*** يبقى على التعطيل من إيمان
يدري بهذا عارف بمآخذ ال***أقوال مضطلع بهذا الشأن
والله لو حدقتم لرأيتم *** هذا وأعظم منه رأي عيان
لكن على تلك العيون غشاوة*** ما حيلة الكحال في العميان




فصل
في بهت أهل الشرك والتعطيل في رميهم
أهل التوحيد والاثبات بتنقيص الرسول


قالوا تنقصتم من رسول الله وا*** عجبا لهذا البغي والبهتان
عزلوه أن يحتج قط بقوله*** في العلم بالله العظيم الشان
عزلوا كلام الله ثم رسوله*** عن ذاك عزلا ليس ذا كتمان
جعلوا حقيقته وظاهره هو الـ***ـكفر الصريح البيّن البطلان
قالوا وظاهره هو التشبيه والتـ***ـجسيم حاشا ظاهر القرآن
من قال في الرحمن ما دلت عليـ***ـه حقيقة الأخبار والفرقان
فهو المشبه والمثل والمجـ***ـسم عابد الأوثان لا الرحمن
تالله قد مسخت عقولكم فليـ***ـس وراء هذا قط من نقصان
ومريتم حزب الرسول وجنده*** بمصابكم يا فرقة البهتان
وجعلتم التنقيص عين وفاقه*** إذ لم يوافق ذاك رأي فلان


أنتم تنقصتم اله العرش*** والقرآن والمبعوث بالقرأن
نزهتوه عن صفات كماله***وعن الكلام وفوق كل مكان
وجعلتم ذا كله*** التشبيه والتـ***ـمثيل والتجسيم ذا البطلان
وكلامكم فيه الشفاء وغاية الـ***ـتحقيق يا عجبا لذا الخذلان
جعلوا عقولهم أحق بأخذ ما*** فيها من الأخبار والقرآن
وكلامه لا يستفاد به اليقيـ***ـن لأجل ذا لا يقبل الخصمان
تحكيمه عند اختلافهما بل الـ***ـمعقول ثم المنطق اليوناني
أي التنقص بعد ذا لولا الوقا*** حة والجراءة يا أولي العدوان
يا من له عقل ونور قد غدا*** يمشي به في الناس كل زمان


لكننا قلنا مقالة صارخ*** في كل وقت بينكم بأذان
الرب رب والرسول فعبده*** حقا وليس لنا اله ثان
فلذاك لم نعبده مثل عبادة الـ***ـرحمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغل الغلو كم نهى*** عنه الرسةل مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره*** ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدا*** من غير تمييز ولا فرقان
فالحج للرحمن دون رسوله*** وكذا الصلاة وذبح ذا القربان
وكذا السجود ونذرنا ويميننا*** وكذا متاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والانابة والتقى*** وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به*** إياك نعبد ذان توحيدان
وعليهما قام الوجود بأسره*** دنيا وأخرى حبذا الركنان
وكذلك التسبيح والتكبير والتـ***ـهليل حق الهنا الديان


لكنما التعزيز والتوقير حـ***قّ للرسول بمقتضى القرآن
والحب والايمان والتصديق لا*** يختص بل حقان مشتركان
هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة*** لا تجهلوها يا أولي العدوان
حق الاله عبادة بالأمر لا*** بهوى النفوس فذاك للشيطان
من غير اشراك به شيئا هما*** سببا النجاة فحبذا السببان
ورسوله فهو المطاع وقوله المـ***ـقبول إذ هو صاحب البرهان
والأمر منه الحتم لا تخيير فيـ***ـه عند ذي عقل وذي إيمان


من قال قولا غيره قمنا على*** أقواله بالسبر والميزان
ان وافقت قول الرسول وحكمه*** فعلى الرؤوس تشال كالتيجان
أو خالفت هذا رددناها على*** من قالها من كان من إنسان
أو أشكلت عنا توقفنا ولم*** نجزم بلا علم ولا برهان
هذا الذي أدى اليه علمنا*** وبه ندين الله كل أوان
فهو المطاع وأمره العالي على*** أمر الورى وأوامر السلطان
وهو المقدم في محبتنا على الـ***أهلين والأزواج والولدان
وعلى العباد جميعهم حتى على النـ***ـفس التي قد ضمها الجنبان


ونظير هذا قول أعداء المسـ***ـيح من النصارى عابدي الصلبان
انا تنقصنا المسيح بقولنا*** عبد وذلك غاية النقصان
لو قلتم ولد اله خالق*** وفيتموه حقه بوزان
وكذاك أشباه النصارى قد غلوا*** في دينهم بالجهل والطغيان
صاروا معادين الرسول وديننا*** في صورة الأحباب والاخوان
فانظر الى تبديلهم توحيده*** بالشرك والايمان بالكفران
وانظر الى تجريده التوحيد من*** أسباب كل الشرك بالرحمن
راجع مقالتهم وما قد قاله*** واستدع بالنقاد والوزان
عقل وفطرتك السليمة ثم زن*** هذا وذا لا تطغ في الميزان
فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ*** منتقص المنقوص ذو العدوان


رامي البريء بدائه ومصابه***فعل المباهت أوقح الحيوان
كمعيّر الناس بالزعل الذي*** هو ضربه فاعجب لذي البهتان
يا فرقة التنقيص بل يا أمة الدعوى بلا علم ولا عرفان
والله ما قدمتم يوما مقا***لته على التقليد للانسان
والله ما قال الشيوخ وقال الا*** كنتم معهم بلا كتمان
والله أغلاط الشيوخ لديكم*** أولى من المعصوم بالبرهان
وكذا قضيتم بالذي حكمت به*** جهلا على الأخبار والقرآن
والله انهم لديكم مثل معصوم وهذا غاية الطغيان
تبا لكم ماذا التنقص بعد ذا*** لو تعرفون العدل من نقصان
والله ما يرضيه جعلكم له*** ترسا لشرككم وللعدوان
وكذاك جعلكم المشايخ جنة*** بخلافة والقصد ذو تبيان
والله يشهد ذا بحذر قلوبكم*** وكذاك يشهده أولو الايمان


والله ما عظمتموه طاعة*** ومحبة يا فرقة العصيان
إني وجهلكم به وبيجنه*** وخلافكم للوحي معلومان
أوصاكم أشياخكم بخلافهم*** لوفاقه في سالف الأزمان
خالفتم قول الشيوخ وقوله*** فغدا لكم خلفان متفقان
والله أمركم عجب معجب*** ضدان فيكم ليس يتفقان
تقديم آراء الرجال عليه مع*** هذا الغلو فكيف يجتمعان
كفرتم من جرد التوحيد جهـ***ـلا منكم بحقائق الايمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والـ***ـبدع المضلة في رضا الشيطان
والله لم نقصد سوى التجريد للتـ*** ـوحيد ذاك وصية الرحمن
ورضا رسول الله منا لا غلو*** الشرك أصل عبادة الأوثان


والله لو يرضى الرسول دعاءنا*** اياه بادرنا الى الاذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا*** كنا نخر له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير*** اخلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهى ذا الخلق عن اطرائه*** فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره*** عيدا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي*** ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه*** وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه*** في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا*** باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعنى الألي جعلوا القبور مساجدا*** وهم اليهود وعابدو الصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره*** لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا الى تسنيم حجرته ليمـ***ـتنع السجود له على الأذقان
قصدوا موافقة الرسول وقصـ***ـده التجريد للتوحيد للرحمن


يا فرقة جهلت نصوص نبيهم*** وقصوده وحقيقة الايمان
فسطوا على أتباعه وجنوده*** بالغي والعدوان والبهتان
لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا*** فمصابكم ما فيه من حيران
قلنا الذي قال الأئمة قبلنا*** وبه النصوص أتت على التبيان
القصد حج البيت وهو فريضة الر*** حمن واجبة على الأعيان
ورحالنا شدت اليه من بقا***ع الأرض قاصيها كذاك الداني
من لم يزر بيت الاله فما له*** من حجة سهم ولا سهمان
وكذا نشد رحالنا للمسجد النـ***ـبوي خير مساجد البلدان
من بعد مكة أو على الاطلاق فيـ***ـه اخلف بين القوم منذ زمان
ونراه عند النذر فرضا لكـ***ـن النعمان يأبى ذا وللنعمان
أصل هو النافي الوجوب فانه*** ما جنسه فرضا على الانسان
ولنا براهين تدل بأنه*** بالنذر مفترض على الانسان
أمر الرسول لكل نادر طاعة*** بوفائه بالنذر بالاحسان


وصلاتنا فيه بألف من سوا***ه ما خلا ذا الحجر والأركان
وكذا صلاة في قبا فكعمرة*** في أجرها والفضل للمنان
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها*** وحضور قلب فعل ذي الاحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد القبـ***ـر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع*** متذلل في السر والاعلان
فكأنه في القبر حيّ ناطق*** فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت*** تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجرت تلك العيون بمائها*** ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة*** ووقار ذي علم وذي ايمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه*** كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفا بالقبر أسـ***ـبوعا كأن القبر بيت ثان
من انثنى بدعائه متوجها*** لله نحو البيت ذي الأركان
هذي زيارة من غدا متمسكا*** لشريعة الاسلام والايمان
من أفضل الأعمال هاتيك الزيا***رة وهي يوم الحشر في الميزان
لا تلبسوا الحق الذي جاءت به*** سنن الرسول بأعظم البرهان
هذي زيارتنا ولم ننكر سـ***ـوى البدع المضلة يا أولي العدوان
وحديث شد الرحل نص ثابت***يجب المصير اليه بالبرهان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:43 AM
فصل
في تعيين أن أتباع السنة والقرآن طريقة النجاة من النيران

يا من يريد نجاته يوم الحسا***ب من الجحيم وموقد النيران
اتبع رسول الله في الأقوال والأ***عمال لا تخرج عن القرآن
وخذ الصحيحين الذين همـ***ـا لعقد الدين والايمان واسطتان
واقرأهما بعد التجرد من هوى*** وتعصب وحمية الشيطان
واجعلهما حكما ولا تحكم على*** ما فيهما أصلا بقول فلان
واجعل مقالته كبعض مقالة مقال الأ***شياخ تنصرهما بكل أوان
وانصر مقالته كنصرك للذي*** قلدته من غير ما برهان
قدر رسول الله عندك وحده*** والقول منه اليك ذو تبيان
ماذا ترى فرضا عليك معينا *** إن كنت ذا عقل وذا ايمان
عرض الذي قالوا على أقواله*** أو عكس ذاك فذانك الأمران
هي مفرق الطرقات بين طريقنا*** وطريق أهل الزيغ والعدوان


قدر مقالات العباد جميعهم*** عدما وراجع مطلع الايمان
واجعل جلوسك بين صحب محمد*** وتلق معهم عنه بالاحسان
وتلق عنهم ما تلقوه هم*** عنه من الايمان والعرفان
أفليس في هذا بلاغ مسافر*** يبفي الاله وجنة الحيوان
لولا التناوش بين هذا الخلق ما*** كان التفرق قط في الحسبان
فالرب رب واحد كتابه*** كق وفهم الحق منه دان
ورسوله قد أوضح منه فلا*** يحتاج سامعهما الى تبيان
والنصح منه فوق كل نصيحة*** والعلم مأخوذ عن الرحمن
فلأي شيء يعدل الباغي الهدى*** عن قوله لولا عمى الخذلان


فالنقل عنه مصدق والقول من*** ذي عصمة ما عندنا قولان
والعكس عند سواه في الأمرين يا***من يهتدي هل يستوي النقلان
تالله قد لاح الصباح لمن له*** عينان نحو الفجر ناظرتان
وأخو العماية في عمايته يقو***ل الليل بعد أيستوي الرجلان
تالله قد رفعت لك الأعلام ان*** كنت المشمر نلت ادر أمان
وإذا جنبت وكنت كسلانا فما*** حرم الوصول اليه غير جبان
فاقدم وعد بالوصل نفسك واهـ***ـجر المقطوع منه قاطع الانسان
عن نيل مقصده فذاك عدوه*** ولو أنه منه القريب الداني


فصل
في تيسير السير الى الله على المثبتين الموحدين وامتناعه على
المعطلين والمشركين

يا قاعدا سارت به أنفاسه*** سير البريد وليس بالذملان
حتى متى هذا الرقاد وقد سرى*** وفد المحبة مع اولي الاحسان؟
وحدت بهم عزماتهم نحو العلى*** لا حادي الركبان والأظعان
ركبوا العزائم واعتلوا بظهورها*** وسروا فما حنوا الى نعمان
ساروا رويدا ثم جاءوا أولا*** سير الدليل يؤم بالركبان
ساروا بإثبات الصفات اليه لا التـ***ـعطيل والتحريف والنكران
عرفوه بالأوصاف فامتلأت قلو***بهم له بالحب والايمان
فتطايرت تلك القلوب اليه بالـ***أشواق إذ ملئت من العرفان
وأشدهم حبا له أدراهم*** بصفاته وحقائق القرآن
فالحب يتبع للشعور بحسبه*** يقوى ويضعف ذاك ذو تبيان


ولذاك كان العارفون صفاته*** أحبائه هم اهل هذا الشان
ولذاك كان العالمون بربهم*** أحبابه وبشرعة الايمان
ولذاك كان المنكرون لها هم الـ***أعداء حقا هم أولو الشنآن
ولذاك كان الجاهلون بذا وذا*** بغضاءه حقا ذوي شنآن
وحياة قلب العبد في شيئين من*** يرزقهما يحيا مدى الأزمان
في هذه الدنيا وفي الأخرى يكو***ن الحي ذا الرضوان والاحسان
ذكر الاله وحبه من غير إشـ***ـراك به وهما فممتنعان
من صاحب التعطيل حقا كامتنا***ع الطائر المقصوص من طيران
أيحبه من كان ينكر وصفه*** وعلوه وكلامه بقران
لا والذي حقا على العرش استوى*** متكلما بالوحي والفرقان


الله أكبر ذاك فضل الله يؤ***تيه لمن يرضى بلا حسبان
وترى المخلف في الديار تقول ذا*** احدى الاثافي خص بالحرمان
الله أكبر ذاك عدل الله يقضيه على من شاء من انسان
وله على هذا وهذا الحمد في الا***ولى وفي الأخرى هما حمدان
حمد لذات الرب جل جلاله*** وكذاك حمد العدل والاحسان
يا من تعز عليهم أرواحهم*** ويرون غبنا بيعها بهوان
ويرون خسرانا مبينا بيعها*** في أثر كل قبيحة ومهان
ويرون ميدان التسابق بارزا*** فيتاركون تقحم الميدان
ويرون أنفاس العباد عليهم*** قد أحصيت بالعد والحسبان
ويرون أن أمامهم يوم اللقا*** لله مسألتان شاملتان
ماذا عبدتم ثم ماذا قد أجبـ***ـتم من أتى بالحق والبرهان
هاتوا جوابا للسؤال وهيئوا*** أيضا صوابا للجواب يدان
وتيقنوا أن ليس ينجيكم سوى*** تجريدكم لحقائق الايمان
تجريدكم توحيده سبحانه*** عن شركة الشيطان والأوثان
وكذاك تجريد أتباع رسوله*** عن هذه الآراء والهذيان
والله ما ينجي الفتى من ربه*** شيء سوى هذا بلا روغان


يا رب جرد عبدك المسكين را***جي الفضل منك أضعف العبدان
لم تنسه وذكرته فاجعله لا*** ينساك أنت بدأت بالاحسان
وبه ختمت فكنت أولى بالجميـ***ـل وبالثناء من الجهول الجاني
فالعبد ليس يضيع بين فواتح*** وخواتم من فضل ذي الغفران
أنت العليم به وقد أنشأته*** من تربة هي أضعف الأركان
كل عليها قد علا وهوت الى*** تحت الجميع بذلة وهوان
وعلت عليها النيران حتى ظن أن*** يعلو عليها الخلق من نيران
وأتى الى الأبوين ظنا أنه*** سيصير الأبوين تحت دخان
فسعت الى الأبوين رحمتك التي*** وسعتهما فعلا بك الأبوان


هذا ونحن بنوهما وحلومنا*** في جنب حلمهما لدى الميزان
جزء يسير والعدو فواحد*** لهما وأعدانا بلا حسبان
والضعف مستول علينا في جميع جها***تنا سيما من الايمان
يا رب معذرة اليك فلم يكن*** قصد العباد ركوب ذا العصيان
لكن نفوس سوّلته وغرّها*** هذا العدو لها غرر أمان
فتيقنت يا رب أنك واسع الـ***ـغفران ذو فضل وذو احسان
ومقاله ما قاله الأبوان قبـ***ـل مقالة العبد الظلوم الجاني
نحن الألى ظلموا وان لم تغفر الذ***نب العظيم فنحن ذو خسران
يا رب فانصرنا على الشيطان ليـ***ـس لنا به لولا حماك يدان


فصل
في ظهور الفرق بين الطائفتين وعدم التباسه الا على من ليس ذي عينان

والفرق بينكم وبين خصومكم*** من كل وجه ثابت ببيان
ما أنت منهم ولا هم منكم*** شتان بين السعد والدبران
فاذا دعونا للقرآن دعوتم*** للرأي أين الرأي من قرآن
واذا دعونا للحديث دعوتم*** أنتم الى تقليد قول فلان
وكذا تلقينا نصوص نبينا*** بقبولها بالحق والاذعان
من غير تحريف ولا جحد ولا***تفويض ذي جهل بلا عرفان
لكن باعراض وتجهيل وتأ***ويل تلقيتم مع النكران
أنكرتموها جهدكم فاذا أتى*** ما لا سبيل له الى نكران
أعرضتم عنه ولم تستنبطوا*** منه هدى لحقائق الايمان
فاذا ابتليتم مكرهين بسمعها*** فوضتموها لا على العرفان
لكن يجهل للذي سيقت له*** تفويض اعراض وجهل معان
فاذا ابتليتم باحتجاج خصومكم*** أوليتموها دفع ذي صولان
فالجحد والاعراض والتأويل والتـ***ـجهيل حظ النص عند الجاني
لكن لدينا حظه التسليم مع*** حسن القبول وفهم ذي الاحسان


فصل
في التفاوت بين حظ المثبتين والمعطلين
من وحي رب العالمين

ولنا الحقيقة من كلام الهنا*** ونصيبكم منه المجاز الثاني
وقواطع الوحيين شاهدة لنا*** وعليكم هل يستوي الأمران
وأدلة المعقول شاهدة لنا*** أيضا فقاضونا الى البرهان
وكذاك فطرة ربنا الرحمن شا***هدة لنا أيضا شهود بيان
وكذاك اجماع الصحابة والألى*** تبعوهم بالعلم والاحسان
وكذاك اجماع الأئمة بعدهم*** هذا كلامهم بكل مكان
هذي الشهود فهل لديكم أنتم*** من شاهد بالنفي والنكران
وجنودنا من قد تقدم ذكرهم*** وجنودكم فعساكر الشيطان
وخيامنا مضروبة بمشاعر الـ***ـوحيين من خبر ومن قرآن
وخيامكم مضروبة بالتيه فالسـ***ـكان كل ملدد حيران


هذه شهادتهم على محصولهم*** عند الممات وقولهم بلسان
والله يشهد أنهم أيضا كذا*** تكفي شهادة ربنا الرحمن
ولنا المساند والصحاح وهـ***ـذه السنن التي نابت عن القرآن
ولكم تصانيف الكلام وهذه الـ***آراء وهي كثيرة الهذيان
شبه يكسر بعضها بعضا كبيـ***ـت من زجاج خرّ للأركان
هل ثم شيء غير رأي أو كلا***م باطل أو منطق اليونان
ونقول قال الله قال رسوله*** في كل تصنيف وكل مكان
لكن تقولوا قال ارسطو وقا***ل ابن الخطيب وقال ذو العرفان
شيخ لكم يدعى ابن سينا لم يكن*** متقيدا بالدين والايمان
وخيار ما تأتون قال الأشعر***ي وتشهدون عليه يالبهتان
فالأشعري مقرر لعلو رب الـ***ـعرش فوق جميع ذي الأكوان
في غابية التقرير بالمعقول*** والمنقول ثم بفطرة الرحمن


هذا ونحن تاركو الآراء*** للنقل الصحيح ومحكم الفرقان
لكنكم بالعكس قد صرحتم*** ووضعتم القانون ذا البهتان
والنفي عندكم على التفصيل والـ***إثبات إجمالا بلا نكران
والمثبتون طريقهم نفي على والـ***إجمال والتفصيل بالتبيان
فتدبروا القرآن مع من منكما؟*** وشهادة المبعوث بالقرآن
وعرضتم قول الرسول على الذي*** قال الشيوخ ومحكم الفرقان
فالمحكم النص الموافق قولهم*** لا يقبل التأويل في الأذهان
لكنما النص المخالف قولهم*** متشابه متأول في الأذهان
واذا تأدبتم تقولوا مشكل*** أفواضح يا قوم رأي فلان
والله لو كان الموافق لم يكن متشابها متأولا بلسان


لكن عرضنا نحن أقوال الشيو***خ على الذي جاءت به الوحيان
ما خالف النصين لم نعبأ به*** شيئا وقلنا حسبنا النصان
والمشكل القول المخالف عندنا*** في غاية الاشكال لا التبيان
والعزل والابقاء مرجعه الى الـ*** آرتء عندكم بلا كتمان
لكن لدينا ذاك مرجعه الى***قول الرسول ومحكم القرآن
والكفر والاسلام عين خلافه*** ووفاقه لا غير بالبرهان
والكفر عندكم خلاف شيوخكم*** ووفاقهم فحقيقة الايمان
هذي سبيلكم وتلك سبيلنا*** والموعد الرحمن بعد زمان
وهناك يعلم أي حزبينا على الـ***حق الصريح وفطرة الديان
فالقوم مثلك يألمون ويصبرو***ن وصبرهم في طاعة الشيطان


فصل
في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء

يا طالب الحق المبين ومؤثرا*** علم اليقين وصحة الايمان
اسمع مقالة ناصح خبر الذي*** عند الورى مذ شب حتى الآن
ما زال مذ عقدت يداه ازاره*** قد شد ميرزه الى الرحمن
وتخلل الفترات للعزمات أمـ***ـر لازم لطبيعة الانسان
وتولد النقصان من فتراته*** أو ليس سائرنا بني النقصان
طاف المذاهب يبتغي نورا ليهديه وينجيه من النيران
وكأنه قد طاف يبتغي ظلمة الـ***ـليل البهيم ومذهب الحيران
والليل لا يزداد الا قوة *** والصبح مقهور بذي السلطان
حتى بدت في سيره نار على*** طور المدينة مطلع الايمان
فأتى ليقبسها فلم يمكنه مع*** تلك القيود منالها بأمان


لولا تداركه الاله بلطفه*** ولى على العقبين ذا نكصان
لكن توقف خاضعا متذللا*** مستشعر الافلاس من أثمان
فأتاه جند حل عنه قيوده*** فامتد حينئذ له الباعان
والله لولا أن تحل قيوده*** وتزول عنه ربقة الشيطان
كان الرقى الى الثريا مصعدا*** من دون تلك النار في الامكان
فرأى بتلك النار آكام المديـ***ـنة كالخيام تشوفها العينان
ورأى هنالك كل هاد مهتد*** يدعو الى الايمان والايقان
فهناك هنأ نفسه متذكرا*** ما قاله المشتاق منذ زمان
والمستهام على المحبة لم يزل*** حاشا لذكراكم من النسيان


لو قيل ما تهوى؟ لقال مبادرا*** أهوى زيارتكم على الأجفان
تالله ان سمح الزمان بقربكم*** وحللت منكم بالمحل الداني
لأغفرن الخد شكرا في الثرى*** ولأكحلن بتربكم أجفاني
ان رمت تبصر ما ذكرت فغض طر***فا عن سوى الآثار والقرآن
واترك رسوم الخلق لا تعبأ بها*** في السعد ما يغنيك عن دبران
حذق لقلبك في النصوص كمثل ما*** قد حذقوا في الرأي طول زمان
وأكحل جفون القلب بالوحيين واحـ***ـذر كحلهم يا كثرة العميان
فالله بين فيهما طرق الهدى*** لعباده في أحسن التبيان
لم يحوج الله الخلائق معهما*** لخيال فلتان ورأي فلان
فالوحي كاف للذي يعنى به*** شاف لداء جهالة الانسان
وتفاوت العلماء في أفهامهم*** للوحي فوق تفاوت الأبدان


والجهل داء قاتل وشفاؤه*** امران في التركيب متفقان
نص من القرآن أو من سنة*** وطبيب ذاك العالم الرباني
والعلم أقسام ثلاث ما لها*** من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الاله وفعله*** وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه*** وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكل في القرآن والسنن التي*** جاءت عن المبعوث بالفرقان
والله ما قال امرؤ متحذلق*** بسواهما الا من الهذيان
ان قلتم تقريره فمقرر*** بأتم تقرير من الرحمن
أو قلتم إيضاحه فمبيّن***بأتم إيضاح وخير بيان
أو قلتم إيجازه فهو الذي*** في غاية الايجاز والتبيان
أو قلتم معناه هذا فاقصدوا*** معنى الخطاب بعينه وعيان
أو قلتم نحن التراجم فاقصدوا المـ***ـعنى بلا شطط ولا نقصان
أو قلتم بخلافه فكلامكم*** في غاية الانكار والبطلان


أو قلتم قسنا عليه نظيره***فقياسكم نوعان مختلفان
نوع يخالف نصه فهو المحا***ل وذاك عند الله ذو بطلان
وكلامنا فيه وليس كلامنا*** في غيره أعني القياس الثاني
ما لا يخالف نصه فالناس قد*** عملوا به في سائر الأزمان
لكنه عند الضرورة لا يصار*** اليه الا بعد ذا الفقدان
هذا جواب الشافعي لأحمد*** لله درك من إمام زمان
والله ما اضطر العباد اليه فيـ***ـما بينهم من حادث بزمان
فإذا رأيت النص عنه ساكتا*** فسكوته عفو من الرحمن
وهو المباح إباحة العفو الذي*** ما فيه من حرج ولا نكران
فأضف الى هذا عموما للفظ والـ***معنى وحسن الفهم في القرآن
فهناك تصبح في غنى وكفاية*** عن كل ذي رأي وذي حسبان


ومقدرات الذهن لم يضمن لنا*** تبيانها بالنص والقرآن
وهي التي فيها اعتراك الرأي من*** تحت العجاج وجولة الأذهان
لكن هنا أمران لو تما لما*** احتجنا اليه فحبذا الأمران
جمع النصوص وفهم معناها المرا***د بلفظها والفهم مرتبتان
احداهما مدلول ذاك اللفظ وضـ***ـعا معا أو لزوما ثم هذا الثاني
فيه تفاوت الفهم تفاوتا*** لم ينضبط أبدا له طرفان
فالشيء يلزمه لوازم جمة*** عند الخبير به وذي العرفان
فبقدر ذاك الخبر يحصي من لوا***زمه وهذا واضح التبيان


ولذلك عرف لكتاب حقيقة*** عرف الوجود جميعه ببيان
وكذاك يعرف جملة الشرع الذي*** يحتاجه الانسان كل زمان
علما بتفصيل وعلما مجملا*** تفصيله أيضا بوحي ثان
وكلاهما وحيان قد ضمنا لنا*** أعلى العلوم بغاية التبيان
ولذاك يعرف من صفات الله والـ***أفعال والأسماء ذي الاحسان
ما ليس يعرف من كتاب غيره*** أبدا ولا ما قالت الثقلان
وكذاك يعرف من صفات البعث بالتـ***ـفصيل والاجمال في القرآن
ما يجعل اليوم العظيم مشاهدا*** بالقلب كالمشهود رأي عيان
وكذاك يعرف من حقيقة نفسه*** وصفاتها بحقيقة العرفان
يعرف لوزامها ما الذي فيها من الـ***حاجات والاعدام والنقصان
وكذاك يعرف ربه وصفاته*** أيضا بلا مثل ولا نقصان


وهنا ثلاثة أوجه فافطن لها*** إن كنت ذا علم وذا عرفان
ماع بالضد والاولى كذا بالامتناع*** لعلمنا بالنفس والرحمن
فالضد معرفة الاله بضد ما*** في النفس من عيب ومن نقصان
وحقيقة الأولى ثبوت كماله*** إذ كان معطيه على الاحسان


فصل
في بيان شرط كفاية النصين والاستغناء بالوحيين

وكفاية النصين مشروط بتجـ***ـريد التلقي عنها لمعان
وكذاك مشروط بخلع قيودهم*** فقيودهم غلّ الى الأذقان
وكذاك مشروط بهدم قواعد*** ما أنزلت ببيانها الوحيان
وكذاك مشروط بإقدام على *** الآراء ان عريت عن البرهان
بارد والابطال لا تعبأ بها*** شيئا إذا ما فاتها النصان
لولا القواعد والقيود وهذه *** الآراء لاتسعت عرى الايمان
لكنها والله ضيقة العرى***فاحتاجت الأيدي لذاك توان
وتعطلت من أجلها والله أعـ***ـداد من النصين ذات بيان


وتضمنت تقييد مطلقها وإطـ***ـلاق المقيد وهو ذو ميزان
وتضمنت تخصيص ما عمّته والتـ***ـعميم للمخصوص بالأعيان
وتضمنت تفريق ما جمعت وجمـ***ـعا للذي وسمته بالفرقان
وتضمنت تضييق ما قد وسعـ***ـته وعكسه فلننتظر الأمران
وتضمنت تحليل ما قد حرمتـ***ـه وعكسه فلننتظر النوعان
سكتت وكان سكوتها عفوا فلم*** تعف القواعد باتساع بطان
وتضمنت اهدار ما اعتبرت كذا*** بالعكس والأمران محذوران
وتضمنت أيضا شروطا لم تكن*** مشروطة شرعا بلا برهان
وتضمنت أيضا موانع لم تكن*** ممنوعة شرعا بلا تبيان
الا بأقيسة وآراء وتقلـ***ـيد بلا علم أو استحسان


عمن أتت هذي القواعد من جميـ***ـع الصحب والأتباع بالاحسان
ما أسسسوا الا أتباع نبيهم*** لا عقل فلتان ورأي فلان
بل أنكروا الآراء نصحا منهم*** لله والداعي وللقرآن
أو ليس في خلف بها وتناقض*** ما دل ذا لب وذا عرفان
والله لو كانت من الرحكم ما أخـ***ـتلفت ولا انتقضت مدى الأزمان
شبه تهافت كالزجاج تخالها*** حقا وقد سقطت على صفوان
والله لا يرضى بها ذو همة*** علياء طالبة لهذا الشان
فمثالها والله في قلب الفتى*** وثباتها في منبت الايمان
كالزرع ينبت حوله دغل فيمـ***ـنعه النما فتراه ذا نقصان
وكذك الايمان في قلب الفتى*** غرس من الرحمن في الانسان
والنفس تنبت حوله الشهوات*** والشبهات وهي كثيرة الأفنان
فيعود ذاك الغرس يبسا ذاويا*** أو ناقص الثمرات كل أوان
فتراه يحرث دائبا ومغله*** نزر وذا من أعظم الخسران
والله لو نكش النبات وكان ذا*** بصر لذاك الشوك والسعدان
لأتى كأمثال الجبال مغله*** ولكان لذاك الشوك والسعدان
لأتى كأمثال الجبال مغله*** ولكان أضعافا بلا حسبان




فصل
هذا وليس الطعن بالاطلاق فيـ***ـها كلها فعل الجهول الجاني
بل في التي قد خالفت قول الرسو***ل ومحكم الايمان والفرقان
أو في التي ما أنزل الرحمن في*** تقريرها يا قوم من سلطان
فهي التي كم عطلت من سنة*** بل عطلت من محكم القرآن
هذا وترجو أن واضعها فلا*** يعدوه أجر أو له أجران
اذا قال مبلغ علمه من غير إيـ***ـجاب القبول له على انسان
بل قد نهانا عن قبول كلامه*** نصا بتقليد بلا برهان
وكذاك أوصانا بتقديم النصو***ص عليه من خبر ومن قرآن
نصح العباد بذا وخلص نفسه*** عند السؤال لها من الديان
والخوف كل الخوف فهو على الذي*** ترك النصوص لأجل قول فلان
وإذا بغى الاحسان أولها بما*** لو قاله خصم له ذو شان
لرماه بالداء العضال مناديا*** بفساد ما قد قاله بأذان


فصل
في لازم المذهب هل هو مذهب أم لا؟

ولوازم المعنى تراد بذكره*** من عارف بلزومها الحقاني
وسواه ليس بلازم في حقه*** قصد اللوازم وهي ذو تبيان
اذ قد يكون لزومها المجهول أو*** قد كان يعلمه بلا نكران
لكن عرته غفلة بلزومها*** اذ كان ذا سهوا وذا نسيان
ولذاك لم يك لازما لمذاهب الـ***ـعلماء مذهبهم بلا برهان
فالمقدمون على حكاية ذاك مذ***هبهم أولو جهل مع العدوان
لا فرق بين ظهوره وخفائه*** قد يذهلون عن اللزوم الداني
سيما إذا ما كان ليس بلازم*** لكن يظن لزومه يجنان
لا تشهدوا بالزور ويحكم على*** ما تلزمون شهادة البهتان


بخلاف لازم ما يقول الهنا*** ونبينا المعصوم بالبرهان
فلذا دلالات النصوص جلية*** وخفية تخفى على الأذهان
والله يرزق من يشاء الفهم في*** آياته رزقا بلا حسبان
واحذر حكايات لأرباب الكلا***م عن الخصوم كثيرة الهذيان
فحكوا بما ظنوه يلزمهم فقا***لوا ذاك مذهبهم بلا برهان
كذبوا عليهم باهتين لهم بما*** ظنوه يلزمهم من البهتان
فحكى المعطل عن أولي الاثبات قو***لهم بأن الله ذو جثمان
وحكى لنا المعطل أنهم قلوا بأن الله ليس يرى لنا لنا بعيان
وحكى المعطل أنهم قالوا يجو***ز كلامه من غير قصد معان
وحكى المعطل أنهم قالوا بتحيـ***ـيز الاله وحصره بمكان
وحكى المعطل أنهم قالوا له الـ***أعضاء جل الله عن بهتان
وحكى المعطل أن مذهبهم هو التـ***ـشبيه للخلاق بالانسان
وحكى المعطل عنهم ما لم يقو***لوه لولا أشياخهم بلسان


ظن المعطل أن هذا لازم*** فلذا أتى بالزور والعدوان
فعليه في هذا معاذير ثلا***ث كلها متحقق البطلان
ظن اللزوم وقذفهم بلزومه*** وتمام ذاك شهادة الكفران
يا شاهدا بالزور ويحك لم تخف*** يوم الشهادة سطوة الديان
يا قائل البهتان غط لوازما*** قد قلت ملزوماتها ببيان
والله لازمها انتفاء الذات والـ***أوصاف والأفعال للرحمن
والله لازمها انتفاء الدين والـ***قرآن والاسلام والايمان
ولزوم ذلك بيّن جدا لمن*** كانت له أذنان واعيتان
والله لولا ضيق هذا النظم بيـ***ـنت اللزوم بأوضح التبيان
ولقد تقدم منه ما يكفي لمن*** كانت له عينان ناظرتان
أن الذكي ببعض ذلك يكتفي*** وأخو البلادة ساكن الجبان


يا قومنا اعتبروا بجهل شيوخكم*** بحقائق الايمان والقرآن
أو ما سمعتم قول أفضل وقته*** فيكم مقالة جاهل فتان
ان السموات العلى والأرض قبـ***ـل العرش بالاجماع مخلوقان
والله ما هذي مقالة عالم*** فضلا عن الاجماع كل زمان
من قال ذا قد خالف الاجماع والـ***خبر الصحيح وظاهر القرآن
فانظر الى ما جره تأويل لفـ***ـ؟ الاستواء بظاهر البطلان
زعم المعطل أن تأويل استوى*** بالخلق والاقبال وضع لسان
كذب المعطل ليس ذا لغة الألى*** قد خوطبوا بالوحي والقرآن
فأحاره هذا الى أن قال خلق العـ***ـرش بعد جميع ذي الأكوان
يهينه تكذيب الرسول له وإجـ***ـماع الهداة ومحكم القرآن


فصل
في الرد عليهم في تكفيرهم أهل العلم والايمان
وذكر انقسامهم الى أهل الجهل والتفريط والبدع والكفران

ومن العجائب أنكم كفرتم*** أهل الحديث وشيعة القرآن
إذ خالفوا رأيا له رأي ينا***قضه لأجل النص والبرهان
وجعلتم التكفير عين خلافكم*** ووفاقكم فحقيقة الايمان
فوفاقكم ميزان دين الله لا*** من جاء بالبرهان والفرقان
ميزانكم ميزان باغ جاهل*** والعول كل العول في الميزان
أهون به ميزان جور عائل*** بيد المطفف ويل ذا الوزان
لو كان ثم حيا وأدنى مسكنه*** من دين أو علم ومن ايمان
لم تجعلوا آراءكم ميزان كفـ***ـر الناس بالبهتان والعدوان
هبكم تأولتم أوساغ لكم أيكفر من يخالفكم بلا برهان
هذه الوقاحة والجراءة والجها***لة ويحكم يا فرقة الطغيان
الله أكبر ذا عقوبة تا***رك الوحيين للآراء والهذيان


لكننا نأتي بحكم عادل*** فيكم لأجل مخافة الرحمن
فاسمع اذا يا منصفا حكميهما*** وانظر إذاً هل يستوي الحكمان
هم عندنا قسمان أهل جهالة*** وذوو العناد وذلك القسمان
جمع وفرق بين نوعيهم هما***في بدعة لا شك يجتمعان
وذوو العناد فأهل كفر ظاهر*** والجاهلون فانهم نوعان
متمكنون من الهدى والعلم بالـ***أسباب ذات اليسير والامكان
لكن الى أرض الجهالة أخلدوا*** واستسهلوا التقليد كالعميان
لم يبذلوا المقدور في إدراكهم*** للحق تهوينا بهذا الشان
فهم الألى لا شك في نفسيقهم*** والكفر فيه عندنا قولان
والوقف عندي فيهم لست الذي*** بالكفر أنعتهم ولا الايمان
والله أعلم بالبطانة منهم*** ولنا ظهارة حلة الاعلان
لكنهم مستوجبون عقابه*** قطعا لأجل البغي والعدوان


هبكم عذرتم بالجهالة أنكم*** لن تعذروا بالظلم والطغيان
والطعن في قول الرسول ودينه*** وشهادة بالزور والبهتان
وكذلك استحلال قتل مخالفيـ***ـكم قتل ذي الاشراك والعدوان
ان الخوارج ما احلوا قتلهم*** لا لما ارتكبوا من العصيان
وسمعتم قول الرسول وحكمه*** فيهم وذلك واضح التبيان
لكنكم أنتم أبحتم قتلهم*** بوفاق سنته مع القرآن
والله ما زادوا النقير عليهما*** لكن بتقرير مع الايمان
فبحق من قد خصكم بالعلم والتـ***ـحقيق والانصاف والعرفان
أنتم أحق أم الخوارج بالذي*** قال الرسول فأوضحوا ببيان
هم يقتلون لعابد الرحمن بل*** يدعون أهل عبادة الأوثان
هذا وليس أهل تعطيل ولا*** عزل النصوص الحق بالبرهان


فصل

والآخرون فأهل عجز عن بلو***غ الحق مع قصد ومع ايمان
بالله ثم رسوله ولقائه*** وهم إذا ميزتهم ضربان
قوم دهاهم حسن ظنهم بما*** قالته أشياخ ذوو أسنان
وديانة في الناس لم يجدوا سوى*** أقوالهم فرضوا بها بأمان
لو يقدرون على الهدى لم يرتضوا*** بدلا به من قائل البهتان
فأولاء معذورون إن لم يظلموا*** ويكفروا بالجهل والعدوان
والآخرون فطالبوا الحق لـ***ـكن صدهم عن علمه شيئان
مع بحثهم ومصنفات قصدهم*** منها وصولهم الى العرفان
إحداهما طلب الحقائق من سوى*** أبوابها متسوري الجدران
وسلوك طرق غير موصلة الى*** درك اليقين ومطلع الايمان
فتشابهت تلك الأمور عليهم*** مثل اشتباه الطرق بالحيران
فترى أفاضلهم حيارى كلها*** في التيه يقرع ناجذ الندمان
ويقول قد كثرت على الطرق لا ***أدري الطريق الأعظم السلطاني
بل كلهم طرق مخوفات بها ال***آفات حاصلة بلا حسبان
فالوقف غايته وآخر أمره*** من غير شك منه في الرحمن
أو دينه وكتابه ورسوله*** ولقائه وقيامة الأبدان
فأولاء بين الذنب والأجرين أو***إحداهما أو واسع الغفران


فانظر الى أحكامنا فيهم وقد*** جحدوا النصوص ومقتضى القرآن
وانظر الى أحاكمهم فينا لأجـ***ل خلافهم إذ قاده الوحيان
هل يستوي الحكمان عند الله أو*** عند الرسول وعند ذي إيمان
الكفر حق الله ثم رسوله*** بالنص يثبت لا بقول فلان
من كان رب العالمين وعبده*** قد كفراه فذاك ذو الكفران
فهلم ويحكم نحاكمكم الى*** النصين من وحي ومن قرآن
وهناك يعلم أي حزبينا على*** الكفران حقا أو على الايمان
فليهنكم تكفير من حمت بإسـ***ـلام وإيمان له النصان
لكن غايته كغاية من سوى الـ***ـمعصوم غاية نوع ذا الاحسان
خطأ يصير الأجر أجرا واحدا*** ان فاته من أجله الكفلان
إن كان ذاك مكفرا يا أمة الـ***ـعدوان من هذا على الايمان
قد دار بين الأجر والأجرين والتـ***ـكفير بالدعوى بلا برهان
كفرتم والله من شهد الرسو***ل بأنه حقا على الايمان
ثنتان من قبل الرسول وخصلة *** من عندكم أفأنتما عدلان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:45 AM
فصل
في تلاعب المكفرين لأهل السنة والايمان
بالدين كتلاعب الصبيان

كم ذا التلاعب منكم بالدين والـ***إيمان مثل تلاعب الصبيان
خسفت قلوبكم كما خسفت عقو***لكم فلا تزكو على القرآن
كم ذا تقولوا مجمل ومفصل*** وظواهر عزلت عن الايقان
حتى إذا رأى الرجال أتاكم*** فاسمع لما يوصي بلا برهان
مثل الخفافيش التي ان جاءها*** ضوء النهار ففي كوى الحيطان
عميت عن الشمس المنيرة لا تطيـ***ـق هداية فيها الى الطيران
حتى إذا ما الليل جاء ظلامه*** جالت بظلمته بكل مكان
فترى الموحد حين يسمع قولهم*** ويراهم في محنة وهوان
وارحمتاه لعينه ولأذنه*** يا محنة العينين والأذنان
إن قال حقا كفروه وإن يقو***لوا باطلا نسبوه للايمان
حتى إذا ما رده عادوه مثـ***ـل عداوة الشيطان للانسان


قالوا له خالفت أقوال الشيو***خ ولم يبالوا الخلف للفرقان
خالفت أقوال الشيوخ فأنتم*** خالفتم من جاء بالقرآن
خالفتم قول الرسول وانما*** خالفت من جراه قولا فلان
يا حبذا ذاك الخلاف فإنه*** عين الوفاق لطاعة الرحمن
أو ما علمت بأن أعداء الرسو***ل عليه عابوا الخلف بالبهتان
لشيوخهم ولما عليه قد مضى*** أسلافهم في سالف الأزمان
ما العيب الا في خلاف النص لا*** رأي الرجال وفكرة الأذهان
أنتم تعيبونا بهذا وهو من*** توفيقنا والفضل للمنان
فليهنكم خلف النصوص ويهننا*** خلف الشيوخ أيستوي الخلفان
والله ما تسوى عقول جميع أهـ***ـل الآرض نصا صح ذا تبيان
حتى نقدمها عليه معرضـ***ـين مؤولين محرّفي القرآن
والله أن النص فيما بيننا*** لأجل من آراء كل فلان


والله لم ينقم علينا منكم*** أبدا خلاف النص من انسان
لكن خلاف الأشعري بزعمكم*** وكذبتم أنتم على الانسان
كفرتم من قال ما قد قاله*** في كتبه حقا بلا كتمان
هذا وخالفناه في القرآن مثـ***ـل خلافكم الفوق للرحمن
فالأشعري مصرح بالاستوا***ء وبالعلو بغاية التبيان
ومصرح أيضا بإثبات اليدين ووجـ***ـه رب العرش ذي السلطان
ومصرح أيضا بأن لربنا*** سبحانه عينان ناظرتان
ومصرح أيضا باثبات النزو***ل لربنا نحو الرفيع الداني
ومصرح أيضا بأثبات الأصا***بع مثل ما قد قال ذو البرهان
ومصرح أيضا بأن الله يو***م الحشر يبصره أولو الايمان
جهرا يرون الله فوق سمائه*** رؤيا العيان كما يرى القمران
ومصرح أيضا باثبات المجـ***ـيء وأنه يأتي بلا نكران
ومصرح بفساد قول مؤول*** للاستواء بقهر ذي سلطان
وصرح أن الألى قد قالوا بذا التـ***ـأويل أهلا ضلالة ببيان
ومصرح أن الذي قد قاله*** أهل الحديث وعسكر القرآن
هو قوله*** يلقى عليه ربه*** وبه يدين الله كل أوان

لكنه قد قال أن كلامه*** معنى يقوم بربنا الرحمن
في القول خالفناه نحن وأنتم*** في الفوق والأوصاف للديان
لم كان نفس خلافنا كفرا وكا***ن خلافكم هو مقتضى الايمان
هذا وخالفتم لنص حين خا***لفنا لرأي الجهم ذي البهتان
والله ما لكم جواب غير تكـ***ـفير بلا علم ولا إيقان
أستغفر الله العظيم لكم جوا***ب غير ذا الشكوى الى السلطان
فهو الجواب لديكم ولنحن منـ***ـتظروه منكم يا أولي البرهان
والله لا للأشعري تبعتم*** كلا ولا للنص بالاحسان
يا قوم فانتبهوا لأنفسكم وخلـ***ـوا الجهل والدعوى بلا برهان
ما في الرياسة بالجهالة غير ضحـ***ـكة عاقل منكم مدى الأزمان
لا ترتضوا برياسة البقر التي*** رؤساؤها من جملة الثيران


فصل
في ان اهل الحديث هم أنصار سول الله صلى الله عليه وسلم
ولا يبغض الأنصار رجلا يؤمن بالله واليوم الآخر

يا مبغضا أهل الحديث وشاتما*** أبشر بعقد ولاية الشيطان
أو ما علمت بأنهم أنصار ديـ***ـن الله والايمان والقرآن
أو ما علمت بأن أنصار الرسو***ل هم بلا شك ولانكران
هل يبغض الأنصار عبد مؤمن*** أو مدرك لروائح الايمان
شهد الرسول بذاك وهي شهادة*** من أصدق الثقلين بالبرهان
أو ما علمت بأن خزرج دينه*** والأوس هم أبدا بكل زمان
ما ذنبهم إذ خالفوك لقوله*** ما خالفوه لأجل قول فلان
لو وافقوك وخالفوه كنت تشـ***ـهد أنهم حقا أولو الايمان
لما تحيّزتم الى الأشياخ وانـ***ـحازوا الى المبعوث بالقرآن
نسبوا اليه دون كل مقالة*** او حالة أو قائل ومكان
هذا انتساب أولى التفريق نسبته*** من أربع معلومة التبيان
فلذا غضبتم حينما انتسبوا الى*** خبر الرسول بنسبة الاحسان
فوضعتم لهم من باب الألقاب ما*** تستقبحون وذا من العدوان
هم يشهدونكم على بطلانها*** أفتشهدونهم على البطلان
ما ضرهم والله بغضكم لهم*** إذ وافقوا حقا رضا الرحمن


يا من يعاديهم لأجل مآكل*** ومناصب ورياسة الاخوان
تهنيك هاتيك العداوة كم بها*** من جسرة ومذلة وهوان
ولسوف تجني غيها والله عن*** قرب وتذكر صدق ذي الايمان
فإذا تقطعت الوسائل وانتهت*** تلك المآكل في سريع زمان
هناك تقرع سن ندمان على التـ*** ـفريط وقت السير والامكان
وهناك تعلم ما بضاعتك التي*** حصلتها في سالف الأزمان
الا الوبال عليك والحسرات والـ***خسران عند الوضع في الميزان
قيل وقال ما له من حاصل*** إلا العناء وكل ذي الأذهان
والله ما يجدي عليك هنالك الا*** ذا الذي جاءت به الوحيان
والله ما ينجيك من سجن الجحيـ***ـم سوى الحديث ومحكم القرآن
والله ليس الناس الا أهله*** وسواهم من جملة الحيوان


ولسوف تذكر بر ذي الايمان عن*** قرب وتقرع ناجذ الندمان
رفعوا به رأسا ولم يرفع به*** أهل الكلام ومنطق اليونان
فهم كما قال الرسول ممثلا*** بالماء مهبطة على القيعان
لا الماء تمسكه ولا كلأ بها*** يرعاه ذو كبد من الحيوان
هذا اذا لم يحرق الزرع الذي*** بجوارها بالنار أو بدخان
والجاهلون بذا وهذا هم زوا***ن الزرع أي والله شر زوان
وهم لدى غرس الاله كمثل غر***س الدلب بين مغارس الرمان
يمتص ماء لزرع مع تضييقه*** أبدا عليه وليس ذا قنوان
ذا حالهم مع حال أهل العلم انـ***ـصار الرسول فوراس الايمان
فعليه من قبل الاله تحية*** والله يبقيه مدى الأزمان


لولاه ما سقى الغراس فسوق ذا*** ك الماء للدلب العظيم الشان
فالغرس جلب كله وهو الذي*** يسقى ويحفظ عند أهل زمان
فالغرس في تلك الحضارة شارب*** فضل المياه مصاوه البستان
لكنما البلوى من لحطاب قطـ***ـاع الغراس وعاقر الحيطان
بالفوس يضرب في أصول الغرس كي*** يجتثها ويظن ذا احسان
ويظل يحلف كاذبا لم أعتمد*** في ذا سوى التثبيت للعيدان
يا خيبة البستان من حطابه*** ما بعد ذا الحطاب من بستان
في قلبه غل على البسـ***ـتان فهو موكل بالقطع كل أوان
فالجاهلون شرار أهل الحق والـ***علماء سادتهم أولو الاحسان
والجاهلون خيار أحزاب الضلا***ل وشيعة الكفران والشيطان
وشرارهم علماؤهم هم شر خلـ***ـق الله آفة هذه الأكوان





فصل
في تعيين الهجرة من الآراء والبدع الى سنته
كما كانت فرضا من الأمصار الى بلدته عليه السلام

يا قوم فرض الهجرتين بحاله*** والله لم ينسخ الى ذا الآن
فالهجر الأول الى الرحمن بالـ***إخلاص في سر وفي اعلان
حتى يكون القصد وجه اله بالـ***أقوال والأعمال والايمان
ويكون كل الدين للرحمن ما***لسواه شيء فيه من إنسان
والحب والبغض اللذان هما لـ***ـكل ولاية وعداوة أصلان
لله أيضا هكذا الاعطاء والمنـ***ـع اللذان عليهما يقفان
والله هذا شطر دين الله*** والتحيكم للمختار شطر ثان
وكلاهما الاحسان لمن يتقبل الرح***من من سعي بلا احسان
والهجرة الأخرى الى المبعوث بالـ***إسلام والايمان والاحسان
أترون هذي هجرة الأبدان لا*** والله بل هي هجرة الايمان
قطع المسافة بالقلوب اليه في*** درك الأصول مع الفروع وذان
أبدا اليه حكمها لا غيره*** فالحكم ما حكمت به النصان


يا هجرة طالت مسافتها على*** من خص بالحرمان والخذلان
يا هجرة طالت مسافتها على*** كسلان منخوب الفؤاد جبان
يا هجرة والعبد فوق فراشه*** سبق السعادة لمنزل الرضوان
ساروا أحث السير وهو فسيره*** سير الدلال وليس بالذملان
هذا وتنظره أمام الركب كالعـ***ـلم العظيم يشاف في القيعان
رفعت له أعلام هاتيك النصو***ص رؤؤوسها شابت من النيران
نار هي النور المبين ولم يكن*** ليراه إلا من له عينان
محكولتان بمرود الوحيين لا*** بمراود الآراء والهذيان
فلذاك شمر نحوها لم يلتفت*** لا عن شمائله ولا أيمان
يا قوم لو هاجرتم لرأيتم*** أعلان طيبة رؤية بعيان
ورأيتم ذاك اللواء وتحته الرسـ***ـل الكرام وعسكر القرآن
أصحاب بدر والألى قد بايعوا*** أزكى البرية بيعة الرضوان
وكذا المهاجرة الألى سبقوا كذا الـ***أنصار أهل الدار والايمان
والتابعون لهم باحسان وسا***لك هديهم أبدا بكل زمان


لكن رضيتم بالأماني وابتليـ***ـتم بالحظوظ ونصرة الاخوان
بل غركم ذاك الغرور وسولت***لكم النفوس وساوس الشيطان
ونبذتم غسل النصوص وراءكم*** وقنعتم بقطارة الأذهان
وتركتم الوحيين زهدا فيهما*** ورغبتم في رأي كل فلان
وعزلتم النصين عما وليا*** للحكم فيه عزل ذي عدوان
وزعمتم أن ليس يحكم بيننا*** الا العقول ومنطق اليونان
فهما بحكم الحق أولى منهما*** سبحانك اللهم ذا السبحان
حتى إذا انكشف الغطاء وحصلت*** أعمال هذا الخلق في الميزان
وإذا انجلى هذا الغبار وصار ميـ***ـدان السباق تناله العينان
وبدت على تلك الوجوه سماتها*** وسم المليك القادر الديان
مبيضة مثل الرياض بجنة*** والسود مثل الفحم للنيران
فهناك يعلم كل راكب ما تحته*** وهناك يقرع ناجذ الندمان
وهناك تعلم كل نفس ما الذي*** معها من الأرباح والخسران
وهناك يعلم مؤثر الآراء والشـ***ـطحات والهذيان والبطلان
أي البضائع قد أضاع وما الذي*** منها تعوض في الزمان الفاني


سبحان رب الخلق قاسم فضله*** والعدل بين الناس في بالميزان
لو شاء كان الناس شيئا واحدا*** ما فيهم من تائه جيران
لكنه سبحانه يختص بالفضـ***ـل العظيم خلاصة الانسان
وسواهم لا يصلحون لصالح*** كالشوك فهو عمارة النيران
وعمارة الجنات هم أهل الهدى*** الله أكبر ليس يستويان
فسل الهداية من أزمة أمرنا*** بيديه مسألة الذليل العاني
وسل العياذ من اثنتين هما اللتا***ن بهلك هذا الخلق كافلتان
شر النفوس وسيء الأعمال ما*** والله أعظم منهما شران
ولقد أتى هذا التعوذ منهما*** في خطبة المبعوث بالقرآن
لو كان يدري العبد أن مصابه*** في هذه الدنيا هما الشران
جعل التعوذ منهما ديدانه*** حتى تراه داخل الأكفان
وسل العياذ من التكبر والهوى*** فهما لكل الشر جامعتان
وهما يصدان الفتى عن كل طر***ق الخير إذ في قلبه يلجان
فتراه يمنعه هواه تارة*** والكبر أخرى ثم يشتركان
والله ما في النار إلا تابع*** هذين فاسأل ساكني النيران
والله لو جردت نفسك منهما*** لأتت اليك وفود كل تهان


فصل
في ظهور الفرق المبين بين دعوة الرسل ودعوة المعطلين

والفرق بين الدعوتين فظاهر*** جدا لمن كانت له أذنان
فرق مبين ظاهر لا يختفي*** إيضاحه الا على العميان
فالرسل جاؤونا بإثبات العلو*** لربنا من فوق كل مكان
وكذا أتونا بالصفات لربنا*** الرحمن تفصيلا بكل بيان
وكذاك قالوا أنه متكلم*** وكلامه المسموع بالآذان
وكذاك قالوا أنه سبحانه*** المرئي يوم لقائه بعيان
وكذاك قالوا أنه الفعال حقـ***ـا كل يوم ربنا في شان
وأتيتمونا أنتم بالنفي والتـ***ـعطيل بل بشهادة الكفران
للمثبتين صفاته وعلوه*** ونداءه في عرف كل لسان
شهدوا بإيمان المقر بأنه*** فوق السماء مباين الأكوان
وشهدتم أنتم بتمفير الذي*** قد قال ذلك يا أولي العدوان


وأتى بأين الله اقرارا ونطـ***ـقا قلتم هذا من البهتان
فسلوا لنا بالأين مثل سؤالنا*** ما الكون عندكم هما شيئان
وكذا أتونا بالبيان فقلتم*** باللغز أين اللغز من تبيان
إذ كان مدلول الكلام ووضعه*** لم يقصدوه بنطقهم بلسان
والقصد منه غير مفهوم به*** ما اللغز عند الناس إلا ذان
يا قوم رسل الله أعرف منكم*** وأتم نصحا في كمال بيان
اترونهم قد ألغزوا التوحيد إذ*** بينتموه يا أولي العرفان
أترونهم قد أظهروا التشبيه وهـ***ـو لديكم كعبادة الأوثان
ولأي شيء صرحوا بخلافه*** تصريح تفصيل بلا كتمان
ولأي شيء بالغوا في الوصف با***لإثبات دون النفي كل زمان


ولأي شيء أنتم بالغتم*** في النفي والتعطيل بالقفزان
فجعلتم نفي الصفات مفصلا*** تفصيل نفي العيب والنقصان
وجعلتم الاثبات أمرا مجملا*** عكس الذي قالوه بالبرهان
أتراهمعجزوا عن التبيان واسـ***توليتم أنتم على التبيان
أترون أفراخ اليهود وأمـ***ـة التعطيل والعبّاد للنيران
ووقاح أرباب الكلام الباطل المـ***ـذموم عند أئمة الايمان
من كل جهمي ومعتزل ومن*** والاهما من حزب جنكسخان
بالله أعلم من جميع الرسل والتـ***ـوراة والانجيل والقرآن
فسلوهم بسؤال كتبهم التي*** جاءوا بها عن علم هذا الشأن
وسلوهم هل ربكم في أرضه*** أو في السماء وفوق كل مكان
أم ليس من ذا كله شيء فلا*** هو داخل أو خارج الأكوان
فالعلم والتبيان والنصح الذي*** فيهم يبين الحق كل بيان
لكنما الألغاز والتلبيس والـ***ـكتمان فعل معلم شيطان


فصل
في شكوى أهل السنة والقرآن اهل التعطيل والآراء المخالفين للرحمن

يا رب هم يشكوننا أبدا** ببغيهم وظلمهم الى السلطان
ويلبسون عليه حتى أنه*** ليظنهم هم ناصرو الايمان
فيرونه البدع المضلة في قوا***لب سنة نبوية وقرآن
ويرونه الاثبات للأوصاف في*** أمر شنيع ظاهر النكران
فيلبسون عليه تلبيسين لو*** كشفنا له باداهم بطعان
يا فرقة التلبيس لا حييتم*** ابدا وحييتم بكل هوان
لكننا نشكوهم وصنيعتهم*** أبدا اليك فأنت ذو السلطان
فاسمع شكايتنا وأشك محقتنا*** والمبطل اردده عن البطلان
راجع به سبل الهدى والطف به*** حتى تريه الحق ذا تبيان
وارحمه وارحم سعيه المسكين قد*** ضل الطريق وتاه في القيعان


يا رب قد عم المصاب بهذه الآ***راء والشطحات والبهتان
هجروا لها الوحيين والفطرات والآثار لم يعبوا بذا الهجران
قالوا وتلك ظواهر لفظية*** لم تغن شيئا طالب البرهان
فالعقل أولى أن يصار اليه من*** هذه الظواهر عند ذي العرفان
ثم ادعى كل بأن العقل ما*** قد قلته دون الفريق الثاني
يا رب قد خار العباد بعقل من*** يزنون وحيك فائت بالميزان
وبعقل من يفقضي عليك فكلهم*** قد جاء بالمعقول والبرهان
يا رب ارشدنا الى معقول من*** يقع التحاكم أننا خصمان
جاءوا بشبهات وقالوا أنها*** معقولة ببدائه الأذهان
وكل يناقض بعضه بعضا وما*** في الحق معقولان مختلفان
قضوا بها كذبا علي وجرأة*** منهم وما التفتوا الى القرآن


يا رب قد أوهى النفاة حبائل القرآن والآثار والايمان
يا رب قد قلب النفاة الدين والا***يمان ظهر منه فوق بطان
يارب قد بغت النفاة وأجلبوا*** بالخيل والرجل الحقير الشان
نصبوا الحبائل والغوائل للألى*** أخذوا بوحيك دون قول فلان
ودعوا عبادك أن يطيعوهم فمن*** يعصيهم ساموه شر هوان
وقضوا على من لم يقل بضلالهم*** باللعن والتضليل والكفران
وقضوا على أتباع وحيك بالذي*** هم أهله لا عسكر الفرقان
وقضوا بعزلهم وقتلهم وحبـ***ـسهم ونفيهم عن الأوطان
وتلاعبوا بالدين مثل تلاعب الـ***ـحمر التي نفرت بلا أرسان
حتى كأنهم تواصوا بينهم*** يوصي بذلك أول للثاني


هجروا كلامك مبتدع لمن*** قد دان بالآثار والقرآن
فكأنه فيما لديهم مصحف*** في بيت زنديق أخي كفران
أو مسجد بجوار قوم همهم*** في الفسق لا في طاعة الرحمن
وخواصهم لم يقرءوه تدبرا*** بل للتبرك لا لفهم معان
وعوامهم في الشع أو في ختمة*** أو تربة عوضا لذي الأثمان
هذا وهم حرفية التجويد أو*** صوتية الأنغام والألحان
يا رب قد قالوا بأن مصاحف الا***سلام ما فيها من القرآن
الا المداد وهذه الأوراق والجلد الذي قد سل من حيوان
والكل مخلوق ولست بقائل*** أصلا ولا حرفا من القرآن
ان ذاك الا قول مخلوق وهل*** هو جبريل أو الرسول فذان
قولان مشهوران قد قالتهما*** أشياخهم يا محنة القرآن
لو داسه رجل لقالوا لم يطأ*** الا المداد وكاغد الانسان


يا رب زالت حرمة القرآن من*** تلك القلوب وحرمة الايمان
وجرى على الأفواه منهم قولهم*** ما بيننا لله من قرآن
منا بيننا الا الحكاية عنـ***ـه والتعبير ذاك عبارة بلسان
هذا وما التالون عمالا به*** إذ هم قد استغنوا بقول فلان
ان كان قد جاز الحناجر منهم*** فبقدر ما عقلوا من القرآن
والباحثون فقدموا رأي الرجا***ل عليه تصريحا بلا كتمان
عزلوه إذ ولوا سواه وكان ذا***ك العزل قائدهم لى الخذلان
قالوا ولم يحصل لنا منه يقيـ***ـن فهو معزول عن الايقان
إن اليقين قواطع عقلية*** ميزانها هو منطق اليونان
هذا دليل الرفع منه وهذه*** أعلامه في آخر الأزمان
يا رب من أهلوه حقا كي يرى*** إقدامهم منا على الأذقان
أهلوه نت لا يرتضي منه بديـ***ـلا فهو كافيهم بلا نقصان
وهو الدليل لهم وهاديهم الى الـ***إيمان والايقان والعرفان
هو موصل لهم الى درك اليقيـ***ـن حقيقة وقواطع البرهان
يا رب نحن العاجزون بحبهم*** يا قلة الأنصار والأعوان


فصل
في أذان أهل السنة الاعلام بصريحها جهرا
على رءوس منابر الاسلام

يا قوم قد حانت صلاة الفجر فانتبهوا فإني معلن بأذان
لا بالملحن والمبدل ذاك بل***تأذين حق واضح التبيان
وهو الذي حقا اجابته على*** كل مارئ فرض على الأعيان
الله أكبر أن يكون كلامه الـ***ـعربي مخلوقا من الأكوان
والله أكبر أن يكون رسوله الـ***ملكي أنشأه عن الرحمن
والله أكبر أن يكون رسوله البـ***ـشري أنشأه لنا بلسان
هذي مقالات لكم يا أمة التـ***ـشبيه ما أنتم على إيمان
شبهتم الرحمن بالأوثان في*** عدم الكلام وذاك للأوثان
مما يدل بأنها ليست بآ***لهة وذا البرهان في الفرقان
في سورة الأعراف مع طه وثا***لثها فلا تعدل عن القرآن
أفصح أن الجاحدين لكونه*** متكلما بحقيقة وبيان
هم أهل تعطيل وتشبيه معا*** بالجامدات عظيمة النقصان


لا تقذفوا بالداء منكم يا شيعة الر***حمن أهل العلم والعرفان
إن الذي نزل الأمين به على*** قلب الرسول الواضح البرهان
هو قول ربي اللفظ والمعنى جميـ***ـعا إذ هما أخوان مصطحبان
لا تقطعوا رحما تولى وصلها*** الرحمن وتنسلخوا من الايمان
ولقد شفانا قول شاعرنا الذي*** قال الصواب وجاء بالاحسان
إن الذي هو في المصاحف مثبت*** بأنامل الأشياخ والشبان
هو قول ربي آية وحروفه *** ومدادنا والرق مخلوقان


والله أكبر من على العرش استوى*** لكنه استولى على الأكوان
والله أكبر ذو المعارج من اليـ***ـه تعرج الأملاك كل أوان
والله أكبر من يخاف جلاله*** املاكه من فوقهم ببيان
والله أكبر من غدا لسريره*** أط به كالرحل للركبان
والله أكبر من أتانا قوله*** من عنده من فوق ست ثمان
نزل الأمين به بأمر الله من*** رب على العرش استوى الرحمن
والله أكبر قاهر فوق العبا***د فلا تضع فوقية الرحمن
من كل وجه تلك ثابتة له*** لا تهضموها يا أولي البهتان
قهرا وقدرا واستواء الذات فو***ق العرش بالبرهان
فبذاته خلق السموات العلى***ثم استوى بالذات فافهم ذان
فضمير فعل الاستواء يعود للـ***ـذات التي ذكرت بلا فرقان
هو ربنا خالق هو مستو*** بالذات هذي كلها بوزان


والله أكبر ذو العلو المطلق الـ***ـمعلوم بالفطرات والايمان
فعلوه من كل وجه ثابت*** فالله أكبر جل ذو السلطان
والله أكبر من رقا فوق الطبا***ق رسوله فدنا من الديان
واليه قد صعد الرسول حقيقة*** لا تنكروا المعراج بالبهتان
ودنا من الجبار جل جلاله*** ودنا اليه الرب ذو الاحسان
والله قد أحصى الذي قد قلتم*** في ذلك المعراج بالميزان
قلتم خيالا أو أكاذيبا او الـ***معراج لم يحصل الى الرحمن
إذا كان ما فوق السموات العلى *** رب اليه منتهى الانسان


والله أكبرمن أشار رسوله*** حقا اليه بإصبع وبنان
في مجمع الحج العظيم بموقف*** دون المعرف موقف الغفران
من قال منكم من أشار بأصبع*** قطعت فعند الله يجتمعان
والله أكبر ظاهر ما فوقه*** شيء وشأن الله أعظم شان
والله أكبر عرشه وسع السما*** والأرض والكرسي ذا الأركان
وكذلك الكرسي قد وسع الطبا***ق السبع والأرضين بالبرهان
فوق العرش والكرسي لا*** يخفى عليه خواطر الانسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو***لوا ربنا حقا بكل مكان
نزهتموه بجهلكم عن عرشه*** وحصرتمونه في مكان ثان
لا تقدموه بقول داخل*** فينا ولا هو خارج الأكوان
الله أكبر هتكت أستاركم*** وبدت لمن كانت له عينان


والله أكبر جل عن شبه وعن*** مثل وعن تعطيل ذي كفران
والله أكبر من له الأسماء والـ*** أوصاف كاملة بلا نقصان
والله أكبر جل عن ولد وصا***حبة وعن كفء وعن آخذان
والله أكبر جل عن شبه الجما***د كقول ذي التعطيل والكفران
هم شبهوه بالجماد وليتهم*** قد شبهوه بكامل ذي شأن
الله أكبر جل عن شبه العبا***د فذان تشبيهان ممتنعان
والله أكبر واحد صمد فكـ***ـل الشأن في صمدية الرحمن
نفت الولادة والأبوة عنه والـ***كفء الذي هو لازم الانسان
وكذاك أثبتت الصفات جميعها*** لله سالمة من النقصان
واليه يصمد كل مخلوق فلا*** صمد سواه عز ذو السلطان
لا شيء يشبهه تعالى كيف يشبـ***ـهه خلقه ما ذاك في إمكان
لكن ثبوت صفاته وكلامه*** وعلوه حقا بلا نكران
لا تجعلوا الاثبات تشبيها له*** يا فرقة التشبيه والطغيان
كم ترتقون بسلم التنزيه للتـ***ـعطيل ترويجا على العميان
فالله أكبر أن يكون صفاته*** كصفاتنا جل العظيم الشان
هذا هو التشبيه لا إثبات أو***صاف الكمال فما هما سيان


فصل
في تلازم التعطيل والشرك

واعلم بأن الشرك والتعطيل مذ*** كانا هما لا شك مصطحبان
أبدا فكل معطل هو مشرك*** حتما وهذا واضح التبيان
فالعبد مضطر الى من يكشف البـ***ـلوى ويغني فاقة الانسان
واليه يصمد في الحوائج كلها*** واليه يفزع طالب لأمان
فإذا انتفت أوصافه وفعاله*** وعلوه من فوق كل مكان
فزع العباد الى سواه وكان ذا*** من جانب التعطيل والنكران
فمعطل الأوصاف ذاك معطل التـ***وحيد حقا ذان تعطيلان
قد عطلا بلسان كل الرسل من*** نوح الى المبعوث بالقرآن
والناس في هذا ثلاث طوائف*** ما رابع بذي امكان
احدى الطوائف مشرك بإلهه*** فإذا دعاه إلها ثان
هذا وثاني هذه الأقسام ذا*** لك جاحد يدعو سوى الرحمن
هو جاحد للرب يدعو غيره*** شركا وتعطيلا له قدمان


هذا وثالث هذه الأقسام خير الـ***ـخلق ذاك وخلاصة الانسان
يدعو الاله الحق لا يدعو سوا*** قط في الأشياء والأكوان
يدعوه في الرغبات والرهبان والـ***ـحالات من سر ومن اعلان
توحيده نوعان علمي وقصـ***ـدي كما قد جرد النوعان
في سورة الاخلاص مع تال لنثـ***ـر الله قل يا أيها ببيان
ولذاك قد شرعا بسنة فجرنا*** وكذاك سنة مغرب طربفان
ليكون مفتتح النهار وختمه*** تجريدك التوحيد للديان
وكذاك قد شرعا بخاتم وترنا***ختما لسعي الليل بالآذان
وكذاك قد شرعا بركعتي الطوا***ف وذاك تحقيق لهذا الشان
فهما إذا أخوان مصطحبان لا*** يتفارقان وليس ينفصلان
فمعطل الأوصاف ذو شرك كذا*** ذو الشرك فهو معطل الرحمن
أو بضع أوصاف الكمال له فحقـ***ـق ذا ولا تسرع الى نكران


فصل
في بيان أن المعطل شر من المشرك

لكن أخو التعطيل شر من أخي الـ***إشراك بالمعقول والبرهان
إن المعطل جاحد للذات أو*** لكمالها هذان تعطيلان
متضمنان القدح في نفس الألو***هة كم بذاك القدح من نقصان
والشرك فهو توسل مقصوده الز***لفى من الرب العظيم الشان
بعبادة المخلوق من حجر ومن*** بشر ومن قبر ومن أوثان
فالشرك تعظيم بجهل من قيا***س الرب بالأمران والسلطان
ظنوا بان الباب لا يغشى بدو***ن توسط الشفعاء والأعوان
ودهاهم ذاك القياس المستبين*** فساده ببداهة الانسان


الفرق بين الله والسلطان من***كل الوجوه لمن له أذنان
إن الملوك لعاجزون وما لهم*** علم بأحوال الدعا بأذان
كلا ولا هم قادرون على الذي*** يحتاجه الانسان كل زمان
كلا وما تلك الارادة فيهم*** لقضا حوائج كل ما انسان
كلا ولا وسعوا الخليقة رحمة*** من كل وجه هم أولو النقصان
فلذلك احتاجوا الى تلك الوسا***ئط حاجة منهم مدى الأزمان
أما الذي هو عالم للغيب مقـ***ـتدر على ما شاء ذو إحسان
وتخافه الشفعاء ليس يريد منـ***ـهم حاجة جل العظيم الشأن
بل كل حاجات لهم فاليه لا*** لسواه من ملك ولا انسان


وله الشفاعة كلها وهو الذي***في ذاك يأذن للشفيع الداني
لمن ارتضى ممن يوحده***ولم***يشرك به شيئا لما قد جاء في القرآن
سبقت شفاعته اليه فهو مشـ***ـفوع اليه وشافع ذو شان
فلذا أقام الشافعين كرامة*** لهم ورحمة صاحب العصيان
فالكل منه بدا ومرجعه اليـ***ـه وحده ما من اله ثان
غلط الألى جعلوا الشفاعة من سوا***ه اليه دون الاذن من رحمن
هذي شفاعة كل ذي شرك فلا*** تعقد عليها يا أخا الايمان
والله في القرآن أبطلها فلا*** تعدل عن الآثار والقرآن


وكذا الولاية كلها لله لا*** لسواهمن ملك ولا إنسان
والله لم يفهم أولو الاشراك ذا***ورآه تنقيصا أولو النقصان
إذ قد تضمن عزل من يدّعي سـ***ـوى الرحمن بل أحدية الرحمن
بل كل مدعو سواه من لدن*** عرش الاله الى الحضيض الداني
هو باطل في مفسه ودعاه عا***بدع له من أبطل البطلان
فله الولاية والولاية ما لنا*** من دونه وال من الأكوان
فإذا تولاه امرؤ دون الورى***طرا تولاه العظيم الشان
وإذا تولى غيره من دونه*** ولاه ما يرضى به لهوان
في هذه الدنيا وبعد مماته*** وكذاك عند قيامة الأبدان
حقا يناديهم ندا سبحانه*** يوم المعاد فيسمع الثقلان


يا من يريد ولاية الرحمن دو***ن ولاية الشيطان والأوثان
فارق جميع الناس في إشراكهم*** حتى تنال ولاية الرحمن
يكفيك من وسع الخلائق رحمة*** وكفاية ذو الفضل والاحسان
يكفيك رب لم تزل ألطافه*** تأتي اليك برحمة وحنان
يكفيك رب لم تزل في ستره*** ويراك حين تجيء بالعصيان
يكفيك رب لم تزل في حفظه*** ووقاية منه مدى الأزمان
يكفيك رب لم تزل في فضله*** متقلبا في السر والاعلان


يدعوه أهل الأرض مع أهل السما***ء فكل يوم ربنا في شان
وهو الكفيل بكل ما يدعونه*** لا يعتري جدواه من نقصان
فتوسط الشفعاء والشركاء والظـ***ـهراء أمر بيّن البطلان
ما فيه الا محض تشبيه لهم*** بالله وهو فأقبح البهتان
ما قصدهم تعظيمه سبحانه*** ما عطلوا الأوصاف للرحمن
لكن أخو التعطيل ليس لديه*** الا النفي أين النفي من إيمان
والقلب ليس يقرّ الا بالتعبـ***ـد فهو يدعوه الى الأكوان
فترى المعطل دائما في حيرة*** متنقلا في هذه الأعيان
يدعو الها ثم يدعو غيره*** ذا شأنه أبدا مدى الأزمان
ونرى الموحد دائما متنقلا*** بمنازل الطاعات والاحسان
ما زال ينزل في الوفاء منازلا*** وهس الطريق له الى الرحمن
لكنما معبوده هو واحد*** ما عنده ربان معبودان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:47 AM
فصل
في مثل لمشرك والمعطل

أين الذي قد قال في ملك عظيـ***ـم لست فينا قط ذا سلطان
ما في صفاتك من صفات الملك شيء كلها مساوية الوجدان
فهل استويت على سرير الملك أو*** دبرت أمر الملك والسلطان
أو قلت مرسوما تنفذه الرعا***يا أو نطقت بلفظة ببيان
أو كنت ذا أمر وذا نهي وتكـ***ـليم لمن وافى من البلدان
أو كنت ذا سمع وذا بصر وذا*** علم وذا سخط وذا رضوان
أو كنت قط مكلما متكلما***متصرفا بالفعل كل زمان
أو كنت تفعل ما تشاء حقيقة الـ***ـفعل الذي قد قام بالأذهان
أو كنت حيا فاعلا بمشيئة*** وبقدرة أفعال ذي السلطان
فعل يقوم بغير فاعله محا***ل غير معقول لذي الانسان
بل حالة الفعال قبل ومع وبعـ***ـد هي كالتي كانت بلا فرقان
والله لست بفاعل شيئا إذا*** ما كان شأنك منك هذا الشان
لا داخلا فينا ولا بخارج*** عنا خيالا درت في الأذهان
فبأي شيء كنت فينا مالكا*** ملكا مطاعا قاهر السطان
اسما ورسما لا حقيقة تحته*** شأن الملوك أجل من ذا الشأن


هذا وثان وقال أنت مليكنا*** وسواك لا نرضاه من سلطان
إذ حزت أوصاف الكمال جميعها*** ولأجل ذا دانت لك الثقلان
وقد استويت على سري الملك واسـ***ـتوليت مع هذا على البلدان
لكن بابك ليس يغشاه امرؤ*** إن لم يجيء بالشافع المعوان
ويذلّ للبواب والحجاب والشـ***ـفعاء أهل القريب والاحسان
أفيستوي هذا وهذا عندكم*** والله ما استويا لدى انسان
والمشركون أخف في كفرانهم*** وكلاهما من شيعة الشيطان
إن المعطل بالعداوة قائم*** في قالب التنزيه للرحمن


فصل
فيما أعد الله تعالى من الاحسان للمتمسكين بكتابه
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عن فساد الزمان

هذا وللمتمسكين بسنة المختار عند فساد ذي الأ.مان
أجر عظيم ليس يقدر قدره*** الا الذي أعطاه للانسان
فروى أبو داود في سنن له***ورواه أيضا أحمد الشيباني
أثرا تضمن أجر خمسين أمرا*** من صحب أحمد خيرة الرحمن
اسناده حسن ومصداق له*** في مسلم فافهمه بالاحسان
ان العبادة وقت هرج هجرة*** حقا الىّ وذاك ذو برهان
هذا وكم من هجرة لك أيها السـ***ـني بالتحقيق لا بأماني
هذا وكم من هجرة لهم بما*** قال الرسول وجاء في القرآن
ولقد أتى مثداقه في الترمذي لمن له أذنتان واعيتان
في اجر محيي سنة ماتت فذا***ك مع الرسول رفيقه بجنان


هذا ومصداق له أيضا أتى*** في الترمذي لمن له عينان
تشبيه أمته بغيث أول*** منه وآخره فمشتبهان
فلذالك لا يدري الذي هو منهما*** قد خص بالتفضيل والرجحان
ولقد أتى أثر بأن الفضل في الطرفين أعني أولا والثاني
والوسط ذو ثبج فاعوج هكذا*** جاء الحديث وليس ذا نكران
ولقد أتى في الوحي مصداق له*** في الثلتين وذاك في القرآن
أهل اليمن فثلة مع مثلها*** والسابقون أقل في الحسبان
ما ذاك الا أن تابعهم هم الغرباء ليست غربة الأوطان
لكنها والله غربة قائم*** بالدين بين عساكر الشيطان
فلذاك شبههم به متبوعهم*** في الغربتين وذاك ذو تبيان
لم بشبهوهم في جميع أمورهم*** من كل وجه ليس يستويان
فانظر الى تفسيره الغرباء بالمحيين سنته بكل زمان


طوبى لهم والشوق يحدوهم الى*** أخذ الحديث ومحكم القرآن
طوبى لهم لم يعبأوا بنحاتة الأ*** فكار أو بزبالة الأذهان
طوبى لهم ركبوا على متن العزا***ئم قاصدين لمطلع الايمان
طوبى لهم لم يعبأوا شيئا بذي الآ***راء إذ أغناهم الوحيان
طوبى لهم وامامهم دون الورى*** من جاء بالايمان والفرقان
والله ما ائتموا بشخص دونه*** إلا إذا ما دلهم ببيان


في الباب آثار عظيم شأنها*** أعيت على العلماء في الأزمان
إذ أجمع العلماء أن صحابة الـ***ـمختار خير طوائف الانسان
ذا بالضرورة ليس فيه الخلف بيـ***ـن اثنين ما حكيت به قولان
فلذاك ذي الآثار أعضل أمرها*** وبغوا لها التفسير بالاحسان
واسمع اذاً تأويلها وافهمه لا*** تعجل برد منك أو نكران
ان البدار برد شيء لم تحط*** علما به سبب الى الحرمان
الفضل منه مطلق ومقيد*** وهما لأهل الفضل مرتبتان
والفضل ذو التقييد ليس بموجب*** فضلا على الاطلاق من انسان
لا يوجب التقييد أن يقضي له*** بالاستواء فكيف بالرجحان
إذ كان ذو الاطلاق حاز على الفضا***ئل فوق ذي التقييد بالاحسان
فاذ فرضنا واحدا قد حاز نو***عا لم يجزه فاضل الانسان
لم يوجب التخصيص من فضل عليـ***ـه ولا مساواة ولا نقصان
ما خلق آدم باليدين بموجب*** فضلا على المبعوث بالقرآن
وكذا خصائص من أتى من بعده*** من كل رسل الله بالبرهان
فمجمد أعلاهم فوقا وما*** حكمت لهم بهزيمة الرجحان
فالحاشز الخمسين أجرا لم يجز***ها في جميع شرائع الايمان
هل حازها في بدر أو أحد أو الـ***ـفتح المبين وبيعة الرضوان
بل حازها إذ كان قد فقد المعـ***ـين وهم فقد كانوا أولي أعوان


والرب ليس يضيع ما يتحمل*** المتحملون لأجله من شان
فتحمل العبد الوحيد رضاه مع*** فيض العدو وقلة الأعوان
مما يدل على يقين صادق*** ومحبة وحقيقة العرفان
يكفيه ذلا واغترابا قلة الأ***نصار بين عساكر الشيطان
في كل يوم فرقة تغزوه ان***ترجع يوافيه الفريق الثاني
فسل الغريم المستضام عن الذي*** يلقاه بين عدا بلا حسبان
هذا وقد بعد المدى وتطاول الـ***ـعهد الذي هو موجب الاحسان
ولذاك كان كقابض جمرا فسل*** أحشاءه عن حرّ ذي النيران
والله أعلم بالذي في قلبه*** يكفيه علن الواحد المنان
في القلب أمر لييس يقدر قدره*** الا الذي آتاه للانسان
بر وتوحيد وصبر مع رضا*** والشكر والتحكيم للقرآن
سبحانه قاسم فضله بين العبا***د فذاك مولى الفضل والاحسان
فالفضل عند الله ليس بصورة الأ***عمال بل بحقائق الايمان
وتفاضل الأعمال يتبع ما يقو***م بقلب صاحبها من البرهان
حتى يكون العاملان كلاهما*** في رتبة تبدو لنا بعيان
هذا وبينهما كما بين السما*** والأرض في فضل وفي رجحان
ويكون بين ثواب ذا وثواب ذا*** رتب مصاعفة بلا حسبان
هذا عطاء الرب جل جلاله*** وبذاك تعرف حكمة الرحمن


فصل
فيما أعد الله تعالى في الجنة لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة

يا خاطب الحور الحسان وطالبا*** لوصالهن بجنة الحيوان
لو كنت تدري من خطبت ومن طلبـ***ـت بذلت ما تحوي من الأثمان
أو كنت تدري أين مسكنها جعلـ***ـت السعي منك لها على الأجفان
ولقد وصفت طريق مسكنها فان*** رمت الوصال فلا تكن بالواني
أسرع وحدث السير جهدك انما*** مسراك هذا ساعة لزمان
فاعشق وحدّث بالوصال النفس وابـ***ـذل مهرها ما دمت ذا امكان
واجعل صيامك قبل لقياها ويو***م الوصل يوم الفطر من رمضان
واجعل نعوت جمالها الحادي وسر*** تلقي المخاوف وهي ذات أمان


لا يلهينك منزل لعبت به*** أيدي البلا من سالف الأزمان
فاقد ترحل عنه كل مسرة*** وتبدلت بالهم والأحزان
سجن يضيق بصاحب الايمان لـ***ـكن جنّة الماوى لذي الكفران
سكانها أهل الجهالة والبطا***لة والسفاهة أنجس السكان
وألذهم عيشا فأجلهم بحق الله ثم حقائق القرآن
عمرت بهم هذي الديار وأقفرت*** منخم ربوع العلم والايمان
قد آثروا الدنيا ولذة عيشها الـ***ـفاني على الجنات والرضوان
صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم*** ورضوا بكل مذلة وهوان
كدحا وكدا لا يفتر عنهم*** ما فيه من غم ومن أحزان


والله لو شاهدت هاتيك الصدو***ر رأيتها كمراجل النيران
ووقودها الشهوات والحسرات والآ***لام لا تخبو مدى الأزمان
أبدانهم أجداث هاتيك النفو***س اللائي قد قبرت مع الأبدان
أرواحهم في وحشة وجسومهم*** في كدحها لا في رضا الرحمن
هربوا من الرق الذي خلقوا له*** فبلو ربق النفس والشيطان
لا ترض ما اختاروه هم لنوفسهم*** فقد ارتضوا بالذل والحرمان
لو سارت الدنيا جناح بعوضة*** لم يسق منها الرب ذو الكفران
لكنها والله أحقر عنده*** من ذا الجناح القاصر الطيران
ولقد تولت بعد عن أصحابها*** فالسعد منها حل بالدبران
لا يرتجي منها الوفاء لصبها*** أين الوفا من غادر خوان
طبعت على كدر فكيف ينالها***صفو أهذا قط في الامكان
ياعاشق الدنيا تأهب للذي*** قد ناله العشاق كل زمان
أو ماسمعت بل رأيت مصارع الـ*** ـعشاق من شيب ومن شبان


فصل
في صفة الجنة لتي أعدها الله ذو الفضل والمنة
لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة


فاسم اذا أوصافها وصفات ها***تيك المنازل ربة الاحسان
هي جنة طابت وطاب نعيمها***فنعيمها باق وليس بفان
دار السلام وجنة المأوى ومنـ***ـزل عسكر الايمان والقرآن
فالدار دار سلامة وخطابهم*** فيها سلام واسم ذي الغفران


فصل
في عدد درجات الجنة وما بين كل درجتين

درجاتها مائة وما بين اثنتيـ***ـن فذاك في التحقيق للحسبان
مثل الذي بين السماء وبين هذي***الأرض قول الصاق والبرهان
لكن عاليها هو الفردوس مسـ***ـقوف بعرش الخالق الرحمن
وسط الجنان وعلوها فلذاك كا***نت قبة من أحسن البنيان
منه تفجر سائر الأنهار فالـ***ـينبوع منه نازل بجنان


فصل
في أبواب الجنة

أبوابها حق ثمانية أتت*** في النص وهي لصاحب الاحسان
باب الجهاد وذاك أعلاها وبا***ب الصوم يدعي الباب بالريان
ولكل سعي صالح باب ورب*** السعي منه داخل بأمان
ولسوف يدعى المرء من أبوابها*** جميعا إذا وفى حلى الايمان
منهم أبو بكر الصديق ذا*** ك خليفة المبعوث بالقرآن





فصل
في مقدار ما بين الباب والباب منه

سبعون عاما بين كل اثنين منـ***ـها قدّرت بالعد والحسبان
هذا حديث لقيط المعروف بالـ***ـخبر الطويل وذا عظيم الشان
وعليه كل جلالة ومهابة*** ولكم حواه بعد من عرفان


فصل
في مقدار ما بين مصراعي الباب

لكن بينهما مسيرة أربعيـ***ـن رواه حبر الامة الشيباني
في مسند بالرفع وهو لمسلم*** وقف كمرفوع بوجه ثان
ولقد روى تقديره بثلاثة الـ***أيام لكن عند ذي العرفان
أعني البخاري الرضي وهو منكر***وحديث رواية ذو نكران


فصل
في مفتاح باب الجنة

هذا وفتح الباب ليس بممكن*** الا بنفتاح على أسنان
مفتاحه بشهادة الاخلاص والتو***حيد تلك شهادة الايمان
أسنانه الأعمال وهي شرائع الـ***إسلام والمفتاح بالأسنان
لا تلغين هذا المثال فكم به*** من حل أشكال لذي العرفان


فصل
في منشور الجنة الذي يوقع به لصاحبها

هذا ومن يدخل فليس بداخل*** الا بتوقيع من الرحمن
وكذاك يكتب للفتى لدخوله*** من قبل توقيعانمشهوران
إحداهما بعد الممات وعرض أر***اح العباد به على الديان
فيقول رب العرش جا جلاله*** للكاتبين وهم أولو الديوان
ذا الاسم في الديوان يكتب ذاك ديـ***ـوان الجنان مجاور المنان
ديوان عليين أصحاب القرآ***ن وسنة المبعوث بالقرآن
فإذا انتهى للجسر يوم الحشر يعـ***ـطى للدخول اذا كتاب ثان
عنوانه هذا الكتاب من عزيـ***ـز راحم لفلان ابن فلان
فدعوه يدخل جنة المأوى التي ار***تفعت ولكن لقطوف دوان
هذا وقد كتب اسمه مذ كان في الـ***أرحام قبل ولادة الانسان
بل قبل ذلك هو وقت القبضتيـ***ـن كلاهما للعدل والاحسان
سبحان ذي الجبروت والملكوت والـ*** إجلال والاكرام والسبحان
والله أكبر عالم الأسرار والـ***إعلان واللحظات بالأجفان
والحمد لله السميع لسائر الـ***أصوات من سر ومن إعلان
وهو الموحد والمسبح والممجـ***ـد والحميد ومنزل القرآن
والأمر من قبل ومن بعد له*** سبحانك اللهم ذا السلطان


فصل
في صفوف أهل الجنة

هذا وان صفوفهم عشرون مع*** مائة وهذي الأمة الثلثان
يرويه عنه بريدة إسناده*** سرط الصحيح بمسند الشيباني
وله شواهد من حديث أبي هريـ***ـرة وابن مسعود وحبر زمان
أعني ابن عباس وفي إسناده*** رجل ضعيف غير ذي اتقان
ولقد أتانا في الصحيح بأنهم ***شطر وما اللفظان مختلفان
إذ قال أرجو تكونوا شطرهم*** هذا رجاء منه للرحمن
أعطاه رب العرش ما يرجو وزا***د من العطاء فعال ذي الاحسان


فصل
في صفة أول زمرة تدخل الجنة

هذا وأول زمرة فوجوههم*** كالبدر ليل الست بعد ثمان
السابقون هم وقد كانوا هنا*** أيضا أولي سبق الى الاحسان


فصل
في صفة الزمرة الثانية

والزمرة الأخرلا كأضواء كوكب*** في الأفق تنظره به العينان
أمشاطهم ذهب ورشحهم فمسـ***ـك خالص يا ذلة الحرمان


فصل
في تفاضل أهل الجنة في الدرجات العلى

ويرى الذين بذيلها من فوقهم*** مثل الكواكب رؤية بعيان
ما ذاك مختصا برسل الله بل*** لهم وللصديق ذي الايمان


فصل
في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم

هذا وأعلاهم فناظر ربه*** في كل يوم وقته الطرفان
لكن أدناهم وما فيهم دني*** إذ ليس في الجنات من نقصان
فهو الذي تلقى مسافة ملكه*** بسنيننا ألفان كاملتان
فيرى بها أقصاه حقا مثل رؤ***يته لأدناه القريب الداني
أو ماسمعت بأن آخر أهلها*** يعطيه رب لعرش ذو الغفران
أضعاف دنيانا جميعا عشر أمـ***ـثال لها سبحان ذي الاحسان


فصل
في ذكر سن اهل الجنة

هذا وسنهم ثلاث مع ثلا***ثين التي هي قوة الشبان
وصغيرهم وكبيرهم في ذا على*** حد سواء ما سوى الولدان
ولقد روى الخدري أيضا أنهم*** أبناء عشر بعدها عشران
وكلاهما في الترمذي وليس ذا*** بتناقض بل ها هنا أمران
حذف الثلاث ونيف بعد العقو***د وذكر ذلك عندهم سيان
عند اتساع في الكلام فعندما*** يأتوا بتحرير فبالميزان


فصل
في طول قامات أهل الجنة وعرضهم

والطول طول أبيهم ستون لـ***ـكن عرضهم سبع بلا نقصان
الطول صح بغير شك في الصحيـ***ـحين اللذين هما لنا شمسان
والعرض لم نعرفه في احداهما*** لكن رواه أحمد الشيباني
هذا ولا يخفى التناسب بين هـ***ـذا العرض والطول البديع الشان
كل على مقدرا صاحبه وذا*** تقدير متقن صنعة الانسان

فصل
في لحاهم وألوانهم

ألوانهم بيض وليس لهم لحى*** جعد الشعور مكحّلوا الأجفان
هذا كمال الحسن في أبشارهم*** وشعورهم وكذلك العينان

فصل
في لسان أهل الجنة

ولقد أتى أثر بأن لسانهم*** بالمنطق العربي خير لسان
لكنّ في اسناده نظرا ففيـ***ـه راويان وما هما ثبتان
أعني العلاء هو ابن عمرو ثم يحـ***ـيى الأشعري وذان مغموزان


فصل
في ريح أهل الجنة من مسيرة كم يوجد

والريح يوجد من مسيرة أربعيـ***ـن وإن تشأ مائة فمرويان
وكذا روى سبعين أيضا صح هـ***ـذا كله وأتى به اثران
ما في رجالهما لنا من مطعن*** والجمع بين الكل ذو إمكان
وقد أتى تقديره مائة بخمـ***ـس ضربها من غير ما نقصان
إن صح هذا فهو أيضا والذي*** من قلبه في غاية الامكان
أما بحسب المدركين لريحها*** قربا وبعدا ما هما سيّان
أو باختلاف قرارها وعلوّها*** أيضا وذلك اضح التبيان
أو باختلاف السير أيضا فهو أنـ***ـواع بقدر إطاقة الانسان
ما بين ألفاظ الرسول تناقض*** بل ذلك في الأفهام والأذهان


فصل
في أسبق الناس دخولا الى الجنة

ونظير هذا سبق أهل الفقر للـ***ـجنات في تقديره أثران
مائة بخمس ضربها أو أربعيـ***ـن كلاهما في ذاك محفوظان
فأبو هريرة قد روى أولاهما*** وروى لنا الثاني صحابيان
هذا بحسب تفاوت الفقراء في أسـ***ـتحقاق سبقهم الى الاحسان
أو ذا بحسب تفاوت في الأغنيا***ء كلاهما لا شك موجودان
هذا وأولهم دخولا خير خلـ***ـق الله من قد خصّ بالقرآن
والأنبياء على مراتبهم من التـ***ـفضيل تلك مواهب المنان
هذا وأمة أحمد سباق با***قي الخلق عند دخولهم بجنان
وأحقهم بالسبق أسبقهم الى الـ***إسلام والتصديق بالقرآن
وكذا أبو بكر هو الصديق أسـ***ـبقهم دخولا قول عند ذي البرهان


وروى ابن ماجه أن أولهم يصا***فحه اله العرش ذو الاحشان
ويكون أولهم دخولا جنة الـ***ـفردوس ذلك قامع الكفران
فاروق دين الله ناصر قوله*** ورسوله وشرائع الايمان
لكنه أثر ضعيف فيه مجـ***ـروح يسمى خالدا ببيان
لو صلح كان عمومه المخصوص بالصـ***ـديق قطعا غير ذي نكران
هذا وأولهم دخولا فهو حمـ***ـاد على الحلالات للرحمن
إن كان في السراء أصبح حامدا*** أو كان في الضرا فحمد ثان
هذا الذي هو عارف بإلهه*** وصفائه وكماله الرباني
وكذا الشهيد فسبقه متيقن*** وهو الجدير بذلك الاحسان
وكذلك الملوك حين يقوم بالـ***ـحقين سباق بغير توان
وكذا فقير ذو عيال ليس بالـ***ـملحاح بل ذو عفة وصيان


فصل
في عدد الجنات وأجناسها

والجنة اسم الجنس وهي كثيرة*** جدا ولكن أصلها نوعان
ذهبيتان بكل ما حوتاه من*** حلى وآنية ومن بنيان
وكذاك أيضا ففضة ثنتان من*** حلى وبنيان وكل أوان
لكن دار الخلد والمأوى وعد***ن والسلام اضافة لمعان
أوصافها استدعت اضفتها اليـ***ـها مدحة مع غاية التبيان
لكنما الفردوس أعلاها وأو***سطها مساكن صفوة الرحمن
أعلاه منزلة لأعلى الخلق منـ***ـزلة هو المبعوث بالقرآن
وهي الوسيلة وهي أعلى رتبة*** خلصت له فضلا من الرحمن


ولقد أتى في سورة الرحمن تفـ***ـضيل الجنان مفصلا ببيان
هي أربع ثنتان فاضلتان ثم*** يليهما ثنتان مفضولان
فالأوليان الفضليان لأوجه*** عشر ويعسر نظمها بوزان
واذا تأملت السياق وجدتها*** فيه تلوح لمن له عينان


سبحان من غرست يداه جنة الـ***فردوس عند تكامل البنيان
ويداه أيضا أتقنت لبنائها*** فتبارك الرحمن أعظم بان
هي في الجنان كآدم وكلاهما*** تفضيله من أجل هذا الشان
لكنما الجهميّ ليس لديه من*** ذا الفضل شيء فهو ذو نكران
ولد عقوق عق والده ولم*** يثبت بذا فضلا على شيطان
فكلاهما تأثير قدرته وتأ***ثير المشيئة ليس ثم يدان
آلاهما أو نعمتاه وخلقه*** كل بنعمة ربه المنان


لما قضى رب العباد العرش قا***ل تكلمي فتكلمت ببيان
قد أفلح العبد الذي هو مؤمن*** ماذا ادّخرت له من الاحسان
ولقد روى حقا أبو الدرداء ذا***ك عويمر أثرا عظيم الشان
يهتز قلب العبد عند سماعه*** طربا بقدر حلاوة الايمان
ما مثله أبدا يقال برأيه*** أو كان يا أهلا بذا العرفان
فيه النزول ثلاث ساعات فاحـ***ـداهن ينظر في الكتاب الثاني
يمحو ويثبت ما يشاء بحكمة*** وبعزة وبرحمة وحنان
فترى الفتى يمسي على حال ويصـ***ـبح في سواها ما هما مثلان
هو نائم واموره قد دبرت*** ليلا ولا يدري بذاك الشان
والساعة الأخرى الى عدن مسا*** كن أهله هم صفوة الرحمن
الرسل ثم الأنبياء ومعهم الصـ***ـديق حسب فلا تكن بجبان
فيها الذي والله لا عين رأت*** كلا ولا سمعت به الأذنان
كلا ولا قلب به خطر المثا***ل له تعالى الله ذو السلطان
والساعة الأخرى الى هذي السما***ء يقول هل من تائب ندمان
أو داع أو مستغفر أو سائل*** أعطيه اني واسع الاحسان
حتى يصلي الفجر يشهدها مع الـ***أملاك تلك شهادة القرآن
هذا الحديث بطوله وسياقه*** وتمامه في سنة الطبراني


فصل
في بناء الجنة

وبناؤها اللبنات من ذهب*** وأخرى فضة نوعان محتلفان
وقصورها من لؤلؤ وزبرجد*** أو فضة أو خالص العيقان
وكذاك من در وياقوت به*** نظم الناء بغاية الاتقان
والطين مسك خالص أو زعفرا***ن جابذا أثران مقبولان
ليسا بمختلفين لا تنكرهما*** فهما الملاط لذلك البنيان


فصل
في أرضها وحصبائها وتربها


والأرض مرمرة مخالص فضة*** مثل المرات تناله العينان
في مسلم تشبيهها بالدرمك الصـ***ـافي وبالمسك العظيم الشان
هذا لحسن اللون لكن ذا لطيـ**ـب الريح صار هناك تشبيهان
حصباؤها در وياقوت كذا***ك لآلىء نثرت كنثر جمان
وترابها من زعفران أو من المـ***ـسك الذي ما استلّ من غزلان


فصل
في صفة غرفاتها

غرفاتها في الجو ينظر بطنها *** من ظهرها والظهر من بطنان
سكانها أهل القيام مع الصيا***م وطيب الكلمات والاحسان
ثنتان خالص حقه سبحانه***وعبيده أيضا لهم ثنتان


فصل
في خيام اهل الجنة

للعبد فيها خيمة من لؤلؤ*** قد جوفت هي صنعة الرحمن
ستون ميلا طولها في الجو في*** كل الزوايا أجمل النسوان
يغشى الجميع فلا يشاهد بعضهم*** بعضا وهذا لاتساع مكان
فيها مقاصير بها الأبواب من*** ذهب ودر زين بالمرجان
وخيامها منصوبة برياضها*** وشواطئ الأنهار ذي الجريان
ما في الخيام سوى التي لو قابلت*** للنيرين لقلت منكسفان
له هاتيك الخيام فكم بها*** للقلب من علق ومن أشجان
فيهن حور قاصرات الطرف خيـ***ـرات حسان من خير حسان
خيرات أخلاق حسان أوجها*** فالحسن والاحسان متفقان

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:48 AM
فصل
في أرائكها وسررها

فيها الأرائك وهي من سرر عليـ***ـهن الحجال كثيرة الألوان
لا تستحق اسم الأرائك دون ها***تيك الحجال وذاك وضع لسان
بشخنانة يدعونها بلسان فا***رس وهو ظهر البيت ذي الأركان


فصل
في أشجارها وثمارها وظلالها


أشجارها نوعان منها ما له *** في هذه الدنيا مثال ذان
كالسدر أصل النبق مخضود مكا***ن الشوك من ثمر ذوي ألوان
هذا وظل السدر من خير الظلا***ل ونفعه الترويح للأبدان
وثماره أيضا ذوات منافع*** من بعضها تفريح ذي الأحزان
والطلح وهو الموز منضود كما*** نضدت يد باصابع وبنان
أو أنه شجر البوادي موقرا*** حملا مكان الشوك في الأغصان
وكذلك الرمان والأعناب التي منها القطوف دوان


هذا ونوع ما له في هذه الد***نيا نظير كي يرى بعيان
يكفي من التعجاج قول الهنا*** من كل فاكهة بها زوجان
وأتوا به متشابها في اللون مخـ***ـتلف الطعوم فذاك ذو ألوان
أو أنه متشابه في الاسم مخـ***ـتلف الجعوم فذاك قول ثان
أو انه وسط خيار كله*** فالفحل منه ليس ذا ثنيان
أو أنه لثمارنا ذي مشبه*** في اسم ولون ليس يختلفان
لكن لبهجتها ولذة طعمها*** أمر سوى هذا الذي تجدان
فيلذها في الأكل عند منالها*** وتلذها من قبله العينان
قال ابن عباس وما بالجنة الـ***ـعليا سوى أسماء ما تريان
يعني الحقائق لا تماثل هذه*** وكلاهما في الاسم متفقان


يا طيب هاتيك الثمار وغرسها*** في المسك ذاب الترب للبستان
وكذلك الماء الذي يسقى به*** ياطيب ذاك الورد للظوآن
وإذا تناولت المار أتت نظيـ***ـرتها فحلت دونها بمكان
لم تنقطع أبدا ولم ترقب نزو***ل الشمس من حمل الى ميزان
وكذاك لم تمنع ولم تحنج الى*** أن ترتقي للقنو في العيدان
بل ذللت القطوف فكيف ما***شئت انتزعت بأسهل الامكان
ولقد أتى أثر بأن الساق من*** ذهب رواه الترمذي ببيان
قال ابن عباس وهاتيك الجذو***ع زمرد من أحسن الألوان
ومقطعاتهم من الكرم الذي***فيها ومن سعة من العقيان
وثمارها ما فيه من عجم كأمـ***ـثال القلال فجلّ ذو الاحسان
وظلالها معدودة ليست تقي*** حرا ولا شمسا وأنى ذان
أو ما سمعت بظل أصل واحد*** فيه يسير الراكب العجلان
مائة سنين قدرت لا تنقضي*** هذا العظيم الأصل والأفنان
ولقد روى الخدري أيضا أن طو***بى قدريها مائة بلا نقصان
تتفتح الأكمام فيها عن لبا***سهم بما شاءوا من الألوان


فصل
في سماع أهل الجنة

قال ابن عباس ويرسل ربنا*** ريحا تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتا تلذ لمسمع الا***نسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي*** بلذاذة الأوتار والعيدان
أو ما سمعت سماعهم فيها غنا***ء الحور بالأصوات والألحان
واها لذيّاك السماع فإنه*** ملئت به الأذنان بالاحسان
واها لذيّاك السماع وطيبه*** من مثل أقمار على أغصان
واها لذيّاك السماع فكم به*** للقلب من طرب ومن أشجان
واها لذيّاك السماع ولم أقل*** ذيّاك تصغيرا له بلسان
ما ظن سامعه بصوت أطيب الـ*** أصوات من حور الجنان حسان
نحن النواعم والخوالد خيرا***ت كاملات الحسن والاحسان
لسنا نموت ولا نخاف وما لنا*** سخط ولا ضغن من الأضغان
طوبى لمن كنا له وكذاك طو***بى للذي هو حظنا لفظان
في ذاك آثار روين وذكرها*** في الترمذي ومعجم الطبراني
ورواه يحيى شيخ الأوزاعي تفـ***ـسيرا للفظة يحبرون أغان


نزه سماعك إن أردت سماع ذيـ***ـاك الغناء عن هذه الألحان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ***ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمان
إن اختيارك للسماع النازل الـ***أدنى على الأعلى من النقصان
والله أن سماعهم في القلب والـ***إيمان مثل السم في الأبدان
والله ما انفك الذي هو دأبه*** أبدا من الاشراك بالرحمن
فلقلب بيت الرب جل جلاله*** حبا واخلاصا مع الاحسان
فإذا تعلق بالسماع اصاره*** عبدا لكل فلانة وفلان
حب الكتاب وحب ألحان الغنا*** في قلب عبد ليس يجتمعان
ثقل الكتاب عليهملما رأوا*** تقييده بشرائع الايمان
واللهو خف عليهم ولما رأوا*** ما فيه من طرب ومن ألحان
قوت النفوس وانما القرآن قو***ت القلب أنى يستوي القوتان
ولذا تراه حظ ذي النقصان كالـ***ـجهال والصبيان والنسوان
وألذهم فيه أقلهم من العقل*** الصحيح فسل أخا العرفان
يا لذة الفساق لست كلذة الـ***أبرار في عقل ولا قرآن


فصل
في انهار الجنة

أنهارها في غير أخدود جرت*** سبحان ممسكها عن الفيضان
من تحتهم تجري كما شاءوا مفجـ***ـرة وما للنهر من نقصان
عسل مصفى ثم ماء ثم خمـ***ـر ثم أنهار من الألبان
والله ما تلك المواد كهذه*** لكن هما في اللفظ مجتمعان
هذا وبينهما يسير تشابه*** وهو اشتراك قام بالأذهان

فصل
في طعام أهل الجنة

وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم*** ولحوم طير ناعم وسمان
وفواكه شتى بحسب مناهم*** يا شبعة كملت لذي الايمان
لحم وخمر والنسا وفواكه*** والطيب مع روح ومع ريحان
وصحافهم ذهب تطوف عليهم*** بأكف خدام من الولدان
وانظر الى جعل اللذاذة للعيو***ن وشهوة للنفس في القرآن
للعين منها لذة تدعو الى*** شهواتها بالنفس والأمران
سبب التناول وهو يوجب لذة*** أخرى سوى ما نالت العينان


فصل في شرابهم

يسقون فيها من رحيق ختمه*** بالمسك أوله كمثله الثاني
مع خمرة لذت لشاربها بلا*** غول ولا داء ولا نقصان
والخمر في الدنيا فهذا وصفها*** تغتال عقل الشارب السكران
وبها من الأدواء ما هي أهله*** ويخاف من عدم لذي الوجدان
فنفى لنا الرحمن أجمعها عن الـ***ـخمر التي في جنة الحيوان
وشرابهم من سلسبيل مزجه الـ***ـكافور ذاك شراب ذي الاحسان
هذا شرب أولي اليمين ولكن الـ***أبرار شربهم المقرب خيرة الرحمن
صفى المقرب سعيه فصفا له*** ذاك الشراب فتلك تصفيتان
لكن أصحاب اليمين فأهل مز***ج بالمباح وليس بالعصيان
مزج الشراب لهم كما مزجوا*** هم الأعمال ذاك المزج بالميزان
هذا وذو التخليط مزجا أمره*** والحكم فيه لربه الديان


فصل
في مصرف طعامهم وشرابهم وهضمه

هذا وتصريف المآكل منهم*** عرق يفيض لهم من الأبدان
كروائح المسك الذي ما فيه خلـ***ـط غيره من سائر الألوان
فتعود هانيك البطون ضوامرا*** تبغي الطعام على مدى الأزمان
لا غائط فيها ولا بول ولا*** مخط ولا بصق من الانسان
ولهم جشاء ريحه مسك يكو***ن به تمام الهم بالاحسان
هذا وهذا صح عنه فواحد*** في مسلم ولأحمد الأثران



فصل
في لباس أهل الجنة

وهم الملوك على الأسرة فوق ها***تيك الرؤوس مرصع التيجان
ولباسهم من سندس خضر ومن*** استبرق نوعان معروفان
ما ذلك من دود بنى من فوقه*** تلك البيوت وعاد ذا الطيران
كلا ولا نسجت على المنوال نسـ***ـج ثيابنا بالقطن والكتان
لكنها حلل تشق ثمارها*** عنها رأيت شقائق النعمان
بيض وخضر ثم صفر ثم حمـ***ـر كالرباط بأحسن الألوان
لا تقرب الدنس المقرب للبلى*** ما للبلى فيهن من سلطان
ونصيف احداهن وهو خمارها*** ليست له الدنيا من الأثمان
سبعون من حلل عليها لا تعو***ق الطرق عن مخ ورا الساقان
لكن يراه من ورا ذا كله*** مثل الشراب لذي زجاج أوان


فصل
في فرشهم وما يتبعها

والفرش من استبرق قد بطنت*** ما ظنكم بظهارة لبطان
مرفوعة فوق الأسرة يتكئ*** هو والحبيب بخلوة وأمان
يتحدثان عن الأرائك ما ترى***حبين في الخلوات ينتجيان
هذا وكم زريبة ونمارق*** ووسائد صفت بلا حسبان


فصل
في حلى أهل الجنة

والحلى أصفى لؤلؤ وزبرجد*** وكذاك أسورة من العقيان
ما ذاك يختص الاناث وانما*** هو للاناث كذاك للذكران
التاركين لباسه في هذه الد***نيا لأجل لباسه بجنان
أو ما سمعت بأن حليتهم الى*** حيث انتهاء وضوئهم بوزان
وكذا وضوء أبي هريرة كان قد*** فازت به العضدان والساقان
وسواه أنكر ذا عليه قائلا*** ما الساق موضع حلية الانسان
ما ذاك الا موضع الكعبين والز***ـدين لا الساقان والعضدان
وكذاك أهل الفقه مختلفون في*** هذا وفيه عندكم قولان
والراجح الأقوى انتهاء وضوئنا*** للمرفقين كذلك الكعبان
هذا الذي قد حده الرحمن في الـ***ـقرآن لا تعدل عن القرآن
واحفظ حدود الرب لا تتعدها*** وكذاك لا تجنح الى النقصان
وانظر الى فعل الرسول تجده قد***أبدى المراد وجاء بالتبيان
ومن استطاع يطيل غرته فمو***قوف على الراوي هو الفوقاني
فأبو هريرة قال ذا من كيسه*** فغدا يميزه أولو العرفان
ونعيم الراوي له قد شك في*** رفع الحديث كذا روى الشيباني
وإطالة الغرات ليس ببمكن*** أبدا وذا في غاية التبيان


فصل
في صفة عرائس الجنة وحسنهن وجمالهن ولذة وصالهن ومهورهن

يا من يطوف بكعبة الحسن التي*** خفت بذاك الحجر والأركان
ويظل يسعى دائما حول الصفا*** ومحسّر مسعاه لا العلمان
ويروم قربان الوصال على منى*** والخيف يحجبه عن القربان
فلذا تراه محرما أبدا ومو***ضع حله منه فليس بدان
يبغي التمتع مفردا من حبه*** متجردا يبغي شفيع قران
فيظل بالجمرات يرمي قلبه*** هذي مناسكه بكل زمان
والناس قد قضوا مناسكهم وقد*** حثوا ركائبهم الى الأوطان
وحدت بهم همم لهم وعزائم*** نحو المنازل أول الأزمان
زفعت لهم في السير أعلام الوصا***ل فشمّروا يا خيبة الكسلان


ورأوا على بعد خياما نشرفا***ت مشرقات النور والبرهان
فتيمموا تلك الخيام فآنسوا*** فيهن أقمارا بلا نقصان
من قاصرات الطرف لا تبغى سوى**** محبوبها من سائر الشبان
قصرت عليه طرفها من حسنه*** والطرف في ذا الوجه للنسوان
أو أنها قصرت عليه طرفه*** من حسنها فالطرف للذكران
والأول المعهود من وضع الخطا***ب فلا تحدن عن ظاهر القرآن
ولربما دلت اشارته على الثـ***ـاني فتلك اشارة لمعان
هذا وليس القاصرات كمن غدت*** مقصورة فهما اذا صنفان


يا مطلق الطرف المعذب في الألى*** جردن عن حسن وعن احسان
لا تسبينّك صورة من تحتها*** الداء الدوي تبوء بالخسران
قبحت خلائقها وقبح فعلها*** شيطانه في صورة الانسان
تنقاد للأنذال والأرذال هم*** أكفاؤها من دون ذي الاحسان
ما ثم من دين ولا عقل ولا*** خلق ولا خوف من الرحمن
وجمالها زور ومصنوع فان*** تركته لم تطمح لها العينان
طبعت على ترك الحفاظ فما لها*** بوفاء حق البعل قط يدان
ان قصر الساعي عليها ساعة *** قالت وهل أوليت من احسان
أو رام تقويما لها استعصت ولم*** تقبل سوى التعويج والنقصان
أفكارها في المكر والكيد الذي*** قد حار فيه فكرة الانسان
فجمالها قشر رقيق تحته*** ما شئت من عيب ومن نقصان
نقد رديء فوقه من فضة*** شيء يظن به من الأثمان
فالناقدون يرون ماذا تحته*** والناس أكثرهم من العميان


أما جميلات الوجوه فخائنا***ت بعولهن وهن للأخدان
والحافظات الغيب منهن التي*** قد أصبحت فردا من النسوان
فانظر مصارع من يليك ومن خلا*** من قبل من شيب ومن شبان
وارغب بعقلك أن تبيع العالي الـ***ـباقي بذا الأدنى الذي هو فان
إن كان قد أعياك خود مثل ما*** تبغي ولم تظفر الى ذا الآن
فاخطب من الرحمن خودا ثم قد*** م مهرها ما دمت ذا إمكان
ذاك النكاح عليك أيسر أن يكن*** لك نسبة للعلم والايمان
والله لم تخرج الى الدنيا للذ***ة عيشها أو للحطام الفاني
لكن خرجت لكي تعد الزاد للـ***أخرى فجئت بأقبح الخسران
أهملت جمع الزاد حتى فات بل*** فات الذي ألهاك عن ذا الشان
والله لو أنّ القلوب سليمة*** لتقطعت أسفا من الحرمان
لكنها سكرى بحب حياتها الد***نيا وسوف نفيق بعد زمان


فصل

فاسمع صفات عرائس الجنات ثم اخـ***ـتر لنفسك يا أخا العرفان
حور حسان قد كملن خلائقا*** ومحاسنا من أجمل النسوان
حتى يحار الطرف في الحسن الذي*** قد ألبست فالطرف كالحيران
ويقول لما أن يشاهد حسنها*** سبحان معطي الحسن والاحسان
والطرف يشري من كؤوس جمالها*** فتراه مثل الشارب النشوان
كملت خلائقها وأكمل حسنها*** كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهها** والليل تحت ذوائب الأغصان
فتراه يعجب وهو موضع ذاك من*** ليل وشمس كيف يجتمعان
فيقول سبحان الذي ذا صنعه***سبحان متقن صنعة الانسان
لا اليل يدرك شمسها فتغيب عنـ***ـد مجيئه حتى الصباح الثاني
والشمس لا تأتي بطرد الليل بل*** يتصاحبان كلاهما اخوان


وكلاهما مرآة صاحبه اذا*** ما شاء يبصر وجهه يريان
فيرى محاسن وجهه في وجها*** وترى محاسنها به بعيان
حمر الخدود ثغورهن لآلئ*** سود العيون فواتر الأجفان
والبرق يبدو حين يبسم ثغرها*** فيضيء سقف القفصر بالجدران
ولقد روينا أن برقا ساطعا*** يبدو فيسأل عنه من بجنان
فيقال هذا ضوء ثغر صاحبك*** في الجنة العليا كما تريان
لله لاثم ذلك الثغر الذي*** في لثمه إدراك كل أمان
ريانة الأعطاف من ماء الشبا***ب فغصنها بالماء ذو جريان
لما جرى ماء النعيم بغصنها*** حمل الثمار كثيرة الألوان
فالورد والتفاح والرمان في*** غصن تعالى غارس البستان


والقد منها كالقضيب اللدن في*** حسن القوام كأوسط القضبان
في مغرس كالعاج تحسب أنه*** عالي النقا أو واحد الكثبان
لا الظهر يلحقها وليس ثديها*** بلواحق للبطن أو بدوان
لكنهن كواعب ونواهد*** فثديهن كألطف الرمان
والجيد ذو طول وحسن في بيا***ض واعتدال ليس ذا نكران
يشكو الحليّ بعاده فله مدى الـ***أيام وسواس من الهجران
والمعصمان فان تشأ شبههما*** بسبيكتين عليهما كفان
كالزبد لينا في نعومة ملمس*** أصداف در دورت بوزان
والصدر متسع على بطن لها*** حفت به خصران ذا أثمان
وعليه أحسن سرة هي مجمع الـ***ـخصرين قد غارت من الأعكان
حق من العاج استدار وحوله*** حبات مسك جل ذو الاتقان


وإذا انحدرت رأيت أمرا هائلا*** ما للصفات عليه من سلطان
لا الحيض يغشاه ولا بول ولا*** شيء من الآفات في النسوان
فخذان قد جفا به حرسا له*** فجنابه في عزة وصيان
قاما بخدمته هو السلطان بيـ***ـنهما وحق طاعة السلطان
وهو المطاع أميره لا ينثني*** عنه ولا هو عنده بجبان
وجماعها فهو الشفا لصبها*** فالصبّ منه ليس بالضجران
وإذا يجامعها تعود كما أتت*** بكرا بغير دم ولا نقصان
فهو الشهي وعضوه لا ينثني*** جاء الحديث بذا بلا نكران
ولقد رأينا أن شغلهم الذي*** قد جاء في يس دون بيان
شغل العروس بعرسه من بعدما*** عبثت به الأشواق طول زمان
بالله لا تسأله عن أشغاله*** تلك اليالي شأنه ذو شان
واضرب لهم مثلا بصب غاب عن*** محبوبه في شاسع البلدان
والشوق يزعجه اليه وما له***بلقائه سبب من الامكان
وافى اليه بعد طول مغيبه*** عنه وصار الوصل ذا امكان
أتلومه ان صار ذا شغل به*** لا والذي أعطى بلا حسبان
يا رب غفرا قد طغت أقلامنا*** يا رب معذرة من الطغيان


فصل

أقدامها من فضة قد ركبت*** من فوقها ساقان ملتفان
والساق مثل العاج ملموم يرى*** مخ العظام وراءه بعيان
والريح مسك الجسوم نواعم*** واللون كالياقوت والمرجان
وكلاهما يسبي العقول بنغمة*** زادت على الأوتار والعيدان
وهي العروب بشكلها وبدرها*** ونحبب للزوج كل أوان
وهي التي عند الجماع تزيد في*** حركاتها للعين والأذنان
لطفا وحسن تبعل وتغنج*** وتحبب تفسير ذي العرفان
تلك الحلاوة والملاحة أوجبا*** اطلاق هذا اللفظ وضع لسان
فملاحة التصوير قبل غناجها*** هي أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لصب وامق*** بلغت به اللذات كل مكان


فصل

أتراب سن واحد متماثل*** سن الشباب لأجمل الشبان
بكر فلم يأخذ بكارتها سوى الـ***ـمحبوب من انس ولا من جان
حصن عليه حارس من أعظن الـ***ـحرّاس بأسا شأنه ذو شان
فاذا أحسّ بداخل للحصن ولـ***ـى هاربا فتراه ذا امعان
ويعود وهنا حين رب الحصن يخـ***ـرج منه فهو كذا مدى الأزمان
وكذا رواه أبو هريرة أنها*** تنصاغ بكرا للجماع الثاني
لكن دراجا أبا السمح الذي*** فيه يضعفه أولو الاتقان
هذا وبعضهم يصحح عنه في التـ***ـفسير كالمولود من حبان
فحديثه دون الصحيح وأنه*** فوق الضعيف وليس ذا اتقان


يعطي المجامع قوة المائة التي أجـ***ـتمعت لأقوى واحد الانسان
لا أن قوته تضاعف هكذا*** اذ قد يكون لأضعف الأركان
ويكون أقوى منه ذا نقص من الـ***إيمان والأعمال والاحسان
ولقد روينا أنه يغشى بيو***م واحد مائة من النسوان
ورجاله شرط الصحيح رووا لهم*** فيه وذا في معجم الطبراني
هذا ودليل أن قدر نسائهم*** متفاوت بتفاوت الايمان
وبه يزول توهم الأشكال عن*** تلك النصوص بمنة الرحمن
وبقوة المائة التي حصلت له*** أفضى الى مائة لا خوران
وأعفهم في هذه الدنيا هو الـ***أقوى هناك لزهده الفاني
فاجمع قواك لما هناك وغمض الـ***ـعينين واصبر ساعة لزمان
ما ههنا والله ما يسوى قلا*** مة ظفر واحدة ترى بجنان
ما ههنا الا النقار وسيّيء الـ***أخلاق مع عيب ومع نقصان
هم وغم دائم لا ينتهي*** حق الطلاق أو الفراق الثاني
والله قد جعل النساء عوانيا*** شرعا فأضحى البعل وهو العاني
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فان*** تفعل رجعت بذلة وهوان


فصل
وإذا بدت في حلة من لبسها*** وتمايلت كتمايل النشوان
تهتز كالغصن الرطيب وحمله*** ورد وتفاح على رمان
وتبخرت في مشيها ويحق ذا***ك لمثلها في جنة الحيوان
ووصائف من خلفها وأمامها*** وعلى شمائلها وعن أيمان
كالبدر ليلة تتمة قد حف في*** غسق الدجى بكواكب الميزان
فلسانه وفؤاده والطرف في*** دهش وإعجاب وفي سبحان
فالقبل قبل زفافها في عرسه*** والعرس من أثر العرس متصلان
حتى إذا ما واجهته تقابلا*** أرايت إذ يتقابل القمران
فسل المتيم هل يحل الصبر عن*** ضم وتقبيل وعن فلتان
وسل المتيم ابن خلف صبره*** في أي واد أم بأي مكان
وسل المتيم كيف حالته وقد*** ملئت له الأذنان والعينان
من منطق رقت حواشيه ووجـ***ـه كم به للشمس من جريان
وسل المتيم كيف عيشته إذا*** وهما على فرشيهما خلوان
يتساقطان لآلءا منثورة*** من بين منظوم كنظم جمان
وسل المتيم كيف مجلسه مع الـ***ـمحبوب في روح وفي ريحان
وتدور كاسات الرحيق عليهما*** بأكف أقمار من الولدان
يتنازعان الكأس هذا مرة*** والخود أخرى ثم يتكئان
فيضمها وتضمه*** أرأيت معـ***ـشوقين بعد البعد يلتقيان


غاب الرقيب وغاب كل منكد***وهما بثوب الوصل مشتملان
أتراهما ضجرين من ذا العيش لا*** وحياة ربك ما هما ضجران
ويزيد كل منهما حبا لصا***حبه جديدا سائر الأزمان
ووصاله يكسوه حبا بعده*** متسلسلا لا ينتهي بزمان
فالوصل محفوف بحب سابق*** وبلاحق وكلاهما صنوان
فرق لطيف بين ذاك وبين ذا*** يدريه ذو شغل بهذا الشان
ومزيدهم في كل وقت حاصل*** سبحان ذي الملكوت والسلطان
يا غافلا عما خلقت له انتبه*** جد الرحيل فلست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الألي*** قنعوا بذا الحظ الخسيس الفاني
ورأيت أكثر من ترى متخلفا*** فتبعتهم ورضيت بالحرمان
لكن أتيت بخطتي وعجز وجهـ***ـل بعد ذا وصحبت كل امان
منتك نفسك باللحاق مع القعو***د عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا*** ماذا صنعت وكنت ذا امكان


فصل
في ذكر الخلاف بين الناس هل تحبل نساء أهل الجنة أم لا

والناس بينهم خلاف هل بها*** خبل وفي هذا لهم قولان
فنفاه طاوس وابراهيم ثم*** مجاهد هم أولو العرفان
وروى العقيلي الصدوق أبو رزيـ***ـن من صاحب المبعوث بالقرآن
أن لا توالد في الجنان رواه تعـ***ـليقا محمد عظيم الشان
وحكاه عنه الترمذي وقال اسـ***ـحاق بن ابراهيم ذو الاتقان
لا يشتهي ولدا بها ولو اشتها***ه لكان ذك محقق الامكان
وروى هشام لابنه عن عامر*** عن ناجي عن سعد بن سنان
ان المنعم بالجنان إذا اشتهى الـ***ـولد الذي هو نسخة الانسان
فالحمل ثم الوضع ثم السن في*** فرد من الساعات في الأزمان
اسناده عندي صحيح قد روا***ه الرمذي وأحمد الشيباني
ورجال ذا الاسناد محتج بهم*** في مسلم وهم أولو اتقان
لكن غريب ما له من شاهد***فرد بذا الاسناد ليس بثان
لولا حديث أبي رزين كان ذا*** كلنص يقرب منه في التبيان
ولذاك أوله ابن ابراهيم بالـ***ـشرط الذي هو منتفى الوجدان
وبذاك رام الجمع بين حديثه*** وأبي رزين وهو ذو امكان
هذا وفي تأويله نظر فـ***ـان اذا لتحقيق وذي اتقان
ولربما جاءت لغير تحقق*** والعكس في أن ذاك وضع لسان


واحتج من نصر الولادة أن في الجـ***ـنات سائر شهوة الانسان
والله قد جعل البنين مع النسا*** من أعظم الشهوات في القرآن
فأجيب عنه بأنه لا يشتهي*** ولدا ولا حبلا من النسوان
واحتج من منع الولادة أنها*** ملزومة أمرين ممتنعان
حيض وإنزال المنى وذانك الـ***أمران في الجنات مفقودان
وروى صدى عن رسول الله*** أن منيّهم إذ ذاك ذو فقدان
بل لا منيّ ولا منية هكذا*** يروي سليمان هو الطبراني
وأجيب عنه بأنه نوع سوى الـ***ـمعهود في الدنيا من النسوان
فالنفي للمعهود في الدنيا من الـ***إيلاد والاثبات نوع ثان
والله خالق نوعنا من أربع*** متقابلات كلها بوزان
ذكر وأنثى والذي هو ضده*** وكذاك من أنثى بلا نكران
والعكس أيضا مثل حوا أمنا*** هي أربع معلومة التبيان
وكذاك مولود لجنان يجوز أن*** يأتي بلا حيض ولا فيضان
والأمر في ذا ممكن في نفسه*** والقطع ممتنع بلا برهان


فصل
في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى ونظرهم الى وجهه الكريم

ويرونه سبحانه من فوقهم*** نظر العيان كما يرى القمران
هذا تواتر عن رسول الله لم*** ينكره الا فاسد الايمان
وأتى به القرآن تصريحا وتعـ***ـريضا هما بسياقه نوعان
وهي الزيادة قد أتت في يونس*** تفسبر من قد جاء بالقرآن
ورواه عنه مسلم بصحيحه*** يروي صهيب ذا بلا كتمان
وهو المزيد كذاك فسر أبو***بكر هو الصديق ذو الايقان
وعليه أصحاب الرسول وتابعو***هم بعدهم تبعية الاحسان
ولقد أتى ذكر اللقا لربنا الـ***ـرحمن في سور من الفرقان
ولقاؤه إذ ذاك رؤيته حكى الـ***إجماع فيه جماعة ببيان
وعليه أصحاب الحديث جميعهم*** لغة وعرفا ليس يختلفان


هذا ويكفي أنه سبحانه*** وصف الوجوه بنظرة بجنان
وأعاد أيضا وصفها نظرا وذا*** لا شك بفهم ورؤية بعيان
وأتت أداة اليّ لرفع الوهم من*** فكر كذاك ترقب الانسان
وإضافة لمحل رؤيتهم بذكـ***ـر الوجه إذ قامت به العينان
تالله ما هذا بفكر وانتظا***ر مغيب أو رؤية لجنان
ما في الجنان من انتظار مؤلم*** واللفظ يأباه لذي العرفان
لا تفسدوا لفظ الكتاب فليس فيـ***ـه حيلة يا فرقة الروغان
ما فوق ذا التصريح شيء ما الذي*** يأتي به من بعد ذا التبيان
لو قال أبين ما يقال لقلتم*** هو مجمل ما فيه من تبيان


ولقد أتى في سورة التطفيف أن*** القوم قد حجبوا عن الرحمن
فيدل بالمفهوم أن المؤمنيـ***ـن يرونه في جنة الحيوان
وبذا استدل الشافعي وأحمد*** وسواهما من عالمي الأزمان
وأتى بذا المفهوم تصريحا بآ***خرها فلا تخدع عن القرآن
وأتى بذاك مكذبا للكافريـ***ـن الساخرين بشيعة الرحمن
ضحكوا من الكفار يومئذ كما*** ضحكوا هم منهم على الايمان
وأثابهم نظرا اليه ضد ما*** قد قاله فيهم أولو الكفران
فلاك فسرها الأئمة أنه*** نظر الى الرب العظيم الشان
لله ذاك الفهم يؤتيه الذي*** هو أهله من جاد بالاحسان


وروى ابن ماجة مسندا عن جابر*** خبرا وشاهده ففي القرآن
بينا هم في عيشهم وسرورهم*** ونعيمهم في لذة وتهان
واذا بنور ساطع قد أشرقت*** منه الجنان قصيها والداني
رفعوا اليه رؤوسهم فرأوه نور*** الرب لا يخفى على انسان
واذا بربهم تعالى فوقهم*** قد جاء للتسليم بالاحسان
قال السلام عليكم فيرونه*** جهرا تعالى الرب ذو السلطان
مصداق ذا يس قد ضمنته عنـ***ـد القول من رب بهم رحمن
من ردّ ذا فعلى رسول الله رد*** وسوف عند الله يلتقيان
في ذا الحديث علوه ومجيئه*** وكلامه حتى يرى بعيان
هذي أصول الدين في مضمونه*** لا قول جهم صاحب البهتان


وكذا حديث أبي هريرة ذلك الـ***ـخبر الطويل أتى به الشيخان
فيه تجلى الرب جل جلاله*** ومجيئه وكلامه ببيان
وكذاك رؤيته وتكيم لمن*** يختاره من أمة الانسان
فيه أصول الدين أجمعها فلا*** تخدعك عنه شيعة الشيطان
وحكى رسول الله فيه تجدد الـ***ـغضب الذي للرب ذي السلطان
إجماع أهل العزم من رسل الـ***إله وذاك اجماع على البرهان
لا تخدعنّ عن الحديث بهذه الـ***آراء فهي كثيرة الهذيان
أصحابها أهل التخرص والتنا***قض والتهاتر قائلو البهتان
يكفيك أنك لو حرصت فلن ترى*** فئتين منهم قط يتفقان
الا اذا ما قلدا لسواهما*** فتراهم جيلا من العميان
ويقودهم أعمى يظن كمبصر*** يا محنة العميان خلف فلان
هل يستوي هذا ومبصر رشده*** الله أكبر كيف يستويان


أو ما سمعت منادي الايمان يخـ***ـبر عن منادي جنة الحيوان
يا أهلها لكم لدى الرحمن وعـ***ـد وهو منجزه لكم بضمان
قالوا أما بيضت أوجهنا كذا*** أعمالنا أثقلت في الميزان
وكذاك قد أدخلتنا الجنات حيـ***ـن أجرتنا من مدخل النيران
فيقول عندي موعد قد آن أن*** أعطيكموه برحمتي وحناني
فيرونه من بعد كشف حجابه*** جهرا روى ذا مسلم ببيان
ولقد أتانا في الصحيحين اللذيـ***ـن هما أصح الكتب بعد قرآن
برواية الثقة الصدوق جريـ***ـر البجلي عمن جاء بالقرآن
ان العباد يرونه سبحانه*** رؤيا العيان كما يرى القمران
فان استطعتم كل وقت فاحفظوا الـ***ـبردين ما عشتم مدى الأزمان
ولقد روى بضع وعشرون أمرا*** من صحب أحمد خيرة الرحمن
أخبار هذا الباب عمن قد أتى*** بالوحي تفصيلا بلا كتمان
وألذ شيء للقلوب فهذه الأخبار مع أمثالها هي بهجة الايمان

والله لولا رؤية الرحمن في الـ***ـجنات ما طابت لذي العرفان
أعلى نعيم رؤية وجهه*** وخطابه في جنة الحيوان
وأشد شيء في العذاب حجابه*** سبحانه عن ساكني النيران
وإذ رآه المؤمنون نسوا الذي*** هم فيه مما نالت العينان
فإذا توارى عنهم عادوا الى*** لذاتهم من سائر الألوان
فلهم نعيم عند رؤيته سوى*** هذا النعيم فحبذا الأمران
أو ما سمعت يؤال أعرف خلقه*** بجلاله المبعوث بالقرآن
شوقا اليه ولذة النظر التي*** بجلال وجه الرب ذي السلطان
فالشوق لذة روحه في هذه الـ***ـدنيا ويوم قيامة الأبدان
تلتذ بالنظر الذي فازت به*** دون الجوارح هذه العينان
والله ما في هذه الدنيا ألذ *** من اشتياق العبد للرحمن
وكذاك رؤية وجهه سبحانه*** هي أكمل اللذات للانسان
لكنما الجهمي ينكر ذا وذا***والوجه أيضا خشية الحدثان
تبا له المخدوع أنكر وجهه*** ولقاءه ومحبة الديان
وكلامه وصفاته وعلوه*** والعرش عطله من الرحمن
فتراه في واد ورسل الله في***واد وذا من أعظم الكفران

فهد الماجدي
08-18-2010, 12:50 AM
فصل
في كلام الرب جل جلاله مع أهل الجنة

أوماعلمت بأنه سبحانه*** حقا يكلم حزبه بجنان
فيقول جل جلاله هل أنتم*** راضون قالوا نحن ذو رضوان
أم كيف لا نرضى وقد أعطيتنا*** ما لم ينله قط من انسان
هل ثم شيء غير ذا فيكون أفـ***ـضل منه نسأله من المنان
فيقول أفضل منه رضواني فلا*** يغشاكم سخط من الرحمن
وبذكر الرحمن واحدهم بما*** قد كان منه سالف الازمان
منه اليه ليس ثم وساطة*** ما ذاك توبيخا من الرحمن
لكن يعرّفه الذي قد ناله*** من فضله والعفو والاحسان
ويسلم الرحمن جل جلاله*** حقا عليهم وهو في القرآن
وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه*** سبحانه بتلاوة الفرقان
فكأنهم لم يسمعوه فبل ذا*** هذا رواه الحافظ الطبراني
هذا سماع مطلق وسماعنا الـ***ـقرآن في الدنيا فنوع ثان
والله يسمع قوله بوساطة*** وبدونها نوعان معروفان
فسماع موسى لم يكن بوساطة*** وسماعنا بتوسط الانسان
من صير النوعين نوعا واحدا*** فمخالف للعقل والقرآن



فصل
في يوم المزيد وما أعد الله لهم فيه من الكرامة

أو ما سمعت بشانهم يوم المزيـ***ـد وأنه شأن عظيم الشان
هو يوم جمعتنا ويوم زيارة الـ***ـرحمن وقت صلاتنا وأذان
والسابقون الى الصلاة هم الألى*** فازوا بذاك السبق بالاحسان
سبق بسبق والمؤخر ههنا*** متأخر في ذلك الميدان
والأقربون الى الامام فهم أولو الزلفى هناك فههنا قربان
قرب بقرب والمباعد مثله*** بعد ببعد حكمة الديان
ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد*** ومنابر الياقوت والعيقان
هذا وأدناهم وما فيهم دنيّ*** من فوق ذاك المسك كالكثبان
ما عندهم أهل المنابر فوقهم*** مما يرون بهم من الاحسان
فيرون ربهم تعالى جهرة*** نظر العيان كما يرى القمران
ويحاضر الرحمن واحدهم محا***ضرة الحبيب يقول يا ابن فلان
هل تذكر اليوم الذي كنت فيـ***ـه مبارزا بالذنب والعصيان
فيقول رب أما مننت بغفرة*** قدما فانك واسع الغفران
فيجيبه الرحمن مغفرتي التي*** قد أوصلتك الى المحل الداني


فصل
في المطر الذي يصيبهم هناك

ويظلهم اذ ذاك منه سحابة*** تأتي بمثل الوابل الهتان
بينا هم في النور اذ غشيتهم*** سبحان منشيها من الرضوان
فتظل تمطرهم بطيب ما رأوا*** شبها له في سالف الأزمان
فيزيدهم هذا جمالا فوق ما*** لهم وتلك مواهب المنان


فصل
في سوق الجنة الذي ينصرفون اليه من ذلك المجلس

فيقول جل جلاله قوموا الى*** ما قد ذخرت لكم من الاحسان
يأتون سوقا لا يباع ويشترى*** فيه فخذ منه بلا أثمان
قد أسلف التجار أثمان المبيـ***ـع بعقدهم في بيعة الرضوان
لله سوق قد أقامته الملا***ئكة الكرام بكل ما احسان
فيها الذي والله لا عين رأت*** كلا ولا سمعت به اذنان
كلا ولم يخطر على قلب امرئ*** فيكون عنه معبرا بلسان
فيرى امرأ من فوقه في هيئة*** فيروعه ما تنظر العينان
فإا عليه مثلها اذ ليس يلـ***ـحق أهلها شيء من الأحزان
واها لذا السوق الذي من حله*** نال التهاني كلها بأمان
يدعى بسوق تعارف ما فيه من*** صخب ولا غش ولا ايمان
وتجارة من ليس تلهيه تجا***رات ولا بيع عن الرحمن
أهل المروة والفتوة والتقى*** والذكر للرحمن كل أوان
يا من تعوض عنه بالسوق الذي*** ركزت لديه راية الشيطان
لو كنت تدري قدر ذاك السوق لم*** تركن الى سوق الكساد الفاني


فصل
في حالهم عند رجوعهم الى أهليهم ومنازلهم

فاذا هم رجعوا الى أهليهم*** بمواهب حصلت من الرحمن
قالوا لهم أهلا ورحبا ما الذي*** أعطيتم من ذا الجمال الثاني
والله لازددتم جمالا فوق ما*** كنتم عليه قبل هذا الآن
قالوا وأنتم والذي أنشأكم*** قد زدتم حسنا على الاحسان
لكن يحق لنا وقد كنا اذا*** جلساء رب العرش ذي الرضوان
فهم الى يوم المزيد أشد شو***قا من محب للحبيب الداني


فصل
في خلود أهل الجنة ودوام صحتهم ونعيمهم وشبابهم
واستحالة النوم والموت عليهم

هذا وخاتمة النعيم خلودهم*** ابدا بدار الخلد والرضوان
أو ما سمعت منادي الايمان يخـ***ـبر عن مناديهم بحسن بيان
لكم حياة ما بها موت وعا***فية بلا سقم ولا أحزان
ولكم نعيم ما به بؤس وما*** لشبابكم هرم مدى الأزمان
كلا ولا نوم هناك يكون ذا*** نوم وموت بيننا اخوان
هذا علمناه اضطرارا من كتا***ب الله فافهم مقتضى القرآن
والجهم أفناها وأفنى أهلها*** تبا لذاك الجاهل الفتان
طردا لنفي دوام فعل الرب في الـ***ـماضي وفي مستقبل الأزمان
وأبو الهذيل يقول يفنى كلما*** فيها من الحركات للسكان
وتصير دار الخلد مع سكانها*** وثمارها كحجارة البنيان
قالوا ولولا ذاك لم يثبت لنا*** رب لأجل تسلسل الأعيان
فالقوم أما جاحدون لربهم*** أو منكرون حقائق الايمان




فصل
في ذبح الموت بين الجنة والنار والرد على من قال
إن الذبح لملك الموت وإن ذلك مجاز لا حقيقة

أو ما سمعت بذبحه للموت بيـ***ـن المنزلين كذبح كبش الضان
حاشا لذا الملك الكريم وانما*** هو موتنا المحتوم للانسان
والله ينشىء منه كيشا أملحا*** يوم المعاد يرى لنا بعيان
ينشىء من الأعراض أجساما كذا*** بالعكس كل قابل الامكان
أفما تصدق أن أعمال العبا*** تحط يوم العرض في الميزان
وكذاك تثقل تارة وتخف أخـ***ـرى ذاك في القرآن ذو تبيان
وله لسان كفتاه تقيمه*** والكفتان اليه ناظرتان
ما ذاك أمرا معنويا بل هو الـ***ـمحسوس حقا عند ذي الايمان
أو ما سمعت بأن تسبيح العبا***د وذكرهم وقراءة القرآن
ينشيه رب العرش في صورة يجا***دل عنه يوم قيامة الابدان
أو ما سمعت بأن ذاك حول عر***ش الرب ذو صوت وذو دوران
يشفعن عند الرب جل جلاله*** ويذكرون بصاحب الاحسان
أو ما سمعت بأن ذلك مؤنس*** في القبر للملفوف في الأكفان
في صورة الرجل الجميل الوجه في*** سن الشباب كأجمل الشباب
يأتي يجادل عنك يوم الحشر للر***حمن كي ينجيك من نيران
في صورة الرجل الذي هو شا***حب يا حبذا ذاك الشفيع الداني


أو ما سمعت حديث صدق قد*** أتى في سورتين من أول القرآن
فرقان من طير صواف بينهما*** شرق ومنه الضوء ذو تبيان
شبههما بغمامتين وان تشا*** بغيابتين هما لذا مثلان
هذا مثال الأجر وهو فعالنا*** كتلاوة القرآن بالاحسان
فالموت مخلوق بنص الوحي والـ***ـمخلوق يقبل سائر الألوان
في نفسه وبنشأة أخرى بقد***رة قالب الأعراض والألوان
أو ما سمعت بقلبه سبحانه الـ***أعيان من لون الى ألوان
وكذلك الأعراض يقلب ربها*** أعيانها والكل ذو امكان
لم يفهم الجهال هذا كله*** فأتوا بتأويلات ذي البطلان
فمكذب ومؤول ومحير*** ما ذاق طعم حلاوة الايمان
لما فسى الجهال في آذانه*** أعموه دون تدبر القرآن
فثنى لنا العطفين منه تكبرا*** وتبخترا في حلة الهذيان
ان قلت قال الله قال رسوله*** فيقول جهلا أين قول فلان




فصل
في أن الجنة قيعان وأن غراسها الكلام الطيب والعمل الصالح


أوما سمعت بأنها القيعان فاغـ***ـرس ما تشاء بذا الزمان الفاني
وغراسها التسبيح والتكبير والتـ***ـحميد والتوحيد للرحمن
تبار لتارك غرسه ماذا الذي*** قد فاته من مدة الامكان
يا من يقر بذا ولا يسعى له*** بالله قل لي كيف يجتمعان
أرأيت لو عطلت أرضك من غرا***س ما الذي تجني من البستان
وكذاك لو عطلتها من بذرها*** ترجو المغل يكون كالكيمان
ما قال رب العالمين وعبده*** هذا فراجع مقتضى القرآن
وتأمل الباء التي قد عينت*** سبب الفلاح لحكمة الفرقان
وأظن باء النفي قد غرتك في*** ذاك الحديث أتى به الشيخان
لن يدخل الجنات أصلا كادح*** بالسعي منه ولو على الأجفان
والله ما بين النصوص تعارض*** والكل مصدرها عن الرحمن
لكنّ بالاثبات للتسبيب والـ***ـباء التي للنفي بالأثمان
والفرق بينهما ففرق ظاهر*** يدريه ذو حظ من العرفان


فصل
في اقامة المأتم على المتخلفينوعن رفقة السابقيت

بالله ما عذر امرئ هو مؤمن*** حقا بهذا ليس باليقظان
بل قلبه في رقدة فاذا استفا***ق فلبسه هو حلة الكسلان
تالله لو شاقتك جنات النعيـ***ـم طلبتها بنفائس الأثمان
وسعيت جهدك في وصال نواعم*** وكواعب بيض الوجوه حسان
جليت عليك عرائس والله لو*** تجلى على صخر من الصوان
رقت حواشيه وعاد لوقته*** ينهال مثل نقى من الكثبان
لكن قلبك في القساوة جاز حد*** الصخرة والحصباء في أشجان
لو هزك الشوق المقيم وكنت ذا*** حس لما استبدلت بالأهوان
أو صادفت منك الصفات حياة قلـ***ـب كنت ذا طلب لهذا الشان
خود تزف الى ضرير مقعد*** يا محنة الحسناء بالعميان
شمس لعنين تزف اليه ما*** ذا حلية العنين في الغشيان


يا سلعة الرحمن لست رخيصة*** بل انت غاليى على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها*** في الألف الا واحد لا اثنان
يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها*** الا أولو التقوى مع الايمان
يا سلعة الرحمن سوقك كاسد*** بين الأراذل سلفة الحيوان
يا سلعة الرحمن أين المشتري*** فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب*** فالمهر قبل الموت ذو امكان
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ***ـخطاب عنك وهم ذوو ايمان
يا سلعة الرحمن لولا أنها*** حجبت بكل مكاره الانسان
ما كان عنها قط من متخلف*** وتعطلت دار الجزاء الثاني
لكنها حجبت بكل كريهة*** ليصد عنها المبطل المتواني
وتنالها الهمم التي تسمو الى*** رب العلى بمشيئة الرحمن


فاتعب ليوم معادك الأدنى تجد*** راحاته يوم المعاد الثاني
واذا أبت ذا الشان نفسك فاتـ***ـهمها ثم راجع مطلع الايمان
فإذا رأيت الليل بعد وصبحه*** ما انشق عنه عمودة لأذان
والناس قد صلوا صلاة الصبح وانـ***ـتظروا طلوع الشمس قرب زمان
فاعلم بأن العين قد عميت فنا***شد ربك المعروف بالاحسان
واسأله ايمانا يباشر قلبك الـ***ـمحجوب عنه لتنظر العينان
واسأله نورا هاديا يهديك في*** طرق المسير اليه كل أوان
والله ما خوفي الذنوب فانها*** لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من*** تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآراء الرجال وخرصها*** لا كان ذاك بمنة الرحمن


فبأي وجه التقى ربي اذا*** أعرضت عن ذا الوحي طول زمان
وعزلته عمّا أريد لأجله*** عزلا حقيقيا بلا كتمان
صرّحت أن يقيننا لا يستفاد*** به وليس لديه من اتقان
أوليته هجرا وتأويلا وتحـ***ـريفا وتفويضا بلا برهان
وسعيت جهدي في عقوبة ممسك*** بعراه لا تقليد رأي فلان
يا معرضا عما يراد به وقد*** جد المسير فمنتهاه دان
جذلان يضحك آمنا متبخترا*** فكأنه قد نال عقد أمان
خلع السرور عليه أوفى حلة*** طردت جميع الهم والأحزان
يختال في حلل المسرة ناسيا*** ما بعدها من حلة الأكفان
ما سعيه الا لطيب العيش في الد***نيا ولو أفضى الى النيران
قد باع طيب العيش في دار النعيـ***ـم بذا الحطام المضمحل الفاني
اني أظنك لا تصدق كونه*** بالقرب بل ظن بلا ايقان
بل قد سمعت الناس قالوا جنة*** ايضا ونار بل لهم قولان
والوقف مذهبك الذي تختاره*** واذا انتهى الايمان للرجحان
أم تؤثر الأدنى عليه وقالت النـ***ـفس التي استعلت على الشيطان
أتبيع نقدا حاصلا بنسيئة*** بعد الممات وطي ذي الأكوان
لو أنه بنسيئة الدنيا لها*** ن الأمر لكن في معاد ثان
دع ما سمعت الناس قالوه وخذ*** ما قد رأيت مشاهدا بعيان


والله لو جالست نفسك خاليا*** وبحثتها بحثا بلا روغان
لرأيت هذا كامنا فيها ولو*** أمنت لألقته الى الآذان
هذا هو السر الذي من أجله اخـ***ـتارت عليه العاجل المتدان
نقد قد اشتدت اليه حاجة*** منها ولم يحصل لها بهوان
أتبيعه بنسيئة في غير هذي*** الدار بعد قيامة الأبدان
هذا وان جزمت بها قطعا ولـ***ـكن حظها في حيّز الامكان
ما ذاك قطعيا لها والحاصل الـ*** ـموجود مشهود برأي عيان
فتألفت من بين شهوتها وشبـ***ـهتها قياسات من البطلان
واستنجدت منها رضا بالعاجل الـ***أدنى على الموعود بعد زمان
وأتى من التأويل كل ملائم*** لمرادها يا رقة الايمان


وضعت الى شبهات أهل الشرك والـ***ـتعطيل مع نقص من العرفان
واستنقصت أهل الهدى ورأيتهم*** في الناس كلغرباء في البلدان
ورأت عقول الناس دائرة على*** جمع الحطام وخدمة السلطان
وعلى المليحة والمليح وعشرة الـ***أحباب والأصحاب والاخوان
فاستوعرت ترك الجميع ولم تجد*** عوضا تلذ به من الاحسان
فالقلب ليس يقر ألا في انا***ء فهو دون الجسم ذو جولان
يبغي له سكنا يلذ بقربه*** فتراه شبه الواله الحيران
فيحب هذا ثم يهوى غيره*** فيظل منتقلا مدى الأزمان
لو نال كل مليحة ورياسة*** لم يطئن وكان ذا دوران
بل لو ينال بأسرها الدنيا لما*** قرت بما قد ناله العينان
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى*** واختر لنفسك أحسن الانسان
فالقلب مضطر الى محبوبه الـ***أعلى فلا يغنيه حب ثان
وصلاحه وفلاحه ونعيمه*** تجريد هذا الحب للرحمن
فإذا تخلى منه أصبح حائرا*** ويعود في ذا الكون ذا هيمان


فصل
في زهد أهل العلم والايمان وإيثارهم الذهب الباقي على الخزف الفاني

لكن ذا الايمان يعلم أن هـ***ـذا كالظلال وكل هذا فان
كخيال طيف ما استتم زيارة*** الا وصبح رحيله بأذان
وسحابة طلعت بيوم صائف*** فالظل منسوخ بقرب زمان
وكزهرة وافى الربيع بحسنها*** او لامعا فكلاهما أخوان
أو كالسراب يلوح للظمآن في***وسط الهجير بمستوى القيعان
أو كالأماني طاب منها ذكرها*** بالقول واستحضارها بجنان
وهي الغرور رؤوس أموال المفا***ليس الألى اتجروا بلا أثمان
أو كالطعام يلذ عند مساغه***لكن عقباه كما تجدان
هذا هو المثل الذي ضرب الرسو***ل لها وذا في غاية التبيان


وإذا أردت ترى حقيقتها فخذ*** منه مثالا واحدا ذا شان
أدخل بجهدك أصبعا في أليم وانـ***ـظر ما تعلقه اذا بعيان
هذا هو الدنيا كذا قال الرسو***ل ممثلا والحق ذو تبيان
وكذاك مثلها بظل الدوح في*** وقت الحرور لقائل الركبان
هذا ولو عدلت جناح بعوضة*** عند الاله الحق في الميزان
لم يسق منها كافرا من شربة*** ماء وكان الحق بالحرمان
تالله ما عقل امرئ قد باع ما*** يبقى بما هو مضمحل فان
هذا ويفتي ثم يقضي حاكما*** بالحجر من سفه لذا الانسان
اذ باع شيئا قدره فوق الذي*** يعتاضه من هذه الأثمان
فمن السفيه حقيقة ان كنت ذا*** عقل واكن العقل للسكران
والله لو أن القلوب شهدن منـ***ـا كان شأن غير هذا الشأن
نفس من الأنفاس هذا العيش ان*** قسناه بالعيش الطويل الثاني
يا خسة الشركاء مع عدم الوفا***ء وطول جفوتها من الهجران
هل فيك معتبر فيسلو عاشق*** بمصارع العشاق كل زمان
لكن على تلك لعيون غشاوة*** وعلى القلوب أكنة النسيان


أخو البصائر حاضر متيقظ*** متفرد عن زمرة العميان
يسمو الى ذاك الرفيق الأرفع الأ***على وخلى اللعب للصبيان
الناس كلهم فصبيان وان*** بلغوا سوى الأفراد والوحدان
اذا ما رأى ما يشتهيه قال مو***عدك الجنان وجد في الأثمان
اذا أبت الا الجماح أعاضها*** بالعلم بعد حقائق الايمان
يرى من الخسران بيع الدائم الـ***ـباقي به يا ذلة الخسران
يرى مصارع أهله من حوله*** وقلوبهم كمراجل النيران
مسراتها هن الوقود فان خبت*** زادت سعيرا بالوقود الثاني
جاءوا فرادى مثل ما خلقوا بلا*** مال ولا أهل ولا اخوان
ما معهم شيء سوى الأعمال فهـ***ـي متاجر للنار أو لجنان
تسعى بهم أعمالهم سوقا الى الد***ارين سوق الخيل بالركبان
صبروا قليلا فاستراحوا دائما*** يا عزة التوفيق للانسان
حمدوا التقى عند الممات كذا السرى*** عند الصباح فحبذا الحمدان
وحدت بهم عزماتهم نحو العلى*** وسروا فما نزلوا الى نعمان
باعوا الذي يفنى من الخزف الخسيـ***ـي بدائم من خالص العقيان
رفعت لهم في السير اعلام السعا***دة والهدى يا ذلة الحيران
فتسابق الأقوام وابتدروا لها*** كتسابق الفرسان يوم رهان
وأخو الهوينا في الديار مخلف*** مع شكله يا خيبة الكسلان


فصل
في رغبة قائلها الى من يقف عليها من أهل العلم والايمان أن يتجرد الى الله
ويحكم عليها بما يوجبه الدليل والبرهان، فان رأى حقا قبله وحمد
الله عليه وإن رأى باطلا عرف به وأرت اليه

يا أيها القارئ لها اجلس مجلس الـ***ـحكم الأمين أتى له الخصمان
واحكم هداك الله حكما يشهد الـ***ـعقل الصريح به مع القرآن
واحبس لسانك برهة عن كفره*** حتى تعارضها بلا عدوان
فإذا فعلت فعنده أمثالها*** فنزال آخر دعوة الفرسان
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما*** جاء الرسول به لقول فلان
فانظر لعلك هكذا دون الذي***قد قالها فتفوز بالخسران
فالحق شمس والعيون نواظر*** لا تختفي الا على العميان
والقلب يعمى عن هداه مثل ما*** تعمى وأعظم هذه العينان


هذا وأني بعد ممتحن بأر***بعة وكلهم ذو أضغان
فظ غليظ جاهل متعلم*** ضخم العمامة واسع الأردان
متفيهف متضلع بالجهل ذو*** صلع وذو جلح من العرفان
مزجي البضاعة في العلوم وأنه*** زاج من الايهام والهذيان
يشكو الى الله الحقوق تظلما*** من جهله كشكاية الأبدان
من جاهل متطبب يفتي الورى*** ويحيل ذاك على قضا الرحمن
عجت فروج الخلق ثم دماؤهم*** وحقوقهم منه الى الديان
ما عنده علم سوى التكفير والتـ***ـبديع والتضليل والبهتان
فاذا تيقن أنه المغلوب عنـ***ـد تقابل الفرسان في الميدان
قال اشتكوه الى القضاة فانهم*** حكموا وألا أشكوه للسلطان
قولوا له هذا يحل الملك بل*** هذا يزيل الملك مثل فلان
فاعقره من قبل اشتداد الأمر منـ***ـه بقوة الاتباع والأعوان
واذا دعاكم للرسول وحكمه*** فادعوه كلكم لرأي فلان
واذا اجتمعتم في المجالس فالغو*** والغوا اذا ما احتج بالقرآن
واستنصروا بمحاضر وشهادة*** قد أصلحت بالرفق والاتقان
لا تسألوا الشهداء كيف تحملوا*** وبأي وقت بل بأي مكان
وارفوا شهادتهم ومشوا حالها*** بل أصلحوها غاية الامكان
واذا هم شهدوا فزكوهم ولا*** تصغوا لقول الجارح الطعان
قولوا العدالة منهم قطيعة*** لسنا نعارضها بقول فلان
ثبتت على الحكام بل حكموا بها*** فالطعن فيها ليس ذا امكان
من جاء يقدح فيهم فليتخذ***ظهرا كمثل جدارة الصوان
واذا هو استعدادهم فجوابكم*** أتردها بعداوة الديان


فصل
في حال العدو الثاني

أو حاسد قد بات يغلي صدره*** بعداوتي كالمرجل الملآن
لو قلت هذا البحر قال مكذبا*** هذا السراب يكون بالقيعان
أو قلت هذي الشمس قال مباهتا*** الشمس لم تطلع الى ذا الآن
أو قلت قال الله قال رسوله*** غضب الخبيث وجاء بالكتمان
أو حرف القرآن عن موضوعه*** تحريف كذاب على القرآن
صال النصوص عليه فهو بدفعها*** متوكل بالدأب والديان
فكلامه في النص عند خلافه*** من باب دفع الصائل الطعان
فالقصد دفع النص عن مدلوله*** كيلا يصول اذا التقى الزحفان

فصل
في حال العدو الثالث

والثالثل الأعمى المقلد ذينك الر***جلين قائد زمرة العميان
فاللعن والتكفير والتبديع والتـ***ـضليل والتفسيق بالعدوان
فاذا هم سألوه مستندا له***قال اسمعوا ما قاله الرجلان



فصل
في حال العدو الرابع

هذا ورابعهم وليس بكلبهم***حاشا الكلاب الآكلي الأنتان
خنزير طبع في خليقة ناطق*** متسوف بالكذب والبهتان
كالكلب يتبعهم يشمشم أعظما*** يرمونها والقوم للحمان
يتفكهون بها رخيصا سعرها*** ميتا بلا عوض ولا أثمان
هو فضلة في الناس لا علم ولا*** دين ولا تمكين ذي سلطان
فإذا رأى شرا تحرك يبتغي*** ذكرا كمثل تحرك الثعبان
ليزول منه أذى الكساد فينفق الـ***ـكلب العقور على ذكور الضان
فبقاؤه في الناس أعظم محنة*** من عسكر يعزى الى غازان
هذي بضاعة ضارب في الأرض يبـ***ـغي تاجرا يبتاع بالأثمان
وجد التجار جميعهم قد سافروا*** عن هذه البلدان والأوطان
الا الصعافقة الذين تكلفوا*** أن يتجروا فينا بلا أثمان
فهم الزبون لها فبالله ارحموا*** من بيعة من مفلس مديان
يا رب فارزقها بحقك تاجرا*** قد طاف بالآفاق والبلدان
ما كل كنقوش لديه أصفر*** ذهبا يراه خالص العقيان
وكذا الزجاج ودرة الغواص في*** تمييزه ما إن هما مثلان


فصل
في توجه أهل السنة الى رب العالمين
أن ينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين

هذا ونصر الدين فرض لازم*** لا للكفاية بل على الأعيان
بيد وأما باللسان فان عجز***ت فبالتوجه والدعاء بحنان
ما بعد ذا والله للايمان حبـ***ـة خردل يا ناصر الايمان
بحياة وجهك خير مسئول به*** وبنور وجهك يا عظيم الشان
وبحق نعمتك التي أوليتها*** من غير ما عوض ولا أثمان
وبحق رحمتك التي وسعت جميع الـ***ـخلق محسنهم كذاك الجاني
وبحق أسماء لك الحسنى معا***نيها نعوت المدح للرحمن
وبحق حمدك وهو حمد واسع الـ***أكوان بل أضعاف ذي الأكوان
وبأنك الله الاله الحق معـ***ـبود الورى متقدس عن ثان
بل كل معبود سواك فباطل*** من دون عرشك للثرى التحتاني
وبك المعاذ ولا ملاذ سواك أنـ***ـت غياث كل ملدد لهفان
من ذاك للمضطر يسمعه سوا***ك يجيب دعوته مع العصيان
انّا توجهنا اليك لحاجة*** ترضيك طالبها أحق معان
فاجعل قضاها بعض أنعمك التي*** سبغت علينا منك كل زمان


انصر كتابك والرسول ودينك الـ***ـعالي الذي أنزلت بالبرهان
واخترته دينا لنفسك واصطفيـ***ـت مقيمه من أمة الانسان
ورضيته دينا لمن ترضاه من*** هذا الورى هو قيم الأديان
وأقر عين رسولك المبعوث بالـ***ـدين الحنيف بنصره المتدان
وانصره بالنصر العزيز كمثل ما*** قد كنت تنصره بكل زمان
يا رب وانصر خير حزبينا على*** حزب الضلال وعسكر الشيطان
يا رب واجعل شر حزبينا فدى*** لخيارهم ولعسكر القرآن
يا رب واجعل حزبك المنصور أهـ***ـل تراحم وتواصل وتدان
يا رب وارحمهم من البدع التي*** قد أحدثت في الدين كل زمان
يا رب جنبهم طرائقها التي*** تفضي بسالكها الى النيران
يا رب واهدهم بنور الوحي كي*** يصلوا اليك فيظفروا بجنان
يا رب كن لهم وليا ناصرا*** واحفظهم من فتنة الفتان
وانصرهم يا رب بالحق الذي*** أنزلته يا منزل القرآن

يا رب هم الغرباء قد*** لجأوا اليك وأنت ذو الاحسان
يا رب قد عادوا لأجلك كل*** هذا الخلق الا صادق الايمان
قد فارقوهم فيك أحوج ما هم*** دنيا اليهم في رضا الرحمن
ورضوا ولايتك التي من نالها*** نال الأمان ونال كل اماني
ورضوا بوحيك من سواه وما ار***تضوا بسواه من آراء ذي الهذيان
يا رب ثبتهم على الايمان واجـ***ـعلهم هداة التائه الحيران
وانصر على حزب النفاة عساكر الـ***إثبات أهل الحق والعرفان
وأقم لأهل السنة النبوية الـ***انصار وانصرهم بكل زمان
واجعلهم للمتقين أئمة*** وارزقهم صبرا مع الايقان
تهدي بأمرك لا بما قد أحدثوا*** ودعوا اليه الناس بالعدوان
وأعزهم بالحق وانصرهم به*** نصرا عزيزا أنت ذو السلطان
واغفر ذنوبهم وأصلح شأنهم*** فلأنت أهل العفو والغفران
ولك المحامد كلها حمدا كما*** يرضيك لا يفنى على الأزمان
ملك السموات العلى والأرض والـ*** ـموجود بعد ومنتهى الامكان
مما تشاء وراء ذلك كله*** حمدا بغير نهاية بزمان
وعلى رسولك أفضل الصلوات والتـ***ـسليم منك وأكمل الرضوان
وعلى صحابته جميعا والألى***تبعوهم من بعد بالاحسان

تمت بحمد الله
يوم الجمعة 17 رمضان 1423

ابن القيم الجوزيه رحمه الله ر حمه واسعه والمسلمين

فهد الماجدي
08-29-2010, 10:56 PM
السر الذي فيه الشفاء التام والدواء النافع

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله


فَاتِحَةُ الْكِتاب: وأُمُّ القرآن، والسبعُ المثاني، والشفاءُ التام، والدواءُ النافع، والرُّقيةُ التامة، ومفتاح الغِنَى والفلاح، وحافظةُ القوة، ودافعةُ الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارَها وأعطاها حقَّها، وأحسنَ تنزيلها على دائه، وعَرَفَ وجهَ الاستشفاء والتداوي بها، والسرَّ الذي لأجله كانت كذلك.

ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك، رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته. فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وما أدراك أنَّها رُقْيَة ».

ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرارِ هذه السورة، وما اشتملت عليه مِنَ التوحيد، ومعرفةِ الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثباتِ الشرع والقَدَر والمعاد، وتجريدِ توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كُلُّه، وله الحمدُ كُلُّه، وبيده الخيرُ كُلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كُلُّه، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصلُ سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأنَّ العاقبةَ المطلقة التامة، والنعمةَ الكاملة مَنوطةٌ بها، موقوفةٌ على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابَه.

وهذا أمرٌ يحتاجُ استحداثَ فِطرةٍ أُخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر، وتاللهِ لا تجدُ مقالةٌ فاسدة، ولا بدعةٌ باطلة إلا وفاتحةُ الكتابِ متضمِّنة لردها وإبطالها بأقرب الطُرُق، وأصحِّها وأوضحِها، ولا تجدُ باباً من أبواب المعارف الإلهية، وأعمالِ القلوب وأدويتها مِن عللها وأسقامها إلا وفى فاتحة الكتاب مفتاحُه، وموضعُ الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايتُه ونهايتُه فيها.

ولعَمْرُ الله إنَّ شأنها لأعظمُ من ذلك، وهى فوقَ ذلك. وما تحقَّق عبدٌ بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تاماً، وعِصمةً بالغةً، ونوراً مبيناً، وفهمها وفهم لوازمَها كما ينبغي ووقع في بدعةٍ ولا شِركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِماماً، غيرَ مستقر.

هذا.. وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاحُ لكنوز الجَنَّة، ولكن ليس كل واحد يُحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أنَّ طُلابَ الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقَّقُوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسناناً، وأحسنُوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكُنوزِ من غير معاوِق، ولا ممانع.

ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً؛ بل حقيقةً، ولكنْ لله تعالى حكمةٌ بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالَمين، كما لَه حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوزُ المحجوبة قد استُخدمَ عليها أرواحٌ خبيثة شيطانية تحولُ بين الإنس وبينها، ولا تقهرُها إلاَّ أرواحٌ عُلْوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحةٌ لا تقومُ لها الشياطين، وأكثرُ نفوس الناس ليست بهذه المَثابة، فلا يُقاوِمُ تلك الأرواح ولا يَقْهَرُها، ولا ينال من سلبِها شيئاً، فإنَّ مَن قتل قتيلاً فله سلبه.



من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد / مجلد الطب النبوي ( 4 / 347 )

فهد الماجدي
09-13-2010, 06:53 AM
أشعة: لا إله إلا الله



الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله
اعلم أن أشعة ((لا إله إلا الله)) تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور - قوة وضعفا - لا يحصيه إلا الله تعالى.
فمن الناس : من نور هذه الكلمة في قلبه كالشمس.
ومنهم : من نورها في قلبه كالكوكب الدري.
ومنهم : من نورها في قلبه كالمشعل العظيم.
وآخر : كالسراج المضيء وآخر كالسراج الضعيف.
ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم، وبين أيديهم، على هذا المقدار بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علماً وعملاً، ومعرفةً وحالاً.
وكلما عظم نور هذه الكلمة واشتد : أحرق من الشبهات والشهوات بحسب قوته وشدته، حتى إنه ربما وصل إلى حال لا يصادف معها شبهة ولا شهوة ولا ذنبا إلا أحرقه، وهذا حال الصادق في توحيده الذي لم يشرك بالله شيئا، فأي ذنب أو شهوة أو شبهة دنت من هذا النور أحرقها، فسماء إيمانه قد حُرست بالنجوم من كل سارق لحسناته، فلا ينال منها السارق إلا على غرة وغفلة لا بد منها للبشر، فإذا استيقظ وعلم ما سُرق منه استنقذه من سارقه، أو حصل أضعافه بكسبه، فهو هكذا أبداً مع لصوص الجن والإنس، ليس كمن فتح لهم خزانته وولَّى الباب ظهره.
وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عباد الأصنام مقرين بذلك وهم مشركون، بل التوحيد يتضمن من محبة الله، والخضوع له، والذل، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له، وإرادة وجهة الأعلى بجميع الأقوال والأعمال، والمنع والعطاء، والحب والبغض، ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( إن الله حرم على النار من قال : لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله )). وقوله: (( لا يدخل النار من قال : لا إله إلا الله )) وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس،
حتى ظنها بعضهم منسوخة،
وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع،
وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار،
وأوّلَ بعضهم الدخول بالخلود وقال : المعنى لا يدخلها خالداً، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة.
والشارع -صلوات الله وسلامه عليه- لم يجعل ذلك حاصلاً بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار، فلا بد من قول القلب، وقول اللسان. وقول القلب : يتضمن من معرفتها والتصديق بها، ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به التي يستحيل ثبوتها لغيره، وقيام هذا المعنى بالقلب : علماً ومعرفةً ويقيناً وحالاً : ما يوجب تحريم قائلها على النار.
وكلُّ قولٍ رَتَّبَ الشارع ما رتب عليه من الثواب فإنما هو القول التام، كقوله -صلى الله عليه وسلم- : (( من قال في يوم : سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه -أو غفرت ذنوبه- ولو كانت مثل زبد البحر )) وليس هذا مرتَّباً على مجرد قول اللسان.
نعم من قالها بلسانه غافلا عن معناها، معرضا عن تدبرها، ولم يواطىء قلبه لسانه، ولا عرف قدرها وحقيقتها، راجياً مع ذلك ثوابها، حُطّت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات : لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والرزانة.
وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى فانظر إلى ذكر من قلبه ملآن بمحبتك وذكر من هو معرض عنك غافل ساه مشغول بغيرك قد انجذبت دواعي قلبه إلى محبة غيرك وإيثاره عليك، هل يكون ذكرهما واحدا؟ أم هل يكون ولداك اللذان هما بهذه المثابة، أو عبداك، أو زوجتاك عندك سواء ؟.
وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية، وحملته وهو في تلك الحال على أن جعل ينوء بصدره ويعالج سكرات الموت، فهذا أمر آخر، وإيمان آخر، ولا جرم أن أُلحق بالقرية الصالحة وجعل من أهلها.
وقريب من هذا : ما قام بقلب البَغي التي رأت ذلك الكلب وقد اشتد به العطش يأكل الثرى، فقام بقلبها ذلك الوقت مع عدم الآلة، وعدم المعين، وعدم من ترائيه بعملها، ما حملها على أن غررت بنفسها في نزول البئر وملء الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحَملِها خفها بفيها -وهو ملآن- حتى أمكنها الرُّقِي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جَرَت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شَرِب من غير أن ترجو منه جزاء ولا شكورا، فأحرقت أنوارُ هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء، فغُفر لها.
فهكذا الأعمال والعُمّال عند الله، والغافل في غفلة من هذا الإكسير الكيماوي الذي إذا وضع منه مثقال ذرة على قناطير من نحاس الأعمال قلبها ذهبا. والله المستعان.
نقله لكم
www.aborashed.com
من كتاب مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/278-282)

فهد الماجدي
09-17-2010, 05:00 PM
صفة القلب السليم

الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

وهو القلب الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [ الشعراء : 88 ].

وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سَلِمَ من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله - مع تحكيمه لرسوله - في خوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق، وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده

فالقلب السليم: هو الذي سَلِمَ من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة وتوكلا وإنابة وإخباتا وخشية ورجاء، وخلص عمله لله؛ فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسوله -صلى الله عليه وسلم- فيعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في الأقوال والأعمال؛ من أقوال القلب وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما في القلب، وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقَّه وجِلَّه هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات:1] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.

قال بعض السلف : ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ؟، وكيف؟. أي: لِمَ فعلت؟، وكيف فعلت؟.

فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم أو استجلاب محبوب عاجل أو دفع مكروه عاجل، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى وابتغاء الوسيلة إليه.

ومحل هذا السؤال: أنه هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك أم فعلته لحظك وهواك.

والثاني : سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد. أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟.

فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما.

فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص.

وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة.

وسلامة القلب: من إرادةٍ تُعارض الإخلاص، وهوى يُعارض الاتباع، فهذا حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة.

وقال - أيضاً- في الداء والدواء:

ولا يتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء :

1- من شرك يناقض التوحيد

2- وبدعة تخالف السنة

3- وشهوة تخالف الأمر

4- وغفلة تناقض الذكر

5- وهوى يناقض التجريد والإخلاص.

وهذه الخمسة حُجبٌ عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة وتتضمن أفراداً لا تنحصر.

نقله لكم

www.aborashed.com

من كتاب إغاثة اللهفان وكتاب الداء والدواء للإمام ابن القيم

فهد الماجدي
09-17-2010, 05:24 PM
أنـــواع الأقـــلام !

قال ابن القيم رحمه الله:

الأقلام متفاوتة في الرتب؛ فأعلاها وأجلها قدراً: قلم القدر السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق، كما في سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: « إن أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب قال : يا رب وما أكتب ؟ قال : أكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ».

القلم الثاني: قلم الوحي وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وأصحاب هذا القلم هم الحكام على العالم، والعالَم خدم لهم، وإليهم الحل والعقد، والأقلام كلها خدم لأقلامهم، وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام: فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله تبارك وتعالى من الأمور التي يدبر بها أمر العالم العلوي والسفلي.

والقلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله؛ وهو قلم الفقهاء والمفتين، وهذا القلم أيضا حاكم غير محكوم عليه، فإليه التحاكم في الدماء والأموال والفروج والحقوق، وأصحابه مخبرون عن الله بحكمه الذي حكم به بين عباده، وأصحابه حكام وملوك على أرباب الأقلام وأقلام العالم خدم لهذا القلم.

القلم الرابع : قلم طب الأبدان التي تحفظ بها صحتها الموجودة، وترد إليها صحتها المفقودة، وتدفع به عنها آفاتها وعوارضها المضادة لصحتها، وهذا القلم أنفع الأقلام بعد قلم طب الأديان، وحاجة الناس إلى أهله تلتحق بالضرورة.

القلم الخامس: التوقيع عن الملوك ونوابهم وسياسة الملك، ولهذا كان أصحابه أعز أصحاب الأقلام، والمشاركون للملوك في تدبير الدول، فإن صلحت أقلامهم صلحت المملكة، وإن فسدت أقلامهم فسدت المملكة، وهم وسائط بين الملوك ورعاياهم.

القلم السادس:قلم الحساب وهو القلم الذي تضبط به الأموال مستخرجها ومصروفها ومقاديرها، وهو قلم الأرزاق وهو قلم الكم المتصل والمنفصل؛ الذي تضبط به المقادير وما بينها من التفاوت والتناسب، ومبناه على الصدق والعدل، فإذا كذب هذا القلم وظلم فسد أمر المملكة.

القلم السابع: قلم الحكم الذي تثبت به الحقوق، وتنفذ به القضايا، وتراق به الدماء، وتؤخذ به الأموال والحقوق من اليد العادية فترد إلى اليد المحقة، ويثبت به الإنسان وتنقطع به الخصومات، وبين هذا القلم وقلم التوقيع عن الله عموم وخصوص فهذا له النفوذ واللزوم وذاك له العموم والشمول، وهو قلم قائم بالصدق فيما يثبته، وبالعدل فيما يمضيه وينفذه.

القلم الثامن: قلم الشهادة وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق، وتصان عن الإضاعة، وتحول بين الفاجر وإنكاره، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويشهد للمحق بحقه، وعلى المبطل بباطله، وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق، ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد، وباستقامته يستقيم أمر العالم، ومبناه على العلم وعدم الكتمان.

القلم التاسع: قلم التعبير وهو كاتب وحي المنام وتفسيره وتعبيره وما أريد منه، وهو قلم شريف جليل مترجم للوحي المنامي، كاشف له، وهو من الأقلام التي تصلح للدنيا والدين، وهو يعتمد طهارة صاحبه ونزاهته وأمانته، وتحريه للصدق والطرائق الحميدة والمناهج السديدة، مع علم راسخ، وصفاء باطن، وحسن مؤيد بالنور الإلهي، ومعرفة بأحوال الخلق وهيئاتهم وسيرهم، وهو من ألطف الأقلام وأعمها جولانا، وأوسعها تصرفا، وأشدها تشبثا بسائر الموجودات: علويها وسفليها وبالماضي والحال والمستقبل فتصرف هذا القلم في المنام هو محل ولايته وكرسي مملكته وسلطانه.

القلم العاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه وهو القلم الذي تضبط به الحوادث، وتنقل من أمة إلى أمة، ومن قرن إلى قرن، فيحصر ما مضى من العالم وحوادثه في الخيال، وينقشه في النفس حتى كأن السامع يرى ذلك ويشهده، فهو قلم المعاد الروحاني، وهذا القلم قلم العجائب؛ فإنه يعيد لك العالم في صورة الخيال فتراه بقلبك وتشاهد ببصيرتك.

القلم الحادي عشر: قلم اللغة وتفاصيلها من شرح المعاني ألفاظها، ونحوها وتصريفها، وأسرار تراكيبها، وما يتبع ذلك من أحوالها ووجوهها وأنواع دلالتها على المعاني وكيفية الدلالة، وهو قلم التعبير عن المعاني باختيار أحسن الألفاظ وأعذبها وأسهلها وأوضحها، وهذا القلم واسع التصرف جدا بحسب سعة الألفاظ وكثرة مجاريها وتنوعها.

القلم الثاني عشر: القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين، ورفع سنة المحقين، وكشف أباطيل المبطلين، على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيان تناقضهم وتهافتهم، وخروجهم عن الحق، ودخولهم في الباطل، وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام، وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل، المحاربون لأعدائهم، وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال، وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل، وعدو لكل مخالف للرسل، فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن.


نقله لكم:

www.aborashed.com

من كتاب التبيان في أقسام القرآن ص 128[/QUOTE]

فهد الماجدي
09-21-2010, 06:58 PM
مفسدات القلب الخمسة
للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل، والدار الآخرة، ويكشف عن طريق الحق ونهجه، وآفات النفس، والعمل، وقطاع الطريق؛ بنوره وحياته وقوته، وصحته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشواغل والقواطع عنه. وهذه الخمسة تطفئ نوره، وتعور عين بصيرته، وتثقل سمعه إن لم تَصُمه وتُبْكِمَه، وتضعف قواه كلها، وتوهن صحته، وتفتِّر عزيمته، وتوقف همته، وتنكسه إلى وراءه، ومن لا شعور له بهذا فميت القلب، وما لجرح بميت إيلام، فهي عائقة له عن نبل كماله، قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له، وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه. فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال؛ إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها. قالوا: وما أطيب ما فيها. قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه والإعراض عما سواه، أو نحو هذا من الكلام. وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقاً. وهذه الأشياء الخمسة : قاطعة عن هذا، حائلة بين القلب وبينه، عائقة له عن سيره، ومحدثة له أمراضاً وعللاً إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها. ● المفسد الأول : كثرة الخلطةفأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، ويوجب له تشتتا وتفرقاً وهماً وغماً وضعفاً وحملاً لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسُّم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من منحة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس؟ وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضرَّ من قرناء السوء؟ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد. وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض؛ تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلِّط عليها يديه ندما كما قال تعالى : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً . يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾[الفرقان:27-29] وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾[الزخرف:67] وقال خليله إبراهيم لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾[العنكبوت:25] .وهذا شأن كل مشتركين في غرض، يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألماً، وانقلبت تلك المودة بغضاً ولعنةً وذماً من بعضهم لبعض، لما انقلب ذلك الغرض حزناً وعذاباً، كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أُخِذوا وعوقبوا، فكلُّ متساعدين على باطل متوادين عليه : لا بد أن تنقلب مودتهما بغضاً وعداوة. والضابط النافع في أمر الخلطة : أن يخالط الناس في الخير - كالجمعة، والجماعة، والأعياد، والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة - ويعتزلهم في الشر، وفضول المباحات. فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم : فالحذَر الحذَر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر، ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له، وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا. وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات : فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه، ويشجع نفسه، ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك، بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه، وليستغن بالله، ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن أعجزته المقادير عن ذلك، فليَسُلَّ قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضراً غائباً، قريباً بعيداً، نائماً يقظاناً، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه : أن يصْدُق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحاً ذليلاً، ولا يُعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها، ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة، ومادة قوة من الله عز و جل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى. والله تعالى أعلم. ● المفسد الثاني من مفسدات القلب : ركوبه بحر التمني وهو بحر لا ساحل له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليسِ، وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية. ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل أعتاضت عنها بالأماني الذهنية، وكل بحسب حاله. من متمن للقدرة والسلطان وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان، فيمثل المتمني صورة مطلوبة في نفسه وقد فاز بوصولها، والتَذَّ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال، إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره. فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور. وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم متمني الخير، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، كالقائل : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه. ويصل فيه رحمه، ويخرج منه حقه. وقال: "هما في الأجر سواء" وتمنى في حجة الوداع : أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي، وكان قد قرَن فأعطاه الله ثواب القِران بفعله، وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين. ● المفسد الثالث : التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق. فليس عليه أضر من ذلك. ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز و جل، بتعلقه بغيره، والتفاته إلى سواه. فلا على نصيبه من الله حصل. ولا إلى ما أمّله ممن تعلّق به وصل. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا . كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:81-82] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ . لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:74-75] .فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله: كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، أوهن البيوت. وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها : التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً﴾ [الإسراء:22] مذموما لا حامد لك، مخذولا لا ناصر لك، إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا؛ كالذي قهر بباطل. وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل. وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق. والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور. ● المفسد الرابع : الطعام والمفسد له من ذلك نوعان : أحدهما : ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان : - محرمات لحق الله : كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وذي الناب من السباع، والمخلب من الطير. - ومحرمات لحق العباد : كالمسروق، والمغصوب، والمنهوب، وما أخذ بغير رضي صاحبه؛ إما قهرا وإما حياء وتذمما. والثاني : ما يفسده بقدره وتعدي حده كالإسراف في الحلال، والشبع المفرط؛ فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة، ومحاولتها حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها، ووقاية ضررها، والتأذي بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة، وطرق مجاري الشيطان ووسعها، فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم، فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها، والشبع يطرقها ويوسعها. ومن أكل كثيرا، شرب كثيرا، فنام كثيرا، فخسر كثيرا. وفي الحديث المشهور : «ما مَلأ آدميّ وعاء شَرّا من بَطْن ، بِحَسْب ابن آدم لُقَيْمَات يُقِمنَ صُلْبَه ، فإن كان لا مَحَالةَ : فَثُلُث لطَعَامِه ، وثُلث لشرابِهِ ، وثُلُث لنَفَسِه». ويحكى أن إبليس -لعنه الله- عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى: هل نلت مني شيئا قط؟ قال : لا، إلا أنه قُدِّم إليك الطعام ليلة فشَهَّيتُه إليك حتى شبعت منه، فنمت عن وردك.فقال يحيى : لله علي أن لا أشبع من طعام أبدا.فقال إبليس : وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا.● المفسد الخامس : كثرة النوم فإنه يميت القلب، ويثقل البدن، ويضيع الوقت، ويورث كثرة الغفلة والكسل، ومنه المكروه جداً، ومنه الضار غير النافع للبدن. وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه، ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره. ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه. وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره، ولا سيّما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران. ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس؛ فإنه وقت غنيمة، وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة، حتى لو ساروا طول ليلهم، لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس. فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق، وحصول القسم، وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر. وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير، وهو مقدار ثمان ساعات، وهذا أعدل النوم عند الأطباء، وما زاد عليه أو نقص منه أثّر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه. ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهه. فهو مكروه شرعاً وطبعاً. وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات؛ فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج، ويبسه، وانحراف النفس، وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل، ويورث أمراضاً متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها، وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير، وبالله المستعان

.نقله لكمwww.aborashed.com
من كتاب : مدارج السالكين بين منازل {إياك نعبد وإياك نستعين} (1 / 370 )

فهد الماجدي
10-08-2010, 04:38 AM
كن دائماً مع حزب الله ورسوله

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه

اللهإذا كان الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - في جانب؛ فاحذرْ أن تكون في الجانب الآخر؛ فإن ذلك يُفضِي إلى المشاقَّة والمحادَّة، وهذا أصلها، ومنه اشتقاقها؛ فإن المشاقة أن تكون في شقٍّ ومن يخالفه في شقٍّ، والمحادَّة أن تكون في حدٍّ وهو في حدٍّ.
ولا تَستسهِل هذا؛ فإن مبادئه تجر إلى غايته، وقليله يدعو إلى كثيره!
وكن في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم -، وإن كان الناسُ كلُّهم في الجانب الآخر؛ فإن لذلك عواقبَ هي أحمدُ العواقبِ وأفضلُها، وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته.
وأكثر الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، ولاسيما إذا قَوِيت الرغبةُ والرهبةُ؛ فهناك لا تكاد تجد أحداً في الجانب الذي فيه الله ورسوله، بل يعدُّه الناس ناقصَ العقل سيءَ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون، وذلك من مواريث أعداء الرُّسل؛ فأنهم نسبوهم إلى الجنون، لما كانوا في شقٍّ وجانبٍ والناسُ في شقٍّ وجانب آخر.
ولكن من وطَّن نفسَه على ذلك؛ فانه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقيناً له لا ريبَ عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولومةِ من لامه، ولا يَتِمُّ له ذلك إلا برغبةٍ قوية في الله والدار والآخرة؛ بحيث تكون الآخرة أحبَّ إليه من الدنيا وآثرَ عنده منها، ويكون الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم - أحبَّ إليه مما سواهُما.
وليس شيءٌ أصعب على الإنسان من ذلك في مبادىء الأمر؛ فانَّ نفسه وهواهُ وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل؛ فإذا خالفهم تَصدَّوا لحربه؛ فإن صبر وثبت جاءه العونُ من الله، وصار ذلك الصعب سهلاً، وذلك الألم لذًّة؛ فان الرب شكورٌ؛ فلا بدَّ أن يُذِيقَه لذَّةَ تحيُّزِه إلى الله وإلى رسوله، ويُرِيَه كرامةَ ذلك؛ فيشتدَّ به سرورُه وغبطتُهُ، ويبتهج به قلبه، ويظفر بقوته وفرحه وسروره، ويبقى من كان محارباً له على ذلك بين هائبٍ له مسالمٍ له ومساعدٍ وتارك، ويَقوَى جندُه ويضعُف جندُ العدوِّ.
ولا تَستصعِبْ مخالفةَ الناس والتحيُّز إلى الله ورسوله ولو كنتَ وحدك؛ فإن الله معك، وأنت بعينه وكَلاءتِه وحفظِه لك، وإنما امتحن يقينَك وصبرك.
وأعظم الأعوان لك على هذا بعد عون الله التجردُ من الطمع والفزع؛ فمتى تجرَّدتَ منهما هان عليك التحيُّزُ إلى الله ورسوله، وكنتَ دائماً في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتي قام بك الطمع والفزعُ فلا تَطمَعْ في هذا الأمر، ولا تُحدِّثْ به نفسك.
فإن قلتَ: فبأيِّ شيءٍ أستعينُ على التجرُّد من الطمع ومن الفزع؟
قلت: بالتوحيد، والتوكُّل، والثقة بالله، وعلْمِك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأنّ الأمر كلَّه لله ليس لأحد مع الله شيءٌ.
نقله لكم
http://www.aborashed.com/
من كتاب "الفوائد" ص 167

فهد الماجدي
11-03-2010, 06:32 PM
أنواع من الأدلة السمعية المحكمة
على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه
للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه اللهطريقان في رد السنن:

أحدهما : ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن.
الثاني : جعلهم المحكم متشابهاً ليعطلوا دلالته.
وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يُفسِّر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضُها بعضاً، فإنّها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره.
ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب ...
المثال الثاني : ردهم – الجهمية - المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به من إثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول الله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ وقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾ ونحو ذلك، ثم تحيّلوا وتمحَّلوا حتى ردّوا نصوص العلو والفوقية بمتشابهه.
رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعا:
أحدها : التصريح بالفوقية مقرونة بأداة مِنْ المعيِّنة لفوقية الذات نحو: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾.
الثاني : ذكرها مجردة عن الأداة كقوله: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾.
الثالث : التصريح بالعروج إليه نحو: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « فيعرُج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم ». [رواه البخاري (3223)]الرابع : التصريح بالصعود إليه كقوله: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾.
الخامس : التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾.
السادس : التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وشرفاً كقوله: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ ، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ ، ﴿ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾.
السابع : التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ ، ﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ، ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ ، وهذا يدل على شيئين:
· على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلَّم به لا غيره. · الثاني: على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.
الثامن : التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ﴾، وقوله: ﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾، ففرَّق بين مَنْ له عموماً ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « في كِتابٍ كتبهُ على نفسه ، فهو موضوع عندهُ على العرشِ ». [رواه البخاري (3149)] التاسع : التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين:
· إما أن تكون في بمعنى على. · وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره.
العاشر : التصريح بالاستواء مقروناً بأداة على مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات مصاحبا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتة.
الحادي عشر : التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه كقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا ». [صحيح الجامع (1757)] الثاني عشر : التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى أسفل. الثالث عشر : الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزله والفلاسفة في أعظم مَجْمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء، ويقول: « اللَّهُمَّ اشْهَد » [صحيح مسلم (1217)] ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.
الرابع عشر : التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة، ولا فرق بين اللفظين عندهم البتَّة، فالقائل: "أين الله" و: "متى كان الله" عندهم سواء، كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأعظمهم بياناً عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: « أين الله » [ السلسلة الصحيحة (3161) وعده الذهبي في المتواتر] في غير موضع.
الخامس عشر : شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال: "إن ربه في السماء" بالإيمان، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر، وصرّح الشافعي بأن هذا الذي وَصَفَته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في (باب عتق الرقبة المؤمنة) وذكر حديث الأمة السوداء التي سوَّدت وجوه الجهمية وبيَّضت وجوه المحمَّدية: « فلمّا وصفت الإيمان قال: « أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ » وهي إنما وصفت كون ربها في السماء، وأن محمداً عبده ورسوله؛ فَقَرَنَت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان.
السادس عشر : إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: ﴿ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ . أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ﴾ فكذّب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فَرْق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب؛ وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزَّه الرب عما لا يليق به وكذَّب موسى في إخباره بذلك؛ إذ من قال عندهم: إن ربه فوق السموات فهو كاذب؛ فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سمّاهم أئمة السنة: "فرعونية" قالوا: وهم شرٌّ من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول: إن الله في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه؛ كان قولهم خيرا من قولهم.
السابع عشر : إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردّد بين موسى وبين الله تعالى ويقول له موسى: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى، عدة مرات. [رواه البخاري ومسلم ] الثامن عشر : إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عياناً جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البدر والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مُفرطة في البعد فتمتنع الرؤية، ولا في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمم غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم - تعالى الله - أو مِنْ خلفهم أو من أمامهم أو عن أيمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولابد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقاً، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في "المسند" وغيره: « بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ, قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾، قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ، مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ » [ رواه ابن ماجة (184)، والحديث ضعيف، وأحاديث الرؤية في الصحيحين وغيرهما كثير] ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصرَّحوا بذلك، ورَكِبوا النَّفيين معاً، وصدَّق أهل السنة بالأمرين معاً وأقرّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذباً بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسطت أفرادُها كانت ألفَ دليلٍ على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ ورده زعيمهم المتأخر بقوله: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، وبقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾.
ثم ردّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردوه به، ثم ردوا المحكم متشابهاً؛ فتارة يحتجون به على الباطل، وتارة يدفعون به الحق، ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ولا أبين دلالةً من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم البتَّة، ولازم هذا القول لزوماً لا محيدَ عنه أن ترك الناس بدونها خير لهم من إنزالها إليهم، فإنها أوهمتهم وأفهمتهم غير المراد، وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبيَّن لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولِهم وأفكارهم ومقايسهم؛ فنسأل الله مثبت القلوب تبارك وتعالى أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريبٌ مجيب.


من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ( 4 / ص 58 – 76 )

فهد الماجدي
11-10-2010, 06:31 PM
كــمــال الـشـريـعــة
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان كمال الشريعة:

وهذا الأصل من أهمِّ الأصول وأنفعها، وهو مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عمومُ رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنَّه لَم يُحْوِج أمَّتَه إلى أحد بعده، وإنَّما حاجتهم إلى مَن يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيصٌ؛ عمومٌ بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يَحتاج إليه مَن بُعث إليه في أصول الدِّين وفروعه، فرسالتُه كافيةٌ شافيةٌ عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتمُّ الإيمانُ به إلاَّ بإثبات عمومِ رسالته في هذا وهذا، فلا يَخرج أحدٌ من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحقِّ الذي تحتاج إليه الأمَّة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السَّماء إلاَّ ذكَر للأمَّة منه علماً وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآدابَ الجِماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسَّفر والإقامة، والصَّمت والكلام، والعُزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووَصَفَ لهم العرشَ والكرسيَّ، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنَّه رأيُ عَين، وعرَّفهم معبودَهم وإلَههم أتمَّ تعريف، حتى كأنَّهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرَّفهم الأنبياء وأمَمَهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنَّهم كانوا بينهم، وعرَّفهم مِن طُرق الخير والشرِّ دقيقَها وجليلَها ما لَم يعرِّفه نبيٌّ لأمَّته قبله، وعرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النَّعيم والعذاب للروح والبدن، ما لَم يعرِّف به نبيٌّ غيرَه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أدلَّةَ التوحيد والنبوة والمعاد، والردَّ على جميع فرق أهل الكفر والضلال، ما ليس لِمَن عرفه حاجة مِن بعده، اللهمَّ إلاَّ إلى مَن يبلِّغه إياه ويبيِّنه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مَكايد الحروب ولقاء العدوِّ وطرُق النَّصر والظَّفَر ما لو عَلِموه وعقِلُوه ورعَوْه حقَّ رعايَتِه لَم يقم لَهم عدوٌّ أبداً، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مكايد إبليس وطرُقِه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به مِن كيده ومَكرِه، وما يدفعون به شرَّه ما لا مَزيد عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أحوال نفوسِهم وأوصافِها ودسائسِها وكمائِنها ما لا حاجة لهم مَعه إلى سِواه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أمور مَعايشِهم ما لو عَلِموه وعمِلُوه لاستقامت لهم دنياهم أعظمَ استقامة.
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برُمَّته، ولَم يُحْوِجْهُم الله إلى أحد سواه، فكيف يُظَنُّ أنَّ شريعتَه الكاملةَ التي ما طرق العالَم شريعةٌ أكملَ منها ناقصةٌ، تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكمِّلها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارجٍ عنها، ومَن ظنَّ ذلك فهو كمَن ظنَّ أنَّ بالناس حاجةً إلى رسول آخَر بعده، وسبَبُ هذا كله خفاءُ ما جاء به على مَن ظنَّ ذلك، وقلَّةُ نصيبه مِن الفَهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عمَّا سواه، وفتحوا به القلوبَ والبلادَ، وقالوا: هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وهو عهدُنا إليكم.
نقله لكم:
www.aborashed.com
من كتاب أعلام الموقعين (4/375 ـ 376)

فهد الماجدي
11-14-2010, 09:11 PM
كلُّ من آثر الدنيا فلا بد أن يقول على الله غير الحق

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

كلُّ من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبَّها؛ فلا بدَّ أن يقول على الله غيرَ الحقِّ؛ في فتواه وحكمِه، في خبرِه وإلزامِه؛ لانَّ أحكام الربِّ سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيَّما أهل الرياسة والذين يتَّبعون الشَّهوات؛ فإنَّهم لا تَتِمُّ لهم أغراضُهم إلاَّ بمخالفة الحقِّ ودفعه كثيراً؛ فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة، متَّبعين للشهوات لم يتمَّ له ذلك إلا بدفع ما يضادُّه من الحقِّ، ولا سيَّما إذا قامت له شبهةٌ، فتتَّفقُ الشبهةُ والشهوةُ، ويثَورُ الهوى، فيَخفَى الصوابُ، ويَنطمِسُ وجهُ الحقِّ! وإن كان الحقُّ ظاهراً لا خفاءَ به ولا شبةَ فيه أقدمَ على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة.

وفى هؤلاء وأشباههم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:59].

وقال تعالى فيهم أيضا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف:169].

فاخبر سبحانه أنهم اخذوا العرضَ الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم، وقالوا: سيُغفَر لنا! وان عَرضَ لهم عرضٌ آخر أخذوه؛ فهم مُصرُّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون: هذا حكمه وشرعه ودينُهُ! وهم يعلمون أن دينه وشرعه وحكمه خلافُ ذلك، أوْلا يعلمون أن ذلك دينُهُ وشرعُهُ وحكمُهُ! فتارةً يقولون على الله مالا يعلمون، وتارةً يقولون عليه ما يعلمون بطلانه!

وأمَّا الذين يتَّقون فيعلمون أنَّ الدار الآخرة خيرٌ من الدُّنيا، فلا يَحمِلُهم حبُّ الرياسة والشهوة على أن يُؤثِروا الدُّنيا على الآخرة. وطريقُ ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسُّنَّة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكَّروا في الدُّنيا وزوالها وخسَّتها، والآخرةِ وإقبالها ودوامِها.

وهؤلاء لابدَّ أنَ يبتدِعوا في الدين مع الفجور في العمل، فيجتمع لهم الأمران؛ فإنَّ اتِّباع الهوى يُعمِى عينَ القلب؛ فلا يُميِّزُ بين السنة والبدعة، أو يُنْكِسُهُ؛ فيرى البدعة سنةً والسنة بدعةً.

فهذه آفة العلماء إذا آثروا الدُّنيا واتَّبعوا الرياسات والشهوات.

وهذه الآيات فيهم إلى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ۝ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

فهذا مَثَلُ عالمِ السوء الذي يعمل بخلاف علمه.

وتأمَّل ما تضمَّنته هذه الآية من ذمِّة، وذلك من وجوه:

أحدُها : انه ضَلَّ بعد العلم، واختار الكفرَ على الإيمان عمداً لا جهلاً.

وثانيها : أنه فارق الإيمان مفارقهَ من لا يعود إليه أبداً؛ فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخُ الحيَّةُ من قِشْرِها، ولو بقى معه منها شيءٌ لمَ ينسلِخْ منها.

وثالثها : أنَّ الشيطان أدرَكهُ ولحقهُ بحيثُ ظَفِرَ به وافترسَهُ، ولهذا قال فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ولم يقل: تبعهُ؛ فإنَّ في معنى فَأَتْبَعَهُ أدركه ولَحِقَه، وهو أبلغ من (تبِعَهُ) لفظاً ومعنى.

ورابعُها : أنَّه غَوَى بعد الرُّشد، والغيُّ: الضَّلالُ في العلم والقصد، وهو أخصُّ بفساد القصد والعمل؛ كما أنَّ الضَّلال أخصُّ بفساد العلم والاعتقاد؛ فإذا أُفرِدَ أحدُهما دخلَ فيه الآخرُ، وإن اقترنا فالفرقُ ما ذُكِر.

وخامسُها : أنَّه سبحانه لم يشأ أن يرفعهُ بالعلم، فكان سبب هلاكه؛ لأنه لم يُرفَعْ به، فصار وبالاً عليه، فلو لم يكن عالماً كان خيراً له وأخفَّ لعذابه.

وسادسُها: أنَّه سبحانه اخبر عن خِسَّةِ همَّته وأنَّه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى.

وسابعُها : أنَّ اختيارَه للأدنى لم يكن عن خاطرٍ وحديث نفس، ولكنَّهُ كان عن إخلادٍ إلى الأرض، وميل بكلِّيتِهِ إلى ما هناك، وأصلُ الإخلاد اللزومُ على الدَّوام، كأنَّه قيل: لزِم الميلَ إلى الأرض، ومن هذا يُقالُ: أخلد فلانٌ بالمكان: إذا لزم الإقامةَ به، قال مالك بن نُوَيرة.

بأبناء حي من قَبائلِ مالِكٍ ... وعمرو بن يربوعٍ أقاموا فأخلَدوا

وعبَّرَ عن ميله إلى الدنيا بإخلادِهِ إلى الأرض؛ لأنَّ الدُّنيا هي الأرضُ وما فيها وما يُستَخرَجُ منها من الزينةِ والمتاع.

وثامنُها : أنه رَغِبَ عن هداهُ، واتَّبع هواهُ، فجعل هواهُ إماماً له يقتدي به ويتَّبِعُهُ.

وتاسعُها : أنَّه شبَّهَهُ بالكلب الذي هو أخسُّ الحيوانات هِمَّهً، وأسقطُها نفساً، وأبخلُها وأشدُّها كَلَباً، ولهذا سمي كلباً.

وعاشرُها : أنَّه شبَّه لَهَثَهُ على الدُّنيا، وعدمَ صبرِه عنها، وجَزَعَهُ لفقدها، وحرصه على تحصيلها؛ بلَهَثِ الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطَّرْدِ، وهكذا هذا: إن تُرِكَ فهو لَهْثَانُ على الدُّنيا، وإن وُعِظ وزُجِر فهو كذلك؛ فاللَّهَثُ لا يُفارِقُهُ في كلِّ حال كَلَهَثِ الكلب.

قال ابنُ قتيبة : كلُّ شيءٍ يَلهَثُ فإنَّما يَلْهَثُ من إعياءٍ أو عطش، إلاَّ الكلب؛ فإنه يلهثُ في حال الكلال وحال الراحة، وحال الرِّيِّ وحال العطش، فضربهُ الله مثلاً لهذا الكافر، فقال: إن وعظتَهُ فهو ضالٌَ، وإن تركتهُ فهو ضالٌّ؛ كالكلب؛ إن طردْتَهُ لَهَثَ، وإن تركتَهُ على حالِهِ لهَثَ.

وهذا التمثيلُ لم يَقَعْ بكلِّ كلبٍ، وإنما وقع بالكلبِ اللاهثِ، وذلك أخسُّ ما يكون وأشنعُهُ.

فهذا حالُ العالم المؤثِر الدُّنيا علي الآخرة.

وأما العابد الجاهل فآفتُهُ من إعراضه عن العلم وأحكامه وغلبة خياله وذوقه ووَجْدِه وما تهواه نفسه.

ولهذا قال سفيان ابن عُيينة وغيره: احذروا فتنةَ العالم الفاجر وفتنةَ العابد الجاهل؛ فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتونٍ.

فهذا بجهله يَصُدُّ عن العلم وموجبه، وذاك بغيِّة يدعو إلى الفُجور.

وقد ضرب الله سبحانه مثل النوع الآخر بقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ۝ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:16-17].

وقصتُهُ معروفةٌ، فإنه بنى أساسَ أمرِه على عبادة الله بجهلٍ، فأوقعه الشيطانُ بجهله، وكفَّره بجهله.

فهذا إمامُ كلِّ عابدٍ جاهل؛ يَكفُرُ ولا يَدْرِي، وذاك إمام كلِّ عالم فاجرٍ يختارُ الدُّنيا على الآخرة.

وقد جعل سبحانه رِضَى العبد بالدُّنيا وطمأنينتهُ وغفلتهُ عن معرفةِ آياتِهِ وتدبُّرِها والعملِ بها سبَب شقائِهِ وهلاكه.

ولا يجتمع هذان – أعني: الرضى بالدُّنيا والغفلة عن آيات الربِّ - إلا في قلب من لا يؤمنُ بالمعاد ولا يرجو لقاء ربِّ العباد، وإلا فلو رَسَخَ قدمُهُ في الإيمان بالمعاد؛ لما رضى الدُّنيا ولا اطمأنَّ إليها ولا أعرضَ عن آيات الله.

وأنت إذا تأمَّلْتَ أحوالَ الناس وجدتَ هذا الضرب هو الغالبُ على الناس وهم عُمَّارُ الدُّنيا، وأقلُّ الناس عدداً من هو على خلاف ذلك، وهو من أشدِّ الناس غُربةً بينهم؛ لهم شأنٌ وله شأنٌ، علمُه غيرُ علومهم، وإرادتُهُ غير إرادتهم، وطريقه غير طريقهم؛ فهو في وادٍ وهم في وادٍ.

قال تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ۝ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس:7-8]، ثم ذكر وصف ضدَّ هؤلاء ومآلهم وعاقبتهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:9] فهؤلاء إيمانهم بلقاء الله أورثَهم عدَم الرِّضى بالدُّنيا والطُّمأنينة اليها ودوامَ ذكرِ آياته.

فهذه مواريثُ الإيمان بالمعاد، وتلك مواريثُ عدمِ الإيمان به والغفلة عنه.

نقله لكم

www.aborashed.com

من كتاب الفوائد ص 145

فهد الماجدي
12-05-2010, 01:56 AM
هذه طائفة فوائد من كتاب الفوائد لابن القيم - رحمه الله - وكثير منها ينطبق على حال الكثير منا :



* علمت كلبك فهو يترك شهوته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك وخوفا من سطوتك
وكم علمك معلم الشرع وانت لا تقبل.

* ما مضى من الدنيا احلام وما بقي منها اماني والوقت ضائع بينهما.

* اعرف قدر ما ضاع وابك بكاء من يدري مقدار الفائت.

* لو تخيلت قرب الاحباب لأقمت المأتم على بعدك.

* انما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل فاذا حاد المسافر
عن الطريق ونام الليل كله فمتى يصل الى مقصده؟!

* أغبى الناس من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل.

* أعلى الهمم همة من استعد صاحبها للقاء الحبيب.

* طائر الطبع يرى الحبة وعين العقل ترى الشرك ، غير ان عين الهوى عمياء.

* اني لا غني بي عنك طرفة عين وليس لي من اعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي انا عبده.

* الرضا سكون القلب تحت مجاري الاحكام.

* قسوة القلب من اربعة اشياء اذا جاوزت قدر الحاجة : الاكل والنوم والكلام والمخالطة.

* القلوب آنية الله في ارضه ، فأحبها اليه سبحانه : أرقها واصلبها واصفاها.

* النعم ثلاث : نعمة حاصلة يعلم بها العبد ونعمة منتظرة يرجوها ونعمة هو فيها لا يشعر بها.

* لله ملك السماوات والارض واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة ابحر واحب منك دمعة فقحطت عينك بها.

* سبحان الله تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهر وتعرف رب العزة الى المحبين بأسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وانت مشغول بالجيف.

* وليس العجب من فقير مسكين يحب محسنا اليه انما العجب من محسن يحب فقيرا مسكينا.

* قلب المحب موضوع بين جلال محبوبه وجماله فاذا لاحظ جلاله هابه وعظمه واذا لاحظ جماله احبه واشتاق اليه.

* قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيها والمنادى عليها.

* أوثق غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب ان أفلت أتلف.

* السير في طلبها (اي الدنيا) سير في ارض مسبعة والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح المفروح به منها هو عين المحزون عليه آلامها متولدة من لذاتها واحزانها من افراحها.

* وقع ثعلبان في شبكة فقال احدهما للآخر : اين الملتقى بعد هذا ؟! فقال : بعد يومين في الدباغة.

* كن في الدنيا كالنحلة ان اكلت اكلت طيبا وان اطعمت اطعمت طيبا وان سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه.

* البخيل فقير لا يؤجر على فقره.

* ما قل وكفى خير مما كثر وألهى.

* لو سخرت من كلب لخشيت ان احول كلبا.

* وما منكم الا ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مؤداة الى اهلها.

* يكون في اخر الزمان اقوام افضل اعمالهم التلاوم بينهم يسمون الانتان.

* من استطاع منكم ان يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس ولا يناله السراق فليفعل فإن قلب الرجل مع كنزه.

* إذا رأيت الرجل يشتري الخسيس بالنفيس ويبيع العظيم بالحقير فاعلم انه سفيه.

فهد الماجدي
12-12-2010, 11:25 AM
المؤمن .. والنخلة

للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله

تأمل هذه النخلة التي هي إحدى آيات الله تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبهرك؛ فإنَّهُ لما قُدِّرَ أن يكون فيه إناثٌ تحتاج إلى اللِّقاحِ جُعِلت فيها ذكورٌ تُلِّقحُها بمنزلة ذُكورِ الحيوان وإناثه، ولذلك اشتدَّ شبهُها من بين سائر الأشجار بالإنسان خصوصاً بالمؤمن -كما مثَّلهُ النبي صلى الله عليه وسلم- وذلك من وجوه كثيرة:

احدها: ثبات أصلها في الأرض واستقراره فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي {اجتُثَّت من فوقِ الأرضِ مالها من قَرار}.

الثاني: طِيبُ ثمرتها وحلاوتُها وعمومُ المنفعَةِ بها، كذلك المؤمن طيَّبُ الكلام طيَّبُ العمل، فيه المنفعةُ لنفسه ولغيره.

الثالث: دوامُ لباسها وزينتها فلا يسقطُ عنها صيفاً ولا شتاءً، كذلك المؤمنُ لا يزولُ عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربَّهُ تعالى.

الرابع: سهولَةُ تناوُلِ ثمرتها وتيسُّرُهُ، أما قَصيرُها فلا يحتاجُ المتناوِلُ أن يَرقاها، وأما باسِقُها فصعوده سهل بالنسبة إلى صعود الشجرِ الطََََّوال وغيرها، فتراها كأنها قد هُيَّئت منها المراقي والدَّرَجُ إلى أعلاها، وكذلك المؤمنُ خيرُهُ سهلٌ قريبٌ لمن رام تناولهُ لا بالغِرَّ ولا باللئيم.

الخامس: أن ثمرتها من انفع ثمار العالم؛ فإنه يؤكل رُطَبُهُ فاكهةً وحلاوةً، ويابسُةُ يكونُ قوتاً وأُدْماً وفاكهةً ويُتخذ منه الخل والنَّاطفُ والحلوى، ويدخلُ في الأدوية والأشربة وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار.

السادس: أن النخلة اصبر الشجر على الرياح والجهد، وغيرها من الدَّوْحِ العظام تميلها الريح تارة وتقلعها تارة وتقصف أفنانها، ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة، فكذلك المؤمن صبورٌ على البلاء لا تزعزعه الرياح.

السابع: أن النخلة كلها منفعةٌ لا يسقط منها شيءٌ بغير منفعةٍ، فتمرها منفعة، وجذعها فيه من المنافع مالا يُجهَلُ للأبنيَةِ والسقوف وغير ذلك، وسعفُها تُسقفُ به البيوتُ مكان القصب ويستر به الفُرَجُ والخَلَلُ، وخُوصُها يُتخذ منه المكاتلُ والزنابيلُ وأنواع الآنية، والحُصُرُ وغيرها، ولِيفُها وكَرَبُها فيه من المنافع ما هو معلومٌ عند الناس.

وقد طابق بعض الناس هذه المنافع وصفات المسلم، وجعل لكلَّّ منفعة منها صفة في المسلم تقابلها، فلما جاء الى الشوك الذي في النَّخَلةِ جعل بإزائه من المسلم صفة الحِدَة على أعداء الله وأهل الفجور، فيكون عليهم في الشدة والغلظةِ بمنزلة الشوك، وللمؤمنين والمتَّقين بمنزلةِ الرُّطَبِ حلاوةً وليناً {أشداء على الكفار رحماء بينهم}.

الثامن: أنها كلما طال عمُرها ازداد خيرُها وجاد ثمرُها، وكذلك المؤمن إذا طال عمرهُ ازداد خيرهُ وحسن عمله.

التاسع: إن قَلْبَها من أطيَبِ القلوبِ وأحلاه، وهذا أمرٌ خُصَّت به دونَ سائر الشجر، وكذلك قلبُ المؤمن من أطيبِ القلوب.

العاشر: أنها لا يتعطَّلُ نفعُها بالكليَّة أبداً، بل إن تعطَّلَت منها منفعةٌ ففيها منافعُ أُخَرُ حتى لو تعطَّلَت ثمارُها سنةً لكان للناس في سَعَفها وخُوصها وليفها وكَرَبها منافعُ وآربٌ، وهكذا المؤمنُ لا يخلو عن شيءٍ من خصال الخير قط، إن اجدب منه جانبٌ من الخير أخصَبَ منه جانبٌ، فلا يزال خيرهُ مأمولا وشرَّه مأمونا.

في "الترمذي" مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم:" خَيرُكُم من يُرجى خيرُهُ ويؤمنُ شرهُ، وشرُّكُم من لا يُرجى خيرُهُ ولا يُؤمَنُ شرَّهُ".

نقله لكم باختصار

www.aborashed.com

من كتاب مفتاح دارالسعادة 1/231

فهد الماجدي
12-15-2010, 08:47 PM
الناس ثلاثة

قال ابن القيم – رحمه الله – ضمن وجوه فضل العلم وطلبه:

الوجه التاسع والعشرون بعد المائة: ما رواه كُميل بن زياد النخعي، قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبّانة، فلما أصحَرَ جَعَلَ يتنفس، ثم قال: « يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير، أحفظ عني ما أقول لك:

الناس ثلاثة:

1- فعالم رباني،

2- ومتعلم على سبيل نجاة،

3- وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.

العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكوا على الإنفاق، - وفي رواية: على العمل -، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر؛ أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة. هاه هاه، إن ههنا علماً -وأشار بيده إلى صدره - لو أصبت له حملة، بل أصبته لَقِناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر حجج الله على كتابه وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصير له في أحنائه [أي: أطرافه]، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لاذا و لا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، ليس من دعاة الدين، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة، لذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته لكيلا تبطل حجج الله وبنياته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قيلا، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعَرَ منه المترفون، وأنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه ودعاته إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم ».

ذكره أبو نعيم في الحلية وغيره


قال أبو بكر الخطيب:

هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى وأشرفها لفظا وتقسيم أمير المؤمنين للناس في أوله تقسيم في غاية الصحة ونهاية السداد؛ لان الإنسان لا يخلو من أحد الأقسام التي ذكرها مع كمال العقل وإزاحة العلل؛ إما أن يكون عالماً، أو متعلماً، أو مغفلاً للعلم وطلبه ليس بعالم ولا طالب له.

فالعالم الرباني : هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه رباني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها، ومعنى الرباني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم، العالي المنزلة فيه، قال ابن الأعرابي: إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له هذا رباني، فإن خرم عن خصلة منها لم نقل له رباني.

وأما المتعلم على سبيل النجاة: فهو الطالب بتعلمه والقاصد به نجاته؛ من التفريط في تضييع الفروض الواجبة عليه، والرغبة بنفسه عن أحمالها واطراحها، والأنفة من مجانسة البهائم،

ثم قال: وقد نفى بعض المتقدمين عن الناس: من لم يكن من أهل العلم.

وأما القسم الثالث: فهم المهملون لأنفسهم الراضون بالمنزلة الدنية والحال الخسيسة التي هي في الحضيض الأسقط، والهبوط الأسفل، التي لا منزلة بعدها في الجهل، ولا دونها في السقوط، وما أحسن ما شبههم بالهمج الرعاع، وبه يشبه دناة الناس وأراذلهم، والرعاع: المتبدد المتفرق، وللناعق: الصائح؛ وهو في هذا الموضع الراعي يقال نعق الراعي بالغنم ينعق إذا صاح بها ...

قال ابن القيم : ونحن نشير إلى بعض ما في هذا الحديث من الفوائد:

فقوله رضي الله عنه: «القلوب أوعية» يشبه القلب بالوعاء والإناء والوادي؛ لأنه وعاء للخير والشر.

وفي بعض الآثار: إن لله في أرضه آنية - وهي القلوب - فخيرها أرقُّها وأصلبُها وأصفاها؛ فهي أواني مملوءة من الخير، وأواني مملوءة من الشر؛ كما قال بعض السلف: قلوب الأبرار تغلي بالبِّر، وقلوب الفجار تغلي بالفجور.

وفي مثل هذا قيل في المثل: وكل إناء بالذي فيه ينضح. وقال تعالى: { أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} شبه العلم بالماء النازل من السماء، والقلوب في سَعتها وضيقها بالأودية؛ فقلب كبير واسع يسع علما كثيرا كوادٍ كبيرٍ واسع يسع ماءا كثيراً، وقلب صغير ضيق يسع علما قليلا كواد صغير ضيق يسع ماءا قليلا...

وقوله: « فخيرها أوعاها » يراد به أسرعها وعياً، وأكثرها وأثبتها وعياً، ويراد به أيضاً أحسنُها وعياً فيكون حُسن الوعي الذي هو إيعاء لما يقال له في قلبه هو سرعته وكثرته وثباته، ولما كان القلب وعاءا والأذن مدخل ذلك الوعاء وبابه كان حصول العلم موقوفا على حسن الاستماع، وعقل القلب هو ضبط ما وصل إلى القلب وإمساكه حتى لايتفلت منه ...، فخير القلوب ما كان واعيا للخير ضابطا له، وليس كالقلب القاسي الذي لا يقبله؛ فهذا قلبٌ حجري، ولا كالمائع الأخرق الذي يقبل ولكن لا يحفظ ولا يضبط، فتفهيم الأول كالرسم في الحَجَر، وتفهيم الثاني كالرسم على الماء، بل خيرُ القلوب ما كان لينا صلبا يقبلُ بلينه ما ينطبع فيه، ويحفظ صورته بصلابته فهذا تفهيمه كالرسم في الشمع وشبهه.

وقوله: «الناس ثلاثة ... » هذا تقسيم خاص للناس وهو الواقع فإن العبد:

إما ان يكون قد حصل كماله من العلم والعمل أو: لا.

فالأول: العالم الرباني، والثاني: إما أن تكون نفسه متحركة في طلب ذلك الكمال ساعية في إدراكه أو: لا

والثاني: هو المتعلم على سبيل النجاة.

الثالث: وهو الهمج الرعاج.

فالأول: هو الواصل، والثاني: هو الطالب، والثالث: هو المحروم.

والعالم الرباني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو المعلِّم، أخذه من التربية، أي: يربى الناس بالعلم ويربيهم به كما يربى الطفل أبوه. وقال سعيد بن جبير: هو الفقيه العليم الحكيم...

ولا يوصف العالم بكونه ربانيا حتى يكون عاملا بعمله معلما له.

فهذا قسم.

والقسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة؛ أي: قاصداً بعلمه النجاة، وهو المخلص في تعلمه، المتعلم ما ينفعه، العامل بما علمه، فلا يكون المتعلم على سبيل نجاة إلا بهذه الأمور الثلاثة؛ فإنه إن تعلم ما يضره ولا ينفعه لم يكن على سبيل نجاة، وإن تعلم ما ينتفع به لا للنجاة؛ فكذلك، وإن تعلمه ولم يعمل به لم يحصل له النجاة، ولهذا وصفه بكونه على السبيل أي: على الطريق التي تنجيه؛ أي: مفتش متطلع على سبيل نجاته، فهذا في الدرجة الثانية وليس ممن تعلمه ليمارى به السفهاء أو يجارى به العلماء أو يصرف وجوه الناس اليه فإن هذا من أهل النار كما جاء في الحديث ... فهؤلاء ليس فيهم من هو على سبيل نجاة، بل على سبيل الهلكة نعوذ بالله من الخذلان.

القسم الثالث : المحروم المعرض؛ فلا عالم، ولا متعلم، بل همج رعاع، والهمج من الناس حمقاؤهم وجهلتهم، وأصله من ( الهمج ) جمع ( همجة ) وهو ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والدواب وأعينها فشبه همج الناس به، ومعناه سوء التدبير في أمر المعيشة ، والرعاع من النساء الحمقى الذين لا يعتد بهم...

وقوله: «أتباع كل ناعق» أي: من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحقٌّ هو أم باطل؟ فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يعتزلها ألو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع.

وسمى داعيهم ناعقاً تشبيها لهم بالأنعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه أين ذهب!

وهذا الذي وصفهم به أمير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق والباطل، بل الكل عندهم سواء.

وقوله رضي الله عنه: « يميلون مع كل ريح » وفي رواية: « مع كل صائح » شبّه عقولهم الضعيفة بالغُصن الضعيف، وشبه الأهوية والآراء بالرياح، والغصن يميل مع الريح حيث مالت، وعقول هؤلاء تميل مع كل هوى وكلِّ داعٍ، ولو كانت عقولاً كاملة كانت كالشجرة الكبيرة التي لا تتلاعب بها الرياح.

وهذا بخلاف المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمن بالخامة من الزرع، تفيئه الريح مرّة وتقيمه أخرى، فهذا ضُرب للمؤمن وما يلقاه من عواصف البلاء والأوجاع والأوجال وغيرها.

وأما مع الأهواء ودعاة الفتن والضلال والبدع، فكما قيل:

تزول الجبال الرّاسيات وقلبه *** على العهد لا يلوي ولا يتغير

وقوله رضي الله عنه: «لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق» بيّن السبب الذي جعلهم بتلك المثابة؛ وهو أنه لم يحصل لهم من العلم نور يفرقون به بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾ وقال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ﴾ فإذا عدم القلب هذا النور صار بمنزلة الحيران الذي لا يدري أين يذهب! فهو لحيرته وجهله بطريق مقصوده يؤم كل صوت يسمعه، ولم يسكن قلوبهم من العلم ما تمتنع به من دعاةِ الباطل، فإن الحق متى استقر في القلب قوي به وامتنع مما يضره ويهلكه، ولهذا سمى الله الحجة العلمية سلطانا.

فالعبد يؤتى من ظلمة بصيرته ومن ضعف قلبه، فإذا استقر فيه العلم النافع استنارت بصيرته وقوى قلبه وهذان الأصلان هما قطب السعادة اعني العلم والقوة.

وهؤلاء ليسوا من أهل البصائر الذين استضاؤا بنور العلم، ولا لجئوا إلى عالم مستبصر فقلدوه، ولا متبعين لمستبصر، فإن الرجل إما أن يكون بصيراً أو أعمى متمسكا ببصير يقوده، أو أعمى يسير بلا قائد!.

نقله لكم باختصار:

www.aborashed.com

من كتاب مفتاح دار السعادة (2/403-416)

فهد الماجدي
05-24-2011, 11:00 PM
نعوذ بالله من شر الغاسق إذا وقب
للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

قال أكثر المفسرين : أنه الليل. قال عبد الله بن عباس: الليل إذا أقبل بظلمته من الشرق ودخل في كل شيء وأظلم. والغسَقُ : الظلمة، يقال: غسق الليل وأغسق إذا أظلم، ومنه قوله تعالى: ?أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ?. والوقوب : الدخول وهو دخول الليل بغروب الشمس. والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب هو أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة وفيه تنتشر الشياطين وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشمس إذا غربت انتشرت الشياطين ولهذا قال: «فاكْفِتوا صبيانكم واحبسوا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء» رواه البخاري ومسلم وفي حديث آخر: «فإن الله يبث من خلقه ما يشاء» والليل هو محل الظلام، وفيه تتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار، فإن النهار نور والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات والمواضع المظلمة وعلى أهل الظلمة. وروي أن سائلا سأل مسيلمة كيف يأتيك الذي يأتيك؟ فقال: في ظلماء حِنْدِس، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك؟ فقال: «في مثل ضوء النهار» فاستدلَّ بهذا على نُبُوتِه وإن الذي يأتيه ملك من عند الله، وأن الذي يأتي مسيلمة شيطان، ولهذا كان سلطان السحر وعِظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار، فالسحر الليلي عندهم هو السحر القوي التأثير، ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه، وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن. ومن هاهنا تعلم السر في الاستعاذة برب الفلق في هذا الموضع، فإن الفلق الصبح الذي هو مبدأ ظهور النور، وهو الذي يطرد جيش الظلام وعسكر المفسدين في الليل، فيأوي كل خبيث وكل مفسد وكل لص وكل قاطع طريق إلى سرب أو كِنٍّ أو غار، وتأوي الهوام إلى أحجرتها والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها. فأمر الله تعالى عباده أن يستعيذوا برب النور الذي يقهر الظلمة ويزيلها ويقهر عسكرها وجيشها؛ ولهذا ذكر سبحانه في كل كتاب أنه يخرج عباده من الظلمات إلى النور، ويدع الكفار في ظلمات كفرهم قال تعالى: ?اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ? وقال تعالى: ?أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا?. وقال في أعمار الكفار: ?أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ?. وقد قال قبل ذلك في صفات أهل الإيمان ونورهم: ?اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ?. فالإيمان كلُّه نور ومآله إلى نور، ومستقره في القلب المضيء المستنير والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة، والكفر والشرك كله ظلمة ومآله إلى الظلمات ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة، فتأمل الاستعاذة برب الفلق من شر الظلمة ومن شر ما يحدث فيها ونزول هذا المعنى على الواقع يشهد بأن القرآن بل هاتان السورتان من أعظم أعلام النبوة وبراهين صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومضادة لما جاء به الشياطين من كل وجه، وإن ما جاء به ?وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ . وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ?، فما فعلوه ولا يليق بهم ولا يتأتى منهم ولا يقدرون عليه وفي هذا أبين جواب وأشفاه لما يورده أعداء الرسول عليه من الأسئلة الباطلة التي قصر المتكلمون غاية التقصير في دفعها وما شفوا في جوابها وإنما الله سبحانه هو الذي شفى وكفى في جوابها فلم يحوجنا إلى متكلم ولا إلى أصولي ولا أنظار. فله الحمد والمنة لا نحصي ثناء عليه. انتهى مختصراً من كتاب بدائع الفوائد ص 557 - 562 روى البخاري ومسلم: عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْبَعِثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ». فواشيكم : الفواشي كل منتشر من المال الإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها وهي جمع فاشية لأنها تفشو أي تنتشر في الأرض فحمة العشاء: ظلمتها وسوادها أو إقباله وأول ظلامه.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رَفَعَهُ، قَالَ «خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ العِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ» ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ، عَنْ عَطَاءٍ «فَإِنَّ لِلشَّيَاطِينِ». أجيفوا : أغلقوا وردوا. اكفتوا : ضموهم وامنعوهم من الحركة. خطفة : هي استلاب الشيء وأخذه بسرعة. الرقاد : النوم. الفويسقة : الفأرة. وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيضاً - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أَوْ قَالَ: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ [فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا] ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا». استنجح : أظلم. جنح الليل : ظلامه وقيل أول ما يظلم. فكفوا صبيانكم : ضموهم وامنعوهم من الانتشار. أوك : من الإيكاء وهو الشد والوكاء اسم ما يشد به في فم القربة ونحوها. والسقاء ما يوضع فيه الماء أو اللبن ونحو ذلك. خمر : من التخمير وهو التغطية. تعرض عليه شيئا : تجعل على عرض الإناء شيئا كعود ونحوه امتثالا لأمر الشارع.

نقله لكم www.aborashed.com

فهد الماجدي
06-30-2011, 09:36 PM
الأمر بقتال الخوارج والنهيعن قتال الأمراء الظلمة


لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

المعاصي التي يعرف صاحبها أنه عاص يتوب منها، والمبتدع الذي يظن أنه على حق كالخوارج(1) والنواصب الذي نصبوا العداوة والحرب لجماعة المسلمين فابتدعوا بدعة، وكفروا من لم يوافقهم عليها، فصار بذلك ضررهم على المسلمين أعظم من ضرر الظلمة، الذين يعلمون أن الظلم محرم، وإن كانت عقوبة أحدهم في الآخرة لأجل التأويل قد تكون أخف، لكن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -بقتالهم، ونهى عن قتال الأمراء الظلمة، وتواترت عنه بذلك الأحاديث الصحيحة.
فقال في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وقراءته مع قراءتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم ».
وقال في بعضهم: « يقتلون أهل الإيمان، ويدعون أهل الأوثان ».
وقال للأنصار: « إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»، أي: تلقون من يستأثر عليكم بالمال ولا ينصفكم، فأمرهم بالصبر، ولم يأذن لهم في قتالهم.
وقال أيضا: « سيكون عليكم بعدي أمراء يطلبون منكم حقكم، ويمنعونكم حقهم». قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم».
وقال: « من رأى من أميره شيئا فليصبر عليه؛ فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ».
وقال: « من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية».
وقال: « خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال:«لا ما صلوا».
وهذه الأحاديث كلها في الصحيح، إلى أحاديث أمثالها.
فهذا أمره بقتال الخوارج، وهذا نهيه عن قتال الولاة الظلمة. وهذا مما يستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز قتاله.
ومن أسباب ذلك أن الظالم الذي يستأثر بالمال والولايات لا يقاتل في العادة إلا لأجل الدنيا، يقاتله الناس حتى يعطيهم المال والولايات، وحتى لا يظلمهم، فلم يكن أصل قتالهم ليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، ولا كان قتالهم من جنس قتال المحاربين قطاع الطريق، الذين قال فيهم: « من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون حرمته فهو شهيد» لأن أولئك معادون لجميع الناس، وجميع الناس يعينون على قتالهم، ولو قدر أنه ليس كذلك العداوة والحرب، فليسوا ولاة أمر قادرين على الفعل والأخذ، بل هم بالقتال يريدون أن يأخذوا أموال الناس ودماءهم، فهم مبتدءون الناس بالقتال، بخلاف ولاة الأمور فإنهم لا يبتدءون بالقتال للرعية.
وفرق بين من تقاتله دفعا وبين من تقاتله ابتداء. ولهذا هل يجوز في حال الفتنة قتال الدفع؟ فيه عن أحمد روايتان لتعارض الآثار والمعاني.
وبالجملة العادة المعروفة أن الخروج على ولاة الأمور يكون لطلب ما في أيديهم من المال والإمارة، وهذا قتال على الدنيا.
ولهذا قال أبو برزة الأسلمي عن فتنة ابن الزبير، وفتنة القراء مع الحجاج، وفتنة مروان بالشام: هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء إنما يقاتلون على الدنيا، وأما أهل البدع كالخوارج فهم يريدون إفساد دين الناس، فقتالهم قتال على الدين.
والمقصود بقتالهم أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله. فلهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا، ونهى عن ذلك.
ولهذا كان قتال علي رضي الله عنه للخوارج ثابتا بالنصوص الصريحة، وبإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين. وأما قتال الجمل وصفين فكان قتال فتنة، كرهه فضلاء الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر العلماء، كما دلت عليه النصوص. حتى الذين حضروه كانوا كارهين له، فكان كارهه في الأمة أكثر وأفضل من حامده.
وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم مالا فجاء ذو الخويصرة التميمي، وهو محلوق الرأس، كث اللحية، ناتئ الجبين، بين عينيه أثر السجود، فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل. فقال: «ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟»ثم قال: « أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني؟»فقال له: بعض الصحابة: دعنيأضرب عنقه. فقال:« يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم» الحديث.
فهذا كلامه في هؤلاء العباد لما كانوا مبتدعين. وثبت عنه في الصحيح «أن رجلا كان يشرب الخمر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما أتي به إليه جلده الحد، فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:« لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله» فنهى عن لعن هذا المعين المدمن الذي يشرب الخمر، وشهد له بأنه يحب الله ورسوله، مع لعنة شارب الخمر عموما.
فعلم الفرق بين العام المطلق والخاص المعين، وعلم أن أهل الذنوب الذين يعترفون بذنوبهم أخف ضررا على المسلمين من أمر أهل البدع الذين يبتدعون بدعة يستحلون بها عقوبة من يخالفهم.
____________
(1) قال الشهرستاني في "الملل والنحل" (1 / 114) :
"الخوارج: كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا، سواء كان الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين؛ أو كان بعدهم على التابعين بإحسان، والأئمة في كل زمان".
وقال الإمام البربهاري في شرح السنة (76) في تعريف الخوارج:
"من خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين وخالف الآثار، وميتته ميته جاهلية".
وقال الإمام الآجري في كتاب الشريعة (24):
"والخوارج هم الشراة الأنجاس الأرجاس، ومن كان على مذهبهم من سائر الخوارج يتوارثون هذا المذهب قديما وحديثا، ويخرجون على الأئمة والأمراء ويستحلون قتل المسلمين ... قاتلهم علي رضي الله عنه فأكرمه الله تعالى بقتلهم، وأخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل من قتلهم أو قتلوه، وقاتل معه الصحابة فصار سيف علي رضي الله عنه في الخوارج سيف حق إلى أن تقوم الساعة".

نقله لكم


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب "منهاج السنة النبوية" (5 / 149)

فهد الماجدي
07-17-2011, 10:35 PM
مدار الكمال الإنساني


للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله


الكمال الإنساني مداره على أصلين : معرفة الحق من الباطل، وإيثاره عليه.
وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوت منازلهم في هذين الأمرين، وهما اللذان أثنى الله بهما سبحانه على أنبيائه بهما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾[سورة ص: 45].
فالأيدي : القوة في تنفيذ الحق
والأبصار : البصائر في الدين
فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه، وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام:
فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى.
القسم الثاني : عكس هؤلاء، من لا بصيرة له في الدين، ولا قوة على تنفيذ الحق، وهم أكثر هذا الخلق، وهم الذين رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار.
القسم الثالث : من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه، وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.
القسم الرابع : من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة ، يحسب الورم شحما والدواء النافع سما.
وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[سورة السجدة:24].
فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين، وهؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر - الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين - على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ۝إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[ العصر : 1 - 3 ].
ولم يكتف منهم بمعرفة الحق والصبر عليه، حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده إليه ويحضه عليه.
وإذا كان من عدا هؤلاء فهو خاسر، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيرة القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي، وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه، بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره، فيدرك الباطل حقا والحق باطلا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، فينتكس في سيره ويرجع عن سفره إلى الله والدار الآخرة، إلى سفره إلى مستقر النفوس المبطلة التي رضيت بالحياة الدنيا، واطمأنت بها، وغفلت عن الله وآياته، وتركت الاستعداد للقائه، ولو لم يكن في عقوبة الذنوب إلا هذه وحدها لكانت داعية إلى تركها والبعد منها، والله المستعان.

نقله لكم


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب الداء والدواء ص: 93

فهد الماجدي
07-30-2011, 12:46 AM
العلامه ابن تيميه شيخ ابن القيم رحمهم الله .ابن القيم تلميذ لاابن تيميه


أسباب الفتن الواقعة


لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله

من المعلوم بما أرانا الله من آياته في الآفاق وفي أنفسنا وبما شهد به في كتابه: أن المعاصي سبب المصائب، فسيئات المصائب والجزاء من سيئات الأعمال، وأن الطاعة سبب النعمة، فإحسان العمل سبب لإحسان الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾[الشورى: 30]. وقال تعالى:﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[النساء: 79]
وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي، فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارا منهيا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشر، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديما وحديثا، إذ الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل أنواع، فيكون ظلم الأول وجهله من نوع، وظلم كل من الثاني والثالث وجهلهما من نوع آخر.
ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها، ومن تبعهم من العامة من الفتن: هذا أصلها، يدخل في ذلك أسباب الضلال والغي: التي هي الأهواء الدينية والشهوانية، وهي البدع في الدين والفجور في الدنيا، وذلك أن أسباب الضلال والغي البدع في الدين، والفجور في الدنيا، وهي مشتركة: تعم بني آدم، لما فيهم من الظلم والجهل، فبذنب بعض الناس يظلم نفسه وغيره، كالزنى بلواط وغيره،أو شرب خمر، أو ظلم في المال بخيانة أو سرقة أو غصب، أو نحو ذلك.
ومعلوم أن هذه المعاصي وإن كانت مستقبحة مذمومة في العقل والدين فهي مشتهاة أيضا، ومن شأن النفوس أنها لا تحب اختصاص غيرها بها، لكن تريد أن يحصل لها ما حصل له، وهذا هو الغبطة التي هي أدنى نوعي الحسد، فهي تريد الاستعلاء على الغير والاستئثار دونه، أو تحسده وتتمنى زوال النعمة عنه وإن لم يحصل، ففيها من إرادة العلو والفساد والاستكبار والحسد ما مقتضاه أنها تختص عن غيرها بالشهوات؛ فكيف إذا رأت الغير قد استأثر عليها بذلك واختص بها دونها؟ فالمعتدل منهم في ذلك الذي يحب الاشتراك والتساوي، وأما الآخر فظلوم حسود. وهذان يقعان في الأمور المباحة والأمور المحرمة لحق الله، فما كان جنسه مباحا من أكل وشرب ونكاح ولباس وركوب وأموال: إذا وقع فيها الاختصاص حصل الظلم، والبخل والحسد، وأصلهما الشح، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إياكم والشح! فإنه أهلك من كان قبلكم: أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا».
فهذا الشح الذي هو شدة حرص النفس يوجب البخل بمنع ما هو عليه، والظلم بأخذ مال الغير، ويوجب قطيعة الرحم، ويوجب الحسد، وهو كراهة ما اختص به الغير، والحسد فيه بخل وظلم، فإنه بخل بما أعطيه غيره، وظلمه بطلب زوال ذلك عنه.
فإذا كان هذا في جنس الشهوات المباحة، فكيف بالمحرمة، كالزنى وشرب الخمر ونحو ذلك؛ وإذا وقع فيها اختصاص فإنه يصير فيها نوعان:
أحدهما: بغضها لما في ذلك من الاختصاص والظلم، كما يقع في الأمور المباحة الجنس.
والثاني: بغضها لما في ذلك من حق الله.
ولهذا كانت الذنوب ثلاثة أقسام:
أحدها: ما فيها ظلم للناس، كالظلم بأخذ الأموال ومنع الحقوق، والحسد ونحو ذلك.
والثاني: ما فيه ظلم للنفس فقط، كشرب الخمر والزنى، إذا لم يتعد ضررهما.
والثالث: ما يجتمع فيه الأمران، مثل أن يأخذ المتولي أموال الناس يزني بها ويشرب بها الخمر، ومثل أن يزني بمن يرفعه على الناس بذلك السبب ويضرهم. كما يقع ممن يحب بعض النساء والصبيان، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 33].
وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وإن لم تشترك في إثم، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم» فالباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة، فالنفس فيها داعي الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه. وداعي الظلم لنفسها بتناولالشهوات القبيحة كالزنى وأكل الخبائث، فهي قد تظلم من لا يظلمها، وتؤثر هذه الشهوات وإن لم تفعلها، فإذا رأت نظراءها قد ظلموا وتناولوا هذه الشهوات صار داعي هذه الشهوات أو الظلم فيها أعظم بكثير، وقد تصبر، ويهيج ذلك لها من بغض ذلك الغير وحسده وطلب عقابه وزوال الخير عنه ما لم يكن فيها قبل ذلك، ولها حجة عند نفسها من جهة العقل والدين، بكون ذلك الغير قد ظلم نفسه والمسلمين، وأن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر واجب، والجهاد على ذلك من الدين.
والناس هنا ثلاثة أقسام:
قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا يرضون إلا بما يعطونه، ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه، وصار الأمر الذي كان عنده منكرا - ينهى عنه ويعاقب عليه، ويذم صاحبه ويغضب عليه - مرضيا عنده، وصار فاعلاً له وشريكاً فيه، ومعاوناً عليه، ومعادياً لمن نهى عنه وينكر عليه، وهذا غالب في بني آدم، يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه، وسببه: أن الإنسان ظلوم جهول، فلذلك لا يعدل، بل ربما كان ظالما في الحالين، يرى قوما ينكرون على المتولي ظلمه لرعيته واعتداءه عليهم، فيرضي أولئك المنكرين ببعض الشيء فينقلبون أعوانا له، وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه، وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي، حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك، أو يرضوهببعض ذلك، فتراه قد صار عونا لهم، وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليها، وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره.
وقوم يقومون ديانة صحيحة، يكونون في ذلك مخلصين لله، مصلحين فيما عملوه، ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم من خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله.
وقوم يجتمع فيهم هذا وهذا، وهم غالب المؤمنين، فمن فيه دين وله شهوة تجتمع في قلوبهم إرادة الطاعة وإرادة المعصية، وربما غلب هذا تارة وهذا تارة.
وهذه القسمة الثلاثية كما قيل:
الأنفس ثلاث: أمارة، ومطمئنة، ولوامة،
فالأولون هم أهل الأنفس الأمارة التي تأمره بالسوء،
والأوسطون هم أهل النفوس المطمئنة التي قيل فيها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر: 27 - 30].
والآخرون هم أهل النفوس اللوامة التي تفعل الذنب ثم تلوم عليه، وتتلون: تارة كذا، وتارة كذا، وتخلط عملا صالحا وآخر سيئا.
ولهذا لما كان الناس في زمن أبي بكر وعمر اللذين أمر المسلمون بالاقتداء بهما كما قال صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» أقرب عهدا بالرسالة وأعظم إيمانا وصلاحا،وأئمتهم أقوم بالواجب وأثبت في الطمأنينة: لم تقع فتنة، إذ كانوا في حكم القسم الوسط.
ولما كان في آخر خلافة عثمان وخلافة علي كثر القسم الثالث، فصار فيهم شهوة وشبهة مع الإيمان والدين، وصار ذلك في بعض الولاة وبعض الرعايا، ثم كثر ذلك بعد، فنشأت الفتنة التي سببها ما تقدم من عدم تمحيص التقوى والطاعة في الطرفين، واختلاطهما بنوع من الهوى والمعصية في الطرفين، وكل منهما متأول أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأنه مع الحق والعدل، ومع هذا التأويل نوع من الهوى، ففيه نوع من الظن وما تهوى الأنفس، وإن كانت إحدى الطائفتين أولى بالحق من الأخرى.
فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾[الشورى: 15].
وهذا أيضا حال الأمة فيما تفرقت فيه واختلفت في المقالات والعبادات، وهذه الأمور مما تعظم بها المحنة على المؤمنين، فإنهم يحتاجون إلى شيئين: إلى دفع الفتنة التي ابتلي بها نظراؤهم من فتنة الدين والدنيا عن نفوسهم مع قيام المقتضي لها، فإن معهم نفوساوشياطين كما مع غيرهم، فمع وجود ذلك من نظرائهم يقوى المقتضي عندهم، كما هو الواقع، فيقوى الداعي الذي في نفس الإنسان وشيطانهم، وما يحصل من الداعي بفعل الغير والنظير، فكم ممن لم يرد خيرا ولا شرا حتى رأى غيره - لا سيما إن كان نظيره - يفعله ففعله! فإن الناس كأسراب القطا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض.
ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر: له مثل من تبعه من الأجر والوزر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا» وذلك لاشتراكهم في الحقيقة، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وشبه الشيء منجذب إليه. فإذا كان هذان داعيين قويين: فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم.
وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم: إما للمعاونة على ذلك، كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم، وإما بالموافقة، كما في المجتمعين على شرب الخمر، فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم، وإما لكراهتهمامتيازه عنهم بالخير: إما حسدا له على ذلك، لئلا يعلو عليهم بذلك ويحمد دونهم، وإما لئلا يكون له عليهم حجة، وإما لخوفهم من معاقبة لهم بنفسه، أو بمن يرفع ذلك إليهم، ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]. وقال تعالى في المنافقين: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ودت الزانية لو زنى النساء كلهن.
والمشاركة قد يختارونها في نفس الفجور، كالاشتراك في الشرب والكذب والاعتقاد الفاسد، وقد يختارونها في النوع، كالزاني الذي يود أن غيره يزني، والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضا، لكن في غير العين التي زنى بها أو سرقها.
وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر، فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه، أو لا ينتهي إلى حد الإكراه، ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير لهم في قبيح فعلهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه: متى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه واستخفوا به، وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى، وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه،وهذه حال غالب الظالمين القادرين.
وهذا الموجود في المنكر نظيره في المعروف وأبلغ منه، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. فإن داعي الخير أقوى، فإن الإنسان فيه داع يدعوه إلى الإيمان والعلم، والصدق والعدل، وأداء الأمانة، فإذا وجد من يعمل مثل ذلك صار له داع آخر، لا سيما إذا كان نظيره، لا سيما مع المنافسة، وهذا محمود حسن، فإن وجد من يحب موافقته على ذلك ومشاركته له من المؤمنين والصالحين ويبغضه إذا لم يفعل، صار له داع ثالث، فإذا أمروه بذلك ووالوه على ذلك وعادوه وعاقبوه على تركه صار له داع رابع.
ولهذا يؤمر المؤمنون أن يقابلوا السيئات بضدها من الحسنات، كما يقابل الطبيب المرض بضده، فيؤمر المؤمن بأن يصلح نفوسه، وذلك بشيئين: بفعل الحسنات، وترك السيئات، مع وجود ما ينفي الحسنات ويقتضي السيئات، وهذه أربعة أنواع:
ويؤمر أيضا بإصلاح غيره بهذه الأنواع الأربعة بحسب قدرته وإمكانه، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ - إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ وروي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم. وهو كما قال، فإن اللهتعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان في نفسه مؤمنا صالحا، ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر، وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر، كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة» وحينئذ فيحتاج من الصبر مالا يحتاج إليه غيره، وذلك هو سبب الإمامة في الدين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: 24].
فلا بد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السيئ المحظور، ويدخل في ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال، والصبر على ما يصيبه من المكاره، والصبر عن البطر عند النعم، وغير ذلك من أنواع الصبر.
ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذي به، وهو اليقين، كما في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «يا أيها الناس، سلوا الله اليقين والعافية، فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية، فسلوهما الله».
وكذلك إذا أمر غيره بحسن أو أحب موافقته على ذلك، أو نهى غيره عن شيء، فيحتاج أن يحسن إلى ذلك الغير إحسانا يحصل به مقصوده، من حصول المحبوب واندفاع المكروه، فإن النفوس لا تصبر على المر إلا بنوع من الحلو، لا يمكن غير ذلك، ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب، حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾[الأعراف: 199]. وقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17] . فلا بد أن يصبر وأن يرحم، وهذا هو الشجاعة والكرم.
ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق، وبينهما وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاثة: الصلاة، والزكاة، والصبر، لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك، في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة، فالحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم لا تقوم مصلحة دينهم ولا دنياهم إلا به.
وقد تقدم أن جماع ذلك هو الصبر، فإنه لا بد منه. والصبر صبران: صبر عند الغضب، وصبر عند المصيبة، كما قال الحسن: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم.
فهذه الأخلاق والأفعال يحتاج إليها المؤمن عموما، وخصوصا في أوقات المحن والفتن الشديدة، فإنهم يحتاجون إلى صلاح نفوسهم ودفع الذنوب عن نفوسهم عند المقتضي للفتنة عندهم، ويحتاجون أيضا إلى أمر غيرهم ونهيه بحسب قدرتهم، وكل من هذين الأمرين فيه من الصعوبة ما فيه، وإن كان يسيرا على من يسره الله عليه. وهذا لأن الله أمر المؤمنين بالإيمان والعمل الصالح، وأمرهم بدعوة الناس وجهادهم على الإيمان والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج: 40 - 41]
ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة، كما قال عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾[التوبة: 49]


فتدبر هذا، فإن هذا مقام خطر، فإن الناس هنا ثلاثة أقسام:
قسم يأمرون وينهون ويقاتلون، طلبا لإزالة الفتنة التي زعموا، ويكون فعلهم ذلك أعظم فتنة، كالمقتتلين في الفتنة الواقعة بين الأمة.
وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال الذي يكون به الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا في الفتنة، وهذه الفتنة المذكورة في " سورة براءة " دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة، فإنها سبب نزول الآية، وهذه حال كثير من المتدينين، يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين كله للهوتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منه، وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب وترك المحظور، وهما متلازمان، وإنما تركوا ذلك لكون نفوسهم لا تطاوعهم إلا على فعلهما جميعا أو تركهما جميعا: مثل كثير ممن يحب الرئاسة أو المال وشهوات الغي، فإنه إذا فعل ما وجب عليه من أمر ونهي وجهاد وإمارة ذلك فلا بد أن يفعل شيئا من المحظورات.
فالواجب عليه أن ينظر أغلب الأمرين. فإن كان المأمور أعظم أجرا من ترك ذلك المحظور لم يترك ذلك لما يخاف أن يقترن به ما هو دونه في المفسدة، وإن كان ترك المحظور أعظم أجرا لم يفوت ذلك برجاء ثواب بفعل واجب يكون دون ذلك، فذلك يكون بما يجتمع له من الأمرين من الحسنات والسيئات، فهذا هذا، وتفصيل ذلك يطول.
وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يأمر وينهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾[يوسف: 53]. فإن الأمر هو طلب الفعل وإرادته، والنهي طلب الترك وإرادته، ولا بد لكل حي من إرادة وطلب في نفسه يقتضي بهما فعل نفسه، ويقتضي بهما فعل غيره إذا أمكن ذلك، فإن الإنسان حي يتحرك بإرادته، وبنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، وإذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر وتناه عن أمر.
وإذا كان الأمر والنهي من لوازم وجود بني آدم، فمن لم يأمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، ويؤمر بالمعروف الذي أمر الله به ورسوله، وينه عن المنكر الذي نهى الله عنه ورسوله، وإلا فلا بد أن يأمر وينهى، ويؤمر وينهى، إما بما يضاد ذلك، وإما بما يشترك فيه الحق الذي أنزل الله بالباطل الذي لم ينزله الله. وإذا اتخذ ذلك دينا، كان دينا مبتدعا. وهذا كما أن كل بشر فإنه متحرك بإرادته همام حارث، فمن لم تكن نيته صالحة وعمله عملا صالحا لوجه الله وإلا كان عملا فاسدا أو لغير وجه الله، وهو الباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4].
وهذه الأعمال كلها باطلة، من جنس أعمال الكفار: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾[محمد: 1]
وقد أمر الله في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء: 59].


و (أولو الأمر) أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء، ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان، وكل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله، ولا يطيعه في معصية الله، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين تولى أمر المسلمين وخطبهم، فقال في خطبته: أيها الناس: القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.[أي: إذا عصيت الله فأمرت بالمعصية فلا تطيعوني في تلك المعصية؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يداً من طاعة». وقال: «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، إلا مات ميتة جاهلية»]

نقله لكم باختصار


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب "الاستقامة" ( 1 / 380 – 2 / 297 )

فهد الماجدي
08-06-2011, 10:17 PM
اس


للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
أسباب ظهور الفساد في البر والبحر

ذكر ابن القيم رحمه الله الكمأة وما أنزل الله فيها من الفوائد وما تُسبب بعد ذلك من الضرر، فقال:
فإن قلت: فإذا كان هذا شأنَ الكمأة، فما بالُ هذا الضرر فيها، ومن أين أتاها ذلك ؟
فاعلم أنَّ اللهَ سبحانه أتقن كُلَّ شيء صنعه، وأحسن كُلَّ شيء خلقه، فهو عند مبدإ خلقه بريءٌ من الآفات والعلل، تامُّ المنفعة لما هُيء وخُلِقَ له، وإنما تعرِضُ له الآفاتُ بعد ذلك بأُمور أُخَر من مجاورة، أو امتزاج واختلاط، أو أسباب أُخَر تقتضى فسادَه، فلو تُرِكَ على خِلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به، لم يفسد.
ومَنْ له معرفة بأحوال العالَم ومبدئه يعرِف أنَّ جميع الفساد في جَوِّه ونباته وحيوانه وأحوالِ أهله، حادثٌ بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثَه، ولم تزل أعمالُ بنى آدَم ومخالفتُهم للرُّسُل تُحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام، والأمراض، والأسقام، والطواعين، والقحوط، والجدوب، وسلب بركات الأرض، وثمارها، ونباتها،vوسلب منافعها، أو نقصانها أُموراً متتابعة يتلو بعضُهَا بعضاً.
فإن لم يَتَّسِعْ علمك لهذا فاكتفِ بقوله تعالى: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ [الروم:41]، ونَزِّل هذه الآية على أحوالِ العالَم، وطابِقْ بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفاتُ والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان، وكيف يحدُث من تلك الآفات آفاتٌ أُخَرُ متلازمة، بعضُها آخذ برقاب بعض، وكُلَّما أحدث الناسُ ظلماً وفجوراً، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وأهويتهم ومياههم، وأبدانهم وخلقهم، وصُورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم.
ولقد كانت الحبوب من الحِنطة وغيرها أكبرَ مما هي اليوم، كما كانت البركةُ فيها أعظمَ. وقد روى الإمام أحمد بإسناده: أنه وجد في خزائن بعض بنى أميةَ صرة فيها حِنطةٌ أمثال نوى التمر مكتوبٌ عليها: هذا كان ينبُت أيامَ العدل.(*) وهذه القصة، ذكرها في "مسنده" على أثر حديث رواه
__________________
(*) وقال في الجواب الكافي:
وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها، وإنما حدثت من قرب.
وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : «خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعا ، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن» .
فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، يخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث الله به رسوله، وتخرج الأرض بركاتها، وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة لتكفي الفئام من الناس، وهذه لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر، ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم، فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات، كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم ، فتناسبت كلمة الله وحكمه الكوني أولا وآخرا ، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والأخف للأخف، وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء .
وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فإنه لما قارن العبد واستولى عليه نزعت البركة من عمره، وعمله، وقوله، ورزقه، ولما أثرت طاعته في الأرض ما أثرت، ونزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته، وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هناك شيء من الروح والرحمة والبركة .

وأكثرُ هذه الأمراض والآفات العامة بقيةُ عذاب عُذِّبتْ به الأُممُ السالفة، ثم بقيت منها بقية مُرصَدَةٌ لمن بقيت عليه بقيةٌ من أعمالهم، حكماً قسطاً، وقضاءً عدلاً، وقد أشار النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى هذا بقوله في الطاعون: «إنَّه بقيةُ رجز أو عذاب أُرسِلَ على بنى إسرائيلَ»[رواه البخاري].
وكذلك سلَّط اللهُ سبحانه وتعالى الريحَ على قومٍ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام، ثم أبقَى في العالَم منها بقيةً في تلك الأيام، وفى نظيرها عِظةً وعِبرة.
وقد جعل اللهُ سبحانه أعمال البَرِّ والفاجر مقتضياتٍ لآثارها في هذاالعالَم اقتضاءً لا بد منه، فجعل منعَ الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لمنع الغَيْث من السماء، والقحطِ والجَدْبِ، وجعَلَ ظلمَ المساكين، والبخسَ في المكاييل والموازين، وتعدِّى القَوِّىُّ على الضعيف سبباً لجَوْر الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن اسْتُرْحِموا، ولا يَعْطِفُون إن استُعطِفُوا، وهم في الحقيقة أعمالُ الرعايا ظهرت في صور وُلاتهم، فإنَّ اللهَ سبحانه بحكمته وعدله يُظهِرُ للناس أعمالَهم في قوالِب وصورٍ تناسبها، فتارةً بقحط وجدب، وتارة بعدوٍّ، وتارةً بولاة جائرين، وتارةً بأمراضٍ عامة، وتارةً بهُموم وآلام وغموم تحضُرها نفوسُهم لا ينفكُّونَ عنها، وتارةً بمنع بركات السماء والأرض عنهم، وتارةً بتسليط الشياطين عليهم تَؤُزُّهم إلى أسباب العذاب أزَّاً، لِتَحِقَّ عليهم الكلمة، وليصيرَ كل منهم إلى ما خُلِقَ له. والعاقل يُسَيِّر بصيرته بين أقطار العالَم، فيُشاهدُه، وينظر مواقعَ عدل الله وحكمته، وحينئذ يَتَبيَّنُ له أنَّ الرُّسُلَ وأتباعَهُم خاصةً على سبيل النجاة، وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون، وإلى دار البَوار صائرون، واللهُ بالغُ أمرِه، لا مُعَقِّبَ لحكمه، ولا رادَ لأمره .. وبالله التوفيق

نقله لكم


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب زاد المعاد ( 4 / 362 )


وكتاب الجواب الكافي ص 65

فهد الماجدي
08-06-2011, 10:19 PM
من أنواع التسليط


الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله


كتاب: مفتاح دار السعادة
من أنواع التسليط

[تسليط الضعيف على القوي]
الجراد جند من جنود الله، ضعيف الخلقة، عجيب التركيب، فيه خلق سبع حيوانات؛ فإذا رأيت عساكره قد أقبلت أبصرت جنداً لا مرد له، ولا يحصى منه عدد ولا عدة، فلو جَمَعَ الملِك خَيلَهُ ورَجِلَهُ ودوابه وسلاحه ليصده عن بلده لمَاَ أمكنه ذلك، فانظر كيف ينساب على الأرض كالسيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته، ويسد وجه السماء بأجنحته، ويبلغ من الجو إلى حيث لا يبلغ طائر أكبر جناحين منه.
فسل المعطل: من الذي بعث هذا الجند الضعيف الذي لا يستطيع أن يرد عن نفسه حيوانا رامَ أخذه؟ بعثه على العسكر أهل القوة والكثرة والعدد والحيلة فلا يقدرون بأجمعهم على دفعه، بل ينظرون إليه يستبدُّ بأقواتهم دونهم، ويمزقها كل ممزق، ويذر الأرض قفرا منها، وهم لا يستطيعون أن يردوه ولا يحولوا بينه وبينها.
وهذا من حكمته سبحانه أن يسلط الضعيف من خلقه الذي لا مؤنة له على القوى فينتقم به منه وينُزل به ما كان يحذره منه حتى لا يستطيع لذلك ردا ولا صرفا، قال الله تعالى: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين . ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}.
فواحسرتاه على استقامهٍ مع الله وإيثارٍ لمرضاته في كل حال يُمَكَّنُ به الضعيف المستضعف حتى يرى من استضعفه انه أولى بالله ورسوله منه،
[تسليط القوي على الضعيف]
ولكن اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبغي عليه، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمة، كما أن المسئول إذا رد السائل فهو في خفارة كذبه، ولو صدق السائل لما أفلح من رده، وكذلك السارق وقاطع الطريق في خفارة منعِ أصحاب الأموال حقوق الله فيها ولو أدّوا ما لله عليهم فيها لحفظها الله عليهم.
وهذا أيضا باب عظيم من حكمة الله يطَّلع الناظر فيه على أسرار من أسرار التقدير، وتسليط العالم بعضهم على بعض وتمكين الجناة والبغاة، فسبحان من له في كل شيء حكمة بالغة، وآية باهرة حتى إن الحيوانات العاديَةَ على الناس في أموالهم وأرزاقهم وأبدانهم تعيش في خفارة ما كسبت أيديهم، ولولا ذلك لم يسلط عليهم منها شيء.
ولعل هذا الفصل الاستطرادي انفع لمتأمله من كثير من الفصول المتقدمة فإنه إذا أعطاه حقه من النظر والفكر عظم انتفاعه به جدا والله الموفق.
[هذه بتلك]
ويحكى أن بعض أصحاب الماشية كان يشوب اللبن ويبيعه على أنه خالص، فأرسل الله عليه سيلا فذهب بالغنم فجعل يعجب فأُتى في منامه فقيل له: أتعجب من أخذ السيل غنمك؟! إنما تلك القطرات التي شبت بها البن اجتمعت وصارت سيلا.
فقس على هذه الحكاية ما تراه في نفسك وفي غيرك، تعلم حينئذ أن الله قائم بالقسط، وأنه قائم على كل نفس بما كسبت، وانه لا يظلم مثقال ذرة.
والأثر الإسرائيلي معروف أن رجلا كان يشوب الخمر ويبيعه على أنه خالص، فجمع من ذلك كيس ذهب وسافر به فركب البحر ومعه قرد له، فلما نام أخذ القرد الكيس وصعد به إلى أعلى المركب ثم فتحه فجعل يلقيه ديناراً في الماء وديناراً في المركب، كأنه يقول له بلسان الحال: ثمن الماء صار إلى الماء، ولم يظلمك !
[منعاً بمنع]
وتأمل حكمة الله عز و جل في حبس الغيث عن عباده، وابتلائهم بالقحط إذا منعو الزكاة وحرموا المساكين، كيف جوزوا على منع ما للمساكين قِبَلَهم من القوت بمنع الله مادة القوت والرزق وحبسها عنهم، فقال لهم بلسان الحال منعتم الحق فمنعتم الغيث، فهلا استنزلتموه ببذل ما لله قِبَلَكُم.
[وصداً بصد]
وتأمل حكمة الله تعالى في صرفه الهدى والإيمان عن قلوب الذين يصرفون الناس عنه، فصدهم عنه كما صدوا عباده، صداً بصد، ومنعا بمنع.
[وإتلاف بإتلاف]
وتأمل حكمته تعالى في محق أموال المرابين، وتسليط المتلفات عليها كما فعلوا بأموال الناس ومحقوها عليهم وأتلفوها بالربا، جوزوا إتلافا بإتلاف، فقلَّ أن ترى مرابيا إلا وآخرته إلى محق وقلة وحاجة.
[ وكما تكونون يولى عليكم ]
وتأمل حكمته تعالى في تسليط العدو على العباد إذا جار قويهم على ضعيفهم، ولم يؤخذ للمظلوم حقه من ظالمه، كيف يسلط عليهم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سواء، وهذه سنة الله تعالى منذ قامت الدنيا إلى أن تطوى الأرض ويعيدها كما بدأها.
وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظَهرَ فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق، وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمَّالُهم ظهرت في صور أعمالهم.
وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم.
ولما كان الصدر الأول خيارَ القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة، فحكمه الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز فضلا عن مثل أبي بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا، وولاة من قبلنا على قدرهم، وكل من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها.
ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدر، ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء، فإياك أن تظن بظنك الفاسد أن شيئا من أقضيته وأقداره عار عن الحكمة البالغة، بل جميع أقضيته تعالى وأقداره واقعة على أتم وجوه الحكمة والصواب، ولكن العقول الضعيفة محجوبة بضعفها عن إدراكها كما أن الأبصار الخفاشية محجوبة بضعفها عن ضوء الشمس، وهذه العقول الضعاف إذا صادفها الباطل جالت فيه وصالت ونطقت وقالت، كما أن الخفاش إذا صادفه ظلام الليل طار وسار :

خفافيش أعشاها النهار بضوئه ... ولازمها قطع من الليل مظلم


نقله لكم:


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب مفتاح دار السعادة (2/175 – 179)

فهد الماجدي
08-18-2011, 10:06 PM
مدى احتياج الناس للرسالة
لشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله (ت 728)
الرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين: حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمنا.
وليس المراد بالشرع التمييز بين الضار والنافع بالحس؛ فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميز بين الشعير والتراب، بل التمييز بين الأفعال التي تضر فاعلها في معاشه ومعاده؛ كنفع الإيمان والتوحيد، والعدل والبر، والتصدق والإحسان، والأمانة والعفة، والشجاعة والحلم، والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام وبر الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله والتوكل عليه، والاستعانة به والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقوى إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه، واحتساب الثواب عنده، وتصديقه وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وطاعته في كل ما أمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته.
ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد، فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منّة عليهم: أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم الصراط المستقيم. ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم بل أشر حالا منها، فمن قبل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوَأ حالاً من الكلب والخنزير والحيوان البهيم.
وفي الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ مَثَلَ ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غَيْثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طَائِفَةٌ طيِّبَةٌ، قَبِلَت الماءَ فأنْبَتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها أجادِبُ أمْسَكت الماءَ، فنفع الله بها النَّاسَ، فشربوا منها ، وسَقَوْا ورَعَوا، وأصابَ طَائِفَةً منها أخْرى، إنَّما هي قِيعَانٌ لا تُمسِكُ ماءا، ولا تُنْبِتُ كلأً، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُه في دين اللهِ عزَّو جلَّ، ونَفَعَهُ ما بعثني الله به، فعلِمَ وعلَّم، ومَثَلُ من لم يَرْفع بذلك رَأسًا، ولمْ يقبل هُدى اللهِ الذي أرْسِلْتُ به». متفق على صحته.
فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولا من أنفسنا يتلو علينا آيات الله ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين وقال أهل الجنة: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 43]. والدنيا كلها ملعونة ملعون ما فيها إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة وأسس بنيانه عليها، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم، فإذا دَرَسَتْ آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية خرَّبَ الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة.
وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر، والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب؛ بل أعظم من ذلك، وأشد حاجة من كل ما يقدر ويخطر بالبال، فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده.
وكان خاتمهم وسيدهم وأكرمهم على ربه: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة» [السلسلة الصحيحة: 490] وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] وقال صلوات الله وسلامه عليه « إن الله نظر إِلى أهل الأرض، فمقَتَهم، عَرَبَهُم وعَجَمهم، إِلا بقايا من أهل الكتاب » [صحيح مسلم: 7386] وهذا المقت كان لعدم هدايتهم بالرسل، فرفع الله عنهم هذا المقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه رحمة للعالمين ومَحجَّة للسالكين، وحجة على الخلائق أجمعين، وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيره وتوقيره، والقيام بأداء حقوقه، وسد إليه جميع الطرق فلم يفتح لأحد إلا من طريقه، وأخذ العهود والمواثيق بالإيمان به واتباعه على جميع الأنبياء والمرسلين، وأمرهم أن يأخذوها على من اتبعهم من المؤمنين.
أرسله الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فختم به الرسالة، وهدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وفتح برسالته أعيناً عُمياً، وآذانا صُماً، وقلوباً غُلفاً، فأشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها، وتألفت بها القلوب بعد شتاتها، فأقام بها الملة العوجاء، وأوضح بها المحجة البيضاء، وشرح له صدره، ووضع عنه وِزْرَه، ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، أرسله على حين فَتْرة من الرسل، ودروس من الكتب حين حُرِّف الكلم، وبُدِّلت الشرائع، واستند كل قوم إلى أظلم آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، فهدى الله به الخلائق، وأوضح به الطريق، وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وأبصر به من العمى، وأرشد به من الغي، وجعله قسيم الجنة والنار، وفرق ما بين الأبرار والفجار، وجعل الهدى والفلاح في اتباعه وموافقته، والضلال والشقاء في معصيته ومخالفته.
وامتحن به الخلائق في قبورهم، فهم في القبور عنه مسئولون، وبه ممتحنون:
يؤتى العبد في قبره فيقال: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فيقال له: صدقت، على هذا حييت، وعليه مت، وعليه تُبعث إن شاء الله، نم نومة العروس، لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، ثم يُفسح له في قبره وينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة فيزداد غبطة وسرورا.
وأما الكافر والمنافق فيقول : لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. فيقال له: قد كنا نعلم ذلك، وعلى ذلك حييت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يضرب بِمرزَبَّةٍ من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان. [ الترمذي: 1071]
وقد أمر الله بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقَرَن طاعته بطاعته، وقَرَن بين مخالفته ومخالفته، كما قَرَن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا ذكر معه، قال ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 4]، قال: لا أُذْكَر إلا ذُكِرتَ معي. وهذا كالتشهد والخطب والأذان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فلا يصح الإسلام إلا بذكره والشهادة له بالرسالة.
وكذلك لا يصح الأذان إلا بذكره والشهادة له، ولا تصح الصلاة إلا بذكره والشهادة له، ولا تصح الخطبة إلا بذكره والشهادة له.
وحذر الله سبحانه وتعالى من العذاب والكفر لمن خالفه قال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - أي فتنة هي ؟ إنما هي الكفر.
وكذلك ألبس الله سبحانه الذلة والصَّغَار لمن خالف أمره، كما في مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَنِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ؛ فَهُوَ مِنْهُمْ ». [مسند أحمد: 5115]
وكما أن من خالفه وشاقه وعاداه هو الشقي الهالك، فكذلك من أعرض عنه وعما جاء به واطمأن إلى غيره ورضي به بدلاُ منه هو هالك أيضا. فالشقاء والضلال في الإعراض عنه وفي تكذيبه، والهدى والفلاح في الإقبال على ما جاء به وتقديمه على كل ما سواه، فالأقسام ثلاثة: المؤمن به، وهو: المتبع له، المحب له المقدم له على غيره. والمعادي له والمنابذ له والمعرض عما جاء به، فالأول هو السعيد والآخران هما الهالكان.
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا من المتبعين له، المؤمنين به، وأن يحيينا على سنته ويتوفانا عليها، لا يفرق بيننا وبينها، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من مجموع الفتاوى ( 19 / 99 – 105 )

فهد الماجدي
02-16-2012, 12:14 AM
الإنسان بين الملَك والشيطان

للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
من عقوبة المعصية أنها تُباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملَك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق له، وأعظمهم ضررا له، وهو الشيطان؛ فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.
وفي بعض الآثار: إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه، فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك، وأفحش منه؟
وقال بعض السلف: إذا رُكب الذكر عجّت الأرض إلى الله وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت.
وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله، طرد الشيطان وتولاه الملك، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان.
ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له، فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه، كما قال الله تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ? نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? [سورة فصلت: 30 - 31] .
وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق وأنفعهم وأبرهم، فثبته وعلمه، وقوى جنانه، وأيده الله تعالى: ? إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? [سورة الأنفال: 12] .
فيقول الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذي يسرك، ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المسألة.
فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه، وحياته وعند موته وفي قبره، ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، ويحارب عنه عدوه، ويدافع عنه ويعينه عليه، ويعده بالخير ويبشره به، ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعا وموقوفا: «إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق» .
وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول السديد، وإذا بعد منه وقرب الشيطان، تكلم على لسانه، وألقى عليه قول الزور والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك والرجل يتكلم على لسانه الشيطان وفي الحديث: «إن السكينة تنطق على لسان عمر» - رضي الله عنه - وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاه على لسانك إلا الملك، ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان، فالملك يلقي بالقلب الحق ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان.
فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته، حتى إن الملك لينافح عن العبد، ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما اختصم بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت، فقال: «كان الملك ينافح عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس» .
وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه، وقال: «ولك بمثل».
وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه.
وإذا أذنب العبد الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - استغفر له حملة العرش ومن حوله.
وإذا نام العبد على وضوء بات في شِعارِهِ ملك.
فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع عنه، ويعلّمه ويثبّته ويشجعه، فلا يليق به أن يسيء جواره ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده، فإنه ضيفه وجاره.
وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف، وخير الجيران وأبرهم؟ وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربه، وقال: لا جزاك الله خيرا، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان.
قال بعض الصحابة - رضي الله عنهم -: إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم.
ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر، ولا يجله ولا يوقره، وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ? وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ? كِرَامًا كَاتِبِينَ ? يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ? [سورة الانفطار: 10 - 12] أي استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ما تستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان.


نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" أو "الداء والدواء" ص 106

فهد الماجدي
02-16-2012, 12:14 AM
الكلام في السياسة
في 1/13/2012 10:06:00 م

الكلام في السياسة
لفقيه الزمان العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله




ليس لعامة الناس أن يلوكوا ألسنتهم بسياسة ولاة الأمور، السياسة لها أناس والصحون والقدور لها أناس آخرون، ولو أن السياسة صارت تلاك بين ألسن عامة الناس فسدت الدنيا؛ لأن العامي ليس عنده علم، وليس عنده عقل، وليس عنده تفكير، وعقله وفكره لا يتجاوز قدمه، ويدل لهذا
قول الله تعالى: ? وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ? ونشروه، قال تعالى: ? وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ? دل هذا على أن العامة ليسوا كأولي الأمر وأولي الرأي والمشورة، فليس الكلام في السياسة من المجالات العامة، ومن أراد أن تكون العامة مشاركة لولاة الأمور في سياستها وفي رأيها وفكرها فقد ضل ضلالاً بعيداً وخرج عن هدي الصحابة وهدي الخلفاء الراشدين وهدي سلف الأمة. [شرح رياض الصالحين ( 6 / 225 )]
وسئل رحمه الله :
فضيلة الشيخ: يكثر في بعض المجالس الكلام عن السياسة، وعندما تنكر عليهم، يقولون: السياسة من الدين.
بل إنهم يقعون في الغيبة، وما يميز مجلسهم هو وجود ذكر الله فيه، فما رأيك في جلوسي معهم؟
الجواب
أنا رأيي: أن الكلام في السياسة في عامة الناس خطأ؛ لأن السياسة لها رجال وأقوام، رجالها ذوو السلطة والحكم، أما أن تكون السياسة منثورة بين أيدي العوام وفي المجالس، فهذا خلاف هدي السلف الصالح ، فما كان عمر بن الخطاب ومن قبله كأبي بكر رضي الله عنهما يبثون سياستهم في مجامع الناس يذوقها الصغير والكبير والسفيه والعاقل، أبداً! ولا يمكن أن تكون السياسة هكذا، السياسة لها أقوام متمرسون فيها يعرفونها ويعرفون مداخلها، ولهم اتصال بالخارج، واتصال بالداخل، لا يعرفه كثير من الناس.
ولا ينبغي للشباب وغير الشباب أن يمضوا أوقاتهم ويضيعوها في مثل هذا القيل والقال الذي لا فائدة منه، ثم إنه قد يبدو لنا مثلاً أن صنيع واحد من الناس خطأ وقد يكون الصواب معه؛ لأنه يعلم من الأمور ما لا نعلم نحن، وهذا شيء مشاهد مجرب، وغالب الذين يتكلمون بالسياسة إنما يستنتجونها من أشياء لا أصل لها ولا حقيقة لها، وإنما هي أوهام يتوهمونها ثم يبنون عليها ما يتكلمون به، فيقفون ما ليس لهم به علم، وقد قال الله تعالى: ? وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ? [الإسراء:36].
أما الجلوس معهم فما داموا على ذكر فاجلس معهم، وإذا قاموا يخوضون هذا الخوض الذي لا فائدة فيه فانصحهم أولاً، فإن اهتدوا فهذا هو المطلوب، وإلا ففارقهم، ثم إذا كان حضورك مجالسهم التي للذكر يؤدي إلى أن يغتروا بأنفسهم أو أن يغتر بمجيئك إليهم غيرهم فيقال: لولا أن هؤلاء على خير ما جاء إليهم فلان ولا فلان، فلا تأتي إليهم أيضاً حتى للذكر؛ لأن أبواب الذكر -والحمد لله- كثيرة.[لقاء الباب المفتوح رقم 96]
وسئل رحمه الله :
مما ينتشر عند كثير من الشباب ما يسمى بمفهوم العمل السياسي، فلا أدري ما هو الحد الذي ورد به الشرع ويجوز فيه الخوض في هذه الأمور السياسية، وما هو الضابط الشرعي لهذا الأمر؟
الجواب
السياسة بارك الله فيك، كل الدين سياسة؛ لأن السياسة مأخوذة من عمل السائس، والسائس هو مدير الحيوان والقائم عليه، كسائس الأسد والفيلة وما أشبه ذلك، ومعلوم أن الشريعة كلها سياسة، سياسة للخلق فيما يتعلق بعبادة الخالق، وسياسة للخلق فيما يتعلق بمعاملة الناس، وسياسة للخلق فيما يتعلق بتدبير الأمور وتصنيفها.
ومن المعلوم أن السياسة التي تدير الأمور وتدير تصريفها لا يمكن أن تكون بيد كل أحد، ولا تحت طوع كل إنسان، ولو كانت كذلك للزم أن كل واحد من الأمة يكون أميراً على نفسه وعلى غيره أيضاً، ومن المعلوم أنه منذ زمن الخلفاء الراشدين والسياسة وتدبير الأمة لها أناس خاصون، الخليفة ومن يختارهم ليكونوا مستشارين له، وليست السياسة تلقى في الأسواق ومجاميع العامة، ويقال: ما تقولون في كذا؟ ما تقولون في كذا؟ ولاشك أن الذين يتخبطون في هذه الأمور أنهم على خلاف مذهب السلف، وأنهم لا يثيرون إلا البلبلة، وصد الناس عما هو أهم من ذلك بكثير.
أرأيت مثلاً: العقول السرية، وأحوال الحرب، وشئون العلاقات الخارجية مع الناس، هل يليق أي عقل من عقول بني آدم أن تطرح في الأسواق بين أيدي العامة؟! الإنسان في بيته لا يمكن أن يطلع الناس على ما في بيته، كيف مثلاً: حكومة تطلع الناس على كل ما تفعل، أو تخبرهم بكل ما تريد، من قال هذا، بأي كتاب أم بأي سنة، أم بأي عمل من أعمال الخلفاء الراشدين؟!! هل كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد شيئاً ذهب إلى الأسواق يقول: إني أريد أن أفعل كذا وكذا، بل كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها وهي غزوة يستعد الناس لها، إلا في تبوك.
فأمور السياسة العامة لا تكون بأيدي العامة ولا بألسنتهم، ومن رام ذلك فقد رام أمراً لا يمكن لأي عاقل أن يقوله إطلاقاً، هل يمكن أن نطلع العامي الذي يبيع الخضرة واللحم والخبز وما أشبه ذلك على أسرار الدولة وملفاتها؟! من قال هذا؟! فنصيحتي لهؤلاء الذين ابتلاهم الله تعالى بمثل هذه الأمور: أن يراجعوا أنفسهم، ويعلموا أنه ليس من الحكمة أن كل شيء تفعله الدولة يكون بين أيدي الناس، هناك أشياء تدبرها الدولة قد يكون ظاهرها للبسطاء من الناس قد يكون ظاهرها غير صحيح، لكن عند العارفين بالأسباب والنتائج يكون صحيحاً أليس النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية راجعه من راجعه من الصحابة وهم أكبر العقول ولم يعلموا النتيجة؟!! وأنا لست أريد أن ألحق حكام الأمة الإسلامية اليوم بالرسول عليه الصلاة والسلام من حيث النصر للأمة والإرشاد والرشاد؟ لا، لكني أقول: إن مسائل الدولة مسائل خاصة بأناس معينين ليس لكل أحد.
فأنا أنصحك أنت وأطلب منك أن تؤدي هذه النصيحة إلى كل من تكلموا في هذه الأمور أن يشتغلوا بما هو أهم، ويسألوا الله التوفيق للدولة. [لقاء الباب المفتوح رقم 96]
نقله لكم
www.aborashed.com

فهد الماجدي
02-16-2012, 12:16 AM
روح كلمة التوحيد وسرها
للإمام ابن قيّم الجوزية
إذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت
كفرا أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب، وهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، فلا تصح الموالاة إلا بالمعاداة كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: ? قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ? أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ? فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ? [سورة الشعراء: 75 - 77] .
فلم يصح لخليل الله هذه الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة، فإنه لا ولاء إلا بالبراءة من كل معبود سواه، قال تعالى: ? قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه ? [سورة الممتحنة: 4] .
وقال تعالى: ? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ? إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ? وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ? [سورة الزخرف: 26 - 28] .
أي جعل هذه الموالاة لله، والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض وهي كلمة: لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة.
كلمة التوحيد
وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الإيمان، وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، و «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
روح كلمة التوحيد
وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب - جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره - بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك: من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما كان يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجى سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا باسمه، ولا ينظر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يطاع إلا أمره، ولا يتحسب إلا به، ولا يستغاث في الشدائد إلا به، ولا يلتجأ إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ? وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ? [سورة المعارج: 33] .
فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه، في قلبه وقالبه، فإن من الناس من تكون شهادته ميتة، ومنهم من تكون نائمة، إذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضطجعة، ومنهم من تكون إلى القيام أقرب، وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن، فروح ميتة، وروح مريضة إلى الموت أقرب، وروح إلى الحياة أقرب، وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن.
وفي الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا» فحياة هذه الروح بحياة هذه الكلمة فيها، فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه أطيب عيش، قال تعالى: ? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ? فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ? [سورة النازعات: 40 - 41] .
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (الداء الدواء) ص 195

فهد الماجدي
02-16-2012, 12:17 AM
خفيُّ الشرك في قلوبنا
في 12/30/2011 03:41:00 م
خفيُّ الشرك في قلوبنا
للحافظ ابن رجب الحنبلي
إنَّ تحقق القلب بمعنى « لا إله إلا الله » وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالاً، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيماً، وتوكُّلاً، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووسواس الشيطان، فمن أحب شيئاً وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقاً، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
قالَ الحسن: هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه.
وقال قتادة: هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.
ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعاً : « ما تحتَ ظلِّ السماء إلهٌ يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع » .
وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال الله - عز وجل -
: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا الله، إلاَّ لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نقصاً في التوحيد، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ.
ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾ قال: لا تحبُّوا غيري.
وفي "صحيح الحاكم" عن عائشة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: « الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظَّلماء، وأدناه أنْ تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ مِنَ العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله - عز وجل -: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ».[ضعفه الدارقطني، وشطره الأول صحيح]
وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ.
وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعاً: « لا تزالُ لا إله إلا الله تمنعُ العبادَ مِنْ سخط الله، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم، فإذا آثرُوا صفقةَ دُنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم، وقال الله: كذبتم » [إسناده ضعيف].
فتبيَّن بهذا معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: « من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرَّمه الله على النار » [إسناده صحيح]، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه، ولم يخشَ أحداً إلاَّ الله، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها.
______________
فائدة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما ، في قول الله عز وجل : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون } قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان". هذا كله به شرك. [تفسير ابن كثير ( 1 / 196 )]
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب "جامع العلوم والحكم" ( 2 / 626 )

فهد الماجدي
02-24-2012, 06:48 PM
مختارات من أحسن ما قيل في مهمات الدين من كتب السلف




فنون التوكل
للإمام أحمد بن قدامة المقدسي ت (689ه)

قد يظن بعض الناس أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة، وكلحم على وضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع.
والشرع قد أثنى على المتوكلين، وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه إلى مقاصده، وسعى العبد إما أن يكون لجلب نفع مفقود كالكسب، أو حفظ موجود كالادخار، وإما لدفع ضرر لم ينزل، كدفع الصائل، أو لإزالة ضرر قد نزل، كالتداوي من المرض، فحركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة:
الفن الأول : في جلب المنافع ، فنقول : الأسباب التي بها تجلب المنافع على ثلاث درجات:
أحدها : سبب مقطوع به كالأسباب التي ارتبطت بها المسببات بتقدير الله تعالى ومشيئته ارتباطاً مطرداً لا يختلف، مثاله: أن يكون الطعام بين يديك وأنت جائع، فلا تمد يدك إليه وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل ترك السعي، ومد اليد إلى الطعام سعى، وكذلك مضغه وابتلاعه، فهذا جنون محض، وليس من التوكل في شيء، فإنك إذا انتظرت أن يخلق الله فيك شبعاً دون أكل الطعام، أو يخلق في الطعام حركة إليك، أو يسخر ملكاً ليمضغه ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله.
وكذلك لو لم تزرع، وطمعت أن يخلق الله تعالى نباتاً من غير بذر، أو تلد الزوجة من غير وقاع، فكل ذلك جنون، وليس التوكل في هذا المقام ترك العمل، بل التوكل فيه بالعلم والحال.
أما العلم : فهو أن تعلم أن الله تعالى خلق الطعام، واليد، والأسباب، وقوة الحركة، وأنه الذي يطعمك ويسقيك.
وأما الحال، فهو أن يكون قلبك واعتمادك على فضل الله تعالى، لا على اليد والطعام، لأنه ربما جفت يدك، وبطلت حركتك، وربما سلط الله عليك من يغلبك على الطعام، فمد اليد إلى الطعام لا ينافي التوكل.
الدرجة الثانية : الأسباب التي ليست متيقنة، لكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها. مثاله: من يفارق الأمصار، ويخرج مسافرا إلى البوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادراً، ولا يستصحب معه شيئاً من الزاد، فهذا كالمجرب على الله تعالى، وفعله منهي عنه، وحمله للزاد مأمور به، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سافر تزود واستأجر دليلاً إلى المدينة.
الدرجة الثالثة : ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات من غير ثقة ظاهرة، كالذي يستقصي في التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه، فمتى كان قصده صحيحاً وفعله لا يخرج عن الشرع، لم يخرج عن التوكل، لكنه ربما دخل في أهل الحرص إذا طلب فضول العيش. وترك التكسب ليس من التوكل في شئ، إنما هو من فعل البطالين الذين آثروا الراحة، وتعللوا بالتوكل. قال عمر رضي الله عنه: "المتوكل الذي يلقى حبه في الأرض ويتوكل على الله".
الفن الثاني :
في التعرض للأسباب بالادخار، ومن وجد قوتاً حلالاً يشغله كسب مثله عن جمع همه، فادخاره إياه لا يخرجه عن التوكل، خصوصاً إذا كان له عائلة. وفى"الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، « أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ » [البخاري: 5357]. فإن قيل: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً أن يدخر، فالجواب: أن الفقراء كانوا عنده كالضيف، فما كان ينبغي أن يدخر فيجوعون، بل الجواب: أن حال بلال وأمثاله من أهل الصفة كان مقتضاها عدم الادخار، فإن خالفوا كان التوبيخ على الكذب في دعوى الحال لا على الادخار الحلال.
الفن الثالث :
مباشرة الأسباب الدافعة للضرر . ليس من شرط التوكل ترك الأسباب الدافعة للضرر، فلا يجوز النوم في الأرض المسبعة أو مجرى السيل، أو تحت الجدار الخراب، فكل ذلك منهي عنه.
وكذلك لا ينقض التوكل لبس الدرع، وإغلاق الباب، وشد البعير بالعقال. وقال الله تعالى ? وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ? [ النساء : 102 ] .
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: « اعقلها وتوكل ».
ويتوكل في ذلك كله على المسبب لا على السبب، ويكون راضيا بكل ما يقضى الله عليه ومتى عرض له إذا سرق متاعه أنه لو احترز لم يسرق، أو أخذ يشكو ما جرى عليه، فقد بان بعده عن التوكل.
وليعلم أن القدر له كالطبيب، فإن قدم إليه الطعام فرح، وقال: لولا أنه علم أن الغذاء ينفعني ما قدمه، وإن منعه فرح، وقال: لولا أنه علم أن الغذاء يؤذيني لما منعني.
واعلم : أن كل من لا يعتقد في لطف الله تعالى ما يعتقده المريض في الطبيب الحاذق الشفيق، لم يصح توكله، فإن سرق متاعه رضي بالقضاء، وأحلّ الآخذ، شفقة على المسلمين. فقد شكا بعض الناس إلى بعض العلماء أنه قطع عليه الطريق، وأخذ ماله، فقال: إن لم يكن غمك كيف صار في المسلمين من يفعل هذا أكثر من غمك بمالك، فما نصحت المسلمين.
الفن الرابع :
السعي في إزالة الضرر، كمداواة المريض ونحو ذلك .
اعلم : أن الأسباب المزيلة للضرر تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
إلى مقطوع به ، كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع، فهذا القسم ليس تركه من التوكل في شئ .
القسم الثاني : أن يكون مظنوناً، كالفصد، والحجامة، وشرب المسهل، ونحو ذلك. فهذا لا يناقض التوكل، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تداوى وأمر بالتداوى.
وقد تداوى خلق كثير من المسلمين، وامتنع عنه أقوام توكلاً، كما روى عن أبى بكر الصديق رضي الله عنه أنه قيل له: ألا ندعو لك طبيباً ؟ فقال: رآني الطبيب. قيل: فما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد.
والذي ننصره أن التداوي أفضل، وتحمل حال أبى بكر رضي الله عنه أنه قد تداوى ثم أمسك بعد انتفاعه بالدواء، أو يكون قد علم قرب أجله بأمارات.
واعلم : أن الأدوية أسباب مسخرة بإذن الله تعالى .
القسم الثالث : أن يكون السبب موهوماً، كالكي، فيخرج عن التوكل، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف المتوكلين بأنه لا يكتوون. وقد حمل بعض العلماء الكي المذكور في قوله : « لاَ يَكْتَوُونَ » على ما كانوا يفعلونه في الجاهلية، فإنهم كانوا يكتوون ويسترقون في زمن العافية لئلا يمرضوا، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرقى الرقية بعد نزول المرض، وقد كوى أسعد بن زرارة رضي الله عنه.
وأما شكوى المريض، فهي مخرجة عن التوكل، وقد كانوا يكرهون أنين المريض، لأنه يترجم عن الشكوى، فكان الفضيل يقول: أشتهي مرضا بلا عواد.
وقال رجل للإمام أحمد : كيف أنت ؟ قال: بخير. قال حممت البارحة؟ قال: إذا قلت لك: أنا بخير، فلا تخرجني إلى ما أكره.
فأما إذا وصف المريض للطبيب ما يجده، فإنه لا يضره. وقد كان بعض السلف يفعل ذلك، ويقول: إنما أصف قدرة الله في، ويتصور أن يصف ذلك لتلميذ يقويه على الضراء ويرى ذلك نعمة، فيصف ذلك كما يصف النعمة شكراً لها، ولا يكون ذلك شكوى.
وقد روينا أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ » [البخاري: 5648].
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب: "مختصر منهاج القاصدين ص 317 - 321

فهد الماجدي
02-24-2012, 07:02 PM
مراتب الناس في التوكل
للإمام ابن قـيّم الجوزية رحمه الله


«التوكل» نصف الدين، والنصف الثاني: «الإنابة»، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل: هو الاستعانة، والإنابة: هي العبادة.
ومنزلته: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العاملين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم، فأهل السموات والأرض - المكلفون وغيرهم - في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم.
فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه، وتنفيذ أوامره.
ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغا عن الناس.
ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق، أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد ونحو ذلك.
ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش؛ فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله، وتوكلهم عليه، بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات، ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم، ويظفرهم بمطالبهم.
فأفضل التوكل: التوكل في الواجب؛ أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس.
وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو في دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.
ثم الناس بعدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم؛ فمن متوكل على الله في حصول الْمُلك، ومن متوكل في حصول رغيف.
ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله، فإن كان محبوباً له مرضياً كانت له فيه العاقبة المحمودة، وإن كان مسخوطاً مبغوضاً كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه، وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته، والله أعلم.
وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل، وهو مغبون؛ كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويُمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خيراً، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة، كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، ومصالح المسلمين، والله أعلم.
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب مدار السالكين بين منازل {إياك نعبد وإياك نستعين} (1 / 521 )

فهد الماجدي
03-18-2012, 12:51 PM
ما استقر عليه أهل السنة في حكم الخروج



لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله



أهل السنة يجتهدون في طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[سورة التغابن: 16] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، ويعلمون أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاح العباد في المعاش والمعاد، وأنه أمر بالصلاح ونهى عن الفساد، فإذا كان الفعل فيه صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما، فإذا كان صلاحه أكثر من فساده رجحوا فعله، وإن كان فساده أكثر من صلاحه رجحوا تركه.

فإن الله تعالى بعث رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فإذا تولى خليفة من الخلفاء، كيزيد وعبد الملك والمنصور وغيرهم، فإما أن يقال: يجب منعه من الولاية وقتاله حتى يولى غيره كما يفعله من يرى السيف، فهذا رأي فاسد، فإن مفسدة هذا أعظم من مصلحته.
وقلّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير. كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة، وأمثال هؤلاء.
وغاية هؤلاء إما أن يغلبوا وإما أن يغلبوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة; فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقا كثيرا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور. وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا.
والله تعالى لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند الله وأحسن نية من غيرهم.
وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق. وكذلكأصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كلهم .
وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصـــوت إنســــــان فـــكـــــدت أطــــــــير



أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾[سورة المؤمنون: 76] وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له: أجمل لنا التقوى. فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا.
وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جورالأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين.
وقال : فيتبين لهم في آخر الأمر ما كان الشارع دل عليه من أول الأمر.
وفيهم من لم تبلغه نصوص الشارع، أو لم تثبت عنده. وفيهم من يظنها منسوخة كابن حزم. وفيهم من يتأولها كما يجري لكثير من المجتهدين في كثير من النصوص.
فإن بهذه الوجوه الثلاثة يترك من يترك من أهل الاستدلال العمل ببعض النصوص; إما أن لا يعتقد ثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإما أن يعتقدها غير دالة على مورد الاستدلال، وإما أن يعتقدها منسوخة.
إلى أن قال:
ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين.
ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحا في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان. وكلا هذين الطرفين فاسد. [منهاج السنة النبوية (4/ 527 - 538)]

ذكر من نقل الإجماع على تحريم الخروج



قال الإمام النووي رحمه الله:
"وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضا فغلط من قائله مخالف للإجماع...
إلى قوله: قال القاضي وقيل إن هذا الخلاف كان أولا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم". [شرح مسلم، حديث (1709)]
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
في شرح حديث حذيفة في لزوم الجماعة؛ "وقال بن بطال فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ولم يقل فيهم تعرف وتنكر كما قال في الأولين وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة". [فتح الباري (13/ 37)]
وقال في ترجمة الحسن بن صالح : " وقولهم (كان يرى السيف) يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهب للسلف قديم، لكن أستقر الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشد منه؛ ففي وقعة الحرة ووقعة بن الأشعث وغيرهما عظة لمن تدبر". [تهذيب التهذيب (2 / 288)]

ذكر الأدلة الصريحة في منع الخروج



عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدثنا أصلحك الله، بحديث ينفع الله به سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: «أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله»، قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». رواه مسلم
قالت هيئة كبار العلماء في المملكة:
أفاد قوله: (إلا أن تروا) : أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة.
وأفاد قوله: (كفراً) أنه لا يكفي الفسوق ولو كبر؛ كالظلم وشرب الخمر ولعب القمار، والاستئثار المحرم.
وأفاد قوله: (بواحاً) : أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح؛ أي: صريح ظاهر.
وأفاد قوله: (عندكم فيه من الله برهان) : أنه لا بد من دليل صريح ، بحيث يكون صحيح الثبوت، صريح الدلالة، فلا يكفي الدليل ضعيف السند، ولا غامض الدلالة.
وأفاد قوله: (من الله) : أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت مَنْزِلته في العلم والأمانة إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. [مجلة البحوث العلمية. عدد56 (ص/357)]
وعن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا». رواه مسلم
عن عوف بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال:«لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة». رواه مسلم
وعن أبي هريرة قال: سمعت الصادق المصدوق يقول: «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش» فقال مروان: لعنة الله عليهم غلمةً. فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول: بني فلان، وبني فلان، لفعلت. رواه البخاري
قال ابن بطال :
وفى هذا الحديث أيضًا حجة لجماعة الأمة فى ترك القيام على أئمة الجور ووجوب طاعتهم والسمع والطاعة لهم، ألا ترى أنه (صلى الله عليه وسلم) قد أعلم أبا هريرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، ولم يأمره بالخروج عليهم ولا بمحاربتهم، وإن كان قد أخبر أن هلاك أمته على أيديهم، إذ الخروج عليهم أشدّ فى الهلاك وأقوى فى الاستئصال، فاختار (صلى الله عليه وسلم) لأمته أيسر الأمرين وأخف الهلاكين، إذ قد جرى قدر الله وعلمه أن أئمة الجور أكثر من أئمة العدل وأنهم يتغلّبون على الأمة، وهذا الحديث من أقوى ما يرد به على الخوارج. [شرح صحيح البخاري لابن بطال ( 10 / 10 )]

فهد الماجدي
03-18-2012, 12:53 PM
الإنسان بين الملَك والشيطان





للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله



من عقوبة المعصية أنها تُباعد عن العبد وليه وأنفع الخلق له وأنصحهم له، ومن سعادته في قربه منه، وهو الملَك الموكل به، وتدني منه عدوه وأغش الخلق له، وأعظمهمضررا له، وهو الشيطان؛ فإن العبد إذا عصى الله تباعد منه الملك بقدر تلك المعصية، حتى إنه يتباعد منه بالكذبة الواحدة مسافة بعيدة.

وفي بعض الآثار: إذا كذب العبد تباعد منه الملك ميلا من نتن ريحه، فإذا كان هذا تباعد الملك منه من كذبة واحدة، فماذا يكون مقدار بعده منه مما هو أكبر من ذلك، وأفحش منه؟
وقال بعض السلف: إذا رُكب الذكر عجّت الأرض إلى الله وهربت الملائكة إلى ربها، وشكت إليه عظيم ما رأت.
وقال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان، فإن ذكر الله وكبره وحمده وهلله، طرد الشيطان وتولاه الملك، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان.
ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له، فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند بعثه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ۝نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾[سورة فصلت: 30 - 31] .
وإذا تولاه الملك تولاه أنصح الخلق وأنفعهم وأبرهم، فثبته وعلمه، وقوى جنانه، وأيده الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[سورة الأنفال: 12] .
فيقول الملك عند الموت: لا تخف ولا تحزن وأبشر بالذي يسرك، ويثبته بالقول الثابت أحوج ما يكون إليه في الحياة الدنيا، وعند الموت، وفي القبر عند المسألة.
فليس أحد أنفع للعبد من صحبة الملك له، وهو وليه في يقظته ومنامه، وحياته وعند موته وفي قبره، ومؤنسه في وحشته، وصاحبه في خلوته، ومحدثه في سره، ويحارب عنه عدوه، ويدافع عنه ويعينه عليه، ويعده بالخير ويبشره به، ويحثه على التصديق بالحق، كما جاء في الأثر الذي يروى مرفوعا وموقوفا: «إن للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك: إيعاد بالخير وتصديق بالوعد، ولمة الشيطان: إيعاد بالشر وتكذيب بالحق» .
وإذا اشتد قرب الملك من العبد تكلم على لسانه، وألقى على لسانه القول السديد، وإذا بعد منه وقرب الشيطان، تكلم على لسانه، وألقى عليه قول الزور والفحش، حتى يرى الرجل يتكلم على لسانه الملك والرجل يتكلم على لسانه الشيطانوفي الحديث: «إن السكينة تنطق على لسان عمر» - رضي الله عنه - وكان أحدهم يسمع الكلمة الصالحة من الرجل الصالح فيقول: ما ألقاه على لسانك إلا الملك، ويسمع ضدها فيقول: ما ألقاها على لسانك إلا الشيطان، فالملك يلقي بالقلب الحق ويلقيه على اللسان، والشيطان يلقي الباطل في القلب ويجريه على اللسان.
فمن عقوبة المعاصي أنها تبعد من العبد وليه الذي سعادته في قربه ومجاورته وموالاته، وتدني منه عدوه الذي شقاؤه وهلاكه وفساده في قربه وموالاته، حتى إن الملك لينافح عن العبد، ويرد عنه إذا سفه عليه السفيه وسبه، كما اختصم بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلان، فجعل أحدهما يسب الآخر وهو ساكت، فتكلم بكلمة يرد بها على صاحبه، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله لما رددت عليه بعض قوله قمت، فقال: «كان الملك ينافح عنك، فلما رددت عليه جاء الشيطان فلم أكن لأجلس» .
وإذا دعا العبد المسلم لأخيه بظهر الغيب أمن الملك على دعائه، وقال: «ولك بمثل».
وإذا فرغ من قراءة الفاتحة أمنت الملائكة على دعائه.
وإذا أذنب العبد الموحد المتبع لسبيله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - استغفر له حملة العرش ومن حوله.
وإذا نام العبد على وضوء بات في شِعارِهِ ملك.
فملك المؤمن يرد عنه ويحارب ويدافع عنه، ويعلّمه ويثبّته ويشجعه، فلا يليق به أن يسيء جواره ويبالغ في أذاه وطرده عنه وإبعاده، فإنه ضيفه وجاره.
وإذا كان إكرام الضيف من الآدميين والإحسان إلى الجار من لوازم الإيمان وموجباته، فما الظن بإكرام أكرم الأضياف، وخير الجيران وأبرهم؟ وإذا آذى العبد الملك بأنواع المعاصي والظلم والفواحش دعا عليه ربه، وقال: لا جزاك الله خيرا، كما يدعو له إذا أكرمه بالطاعة والإحسان.
قال بعض الصحابة - رضي الله عنهم -: إن معكم من لا يفارقكم، فاستحيوا منهم وأكرموهم.
ولا ألأم ممن لا يستحي من الكريم العظيم القدر، ولا يجله ولا يوقره، وقد نبه سبحانه على هذا المعنى بقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ۝كِرَامًا كَاتِبِينَ۝يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾[سورة الانفطار: 10 - 12] أي استحيوا من هؤلاء الحافظين الكرام وأكرموهم، وأجلوهم أن يروا منكم ماتستحيون أن يراكم عليه من هو مثلكم، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي بين يديه، وإن كان يعمل مثل عمله، فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ والله المستعان.


نقله لكم





www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)





من كتاب "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" أو "الداء والدواء" ص 106

فهد الماجدي
03-20-2012, 03:51 PM
السر الذي فيه الشفاء التام والدواء النافع


للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

فَاتِحَةُ الْكِتاب: وأُمُّ القرآن، والسبعُ المثاني، والشفاءُ التام، والدواءُ النافع، والرُّقيةُ التامة، ومفتاح الغِنَى والفلاح، وحافظةُ القوة، ودافعةُ الهم والغم والخوف والحزن لمن عرف مقدارَها وأعطاها حقَّها، وأحسنَ تنزيلها على دائه، وعَرَفَ وجهَ الاستشفاء والتداوي بها، والسرَّ الذي لأجله كانت كذلك.
ولما وقع بعضُ الصحابة على ذلك، رقى بها اللَّديغ، فبرأ لوقته. فقال له النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وما أدراك أنَّها رُقْيَة ».
ومَن ساعده التوفيق، وأُعين بنور البصيرة حتى وقف على أسرارِ هذه السورة، وما اشتملت عليه مِنَ التوحيد، ومعرفةِ الذات والأسماء والصفات والأفعال، وإثباتِ الشرع والقَدَر والمعاد، وتجريدِ توحيد الربوبية والإلهية، وكمال التوكل والتفويض إلى مَن له الأمر كُلُّه، وله الحمدُ كُلُّه، وبيده الخيرُ كُلُّه، وإليه يرجع الأمرُ كُلُّه، والافتقار إليه في طلب الهداية التي هي أصلُ سعادة الدارين، وعَلِمَ ارتباطَ معانيها بجلب مصالحهما، ودفع مفاسدهما، وأنَّ العاقبةَ المطلقة التامة، والنعمةَ الكاملة مَنوطةٌ بها، موقوفةٌ على التحقق بها، أغنته عن كثير من الأدوية والرُّقى، واستفتح بها من الخير أبوابه، ودفع بها من الشر أسبابَه.
وهذا أمرٌ يحتاجُ استحداثَ فِطرةٍ أُخرى، وعقلٍ آخر، وإيمانٍ آخر، وتاللهِ لا تجدُ مقالةٌ فاسدة، ولا بدعةٌ باطلة إلا وفاتحةُ الكتابِ متضمِّنة لردها وإبطالها بأقرب الطُرُق، وأصحِّها وأوضحِها، ولا تجدُ باباً من أبواب المعارف الإلهية، وأعمالِ القلوب وأدويتها مِن عللها وأسقامها إلا وفى فاتحة الكتاب مفتاحُه، وموضعُ الدلالة عليه، ولا منزلاً من منازل السائرين إلى ربِّ العالمين إلا وبدايتُه ونهايتُه فيها.
ولعَمْرُ الله إنَّ شأنها لأعظمُ من ذلك، وهى فوقَ ذلك. وما تحقَّق عبدٌ بها، واعتصم بها، وعقل عمن تكلَّم بها، وأنزلها شفاءً تاماً، وعِصمةً بالغةً، ونوراً مبيناً، وفهمها وفهم لوازمَها كما ينبغي ووقع في بدعةٍ ولا شِركٍ، ولا أصابه مرضٌ من أمراض القلوب إلا لِماماً، غيرَ مستقر.
هذا.. وإنها المفتاح الأعظم لكنوز الأرض، كما أنها المفتاحُ لكنوز الجَنَّة، ولكن ليس كل واحد يُحسن الفتح بهذا المفتاح، ولو أنَّ طُلابَ الكنوز وقفوا على سر هذه السورة، وتحقَّقُوا بمعانيها، وركَّبوا لهذا المفتاح أسناناً، وأحسنُوا الفتح به، لوصلوا إلى تناول الكُنوزِ من غير معاوِق، ولا ممانع.
ولم نقل هذا مجازفةً ولا استعارةً؛ بل حقيقةً، ولكنْ لله تعالى حكمةٌ بالغة في إخفاء هذا السر عن نفوس أكثر العالَمين، كما لَه حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم. والكنوزُ المحجوبة قد استُخدمَ عليها أرواحٌ خبيثة شيطانية تحولُ بين الإنس وبينها، ولا تقهرُها إلاَّ أرواحٌ عُلْوية شريفة غالبة لها بحالها الإيماني، معها منه أسلحةٌ لا تقومُ لها الشياطين، وأكثرُ نفوس الناس ليست بهذه المَثابة، فلا يُقاوِمُ تلك الأرواح ولا يَقْهَرُها، ولا ينال من سلبِها شيئاً، فإنَّ مَن قتل قتيلاً فله سلبه.


نقله لكم


www.aborashed.com


من كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد / مجلد الطب النبوي ( 4 / 347 )

فهد الماجدي
05-20-2012, 03:55 AM
إلى الذين يزكون أنفسهم


للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله

نذكر هاهنا نكتة نافعة. وهى: أن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيرا من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب، وما ينال كثيرا من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والمال، وغير ذلك، فيعتقد أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل، وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين. فإذا سمع في القرآن قوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[المنافقون: 8]

وقوله ﴿وَإنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ﴾[الصافات: 173] وقوله ﴿كَتَبَ الله لأغْلِبن أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: 21] وقوله ﴿وَالعَاقِبةُ لِلْمُتّقِينَ﴾[الأعراف: 128، القصص: 83] .
حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط،ويعتمد على هذا الظن إذا أُديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين: وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى. فيرى أن صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق، فيقول: أنا على الحق. وأنا مغلوب: فصاحب الحق في هذه الدنيا مغلوب مقهور، والدولة فيها للباطل.
وأنت تشاهد كثيراً من الناس إذا أصابه نوع من البلاء يقول: يا ربى ما كان ذنبي، حتى فعلت بي هذا؟
وقال لي غير واحد: إذا تبت إليه وأنبت وعملت صالحا ضيق على رزقي، ونكد علي معيشتي، وإذا رجعت إلى معصيته، وأعطيت نفسي مرادها، جاءني الرزق والعون ونحو هذا.
فقلت لبعضهم: هذا امتحان منه، ليرى صدقك وصبرك، هل أنت صادق في مجيئك إليه وإقبالك عليه، فتصبر على بلائه، فتكون لك العاقبة، أم أنت كاذب فترجع على عقبك؟.
وهذه الأقوال والظنون الكاذبة الحائدة عن الصواب مبنية على مقدمتين:
إحداهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب عليه، وتارك ما نهى عنه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأنه تارك للمأمور، مرتكب للمحظور، وأنه نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه.
والمقدمة الثانية: اعتقاده أن الله سبحانه وتعالى قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا بوجه من الوجوه، بل يعيش عمره مظلوما مقهورا مستضاما، مع قيامه بما أمر به ظاهرا وباطنا، وانتهائه عما نهى عنه باطنا وظاهرا، فهو عند نفسه قائم بشرائع الإسلام، وحقائق الإيمان، وهو تحت قهر أهل الظلم، والفجور والعدوان.
فلا إله إلا الله، كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل، ومتدين لا بصيرة له، ومنتسب إلى العلم لا معرفة له بحقائق الدين.
فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع، ودفع الضر، بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح. فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة ينافى ذلك. وأنه يعادى جميع أهل الأرض لما لا يقدر عليه من البلاء، وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه، وتجرده لله ورسوله، فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين، بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين، بل قد يدخل مع الظالمين، بل مع المنافقين، وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
«بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ الّليْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمسِى كافِراً، وَيُمْسِى كافِراً وَيُصْبِحُ مُؤْمِناً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا».
وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لابد له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة.
فسبحان الله، كم صدت هذه الفتنة الكثير من الخلق، بل أكثرهم عن القيام بحقيقة الدين.
وأصلها ناشئ من جهلين كبيرين: جهل بحقيقة الدين، وجهل بحقيقة النعيم الذي هو غاية مطلوب النفوس، وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها، فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم.
ومعلوم أن كمال العبد هو بأن يكون عارفا بالنعيم الذي يطلبه، والعمل الذي يوصل إليه، وأن يكون مع ذلك فيه إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم، وإلا فالعلم بالمطلوب وطريقه لا يحصله إن لم يقترن بذلك العمل، والإرادة الجازمة لا توجب وجود المراد إلا إذا لازمها الصبر.
فصارت سعادة العبد وكمال لذته ونعيمه موقوفا على هذه المقامات الخمسة: 1- علمه بالنعيم المطلوب
2- ومحبته له،
3- وعلمه بالطريق الموصل إليه
4- وعمله به،
5- وصبره على ذلك.
قال الله تعالى : ﴿وَالْعَصْرِ ۝ إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إلا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
والمقصود: أن المقدمتين اللتين تثبت عليهما هذه الفتنة أصلهما الجهل بأمر الله ودينه، وبوعده ووعيده.
فإن العبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق، فقد اعتقد أنه قد قام بفعل المأمور باطناً وظاهراً، وترك المحظور باطناً وظاهراً، وهذا من جهله بالدين الحق، وما لله عليه وما هو المراد منه، فهو جاهل بحق الله عليه، جاهل بما معه من الدين قدراً ونوعاً وصفة.
وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين، وللفجار الظالمين، على الأبرار المتقين، فهذا من جهله بوعد الله تعالى ووعيده.
فأما المقام الأول: فإن العبد كثيرا ما يترك واجبات لا يعلم بها، ولا بوجوبها، فيكون مقصرا في العلم، وكثيرا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها، إما كسلا وتهاونا، وإما لنوع تأويل باطل، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان، وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات.
فتراه يتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما.
بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مع قدرته عليه، وبزعم أنه متقرب إلى الله تعالى بذلك، مجتمع على ربه، تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى، وأبغضهم له، معظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه.
بل ما أكثر من يتعبد لله بما حرمه الله عليه، ويعتقد أنه طاعة وقربة، وحاله في ذلك شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما، كأصحاب السماع الشعري الذي يتقربون به إلى الله تعالى، ويظنون أنهم من أولياء الرحمن، وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان.
وما أكثر من يعتقد أنه هو المظلوم المحق من كل وجه، ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون معه نوع من الحق ونوع من الباطل والظلم، ومع خصمه نوع من الحق والعدل، حبك الشيء يعمى ويصم. والإنسان مجبول على حب نفسه، فهو لا يرى إلا محاسنها، ومبغض لخصمه، فهو لا يرى إلا مساوئه، بل قد يشتد به حبه لنفسه، حتى يرى مساويها محاسن، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهٍ فَرَآهُ حَسَناً﴾[فاطر: 8] .
ويشتد به بغض خصمه، حتى يرى محاسنه مساوئ، كما قيل:

نظَرُوا بِعَيْنِ عَدَاوَةٍ، وَلَوَ أنَّهَا ... عَيْنُ الرِّضَا، لاسْتَحْسَنُوا مَا اسْتَقْبَحُوا

وهذا الجهل مقرون بالهوى والظلم غالبا، فإن الإنسان ظلوم جهول.
وأكثر ديانات الخلق إنما هي عادات أخذوها عن آبائهم وأسلافهم، وقلدوهم فيها: في الإثبات والنفي، والحب والبغض، والموالاة والمعاداة.
والله سبحانه إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه بدينه علماً وعملاً، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق، وكذلك العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 139] .
فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُوِلهِ وَلِلْمُؤْمِنِين﴾[المنافقون: 8] .
فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا.
وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوا﴾[الحج: 38] .
فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه.
وكذلك الكفاية والحَسْب هي بقدر الإيمان، قال تعالى: ﴿يأَيُّهَا النَّبي حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال: 64] .
أي الله حسبك وحسب أتباعك، أي كافيك وكافيهم، فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هي بحسب إيمانه قال تعالى: ﴿وَاللهُ وَلِى المُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 68] وقال الله تعالى: ﴿اللهُ وَلِى الّذِينَ آمَنُوا﴾[البقرة: 257] .
وكذلك معيته الخاصة هي لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾[الأنفال: 19] .
فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان.
وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾[غافر: 51] وقال ﴿فَأَيَّدْنَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾[الصف: 14] .
فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه.
وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141] .
ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة.
والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفي، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقةالإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلا تحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران: 139] وقال تعالى ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمٌ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾[محمد: 35] .
فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.
وأما المقام الثاني: [ففي تدوينة قادمة بإذن الله]

نقله لكم باختصار


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" ( 2 / 176-183 )

فهد الماجدي
05-20-2012, 03:57 AM
الفرق بين حسن الظن والغرور
للإمام ابن القيم رحمه الله

وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور، وأن حسن الظن إن حمل على العمل، وحث عليه، وساق إليه، فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور، وحسن الظن هو الرجاء، فمن كان رجاؤه هاديا له إلى الطاعة، زاجرا له عن المعصية، فهو رجاء صحيح، ومن كانت بطالته رجاء، ورجاؤه بطالة وتفريطا ، فهو المغرور.
ولو أن رجلا كانت له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه فأهملها ولم يبذرها ولم يحرثها، وحسن ظنه بأنه يأتي من مغلها ما يأتي من حرث وبذر وسقى وتعاهد الأرض لعده الناس من أسفه السفهاء.
وكذلك لو حسن ظنه وقوي رجاؤه بأن يجيئه ولد من غير جماع، أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم، وحرص تام عليه، وأمثال ذلك.
فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلا والنعيم المقيم، من غير طاعة ولا تقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وبالله التوفيق.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [ سورة البقرة : 218 ].
فتأمل كيف جعل رجاءهم إتيانهم بهذه الطاعات ؟
وقال المغترون : إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره، الباغين على عباده، المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله.
وسر المسألة : أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه، ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعارضها ويبطل أثرها.
نقله لكم
www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)
من كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص 39

فهد الماجدي
05-20-2012, 03:58 AM
سؤال (؟) عن أعجب الأشياء



يجب عليه الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله

السؤال:
كيف يجتمع التصديق الجازم الذي لا شك فيه بالمعاد والجنة والنار ويتخلف العمل، وهل في الطباع البشرية أن يعلم العبد أنه مطلوب غداً إلى بين يدي بعض الملوك ليعاقبه أشد عقوبة، أو يكرمه أتم كرامة، ويبيت ساهيا غافلا لا يتذكر موقفه بين يدي الملك، ولا يستعد له ولا يأخذ له أهبة ؟!.
الإجابة:
قيل هذا لعمر الله سؤال صحيح وارد على أكثر هذا الخلق، واجتماع هذين الأمرين من أعجب الأشياء، وهذا التخلف له عدة أسباب:
أحدها: ضعف العلم ونقصان اليقين ومن ظن أن العلم لا يتفاوت فقوله من أفسد الأقوال، وأبطلها، وقد سأل إبراهيم الخليل ربه أن يريه أحياء الموتى عيانا بعد علمه بقدرة الرب على ذلك ليزداد طمأنينة ويصير المعلوم غيبا شهادة، وقد روى أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ليس الخبر كالمعاين )).
فإذا اجتمع إلى ضعف العلم: عدم استحضاره أو غيبته عن القلب كثيراً من أوقاته، أو أكثرها لاشتغاله بما يضاده.
وانضم إلى ذلك: تقاضي الطبع وغلبات الهوى واستيلاء الشهوة وتسويل النفس وغرور الشيطان واستبطاء الوعد وطول الأمل ورقدة الغفلة وحب العاجلة ورخص التأويل وإلف العوائد فهناك لا يمسك الإيمان في القلب إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.
وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال حتى ينتهي إلى أدني مثقال ذرة في القلب.
وجماع هذه الأسباب يرجع إلى: ضعف البصيرة والصبر ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين وجعلهم أئمة في الدين فقال تعالى {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.

نقله لكم


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي

فهد الماجدي
06-25-2012, 09:43 PM
قال ابن القيم:
أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيراً، أو تصنع إليه معروفا فإنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك، فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر .

فهد الماجدي
06-25-2012, 09:44 PM
من أسباب الوقوع في الفتنة مع الحكام



لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

قال شيخ الإسلام : ومما ينبغي أن يُعلم أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة فَيَرِدُ على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق ولا قصده، والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح؛ بمعرفة الحق وقصده؛ فيتفق أن بعض الولاة يظلم باستئثار فلا تصبر النفوس على ظلمة، ولا يمكنها دفع ظلمة إلا بما هو أعظم فساداً منه، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً(1) فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» . رواه البخاري
وكذلك ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة في يسره وعسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه» .
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عبادة قال: «بَايَعْنَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَعَلَى أثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أنْ لاَ نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ إلاَّ أنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ بُرْهَانٌ، وَعَلَى أنْ نَقُولَ بالحَقِّ أيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ» . متفق عليه
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بأن يصبروا(2) على الاستئثار عليهم، وأن يطيعوا ولاة أمورهم، وإن استأثروا عليهم، وأن لا ينازعوهم الأمر، وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه، ولم يصبروا على الاستئثار ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات، ويبقى المقاتل له ظانّاً أنه يقاتله لئلا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، ومن أعظم ما حرّكه عليه طلب غرضه: إما ولاية، وإما مال.
كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إِليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رَجُل على فَضْل ماء بِفَلاة يمنعه من ابن السبيل يقول الله له يوم القيامة: اليومَ أمْنَعُكَ فَضْلِي، كما مَنَعْتَ فضلَ ما لم تعمل يَدَاك، ورجل بايَعَ إِماما لا يبايِعُهُ إِلا للدنيا فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يُعْط منها سَخَطَ. ورجل حَلَف على سِلْعَة لقد أُعْطِي بِهَا أكثر مما أُعْطِيَ ، وهو كاذب».
فإذا اتفق من هذه الجهة شبهة وشهوة، ومن هذه الجهة شهوة وشبهة قامت الفتنة، والشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين؛ فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم حتى قال: « مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة، يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ».
وأمر الرعية بالطاعة والنصح كما ثبت في الحديث الصحيح: «إِنما الدين النصيحة» ثلاثاً. قالوا: لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: «لِلَّهِ ولكتابه ولرسوله، ولأَئمة المسلمين وعامتهم».
وأمر بالصبر على استئثارهم، ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأن الفساد الناشيء من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يُزال أخف الفسادين بأعظمهما.
ومن تدبر الكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الأفاق علم تحقيق قول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فإن الله تعالى يُري عباده آياته في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق، فخبره صدق، وأمره عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
____________
(1) الأثرة والاستئثار: الانفراد بالشيء دون الآخرين.
(2) قال ابن القيم رحمه الله: الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما. [عدة الصابرين (1 / 7 )]

نقله لكم بشيء من الاختصار


www.aborashed.com (http://www.aborashed.com/)


من كتاب منهاج السنة ( 4 / 538 - 543 )

فهد الماجدي
07-04-2012, 05:37 PM
من أراد صفاء قلبه فليؤثرِ الله على شهوته . القلوب المتعلقة بالشهوات ، محجوبةٌ عن الله بقدر تعلقها بها . الفوائد [٢٦٢]
حساب ابن القيم تويتر
متابعه من قبل

مُتابَعة
مُتابَع
إلغاء المتابعة
محظور
إلغاء الحظر
قيد الانتظار
إلغاء

https://si0.twimg.com/profile_images/2269812723/image_normal.jpg⭕أعذب ما قالت العرب⭕ ‏ @3_RAB (https://twitter.com/#!/3_RAB)
ننشر و ننتقي أشعار و مواعظ وحكم و درر ⭕مما قالته العرب⭕ نتحرى حسن النقل في كل شيئ يشرف على الحساب بعض طلبة العلم على منهج السلف الصالح انشئ الحساب 2012/6/1



مُتابَعة
مُتابَع
إلغاء المتابعة
محظور
إلغاء الحظر
قيد الانتظار
إلغاء

https://si0.twimg.com/profile_images/1616063938/image_normal.jpgفتاوى اللجنة الدائمة ‏ @alifta_net (https://twitter.com/#!/alifta_net)
هذه الصفحة تعنى بنشر فتاوى ورسائل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاءصفحة غير رسميةوليس له علاقة بمقر ولا موقع اللجنة الدائمة وانما ننقل فقط



مُتابَعة
مُتابَع
إلغاء المتابعة
محظور
إلغاء الحظر
قيد الانتظار
إلغاء

https://si0.twimg.com/profile_images/1614591931/image_normal.jpgفوائد العلامة الخضير ‏ @Fwaed_ALkudheir (https://twitter.com/#!/Fwaed_ALkudheir)
صفحة غير رسمية تعنى بنشر فتاوى وأقوال








أهلاً بكم في هذه الصفحة المعتنية بأقوال وفوائد الإمام الزاهد ابن قيم الجوزية رحمه الله ساهم في نشرها
https://twitter.com/#!/ibn_alqaim

فهد الماجدي
07-04-2012, 05:38 PM
فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ، ويندفع بها المكروه . فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل . مدارج السالكين [٢/٩٠]

فهد الماجدي
07-04-2012, 05:42 PM
{فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وهكذا إذا أعرض العبد عن ربه سبحانه ، جازاه بأن يُعرض عنه ، فلا يمكّنه من الإقبال عليه . شفاء العليل [١/٢٥٤]

فهد الماجدي
07-04-2012, 05:44 PM
فإن العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق ، وهو مطلوب لنفسه مراد لذاته . مفتاح دار السعادة [١/٢٧٧]

فهد الماجدي
09-16-2012, 06:40 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فهذه فوائد متنوعة في التاريخ والأدب والزهد والعقائد والحديث ورجاله وعلله قيدتها من عدة مواطن أثناء قراءاتي ومطالعاتي راجيا من الله أن ينفع بها.

أبو أسامة سمير الجزائري

1- قال ابن محرز في معرفة الرجال 1/ 163:
سمعت يحيى بن معين يقول: ـ وذكر أبا سليمان الجرجاني ـ فقال: أبو جرجان ينبغي أن نهدم حول داره أربعين دارا هكذا، وأربعين دارا هكذا، وأربعين دارا ه... كذا، وأربعين دارا هكذا، فقال أبو خيثمة: يا أبا زكريا فيدخل دارك في هذا الهدم؟!
قال: لا أبالي يبدأ بداري أولا حتى تطهر تلك البلاد منه !.

قال مولى الفضل:كنت جالسا مع وهب بن منبه فأتاه رجل فقال:إني مررت بفلان وهو
يشتمك.فغضب وقال:ما وجد الشيطان رسولا غيرك؟
فما برحت من عنده حتى جاءه ذلك الشاتم،فسلم على وهب،فرد عليه السلام،ومد يده إليه
وصافحه،وأجلسه إلى جنبه (البداية والنهاية).

قال ابن الجوزي واصفاً شيخه الأنماطي : ( وما عرفنا من مشايخنا أكثر سماعا منه , ولقد كنت أقرأ عليه الحديث في زمن الصبا , ولم أذق بعد طعم العلم , فكان يبكي بكاء متصلا , وكان ذلك البكاء يعمل في قلبي , وأقول ما يبكي هذا هكذا إلا لأمر عظيم , فاستفدت ببكائه ما لم أستفد بروايته ) صفة الصفوة 498 /2

قال محمد بن سيرين : ما أتيت امرأة في نوم ولا يقظة إلا أم عبد الله يعني زوجته , وقال أيضاً : إنى أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فأصرف بصري عنها . تاريخ بغداد (336/5 )

2- قال ابن القيم في أعلام الموقعين 4/ 208:
وكثير منهم [صنف من المفتين] نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال: كان عندنا مفت قليل البضاعة، فكان لا يفتي حتى يتقدمه من يكتب الجواب، فيكتب تحته: جوابي مثل جواب الشيخ.
فقدر أن اختلف مفتيان في جواب، فكتب تحتهما جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا! فقال: وأنا أيضا تناقضت كما تناقضا!
وقد أقام الله سبحانه لكل عالم، ورئيس، وفاضل من يظهر مماثلته، ويرى الجهال ـ وهم الأكثرون ـ مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المسابقة كفرسي رهان، ولا سيما إذا طول الأردان، وأرخي الذوائب الطويلة وراءه كذنب الأتان، وهدر باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان،
فلو لبس الحمار ثياب خز * لقال الناس يا لك من حمار!
وهذا الضرب إنما يستفتون بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية قد غرهم عكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم تعج منهم الحقوق إلى الله تعالى عجيجا، وتضج منهم الأحكام إلى من أنزلها ضجيجا، فمن أقدم بالجرأة على ما ليس له من: فتيا، أو قضاء، أو تدريس استحق اسم الذم، ولم يحل قبول فتياه، ولا قضائه هذا حكم دين الإسلام
وإن رغمت أنوف من أناس * فقل يا رب لا ترغم سواها.

3- قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 1/ 291: أنبأنا الوالد السعيد، عن يوسف القواس، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين قال: سمعت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم لؤلؤا يقول: مررت في الطريق، فإذا بشر المريسي، والناس عليه مجتمعون، فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعني: أن أباه كان يهوديا. اهـ.

4-الآداب الشرعية 2/ 152:
وقال أبو حيان النحوي المتأخر المشهور في أثناء كلام له:
وأما إن كان صاحب تصانيف، وينظر في علوم كثيرة فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها،
وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره، ولا ينسب إلى غيره، وقد نظمت أبياتا في شأن من ينهز بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه:
يظن الغمر أن الكتب تهدي * أخا فهم لإدراك العلوم
وما يدري الجهول بأن فيها * غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ * ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليك حتى * تصير أضل من توما الحكيم
أشرت إلى قول بعضهم:
قال حمار الحكيم توما * لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جاهل مركب

5- وقال جندب بن عبد الله: " دخل عليّ فتية حزاورة أيام النهر، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، قال: قلت: أنتم؟!
قالوا: نحن، قلت: أنتم؟!
قالوا: نحن.
قلت: يا أخباث خليقة الله! في اتباعنا تخافون الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟!
اخرجوا عني ".
نحوه في إعلام الموقعين 4/ 139

ذكر إبن كثير ، رحمه الله ، في تفسيره عند سورة الجاثية عند قوله تعالى : ( يومئذ يخسر المبطلون ) " سورة الجاثية ، الآية 27 " ، قال : دخل سفيان الثوري المدينة يوماً ما ، فوجد رجلاً شيخاً إسمه المعافري يحدث الناس بما يضحكهم به ، فقال له يا شيخ : اتق الله أما تعلم أن لله يوماً يخسر فيه المبطلون ، قال الرواي : فما زالت تعرف في وجه المعافري حتى لقي ربه .

قال ابن القيم رحمه الله
علامه صحه الاراده ان يكون هم المريد رضا ربه واستعداده للقائه وحزنه على وقت مر فى غير مرضاته واسفه على قربه والانس به وجماع ذلك ان يصبح ويمسى وليس له هم غيره
الفوائد

6-الورع لابن أبي الدنيا ـ رحمه الله ـ ص 100
قال ابن أبي الدنيا: قرأت في كتاب أبي جعفر الأدمي بخطه قال: كنت باليمن في بعض أسفاري فإذا رجل معه ابن له شاب، فقال إن هذا أبي، وهو من خير الآباء، وقد يصنع شيئا أخاف عليه منه!
قلت: وأي شيء يصنع؟
قال: لي بقر تأتيني مساء فأحلبها، ثم أتي أبي وهو في الصلاة، فأحب أن يكون عيالي يشربون فضله، ولا أزال قائما عليه، والإناء في يدي، وهو مقبل على صلاته، فعسى أن لا ينفتل، ويقبل علي حتى يطلع الفجر! قلت للشيخ: ما تقول؟
قال: صدق، وأثنى على ابنه، وقال لي: أخبرك بعذري، إذا دخلت في الصلاة، فاستفتحت القرآن ذهب بي مذاهب، وشغلني حتى ما أذكره حتى أصبح!
قال سلامة: فذكرت أمرهما لعبد الله بن مرزوق، فقال: هذان يدفع بهما عن أهل اليمن.
قال: وذكرت أمرهما لابن عيينة، فقال: هذان يدفع بهما عن أهل الدنيا. اهـ

لتَّوْحِيدُ سَبيلُ النّجَاة:
ــــــــــــ
قال ابن القيِّم -رحمه الله تعالى-: "هَذهِ سُنّةُ اللهِ في عبادِهِ، فما دُفِعَتْ شدائدُ الدنيا بمثلِ التوحيدِ، ولذلكَ كانَ دعاءُ الكرْب بالتوحيدِ ودعوةُ ذي النّونِ التي مَا دعَا بها مكْروبٌ إلاّ فرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ بالتوحيدِ، فلا يُلقي في الكُرَبِ العظامِ إلاّ الشّركُ ولا يُنْجي منها إلاّ التوحيدُ، فهوَ مَفزعُ الخليقةِ وملجؤها وحِصنُها وغِياثُها، وبالله التوفيق" [الفوائد، لابن القيّم: 67]

قال ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَلاَ يُدْعَى إلاَّ هُوَ، وَلاَ يُخْشَى إِلاَّ هُوَ، وَلاَ يُتَّقَى إِلاَّ هُوَ، وَلاَ يُتَوَكَّل إِلاَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ الدِّينُ إِلاَّ لَهُ، لاَ لأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، وَأَلاَّ نتَّخِذَ المَلاَئِكَةَ وَالنَبيِّين أَرْبَابًا، فَكَيْفَ باِلأئمَّةِ، وَالشُّيُوخِ، والعُلَمَاءِ، وَالمُلُوكِ، وَغَيْرِهِم" [منهاج السنة النبوية، لابن تيمية: 3/490]

· قال ابن تيمية رحمه الله: كل من أحب شيئا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، إن فقد عذب بالفراق وتألم، وإن وُجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء.

(الفتاوى 1/ 28 - 29)

· اتباع الهوى ..

قال ابن تيمية رحمه الله: زلت أقدام كثير من السالكين، لأنهم عبدوا الله على مرادهم منه، ففنوا بمرادهم عن مراد الحق عز وجل، ولو عبدوا الله على مراده منهم لم ينلهم شيء من ذلك.

(الفتاوى 1/ 90).

· خصائص هذه الأمة ..

قال ابن تيمية رحمه الله:

1ـ جعل أمته خير أمة أُخرجت للناس.

2ـ أكمل لهم دينهم وأتمَّ عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام ديناً.

3ـ وأظهره على الدين كله إظهاراً بالنُصرة والتمكين، وإظهاراً بالحجة والتمكين.

4ـ وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أًنزل من الكتاب.

5ـ وجعل فيهم طائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.

6ـ وحفظ لهم الذّكر الذي أنزله من الكتاب المكنون.

7ـ وخصّهم بالرواية والإسناد، الذي يميزُ به بين الصدق والكذب الجهابذة النقّاد.

(الفتاوى 1/ 2 ـ 3)

· قال ابن تيمية رحمه الله: ونظيره في الدنيا من نَزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله ويتضرع إليه، حتى فَتح له من لذّة مناجاته ما كان أحبَّ إليه من تلك الحاجة التي قصدها أوّلاً، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أوّلاً حتى يطلبه ويشتاق إليه.

(الفتاوى 1/ 28).

· في الأذكياء لابن الجوزي ص 216:

حكى لنا بعض إخواننا أن شاعرا كان في بلد فقدم عليهم شاعر آخر، فأراد أن يكسر عليه شوكته، فقال لأهل البلد:

وتشابهت سور القرآن عليكم ** فقرنتم الأنعام بالشعراء

· في الأذكياء لابن الجوزي ص106:

كان الأعمش إذا صلى الفجر جاءه القراء فقرأوا، وكان أبو حصين إمامهم، فقال الأعمش يوما: إن أبا حصين يتعلم القراءة منا لا يقوم من مجلسه كل يوم حتى يفرغ ويتعلم بغير شكر، ثم قال لرجل ممن يقرأ عليه: إن أبا حصين يكثر أن يقرأ بالصافات في صلاة الفجر، فإذا كان غدا فاقرأ عليّ الصافات، واهمز الحوت؛ فلما كان من الغد قرأ عليه الرجل الصافات، وهمز الحوت، ولم يأخذ عليه الأعمش، فلما كان بعد يومين، أو ثلاثة قرأ أبو حصين بالصافات في الفجر، فلما بلغ الحوت همز، فلما فرغوا من صلاتهم، ورجع الأعمش إلى مجلسه دخل عليه بعض إخوانه، فقال الأعمش: يا أبا فلان لو صليت معنا الفجر لعلمت ما لقي الحوت من هذا المحراب؛ فعلم أبو حصين ما لذي فعل به، فأمر بالأعمش، فسحب حتى أخرج من المسجد. قال: وكان أبو حصين عظيم القدر في قومه بني أسد. اهـ.

ورويت الحكاية بسياق مختلف في سير أعلام النبلاء 5/ 414.

· في تاريخ الدوري3/ 77 ترجمة رقم (309)

سمعت يحيى [بن معين] يقول: وذكرتُ له شيخنا كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر (1)؟

فقال: أعرفه كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، وكان يرسل العقارب في مسجد الحرام حتى تلسع الناس!!، وكان يَصبُ المداد [الحبر] في المواضع التي يتوضى منها حتى تسود وجوه الناس!! ليس يروى عنه رجل فيه خير.

-------

(1) محمد بن مناذر مولى بني صبير بن يربوع شاعر معروف.

مترجم في: الأنساب [مخطوط ص:أ326]، ومعجم الأدباء 5/ 447، والوافي 5/ 43.

· قال العلامة أبو محمد ابن حزم في الفصل 4/ 156:

وقالوا [الأشعرية]: إن إبليس لم يكفر بمعصيته الله في ترك السجود لآدم، ولا بقوله ـ عن آدم ـ: أنا خير منه، وإنما كفر؛ بجحد لله تعالى كان في قلبه.

قال أبو محمد: هذا خلاف للقرآن، وتكهن لا يعرف صحته إلا من حدثه به إبليس عن نفسه على أن الشيخ غير ثقة فيما يحدث به!

· قال العلامة الخليلي في الإرشاد 1/ 241:

سمعت عبد الله بن محمد الحافظ، وعبيد الله بن محمد بن بدر يقولان: سمعنا أحمد بن كامل القاضي يقول: سمعت أبا العيناء الضرير يقول: أتيت عبد الله بن داود الخريبي ـ وكان قد أمسك عن الرواية ـ فقلت: حدثني، فقال: يا غلام مُرّ، وأقرأ القرآن. فقلت: قد قرأت.

فقال: هات {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} (71) سورة يونس.

فقرأت، وجودت.

فقال: أحسنت مُرّ، وتعلم بعد القرآن الفرائض.

فقلت: قد تعلمت.

فقال: أيهما اقرب إليك ابن أخيك أم ابن عمك؟

فقلت ابن أخي.

فقال: ولم قلت؟

فقلت: لأنه ولدته أمي.

فقال: يا غلام تعلم بعد هذين العربية.

فقلت: تعلمت العربية قبل القرآن، والفرائض.

فقال: قول عمر: (يا لله يالمسلمين) لِمَ فتح الأولى، وكسر الثانية؟

فقلت: فتح الأولى للاستغاثة، وكسر الثانية للاستنصار.

فقال: يا غلام لو كنت محدثا أحدا لحدثتك.!

· في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 475:

قال سندي: سأل رجل أبا عبد الله [أحمد بن حنبل] فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي؟

فقال: لا تطلقها.

قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته.

قال: حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه.

· الحاجة للناس منقصة ..

قال ابن تيمة رحمه الله: ومتى احتجت إليهم ـ أي إلى الناس ـ ولو في شربة ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم.

(الفتاوى 1/ 39).

· سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2/ 334:

قلت: بشر بن يحيى بن حسان؟

قال: خراساني من أصحاب الرأي كان لا يقبل العلم، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان فقدم علينا فكتبنا عنه، وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاووس، فقال بالفارسية:يحتجون علينا بالطيور!

قال أبو زرعة: كان جاهلا، بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القرعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه فوجد في كتبه حديث النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن القزع"

فقال لأصحابه: قد وجدت حديثا أكسر به ظهره!! فأتى إسحاقَ، فأخبره، فقال إسحاق: إنما هذا القزع! أنه يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض.

· في سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2/ 410:

وسمعت أبا زرعة يقول: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من قال في ديننا برأيه فاقتلوه ".

فقال يحيى: سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل ..

وهو في العلل 1/ 457 بنحوه مختصرا.

· قال ابن محرز في معرفة الرجال 1/ 127:

وسمعت يحيى [بن معين] وذكر حسين الخياط؟

قال: أخذ حجة من آل المطلب بن عبد الله بن مالك، فذهب إلى الأهواز فقعد بها!

فقال أبو خيثمة: يا أبا زكريا إنه يحدث!

فقال: ما يكتب عنه إلا من لعنه الله وغضب عليه!

· وقال المروذي في الورع ص118:

وسمعت أبا عبد الله يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن " التبتل "، فمن رغب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو على غير الحق، ومن رغب عن فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصارفليس هو من الدين في شيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إني مكاثر بكم الأمم". ويعقوب في حزنه قد تزوج، وولد له والنبي صلى الله عليه وسلم قال:" حبب إلي النساء "، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجوا.

قلت: إنهم يقولون: قد ضاق عليهم الكسب من وجهه.

فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج على خاتم لمن ليس عنده شيء.

قلت: وعلى سورة.

قال: دع هذا.

قلت: أو ليس هو صحيحا.

قال: دعه، إذا نهيتك عن شيء فانته، ينبغي أن يتزوج الرجل، فإن كان عنده انفق عليها، وإن لم يكن عنده صبر.

قلت: أنتم تقولون لي: إن لم أجد ما أنفق أطلق، وقع لي عمل، وكان مهرها ألف درهم، وليس عندي شيء.

فضحك ثم قال: تزوج على خمسة دراهم ابن المسيب زوج ابنته على درهمين.

قلت: لا يرضى أهلي مني أن أتزوج على خمسة دراهم.

قال: ها جئتني بأمر الدنيا فهذا شيء آخر.

قلت: إن إبراهيم ابن ادهم يحكي عنه أنه قال: لروعة صاحب عيال ... فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي، وقال: وقعنا في بنيات الطريق انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه.

قلت: لأبي عبد الله: إن الفضيل يروي عنه أنه قال: لا يزال الرجل في قلوبنا حتى إذا اجتمع على مائدته جماعة زل عن قلوبنا.

قال: دعني من بنيات الطريق العلم هكذا يؤخذ انظر ـ عافاك الله ـ ما كان عليه محمد وأصحابه، ثم قال: هو ذا أهل زمانك الصالحون، هل تجد فيهم إلا من هو متزوج، ثم قال: ليتق الله العبد، ولا يطعمهم إلا طيبا، لبكاء الصبي بين يدي أبيه متسخطا يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا يراه الله بين يديه، ثم قال: هو ذا عبد الوهاب كن مثل هؤلاء، لو ترك الناس التزويج من كان يدفع العدو؟!

وقال لي أبو عبد الله: صاحب العيال إذا تسخط ولده بين يديه يطلب منه الشيء أين يلحق به المتعبد الأعزب؟!

· كيف تكون سعيداً في معاملة الخلق؟

قال ابن تيمية رحمه الله: "والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم ... ".

(الفتاوى 1/ 51).

· قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 1/ 291: أنبأنا الوالد السعيد، عن يوسف القواس، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين قال: سمعت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم لؤلؤا يقول: مررت في الطريق، فإذا بشر المريسي، والناس عليه مجتمعون، فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعني: أن أباه كان يهوديا. اهـ.

·

· الآداب الشرعية 2/ 152:

وقال أبو حيان النحوي المتأخر المشهور في أثناء كلام له:

وأما إن كان صاحب تصانيف، وينظر في علوم كثيرة فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها،

وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره، ولا ينسب إلى غيره، وقد نظمت أبياتا في شأن من ينهز بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه:

يظن الغمر أن الكتب تهدي * أخا فهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها * غوامض حيرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ * ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس العلوم عليك حتى * تصير أضل من توما الحكيم (1)

أشرت إلى قول بعضهم:

قال حمار الحكيم توما * لو أنصفوني لكنت أركب

لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جاهل مركب

ترجمة توما في الدرر الكامنة 2/ 75 قيل: هو المعني في الأبيات.

· كيف تكون مخلصاً؟

قال ابن تيمية رحمه الله: لا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي.

(الفتاوى 1/ 94).

· قال أبو نعيم في الحلية 9/ 106:

حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا محمد بن عبدالرحمن بن عبدالحكم قال: سمعت الشافعي يقول: من حدث عن أبي جابر البياضي بيض الله عينيه. اهـ

قلت: يعني أعماها، وأبو جابر هو: محمد بن عبدالرحمن: متهم بالكذب.

· قال أبو نعيم في الحلية 9/ 117:

حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجي ثنا الحارث بن محمد الأموي عن أبي ثور قال: كنت من أصحاب محمد بن الحسن، فلما قدم الشافعي علينا جئت إلى مجلسه شبه المستهزئ، فسألته عن مسألة من الدور، فلم يجبني، وقال: كيف ترفع يديك في الصلاة؟ فقلت: هكذا.

فقال: أخطأت.

فقلت: هكذا.

فقال: أخطأت.

فقلت: وكيف أصنع؟

قال: حدثني سفيان [عن الزهري] عن سالم عن أبيه أن النبي ?" كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا ركع وإذا رفع ".

قال أبو ثور: فوقع في قلبي من ذلك، فجعلت أزيد في المجيء إلى الشافعي، وأقصر من الاختلاف إلى محمد بن الحسن، فقال: أجل الحق معه؟!

[قلت: نعم]

قال: وكيف ذلك؟

قال قلت: كيف ترفع يديك في الصلاة، فأجابني نحو ما أخبرت الشافعي، فقلت: أخطأت.

فقال: كيف أصنع؟

فقلت: حدثني الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ?:" كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا ركع، وإذا رفع ".

قال أبو ثور: فلما كان بعد شهر، وعلم الشافعي أني قد لزمته للتعلم منه،

قال: يا أبا ثور مسألتك في الدور، وإنما منعني أن أجيبك يومئذ، لأنك كنت متعنتا. اهـ.

قلت: من فوائده الإعراض عن إجابة المتعنت، وتبيين جهله ليعرف قدر نفسه، وإرشاده لما هو أولى.

· قال ابن تيمية رحمه الله: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومَحْو الأسباب أن تكون أسباباً نَقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع.

(الفتاوى 1/ 131).

في الآداب الشرعية 2/ 72:

قال المروذي قال أبو عبد الله: سألني رجلٌ مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟

فقلت له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟!

وقال أيضا:قال أبو عبد الله: سأل بشر بن السري سفيان الثوري: عن أطفال المشركين؟ فصاح به، وقال: يا صبي أنت تسأل عن ذا؟!

و2/ 73: وقال أحمد بن حبان القطيعي: دخلتُ على أبي عبد الله [أحمد بن حنبل]، فقلت: أتوضأ بماء النورة؟

فقال: ما أحب ذلك.

فقلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟

قال: ما أحب ذلك.

قال: ثم قمت، فتعلق بثوبي، وقال: أيشٍ تقول إذا دخلت المسجد؟

فسكتُ.

فقال: أيش تقول: إذا خرجت من المسجد؟

فسكت.

فقال: اذهب فتعلم هذا. اهـ

قلت: يعني الإمام ـ رحمه الله ـ أنك تركت ما فيه سنة ثابتة، وتحتاجه كل يوم مرارا، وجئت تسأل عما قد لا تحتاجه أبدا، وليس فيه أثر.

· قال ابن تيمية رحمه الله: ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

1. أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بُدَّ معه من أسباب أُخر، ومع هذا فلها موانع، فإذا لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود.

2. أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع، كان مبطلاً.

3. أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف.

(الفتاوى 1/ 137 - 138).

· تفضيل المختارة على المستدرك ..

قال ابن تيمية رحمه الله: المختارة لأبي عبدالله المقدسي خير من صحيح الحاكم. (الفتاوى 1/ 170).

وفي (الفتاوى 1/ 238 - 239) المختارة أصح من صحيح الحاكم.

· قال ابن تيمية رحمه الله: أكثر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد.

(الفتاوى 1/ 171).

· من سأل بالله فلم يُجب، هل تجب عليه كفارة؟

قال ابن تيمية رحمه الله: وأما قوله "سألتك بالله أن تفعل كذا" فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث "من سألكم بالله فأعطوه" ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله.

(الفتاوى 1/ 206).

· ليس عليه سبحانه حق واجب ..

قال ابن تيمية رحمه الله: يظن جهال العبّاد أنَّ لهم على سبحانه حقاً بعبادتهم.

(الفتاوى 1/ 214).

· قال ابن تيمية رحمه الله: كل من أحب شيئا لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، إن فقد عذب بالفراق وتألم، وإن وُجد فإنه يحصل له من الألم أكثر مما يحصل له من اللذة، وهذا أمر معلوم بالاعتبار والاستقراء.

(الفتاوى 1/ 28 - 29)

· اتباع الهوى ..

قال ابن تيمية رحمه الله: زلت أقدام كثير من السالكين، لأنهم عبدوا الله على مرادهم منه، ففنوا بمرادهم عن مراد الحق عز وجل، ولو عبدوا الله على مراده منهم لم ينلهم شيء من ذلك.

(الفتاوى 1/ 90).

· خصائص هذه الأمة ..

قال ابن تيمية رحمه الله:

1ـ جعل أمته خير أمة أُخرجت للناس.

2ـ أكمل لهم دينهم وأتمَّ عليهم نعمه، ورضي لهم الإسلام ديناً.

3ـ وأظهره على الدين كله إظهاراً بالنُصرة والتمكين، وإظهاراً بالحجة والتمكين.

4ـ وجعل فيهم علماءهم ورثة الأنبياء، يقومون مقامهم في تبليغ ما أًنزل من الكتاب.

5ـ وجعل فيهم طائفة منصورة لا يزالون ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.

6ـ وحفظ لهم الذّكر الذي أنزله من الكتاب المكنون.

7ـ وخصّهم بالرواية والإسناد، الذي يميزُ به بين الصدق والكذب الجهابذة النقّاد.

(الفتاوى 1/ 2 ـ 3)

· قال ابن تيمية رحمه الله: ونظيره في الدنيا من نَزل به بلاء عظيم أو فاقة شديدة أو خوف مقلق، فجعل يدعو الله ويتضرع إليه، حتى فَتح له من لذّة مناجاته ما كان أحبَّ إليه من تلك الحاجة التي قصدها أوّلاً، ولكنه لم يكن يعرف ذلك أوّلاً حتى يطلبه ويشتاق إليه.

(الفتاوى 1/ 28).

· في الأذكياء لابن الجوزي ص 216:

حكى لنا بعض إخواننا أن شاعرا كان في بلد فقدم عليهم شاعر آخر، فأراد أن يكسر عليه شوكته، فقال لأهل البلد:

وتشابهت سور القرآن عليكم ** فقرنتم الأنعام بالشعراء

· في الأذكياء لابن الجوزي ص106:

كان الأعمش إذا صلى الفجر جاءه القراء فقرأوا، وكان أبو حصين إمامهم، فقال الأعمش يوما: إن أبا حصين يتعلم القراءة منا لا يقوم من مجلسه كل يوم حتى يفرغ ويتعلم بغير شكر، ثم قال لرجل ممن يقرأ عليه: إن أبا حصين يكثر أن يقرأ بالصافات في صلاة الفجر، فإذا كان غدا فاقرأ عليّ الصافات، واهمز الحوت؛ فلما كان من الغد قرأ عليه الرجل الصافات، وهمز الحوت، ولم يأخذ عليه الأعمش، فلما كان بعد يومين، أو ثلاثة قرأ أبو حصين بالصافات في الفجر، فلما بلغ الحوت همز، فلما فرغوا من صلاتهم، ورجع الأعمش إلى مجلسه دخل عليه بعض إخوانه، فقال الأعمش: يا أبا فلان لو صليت معنا الفجر لعلمت ما لقي الحوت من هذا المحراب؛ فعلم أبو حصين ما لذي فعل به، فأمر بالأعمش، فسحب حتى أخرج من المسجد. قال: وكان أبو حصين عظيم القدر في قومه بني أسد. اهـ.

ورويت الحكاية بسياق مختلف في سير أعلام النبلاء 5/ 414.

· في تاريخ الدوري3/ 77 ترجمة رقم (309)

سمعت يحيى [بن معين] يقول: وذكرتُ له شيخنا كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر (1)؟

فقال: أعرفه كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، وكان يرسل العقارب في مسجد الحرام حتى تلسع الناس!!، وكان يَصبُ المداد [الحبر] في المواضع التي يتوضى منها حتى تسود وجوه الناس!! ليس يروى عنه رجل فيه خير.

-------

(1) محمد بن مناذر مولى بني صبير بن يربوع شاعر معروف.

مترجم في: الأنساب [مخطوط ص:أ326]، ومعجم الأدباء 5/ 447، والوافي 5/ 43.

· قال العلامة أبو محمد ابن حزم في الفصل 4/ 156:

وقالوا [الأشعرية]: إن إبليس لم يكفر بمعصيته الله في ترك السجود لآدم، ولا بقوله ـ عن آدم ـ: أنا خير منه، وإنما كفر؛ بجحد لله تعالى كان في قلبه.

قال أبو محمد: هذا خلاف للقرآن، وتكهن لا يعرف صحته إلا من حدثه به إبليس عن نفسه على أن الشيخ غير ثقة فيما يحدث به!

· قال العلامة الخليلي في الإرشاد 1/ 241:

سمعت عبد الله بن محمد الحافظ، وعبيد الله بن محمد بن بدر يقولان: سمعنا أحمد بن كامل القاضي يقول: سمعت أبا العيناء الضرير يقول: أتيت عبد الله بن داود الخريبي ـ وكان قد أمسك عن الرواية ـ فقلت: حدثني، فقال: يا غلام مُرّ، وأقرأ القرآن. فقلت: قد قرأت.

فقال: هات {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} (71) سورة يونس.

فقرأت، وجودت.

فقال: أحسنت مُرّ، وتعلم بعد القرآن الفرائض.

فقلت: قد تعلمت.

فقال: أيهما اقرب إليك ابن أخيك أم ابن عمك؟

فقلت ابن أخي.

فقال: ولم قلت؟

فقلت: لأنه ولدته أمي.

فقال: يا غلام تعلم بعد هذين العربية.

فقلت: تعلمت العربية قبل القرآن، والفرائض.

فقال: قول عمر: (يا لله يالمسلمين) لِمَ فتح الأولى، وكسر الثانية؟

فقلت: فتح الأولى للاستغاثة، وكسر الثانية للاستنصار.

فقال: يا غلام لو كنت محدثا أحدا لحدثتك.!

· في الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 475:

قال سندي: سأل رجل أبا عبد الله [أحمد بن حنبل] فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي؟

فقال: لا تطلقها.

قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته.

قال: حتى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه.

· الحاجة للناس منقصة ..

قال ابن تيمة رحمه الله: ومتى احتجت إليهم ـ أي إلى الناس ـ ولو في شربة ماء، نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم.

(الفتاوى 1/ 39).

· سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2/ 334:

قلت: بشر بن يحيى بن حسان؟

قال: خراساني من أصحاب الرأي كان لا يقبل العلم، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان فقدم علينا فكتبنا عنه، وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاووس، فقال بالفارسية:يحتجون علينا بالطيور!

قال أبو زرعة: كان جاهلا، بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القرعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه فوجد في كتبه حديث النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن القزع"

فقال لأصحابه: قد وجدت حديثا أكسر به ظهره!! فأتى إسحاقَ، فأخبره، فقال إسحاق: إنما هذا القزع! أنه يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعض.

· في سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي 2/ 410:

وسمعت أبا زرعة يقول: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من قال في ديننا برأيه فاقتلوه ".

فقال يحيى: سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل ..

وهو في العلل 1/ 457 بنحوه مختصرا.

· قال ابن محرز في معرفة الرجال 1/ 127:

وسمعت يحيى [بن معين] وذكر حسين الخياط؟

قال: أخذ حجة من آل المطلب بن عبد الله بن مالك، فذهب إلى الأهواز فقعد بها!

فقال أبو خيثمة: يا أبا زكريا إنه يحدث!

فقال: ما يكتب عنه إلا من لعنه الله وغضب عليه!

· وقال المروذي في الورع ص118:

وسمعت أبا عبد الله يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن " التبتل "، فمن رغب عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو على غير الحق، ومن رغب عن فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصارفليس هو من الدين في شيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" إني مكاثر بكم الأمم". ويعقوب في حزنه قد تزوج، وولد له والنبي صلى الله عليه وسلم قال:" حبب إلي النساء "، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم تزوجوا.

قلت: إنهم يقولون: قد ضاق عليهم الكسب من وجهه.

فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج على خاتم لمن ليس عنده شيء.

قلت: وعلى سورة.

قال: دع هذا.

قلت: أو ليس هو صحيحا.

قال: دعه، إذا نهيتك عن شيء فانته، ينبغي أن يتزوج الرجل، فإن كان عنده انفق عليها، وإن لم يكن عنده صبر.

قلت: أنتم تقولون لي: إن لم أجد ما أنفق أطلق، وقع لي عمل، وكان مهرها ألف درهم، وليس عندي شيء.

فضحك ثم قال: تزوج على خمسة دراهم ابن المسيب زوج ابنته على درهمين.

قلت: لا يرضى أهلي مني أن أتزوج على خمسة دراهم.

قال: ها جئتني بأمر الدنيا فهذا شيء آخر.

قلت: إن إبراهيم ابن ادهم يحكي عنه أنه قال: لروعة صاحب عيال ... فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي، وقال: وقعنا في بنيات الطريق انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه.

قلت: لأبي عبد الله: إن الفضيل يروي عنه أنه قال: لا يزال الرجل في قلوبنا حتى إذا اجتمع على مائدته جماعة زل عن قلوبنا.

قال: دعني من بنيات الطريق العلم هكذا يؤخذ انظر ـ عافاك الله ـ ما كان عليه محمد وأصحابه، ثم قال: هو ذا أهل زمانك الصالحون، هل تجد فيهم إلا من هو متزوج، ثم قال: ليتق الله العبد، ولا يطعمهم إلا طيبا، لبكاء الصبي بين يدي أبيه متسخطا يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا يراه الله بين يديه، ثم قال: هو ذا عبد الوهاب كن مثل هؤلاء، لو ترك الناس التزويج من كان يدفع العدو؟!

وقال لي أبو عبد الله: صاحب العيال إذا تسخط ولده بين يديه يطلب منه الشيء أين يلحق به المتعبد الأعزب؟!

· كيف تكون سعيداً في معاملة الخلق؟

قال ابن تيمية رحمه الله: "والسعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفاً من الله لا منهم ... ".

(الفتاوى 1/ 51).

· قال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة 1/ 291: أنبأنا الوالد السعيد، عن يوسف القواس، حدثنا أحمد بن عيسى بن السكين قال: سمعت أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم لؤلؤا يقول: مررت في الطريق، فإذا بشر المريسي، والناس عليه مجتمعون، فمر يهودي، فأنا سمعته يقول: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعني: أن أباه كان يهوديا. اهـ.

·

· الآداب الشرعية 2/ 152:

وقال أبو حيان النحوي المتأخر المشهور في أثناء كلام له:

وأما إن كان صاحب تصانيف، وينظر في علوم كثيرة فهذا لا يمكن أن يبلغ الإمامة في شيء منها،

وقد قال العقلاء: ازدحام العلوم مضلة للمفهوم، ولذلك تجد من بلغ الإمامة من المتقدمين في علم من العلوم لا يكاد يشتغل بغيره، ولا ينسب إلى غيره، وقد نظمت أبياتا في شأن من ينهز بنفسه، ويأخذ العلم من الصحف بفهمه:

يظن الغمر أن الكتب تهدي * أخا فهم لإدراك العلوم

وما يدري الجهول بأن فيها * غوامض حيرت عقل الفهيم

إذا رمت العلوم بغير شيخ * ضللت عن الصراط المستقيم

وتلتبس العلوم عليك حتى * تصير أضل من توما الحكيم (1)

أشرت إلى قول بعضهم:

قال حمار الحكيم توما * لو أنصفوني لكنت أركب

لأنني جاهل بسيط * وصاحبي جاهل مركب

ترجمة توما في الدرر الكامنة 2/ 75 قيل: هو المعني في الأبيات.

· كيف تكون مخلصاً؟

قال ابن تيمية رحمه الله: لا يحصل الإخلاص إلا بعد الزهد، ولا زهد إلا بتقوى، والتقوى متابعة الأمر والنهي.

(الفتاوى 1/ 94).

· قال أبو نعيم في الحلية 9/ 106:

حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا محمد بن عبدالرحمن بن عبدالحكم قال: سمعت الشافعي يقول: من حدث عن أبي جابر البياضي بيض الله عينيه. اهـ

قلت: يعني أعماها، وأبو جابر هو: محمد بن عبدالرحمن: متهم بالكذب.

· قال أبو نعيم في الحلية 9/ 117:

حدثنا الحسن بن سعيد ثنا زكريا الساجي ثنا الحارث بن محمد الأموي عن أبي ثور قال: كنت من أصحاب محمد بن الحسن، فلما قدم الشافعي علينا جئت إلى مجلسه شبه المستهزئ، فسألته عن مسألة من الدور، فلم يجبني، وقال: كيف ترفع يديك في الصلاة؟ فقلت: هكذا.

فقال: أخطأت.

فقلت: هكذا.

فقال: أخطأت.

فقلت: وكيف أصنع؟

قال: حدثني سفيان [عن الزهري] عن سالم عن أبيه أن النبي ?" كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا ركع وإذا رفع ".

قال أبو ثور: فوقع في قلبي من ذلك، فجعلت أزيد في المجيء إلى الشافعي، وأقصر من الاختلاف إلى محمد بن الحسن، فقال: أجل الحق معه؟!

[قلت: نعم]

قال: وكيف ذلك؟

قال قلت: كيف ترفع يديك في الصلاة، فأجابني نحو ما أخبرت الشافعي، فقلت: أخطأت.

فقال: كيف أصنع؟

فقلت: حدثني الشافعي عن سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ?:" كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا ركع، وإذا رفع ".

قال أبو ثور: فلما كان بعد شهر، وعلم الشافعي أني قد لزمته للتعلم منه،

قال: يا أبا ثور مسألتك في الدور، وإنما منعني أن أجيبك يومئذ، لأنك كنت متعنتا. اهـ.

قلت: من فوائده الإعراض عن إجابة المتعنت، وتبيين جهله ليعرف قدر نفسه، وإرشاده لما هو أولى.

· قال ابن تيمية رحمه الله: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومَحْو الأسباب أن تكون أسباباً نَقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع.

(الفتاوى 1/ 131).

في الآداب الشرعية 2/ 72:

قال المروذي قال أبو عبد الله: سألني رجلٌ مرة عن يأجوج ومأجوج أمسلمون هم؟

فقلت له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟!

وقال أيضا:قال أبو عبد الله: سأل بشر بن السري سفيان الثوري: عن أطفال المشركين؟ فصاح به، وقال: يا صبي أنت تسأل عن ذا؟!

و2/ 73: وقال أحمد بن حبان القطيعي: دخلتُ على أبي عبد الله [أحمد بن حنبل]، فقلت: أتوضأ بماء النورة؟

فقال: ما أحب ذلك.

فقلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟

قال: ما أحب ذلك.

قال: ثم قمت، فتعلق بثوبي، وقال: أيشٍ تقول إذا دخلت المسجد؟

فسكتُ.

فقال: أيش تقول: إذا خرجت من المسجد؟

فسكت.

فقال: اذهب فتعلم هذا. اهـ

قلت: يعني الإمام ـ رحمه الله ـ أنك تركت ما فيه سنة ثابتة، وتحتاجه كل يوم مرارا، وجئت تسأل عما قد لا تحتاجه أبدا، وليس فيه أثر.

· قال ابن تيمية رحمه الله: ينبغي أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

1. أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لا بُدَّ معه من أسباب أُخر، ومع هذا فلها موانع، فإذا لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود.

2. أن لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع، كان مبطلاً.

3. أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف.

(الفتاوى 1/ 137 - 138).

· تفضيل المختارة على المستدرك ..

قال ابن تيمية رحمه الله: المختارة لأبي عبدالله المقدسي خير من صحيح الحاكم. (الفتاوى 1/ 170).

وفي (الفتاوى 1/ 238 - 239) المختارة أصح من صحيح الحاكم.

· قال ابن تيمية رحمه الله: أكثر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد.

(الفتاوى 1/ 171).

· من سأل بالله فلم يُجب، هل تجب عليه كفارة؟

قال ابن تيمية رحمه الله: وأما قوله "سألتك بالله أن تفعل كذا" فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث "من سألكم بالله فأعطوه" ولا كفارة على هذا إذا لم يجب سؤاله.

(الفتاوى 1/ 206).

· ليس عليه سبحانه حق واجب ..

قال ابن تيمية رحمه الله: يظن جهال العبّاد أنَّ لهم على سبحانه حقاً بعبادتهم.

(الفتاوى 1/ 214).

هذه جملة من فوائد التاريخ (وجدتها على الشبكة أنقلها بتصرف)

ملحوظة: ما بين القوسين لبيان السنة
أبو أسامة سمير الجزائري

الفوائد من كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي الدمشقي (1 - 100 هـ)

1 - الفوائد العقدية

1 - أخبار ابن صياد وأجمع ما كتب فيها من مشكاة المصابيح (11)
2 - استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما فسقوا. (17)
3 - والإجماع منعقد على إمامة علي بن أبي طالب وبغى الطائفة الأخرى ولا يجوز تكفيرهم كسائر البغاة واستدل أهل السنة والجماعة على ترجيح جانب علي بدلائل أظهرها وأثبتها قوله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية وهو حديث ثابت ولما بلغ معاوية ذلك قال إنما قتله من أخرجه فقال علي إذا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة لأنه أخرجه وهو الزام لا جواب عنه (37)
4 - وكان ممن توقف عن القتال سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وآخرون (37)

5 - خلاف أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلى رضي الله عنه وقال ابن العماد: والصحيح تفضيل عثمان كما هو معلوم (40)
6 - أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد توفي بالقسطنطينية وهم محاصرون لها وقبره تحت سورها .... (51)
7 - حديث أبي هريرة (صدقك وهو كذوب) قال: فيه دليل على أن الإنسي أقوى وأشد بأساً من الجني كما اختاره الفخر الرازي (57)
8 - سئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال لغبار لحق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه (60)
9 - والصحيح أن الرأس المكرم - رأس الحسين - دفن بالبقيع إلى جنب أمه فاطمة وذلك أن يزيد بعث به إلى عامله بالمدينة عمرو بن سعيد الأشدق فكفنه ودفنه (61)
10 - ونقل الإتفاق أيضا على تحسين خروج الحسين على يزيد وخروج ابن الزبير وأهل الحرمين على بني أمية وخروج ابن الأشعث ومن معه من كبار التابعين وخيار المسلمين على الحجاج ثم الجمهور رأوا جواز الخروج على من كان مثل يزيد الحجاج ومنهم من جوز الخروج على كل ظالم وعد ابن حزم خروم الإسلام أربعة قتل عثمان وقتل الحسين ويوم الحرة وقتل ابن الزبير (61)أقول -أبو أسامة -: ثم انعقد الإجماع على حرمة الخروج على الحاكم الظالم كما نقله النووي والعسقلاني رحمهما الله.
11 - قال ابن الصلاح والناس في يزيد ثلاث فرق فرقة تحبه وتتولاه وفرقة تسبه وتلعنه وفرقة متوسطة في ذلك لا تتولاه ولا تلعنه قال وهذه الفرقة هي المصيبة ومذهبها هو اللائق لمن يعرف سير الماضين ويعلم قواعد الشريعة الطاهرة (61)
12 - واستولى عبد الملك على العراق وولاها أخاه بشرا وفيه يقول الشاعر
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق (62)
13 - قال النووي في شرح مسلم مذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلوما والحجاج ورفقته خارجون عليه ودخل الحجاج على أمه بعد قتله فقال كيف رأيتني صنعت بابنك فقالت أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك وقد أخبرنا رسول الله إن في ثقيف مبيرا وكذابا فأما الكذاب فرأيناه يعني المختار وأما المبير فلا أخالك إلا إياه والمبير المهلك) 16/ 99. (73)
14 - وفيها صلب عبد الملك معبد الجهني في القدر وقيل بل عذبه الحجاج بأنواع العذاب وقتله (80)
15 - قام مع ابن الأشعث عامة أهل البصرة من العلماء والعباد فاجتمع له جيش عظيم ولقوا الحجاج يوم الأضحى فانكشف عسكر الحجاج وانهزم هو وتمت بينهما عدة وقعات حتى قيل كان بينهما أربع وثمانون وقعة في مائة يوم ثلاث وثمانون على الحجاج والآخرة له (81 - 82)
16 - وعند الكيسانية أن ابن الحنفية لم يمت وأنه المهدي الذي يخرج في آخر الزمان وفي ذلك يقول كثيرة عزة (82)
ألا أن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء
على والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى ... تعود الخيل يقدمها اللواء
نراه مخيما بجبال رضوى ... مقيم عنده عسل وماء

فهد الماجدي
09-16-2012, 06:43 PM
التحذير من الفتن ومن الديمقراطية ومشتقاتها
للعلامة: ربيع بن هادي المدخلي
بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران... : ١٠٢].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن من أخطر المحدثات الوافدة على ديار الإسلام الديمقراطية والمناداة بالحرية التي اخترعها ملاحدة الغرب وما يتبعها؛ لزحزحة الإسلام عن سيادته وقيادته للأمة إلى ما يسعدها في دنياها وأخراها ويرفعها إلى مكان العزة والقيادة والسيادة.
صدَّر الغرب هذه الديمقراطية والحرية والدولة المدنية والمظاهرات والانتخابات القائمة على الكذب والخيانات والرشاوى بالملايين، فركض إليها، ثم احتضنها غلاة أهل الضلال معتزين بها، متطاولين بها على المتمسكين بالإسلام العاضين عليه بالنواجذ، يسخرون منهم ومن منهجهم ومن أصولهم المنبثقة من كتاب الله ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسخريتهم هذه إنما هي سخرية بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ومن جرأتهم أنهم ينشرونها في المواقع لينشئوا جيلاً منحرفاً عن الإسلام؛ يسخر من أصوله ومبادئه.
وهذا العمل منهم إنما هو خدمة منهم لسادتهم الماسون وملاحدة الغرب، شعروا بذلك أم لم يشعروا.
أين أنتم أيها الضلاّل من تحكيم شريعة الله القائل: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )، ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون )، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ).
أين أنتم أيها الضلاّل من الشروط الشرعية لاختيار الحاكم المسلم؟
أين أنتم من منـزلة الإمامة في الإسلام؟
فالإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.
ولا يأتي هذا الإمام عن طريق الانتخابات الديمقراطية التي يمثلها الفساق والعلمانيون واليهود والنصارى والشيوعيون، ولا مانع عندهم من رئاسة واحد من هذه الأصناف.
ولا يصل الإمام في الإسلام إلى منصب الإمامة إلا عن طريق أفضل الناس علماً وأخلاقاً وعدلاً.
فمن شروط من يختار الإمام:
1- العدالة الجامعة لشروطها، ومنها الإسلام والبلوغ والعقل والسلامة من الفسق وخوارم المروءة.
2- والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة.
3- والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف.
ومن شروط من يختار للإمامة:
1- العدالة على شروطها الجامعة كما سلف.
2- والعلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام.
3- سلامة الحواس من السمع والبصر ليصح معها مباشرة ما يدرك بها.
4- والرأي السديد المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
5- الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو.
انظر "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص6).
ثم إن هذا الحاكم إن حكم بغير ما أنزل الله إن كان يؤمن بشريعة الله ويعتقد في قرارة نفسه أن الحكم بغير ما أنزل الله حرام وباطل وضلال، فهو كافر كفراً أصغر.
وإن كان مستحلاً للحكم بغير ما أنزل الله وأن الحكم للديمقراطية وبالديمقراطية فهو كافر كفراً أكبر مخرج من ملة الإسلام.
وإنني لأخشى على المتباهين بالديمقراطية والدولة المدنية وما تفرع عنهما من المساواة بين الأديان وأهل الأديان، أخشى عليهم من الوقوع في الكفر.
ويأبى الله ورسوله والمؤمنون المساواة بين المؤمنين بالله المتقين وبين الكفار الفجار.
قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [سورة ص: 28].
وقال تعالى: ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [سورة الجاثية: 21].
وقال تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [سورة النجم: (34-37)].
فالله ينفي المساواة بين المؤمنين وبين الكفار المجرمين في الدنيا والآخرة.
والديمقراطية تسوي بين الكفار على اختلاف أصنافهم وبين المسلمين، وتسوي بين الإسلام والديانات الباطلة، وعلى هذا المنهج يسير الديمقراطيون، وقد يقدمون الكفار على المسلمين.
ثم إن هذا الصنف من أذناب الغرب ينكر على السلفيين الصادقين التمسك بالكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح في معاملة الحكام العادلين والظالمين الذين لم يخرجوا من دائرة الإسلام إلى الكفر البواح ويتساءلون كيف سيتعامل السلفيون مع الحكام الجدد؟، وجوابنا عليهم أننا ثابتون على منهجنا الإسلامي المنبثق من كتاب الله ومن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، والذي سار عليه سلفنا الصالح في العقائد والعبادات والمعاملات والسياسة.
لن نزيد ولن ننقص من ذلك شيئاً.
ولسنا مثلكم كالحرباوات نتلون ونتشكل مسايرة للمتغيرات وتقلبات الأوضاع والحكومات.
ومن بوائق هذا الصنف أنهم يتهمون السلفيين بأنهم يؤيدون القذافي الليبي والأسد السوري ونظامه النصيري الباطني، وقد أسرفوا في ترداد هذا الإفك وينشرونه في المواقع.
وكذبوا وأفكوا، فعلماء المنهج السلفي يكفرون القذافي وهذا النصيري وطائفته النصيرية الباطنية، ولقد صرّحت بهذا في مجالسي ودروسي مراراً وتكراراً، وأعتقد أن هذا الصنف يعلم هذا جيدا، ولكنهم قوم بهاتون، ومناهجهم الفاسدة تبيح لهم هذا البهت .
أما موقفنا من المظاهرات وما ترتب عليها من فوضى ومذابح ومجازر ذهب ضحيتها ألوف مؤلفة من الأرواح في ليبيا وسوريا.
وكم انتهكت من الأعراض وكم شردت من الأسر وكم دمرت من الممتلكات في هذين البلدين .
اسألوا المساكين والشيوخ والعجائز واليتامى الذين قتل آباؤهم في هذه الحروب، والأرامل اللاتي هلك أزواجهن في هذه الفتن وخلفوا لهن أطفالاً يتامى، اسألوا هؤلاء جميعاً هل هم راضون عن هذه الفتن ونتائجها الخطيرة التي تأتي على الأخضر واليابس؟
موقفنا من هذه الأمور الاستنكار الشديد وتبرئة الإسلام من هذه الجاهليات التي يرتكبها نظام هذين البلدين وحكامها.
ويشاركهم في أوزار ذلك خصومهم دعاة الحرية والديمقراطية المتسببون في هذه الفتن.
ونحذر السلفيين وكل من يستجيب لصوت الإسلام من المشاركة في هذه المذابح وما رافقها من تدمير وهتك واسع للأعراض وتشريد لآلاف الأسر؛ لأن الإسلام يحرم هذه الأعمال المتناهية في الوحشية، ويدين أهلها، ولا ناقة له فيها ولا جمل .
فبداية هذه الجرائم الديمقراطية والدكتاتورية ونهايتها الديمقراطية التي قد تتحول إلى دكتاتورية .
نسأل الله أن يجعل لهذين الشعبين فرجاً ومخرجاً، وأن يوفقهما للتمسك بالإسلام والاعتزاز به، وأن يريحهما من هذه الفتن الهوجاء المدمرة، وأن يحمي بلاد الإسلام من هذه الفتن والشرور .

التحذير في الإسلام من الفتن

لقد حذر الله من الفتن وأسبابها.
قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وقد تكلم اللغويون في بيان معناها، فقالوا:
الفتنة أصلها الامتحان، وكثر استعمالها في ذلك، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والصرف عن الشيء.
وحذّر منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كرات ومرات.
1- عن حذيفة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه"([1]).
فما أكثر من تتشرب قلوبهم الفتن حتى تسود هذه القلوب وتنتكس، ثم بعد ذلك لا تعرف معروفاً، ولا تنكر منكراً، جعلنا الله من المستنكرين لهذه الفتن صغيرها وكبيرها.
2- عن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فنـزلنا منـزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"([2]).
وهذا الحديث فيه الإنذار من فتن عظيمة مرعبة وشرور مهلكة.
ولقد أصاب آخر هذه الأمة بلاء وأمور منكرة وفتن مهلكة إلا من سلم الله من المؤمنين الصادقين، ولا سيما في هذا الزمن.
3- قال أبو داود: "باب فِى النَّهْىِ عَنِ السَّعْي فِى الْفِتْنَةِ".
عن أبي بكرة –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ يَكُونُ الْمُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْرًا مِنَ الْجَالِسِ، وَالْجَالِسُ خَيْرًا مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرًا مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرًا مِنَ السَّاعِي ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: « مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ ». قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: « فَلْيَعْمِدْ إِلَى سَيْفِهِ فَلْيَضْرِبْ بِحَدِّهِ عَلَى حَرَّةٍ ثُمَّ لِيَنْجُ مَا اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ »([3]).
هذا لفظ أبي داود.
وفي مسلم بعد هذا: "اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت؟".
وفي هذا الحديث تعليم وتوجيه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- للأمة كيف تتجنب الفتن والهروب من الخوض فيها.
ومن المؤسف جداً أنَّ بعض أهل الأهواء يسخرون ممن يحتج بهذا الحديث، ويسخرون من مضمون هذا الحديث وما في معناه، ولا سيما المفتونين بضلالات الغرب كالديمقراطية والاشتراكية، ويزعمون أن الثابتين على الإسلام رجعيون ومتخلفون، ويزعمون أنهم راقون وتقدميون مع الأسف الشديد.
4- قال الإمام البخاري –رحمه الله-: "بَاب مِنْ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنْ الْفِتَنِ".
ثم روى بإسناده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ"([4]).
وفي هذا الحديث إرشاد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى إيجاد التدابير والأسباب التي تجنب المسلم الصادق من الفتن.
وهذا الإرشاد والتوجيه النبوي لا يعجب المبهورين بمبادئ الغرب الضالة، بل يحبون الخوض في أعماق الفتن.
5- وعن حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: « يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّةُ هُوَ؟، قَالَ « الْقَتْلُ الْقَتْلُ »([5]).
وفي هذا الحديث بيان لكثرة الفتن، ومنها: الهرج وهو القتل.
ومن أسباب هذه الفتن وكثرة الهرج الانبهار بمبادئ الغرب، ومنها المظاهرات والتشبث بالديمقراطية والحرية الإفرنجية.
6- وعن أبي موسى –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه و سلم- أنه قال في الفتنة: "كسِّروا فيها قسِيَّكم وقطِّعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم وكونوا كابن آدم"([6]).
وفي هذا الحديث الحث على الجد في البعد عن الفتن ووسائلها.
وهذا الحديث الشريف من جملة الأحاديث التي يسخر أهل الأهواء ممن يواجه الفتن في ضوئها بالاستنكار وبالابتعاد عنها امتثالاً لتوجيهات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحفاظاً على دينه.
7- وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا أو يصبح كافرا ويمسي مؤمنا يبيع دينه بعرض من الدنيا"([7]).
نعوذ بالله من هذه الفتن المظلمة التي تؤدي إلى الكفر وإلى بيع الدين بعرض حقير من الدنيا.
8- عن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: « إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِى كَافِرًا أو يُمْسِى مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ». قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ « كُونُوا أَحْلاَسَ بُيُوتِكُمْ»([8]).
أقول: وما أكثر المثيرين للفتن والماشين والساعين والراكضين إليها متباهين بذلك وما يشعرون بما وقعوا فيه من الجهل والضلال.
وفي الوقت نفسه يسخرون من المتمسكين بهدي محمد –صلى الله عليه وسلم- وتوجيهاته الرشيدة.

قال الخطابي: "يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه هو حلس بيته؛ لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع".
9- وعن حذيفة –رضي الله عنه- قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ: ( عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ )، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ بِمَشَارِيطِهَا وَمَا يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهَا إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهَا فِتْنَةً وَهَرْجًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفِتْنَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَالْهَرْجُ مَا هُوَ؟ قَالَ: بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ، وَيُلْقَى بَيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ أَنْ يَعْرِفَ أَحَدًا"([9]).
لقد حذّرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأحاديث وغيرها أشد التحذير من الخوض في الفتن، وحذّر منها علماء الإسلام، وعلى رأسهم الصحابة الكرام وأئمة الحديث، الذين حفظ الله بهم الإسلام وأحاديث رسولنا الكريم؛ فقد ألّفوا كتباً خاصة في التحذير من الفتن، فقلَّ إمام يؤلف ديواناً في سنن رسول الله إلا ويذكر فيه أحاديث الفتن ومنهم الأئمة الستة.
فعلى المؤمنين الصادقين أن يتمسكوا بهدي محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعضوا عليه بالنواجذ، فإنه خير الهدي، وما خالفه ففيه العطب والهلاك والضلال.

بيان رسول الهدى –صلى الله عليه وسلم- وتوجيهاته الحكيمة لأمته كيف تتعامل
مع أمرائها.

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقُتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه"، أخرجه مسلم حديث (1848).
2- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية"، أخرجه مسلم حديث (1849).
3- عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا. ما صلوا"، أخرجه مسلم حديث (1854).
4- وعن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- قال: "دَعَانَا رسول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا على السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، قال: إلا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ من اللَّهِ فيه بُرْهَانٌ"، متفق عليه، أخرجه البخاري حديث (7055)، ومسلم حديث (1709).
فهذه الأحاديث تدل على تحريم الخروج على ولاة أمور المسلمين وجماعة المسلمين، وأن هذا الخروج من أمر الجاهلية، وعلى براءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن يخرج؛ لأن ذلك من الإفساد في الأرض، ولأنه يؤدي إلى سفك الدماء وهتك الأعراض وتدمير الأموال والممتلكات، وإلى ضياع الأمن وانتشار الرعب.
فإذا كان الحاكم كافراً كفراً بواحاً عند المسلمين عليه برهان جاز الخروج عليه بشروط:
1- أن تكون لدى المسلمين قدرة مستيقنة أو شبه مستيقنة على إسقاط هذا الحاكم الكافر بأن تكون قائمة على إعداد العدة المادية إلى جانب العدة الإيمانية كما قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، فإن ذلك يسهل التخلص منه لا سيما إذا كان معظم الجيش وقياداته والشعب ضده عقدياً ومنهجياً وسلاحاً.

2- أن يكون القصد إعلاء كلمة الله، لا من أجل عصبية ولا من أجل مطامع دنيوية.
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرجل يُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (7458).

وقال الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي -رضي الله عنه- مستنكراً ما يجري في عهده من قتال ودماء بين طلاب الدنيا:
""إِنِّي احْتَسَبْتُ عِنْدَ اللَّهِ أَنِّي أَصْبَحْتُ سَاخِطًا عَلَى أَحْيَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كُنْتُمْ عَلَى الْحَالِ الَّذِي عَلِمْتُمْ مِنْ الذِّلَّةِ وَالْقِلَّةِ وَالضَّلَالَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْقَذَكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ بِكُمْ مَا تَرَوْنَ وَهَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَفْسَدَتْ بَيْنَكُمْ إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بِالشَّأْمِ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُونَ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ ذَاكَ الَّذِي بِمَكَّةَ وَاللَّهِ إِنْ يُقَاتِلُ إِلَّا عَلَى الدُّنْيَا"([10]).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-:
" فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله اسم جامع لكلماته التي تضمها كتابه" ، "السياسة الشرعية" (ص75).
فإذا كان الخروج على الحاكم لدوافع غير إسلامية، ولا يقصد بهذا الخروج إعلاء كلمة الله كان هذا الخروج غير شرعي، ولا يحل لمسلم المشاركة فيه لما فيه من الظلم والفتن وسفك الدماء.
ومع الأسف الشديد أن ثورات ما يسمى بالربيع العربي على حكامهم كانت خالية من هذه المعاني والمقاصد الإسلامية النبيلة.
بل مع الأسف كانت شعاراتها ومبادئ ثورتها غريبة وغربية مضادة للإسلام، فذهب الكثير والكثير من الشباب والشيب الضعفاء والمساكين ضحايا من أجل هذه الشعارات والمبادئ الغربية.
ومن هنا نصحنا الشباب السلفي ومن يقبل النصح بالابتعاد عن المشاركة في هذه الفتن وفي سفك الدماء.
هذا النصح كان من منطلق إسلامي واضح قائم على الأدلة من الكتاب والسنة، وقد سبقنا إلى مثل هذا الموقف شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء عصره.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- وهو يتحدث عن أهل الضلال الذين يتعلقون بالأموات، يدعونهم ويستغيثون بهم في الشدائد، بعد أن بيّن أن هذا العمل من الشرك بالله .
قال -رحمه الله-:
" حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد؛ فإنه كان قد قضى أن العسكر ينكسر لأسباب اقتضت ذلك، ولحكمة لله عز وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، ولما يحصل في ذلك من الشر والفساد وانتفاء النصرة المطلوبة من القتال؛ فلا يكون فيه ثواب الدنيا ولا ثواب الآخرة لمن عرف هذا وهذا، وإن كثيراً من القائلين الذين اعتقدوا هذا قتالا شرعيا أجروا على نياتهم، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز و جل والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال تعالى يوم بدر: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم).
وروي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يوم بدر يقول: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث".
وفي لفظ: "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك".
فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم؛ نصرهم على عدوهم نصرا عزيزاً، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً لما صح من تحقيق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله تعالى ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"، "الاستغاثة" (2/732-738).

ماذا في هذا النص من العبر؟
1- قوم جاءهم عدو من أعداء الإسلام همجي ليستولي على بلادهم.
2- فخرج أهل دمشق ليقاتلوا هذا العدو باسم الإسلام، وليدافعوا عن عاصمة من عواصم الإسلام .
3- فسمع منهم شيخ الإسلام ما ينافي التوحيد، وذلك أنهم يستغيثون بالموتى لينصروهم على هذا العدو.
4- فصارحهم شيخ الإسلام بأنهم سوف ينهزمون، جازماً بذلك؛ لأنهم جاؤوا بما يخالف الإسلام من الاستغاثة بغير الله، وذلك مما يسبب الفشل والهزيمة.
5- ذكر أن أهل المعرفة بالدين والمكاشفة (أي الفراسة) لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله؛ لأن القتال الشرعي لا بد أن يكون أهله أهل توحيد يقاتلون لغاية عظيمة أن تكون كلمة الله هي العليا، وهؤلاء المقاتلون قد أتوا بما يخل بكلمة التوحيد، فانهزم جيش هؤلاء المقاتلين لاختلال شروط الجهاد الذي شرعه الله .
6- شرع شيخ الإسلام بعد هذا يدعو الناس إلى توحيد الله وإخلاص الدين لله -عزَّ وجل-، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا بالله، لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، وساق الأدلة على ذلك .
7- قال: "فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا عزيزا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا لما صح من تحقيق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك فإن الله تعالى ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد".
والشاهد من هذا الكلام أن شيخ الإسلام وأهل المعرفة بالدين لم يشاركوا في قتال الغزاة أعداء الله؛ لأن هذا قتال غير شرعي، ولو كان المقاتلون أهل توحيد يقاتلون لإعلاء كلمة الله لكان شيخ الإسلام وهؤلاء العلماء في طليعة المقاتلين .
ثم لما ربى شيخ الإسلام الناس على التوحيد وأصلحوا أمورهم شاركهم شيخ الإسلام في الجهاد، بل اعتقد أنه هو الذي قادهم إلى القتال الذي أحرزوا فيه النصر المظفر، وانهزم عدو الإسلام شر هزيمة .
والخلاصة أنه يجب على المسلمين أن يعرفوا المنهج الإسلامي عقيدة وعبادة ومعاملات وجهاداً وأخلاقاً، وأن يتمسكوا بهذا المنهج بكل تفاصيله، وأن يحذروا من الوقوع في الفتن واتباع أعداء الإسلام في عقائدهم أو سياستهم أو أخلاقهم، ومن وقع في شيء من هذه المخازي، فعليه أن يتوب إلى الله توبة نصوحا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
ربيع بن هادي عمير المدخلي
4/10/1433هـ

[1] - أخرجه مسلم حديث (144)، وأحمد (5/386).

[2] - أخرجه مسلم حديث (1844)، وأحمد (2/191).

[3] - أخرجه مسلم في "الفتن" حديث (2887) "باب نزول الفتن كمواقع القطر" ، وأبو داود في "الفتن والملاحم" حديث (4256).

[4] - "الإيمان" حديث (19).

[5] - متفق عليه، أخرجه البخاري في "الفتن" "باب ظهور الفتن" حديث (7061) ومسلم في "العلم"، "باب رفع العلم وقبضه" حديث (2672)، وأبو داود في "الفتن" حديث (4255).

[6] - أخرجه الترمذي حديث (2204)، وهو جزء من حديث رواه أحمد في "مسنده" (4/408)، وأبو داود في "سننه" برقم (4259).

[7] - أخرجه مسلم في "الإيمان" (118) وأحمد (2/303)، والترمذي في "الفتن" (2195) وابن حبان (6704).

[8] - أخرجه أحمد في "مسنده" (4/408) ، وأبو داود في "سننه" حديث (4262).

[9] - رواه أحمد (5/389) بإسناد حسن.

[10] - أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (7112).
ملفات مرفقة
التحذير من الفتن ومن الديمقراطية ومشتقاتها.doc 104.5كيلو 853 عدد مرات التحميل

مشاهدة المزيد

فهد الماجدي
09-04-2013, 09:35 AM
من افضل علاج الامراض النفسية.
والنجاة من عذاب القبر.


قال ابن القيم : من أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه ، ثم يجدد له توبة نصوحاً بينه وبين الله ، فينام على تلك التوبة ، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة ، فإن مات من ليلته مات على توبة ، وإن استيقظ ، استيقظ مستقبلاً للعمل مسروراً من تأخير أجله حتى يستقبل ربه ، ويستدرك ما فاته ، وليس للعبد أنفع من هذه التوبة ، ولا سيما إذا أعقب ذلك بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند النوم ، حتى يغلبه النوم ، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك .المرجع / الروح ص : 79

..................................

من روائع ابن القيم

1- من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره

2- من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا

3- في غض البصر : نور القلب والفراسة

4- قصر الأمل : هو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة .

5- قصر الأمر بناؤه على أمرين :

الأول : تيقـن زوال الدنيا ومفارقتها .

الثاني : تيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها .

6- الحاسد عدو النعم .

7- حب الدنيا والمال وطلبه أصل كل سيئة .

8- لاشيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر .

9- أدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه .

10- وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره .

..................................
علاج نافع لأمراض النفس

قال ابن القيم : من أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه ، ثم يجدد له توبة نصوحاً بينه وبين الله ، فينام على تلك التوبة ، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة ، فإن مات من ليلته مات على توبة ، وإن استيقظ ، استيقظ مستقبلاً للعمل مسروراً من تأخير أجله حتى يستقبل ربه ، ويستدرك ما فاته ، وليس للعبد أنفع من هذه التوبة ، ولا سيما إذا أعقب ذلك بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند النوم ، حتى يغلبه النوم ، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك .المرجع / الروح ص : 79

..................................

من روائع ابن القيم

1- من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره

2- من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا

3- في غض البصر : نور القلب والفراسة

4- قصر الأمل : هو العلم بقرب الرحيل وسرعة انقضاء مدة الحياة .

5- قصر الأمر بناؤه على أمرين :

الأول : تيقـن زوال الدنيا ومفارقتها .

الثاني : تيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها .

6- الحاسد عدو النعم .

7- حب الدنيا والمال وطلبه أصل كل سيئة .

8- لاشيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر .

9- أدب المرء : عنوان سعادته وفلاحه .

10- وقلة أدبه : عنوان شقاوته وبواره .

..................................

نفوس حيوانيــــة

فمنهم : من نفسه سبعية غضبية : همتـه العــدوان على الناس وقهــرهم .

ومنهم : من نفسـه فأريـة .فاسق بطبعـه ، مفســــد لما جــــاوره .

ومنهم : من طبعه طبع خنزيـــر .يمر بالطيبـــات فلا يلوي عليها ، فإذا قام الإنسان من رجيـعه قَـمّه --- وهكذا كثير من الناس

ومنهم : من هو على طبيعة الطاوس .ليس له إلا التطوس والتزيــــن بالريــش وليس وراء ذلك من شيء

ومنهم : من هو على طبيعة الجمل .أحقد الحيوان وأغلظـــه كبداً .المرجع / مدارج السالكين / 1 / 394

...............................

من أقوال ابن القيم : المفاتيح

وقد جعل الله سبحانه لكل مطلوبا مفتاحاً يفتح به

فجعل مفتاح الصلاة : الطهـــور

ومفــتـــاح الحـــج : الإحـــــرام

ومفــتــــاح البــر : الصــــدق

ومفتاح الجـنـــة : التوحيـــد

ومفتـــاح العلم : حسـن الســــؤال

ومفتــــاح النصــر : الظفر والصبــر

ومفتــــاح المزيـــد : الشــكـــر

ومفتــــاح الولاية : المحبـة والذكــر

ومفتــــاح الفــلاح : الـتــقــــوى

ومفتــــاح التوفيق : الرغبــة والرهبــة

ومفتاح الإجابة : الدعــــاء

ومفتـــاح حياة القلب : تدبر القرآن والتضرع بالأسحار

ومفتـــاح الرزق : السعي مع الاستغفار والتقوى

ومفتـــاح العــز : طاعــة الله

ومفتاح كل شر : حب الدنيا وطول الأمل . المرجع / حادي الأرواح ص : 100

..................................

كيف تحقيق الزهد في الدنيا

أحدها : علم العبد بأن الدنيا ظـل زائل وخيال زائر

الثاني : علمه أن وراءها داراً أعظم منها قدراً وأجل

الثالث : معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئا كتب له منها وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها

فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد في الدنيا وتثبت قدمــه . المرجع / طريق الهجرتين ص 354

..........................................

أسباب انشراح الصدر

قال ابن القيم فأعظم انشراح الصدر:

1- التوحيد :فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب انشراح الصدر

2- العلم : فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أو سع من الدنيا

3- الإنابة إلى الله :ومحبته بكل القلب والإقبال عليه والتنعم بعبادته .

4- دوام ذكره على كل حال وفي كل موطن : فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر ونعيم القلب

5- الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه : من المال والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان

6- الشجاعة :فإن الشجاع منشرح الصدر واسع البطان متسع القلب ، والجبان أضيق الناس صدرا وأحصرهم قلبا .

7- إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة .

8- ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة فإن هذه الفضول تستحيل آلاماً وغموما وهموماً في

القلب . زاد المعاد / 2 / 32

……………………………………

فـــوائــــد غـــض الــبــصـــــر

قال ابن القيم وفي غض البصــر فوائــد:

أحدها : تخليـص القلب من ألـــم الحسرة ، فمن أطلق نظره دامت حسرته

ثانيا : أنه يورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجــه وفي الجوارح

ثالثا : أنه يورث صحة الفراســة فإنها من النور وثمراتـــه .

رابعا : أنه يورث قــوة القلب وثباتــه وشجاعتـه .

خامسا : أنه يفتــح له طرق العلـم وأبوابــه ويسهل عليه أبوابــه

سادسا : أنه يخلص القلب من أسـر الشهــوة فإن الأسير أسير الشهوة

سابعا : أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقــــدة الغــفلــة. قال بعض السلف : إن الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله . المرجع : روضة المحبين ص : 94

.............................................

أنواع الناس في المخالطــة

قال رحمه الله :الناس على أربعة أقسام :

1- من مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه .وهذا أعز من الكبريت الأحمر وهم العلماء بالله وأوامره

الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه .

2- من مخالطته كالدواء .يحتاج إليه عند المرض فقط ، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم في مصلحة المعاش

3- من مخالطته كالداء .وهم من في مخالطته ضرر ديني أو دنيوي .

4- من في مخالطته الهلاك كله .وما أكثر هذا الضرب في الناس ، وهم أهل البدع والضلالة

المرجع : الفوائد : 1 / 519

...............................

هل تريد أن تعرف أفضل نومة تنامهـا

قال ابن القيم رحمه الله : عند ذكر اسباب النجاة من عذاب القبر :

من أنفعها أن يجلس الرجل عندما يريد النوم لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه ، ثم

يجدد له توبة نصوحا بينه وبين الله ، فينام على تلك التوبة ، ويعزم على أن لا يعاود الذنب إذا استيقظ ، ويفعل هذا كل ليلة ، فإن مات في ليلته مات على توبة ، وإن استيقظ استيقظ مستقبلاً للعمل مسروراً بتأخير أجله حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته ، وليس للعبد أنفع من هذه النومـــة ، ولا سيما إذا عقب ذلك بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن الرسول عند النوم حتى يغلبه النوم ، فمن أراد الله به خيراً وفقه لذلك .المرجع / كتاب الروح ص 99 .

………………….

فائدة عظيمة في فضل العلم

قال ابن القيم رحمه الله :فيالها من مرتبة ما أعلاها ، ومنقبة ما أجلها وأسناها ، أن يكون المرء في حياته مشغولاً ببعض أشغاله ، أو في قبره قد صار أشلاء متمزقة وأوصلاً متفرقة ، وصحف حسناته متزايدة يملي فيها الحسنات كل وقت ، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب .، تلك والله المكارم والغنائم ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .طريق الهجرتين ص 510

……………..

علامة السعادة وعلامة الشقاوة

قال ابن القيم رحمه الله :

1- طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس

2- وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس

فالأول علامة السعادة. والثاني علامة الشقاوة . المرجع طريق الهجرتين / 176

……………………

مساوىء الشهوة

قال ابن القيم رحمه الله:

الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإن الشهوة :

إما أن توجب ألماً وعقوبة .

وإما أن تقطع لذة أكمل منها .

وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة .

وإما أن تُذهب مالاً بقاؤه خير من ذهابه .

وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة .

وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب الشهوة .

وإما أن تُنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة .

وإما أن تشمت عدواً وتُحزن ولياً .

وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة .

وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول . المرجع : كتاب الفوائد 182

……………………..

في النفس كبر إبليس ، وحقد قابيل

قال ابن القيم رحمـــه الله :

في النفس كِبر إبليس ، وحسد قابيل .وعتو عاد ، وطغيان ، ثمود ، وجرأة نمرود .

واستطالة فرعون ، وبغي قــارون ،وحيل أصحاب السبت ، وتمرد الوليد .

وجهل أبي جهل ، وحرص الغراب .وشَره الكلب ، ورعونــة الطاووس .

ودناءة الجُعل ، وعقوق الضب .وحقد الجمل ، ووثوب الفهـــد .

وصولــة الأسد ، وفسق الفأرة .وخبث الحيــة ، وعبث القرد .وجمع النملـة ، ومكر الثغلــب .

ونـــوم الضبــع .

غير أن الرياضة والمجاهدة تُذهب ذلك . فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند ، لا تصلح

سلعته لعقد ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) . المرجع / الفوائد : 98

…………………………………..

من صفــات المؤمـــن

قال ابن القيم في صفات المؤمن الراغب بالآخرة :

1- هو في وادٍ والناس في واد .

2- خاضع متواضع سليم القلب سريع القلب إلى ذكر الله

3- زاهد في كل شيء سوى الله .

4- راغب في كل ما يقرب إلى الله .

5- لا يفرح بموجود ولا يأسف على مفقــــود .

6- لا يدخل فيما لا يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه .

7- وصفه الصدق والعفة والإيثار والتواضع والحلم والوقار

8- لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أحد حقاً.

9- مقبل على شأنه ، مكرم لإخوانه ، بخيل بزمانه ، حافظ للسانه .المرجع / طريق الهجرتين : 51

…………………………………………..

من أعظم الأشياء ضرراً على العبد

قال ابن القيم:

من أعظم الأشياء ضرراً على العبد بطالته وفراغه ، فإن النفس لا تقعد فارغـة ، بل إن لم تشغلها بما ينفعها

شغلته بما يضره ولابد. المرجع طريق الهجرتين 281

…………………………………….

هل تعرف أقل الناس ديناً ولو كان زاهداً

قال ابن القيم رحمه الله:

وأقل الناس ديناً وأمقتهم إلى الله من ترك هذه الواجبات:

( الجهاد والأمر بالمعرف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله وعباده ، ونصرة الله ورسوله ودينه

وكتابه ) وإن زهد في الدنيا جميعها ، وقلّ أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعّره لله ويغضب لحرماته ، ويبذل عرضه في نصرة دينه ، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء . المرجع عدة الصابرين
،

فهد الماجدي
09-06-2013, 02:01 AM
قال الامام بن تيميه رحمه الله.
؛
فالتوحيد يُذهب أصل الشرك ،
والاستغفار يمحو فروعه ،
فأبلغ الثناء قول: لا إله إلا الله ،
وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله .

الفتاوى [11/697]

فهد الماجدي
09-06-2013, 02:03 AM
يقول الامام ابن القيم رحمه الله..
؛
قال رجلٌ للحسن البصري رحمه الله:
يا أبا سعيد أيُّ الجهاد أفضل ؟
قال: " جهادُك هواك..

روضة المحبين [478]


؛
والجهاد منه : ما هو باليد ،
ومنه ما هو (بالقلب )،والدعوة والحجة واللسان والرأي والتدبير والصناعة ، فيجب بغاية ما يمكنه .

ابن القيم رحمه الله
المستدرك [3/166]

فهد الماجدي
09-06-2013, 02:06 AM
الهوى داءٌ ،،
ودواؤُه مخالفته ..
،
ابن القيم رحمه الله
روضة المحبين [478]

فهد الماجدي
09-06-2013, 02:09 AM
قال ابن القيم رحمه الله :
علامة السعادة وعلامة الشقاوة

1- طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس,,
2-وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس..

فالأول علامة السعادة.
والثاني علامة الشقاوة.
المرجع طريق الهجرتين / 176

فهد الماجدي
09-07-2013, 12:23 AM
تلاوة حجازية لاتوصف من صلاة الفجر..
للشيخ عبدالله الجهني حفظه الله وغفر له ،،

http://youtu.be/cDntx3CdN7E

فهد الماجدي
10-31-2013, 02:58 PM
http://www.youtube.com/watch?v=-YJySnW-zA8