سامر عبدالكريم المنصور
03-22-2011, 01:41 PM
طقوس الكتابة (http://www.shurofat.blogspot.com) : مقال مهم جداً للباحث محمد عيد خربوطلي والذي يقول في خاتمة مقاله: " لقد ذكرت في هذا الملف أمثلة عن طقوس الكتَّاب الأدباء والباحثين العرب والغربيين، القدامى والمعاصرين.. ولكن يبقى سؤال على درجة من الأهمية.. هل غيَّبت المناهج النقدية المنشغلة بالنص الإبداعي دون غيره هذه الزوايا..؟"
قراءة ممتعة ومفيدة أتمناها لكم ، مع الرجاء بأن يتم تثبيت الموضوع!
إن من أبرز اللحظات في حياة الأديب والكاتب بشكل عام هي لحظة الكتابة، لحظة التدفق الإبداعي والإيحاء الشعري، لحظة تفريغ المشاعر الجياشة، والخواطر الفياضة، وهذه اللحظات تمر بكل كاتب وبكل أديب مع فارق طفيف في مدى إغراق كل واحد في غمرتها.
هل للكتابة طقوس؟ متى يكتب الكاتب؟ أين وكيف؟ ماذا يلبس وماذا يأكل..؟
إنها أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة والنص الإبداعي أو النقدي أو الفلسفي، أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة لا معنى لها..؟ إنها أسئلة طُرحت على جمعٍ من المبدعين والكُتَّاب والنقَّاد العرب، وغير العرب، وأجابوا عليها، ولعل هذه الأسئلة تكون فتحاً لملفات حافلة، ولأسرار يطّلع عليها القرَّاء لأول مرة، ولعلنا لن نخطئ إذا أسميناها هوامش الكتابة وعتباتها، على حدٍّ قول الأديب التونسي (كمال الرياحي).
على كلٍّ الكتابة من جهة كونها غاية، فهي جهد متصل للوصول إلى صيغة تحقق الحد الأدنى من التوافق أو الانسجام بين ذات الكاتب المبدع وعالمه، ولكن هل الكتابة جهد متصل فقط..؟
.. ربما.. لا.. ربما الكتابة طقوس أكثر منها إبداع.
الكتابة كسر للمألوف.. للعادة، لأنها تخلق مألوفها من جنسها، فقلق الكتابة وعذاباتها أجمل بكثير مما يُكتب، قهوة الصباح، وشاي الظهيرة، والقطيعة، واعتزال الدنيا ومتاعها، والاستئناس بالوحدة والعزلة، وحلاقة الذقن ونوع العطر، لحظة مخاض من دون شك، وكذلك الغطس في ماء حوض الحمام، فلكل أديب وكاتب وباحث طقس خاص به في ساعة كتابته، وسنطوف معاً على جملة من الطقوس التي تُميِّز كل كاتب عن غيره من الكتَّاب، في عرض أتمنى أن يكون جميلاً، وفي
أسلوب أطمح أن يكون شيقاً.
معنى الطقوس:
يشير مفهوم الطقس في المعاجم المتخصصة وغير المتخصصة إلى مجموع الممارسات السرية عند الشعوب تقوم بها الجماعات الدينية، كما يشير إلى الممارسات السرية، أو أي إشارة خاصة يقوم بها أتباع ديانة معينة، كطقوس السلام التي تختلف من ثقافة إلى أخرى.
والكتابة بمعناها المعاصر تشكل قطيعة جذرية مع بعض أنماط الكتابة، أو فنون القول القديمة، كما أن مفهوم الكاتب اليوم قد خضع بدوره لتعديلات معرفية متعددة أبعدته عن متاريس الغيب، وأدخلته إلى دوَّامات الموضوعية، حيث لم يعد الكاتب محاطاً بالأسرار.
يتساءل أستاذ الفلسفة «محمد شويكه»... هل تتمثل طقوس الكتابة في الاستعدادات والممارسات التي تقوم بها الذات الكاتبة قبل مباشرة عملية الكتابة كفعل إنساني، أم تتجلى في طقوس التحريم والتقديس والتدنيس المبنية على التناقض الممنوع ـ المرغوب، المقدَّس ـ المدنس..؟
هل الكاتب يكتب دائماً؟ أم أن الانشغال بالكتابة طقس أقسى من عملية الكتابة ذاتها؟ ما الفرق بين فعل الكتابة وفعل القراءة؟ ألا يكون النص المكتوب بداية لعملية تأليف قد لا تكون بالضرورة مكتوبة؟ إن عملية القراءة فعل نفسي تفاعلي، فالقارئ يؤلف حين يقرأ.
وإن فعل التحضير للكتابة طقس، لأنه يتميز بالثبات، فمهما تغيَّرت الظروف لا بدَّ أن الكاتب يُحضِّر لممارسة هذا الفعل، ولو في أبسط الحيثيات... البحث عن القلم، الورق، تشغيل الحاسوب، تحضير البرنامج المناسب، كل ذلك يعبِّر عن استعداد ملموس وواقعي.
طقوس الكتابة عند الأقدمين
لماذا التراث..؟ من الطبيعي أن نعطي كل شيء حقه، أو على الأقل لا نبخسه، لذلك من الطبيعي أن نهتم بالتراث، لا نلعنه ونحقِّره كما يفعل بعض الذين لا يرون في التراث ما يستحق أقلَّ وقفة تأمل أو نظر. والعودة إلى التراث ليس كما يتوهم هؤلاء الميل إلى التشرنق، أو الانغلاق على الذات، ولا عجزاً عن تجاوز الحاضر، وإنما هي عودة إلى الجذور، وكشف عن المعالم المضيئة في ماضينا.. بل مهما كان الذي تمحور بؤرة العودة إلى التراث حوله، فإنه ينبغي أن تكون تمهيداً للانطلاق والانعتاق، فإن تناولنا الأخطاء والمثالب فلتلافيها، وإن بحثنا عن الجوانب المشرقة، فمن أجل تمثُّلها وتجاوزها إلى ما يفضُلها، والأمة التي تريد النهوض تعود إلى تراثها الفكري وإرثها الحضاري، لتجعل منه أساساً عميقاً قويماً تشيد عليه بنيانها ليدوم أكثر.
يبدو أن أول من تناول مسألة طقوس الكتابة من وجه أو من آخر من النقاد العرب القدامى، «ابن قتيبة» في كتابه (الشعر والشعراء)، و«الجاحظ» في كتابه (البيان والتبيين)، و«ابن رشيق» في (العمدة) في محاسن الشعر وآدابه ونقده، و«ابن خلدون» في (المقدمة)، كل هؤلاء وغيرهم الكثير تحدَّثوا عن طقوس الكتابة، وفي أي وقت يجب أن تكون، فجنحوا كلهم خاصة «ابن قتيبة» إلى أن أفضل أوقات الكتابة (ساعة الفجر)، حيث يكون الذهن أصفى، وحيث تكون القريحة أنقى.
وقد أفرد «ابن رشيق» في كتابه (العمدة) فصلاً للشعراء العرب، الضروب التي بها يُستدعى الشعر، «فكثير عزة» كان يطوف في الرياض المعشبة، و«الفرزدق» كان يركب ناقته، ويطوف منفرداً في شعاب الجبال، ويطوف الأودية، والأماكن الخربة، و«جرير» كان يشعل سراجه ويعتزل، وربما علا السطح وغطى رأسه رغبة في الخلوة، في حين كان «ذو الرمة» يخلو لتذكر الأحباب، و«أبو حيان التوحيدي»، كان معينه على الإبداع ألمه ومعاناته التي سطّرها في مثالب الوزيرين.
طقوس كتابة القصة والرواية والشعر
غالباً ما تكون الكتابة غامضة وبعيدة وربما مبهمة، وغير واضحة المعالم، فقد تبدأ بكلمة أو صوت أو رائحة أو مشهد، ثم تتجمَّع في مخيلة المبدع وفي لحظة ما، وفي وقت معيَّن تخرج معلنة عن نفسها، وهذه اللحظة هي ما تسمى باللحظة الإبداعية.
ومهما اختلفت عادات المبدعين أثناء العمل، فإن أغلبهم يعتبر الإنتاج اليومي المنتظم مسألة مهمة وضرورية، معوِّلين كثيراً على إتباع روتين يومي ثابت ومنتظم، وعلى طريقة (ضع الأسود على الأبيض) بدلاً من نوبات الكتابة الضارية والمتقطعة التي هي مما يُميِّز الشعراء أكثر من الروائيين، ويعتبر الشطر الأول من اليوم هو الوقت المفضَّل للعمل على الرغم من وجود بعض الاستثناءات المتميزة مثل «دوستويفسكي» الذي كان يكتب في الليل دائماً.
يقول (محمد عبد السلام العمري) ـ روائي مصري: «إن الكاتب عندما يكتب لا يكون في ذهنه أو في تصوِّره كل شيء عن عمله، هذا فضلاً عن أنه لا يكتب استناداً إلى نظرية محدَّدة أو إلى طرائق معينة جاهزة، أو صيغ محفوظة سلفاً، أزعم أن لكل عمل طرائقه التي تولد معه، كما أن لكل عمل رؤاه وصيغه، يكتشف الروائي أسلوبه الخاص لعمله الجديد، وطرائقه الخاصة المختلفة من الكتابة أثناء الكتابة».
وقال عن علاقته بشخصياته الروائية: «لا مسافات بيني وبين شخصياتي، إنني أستحضرها كلما انفردت بنفسي لأتأكد ما إذا كانت ما تزال موجودة وما تزال معها، أو أدعوها إلى اجتماع عام تحضره باقي الشخصيات لتساعد على حل مشكلة ما في الرواية».
وذكر القاص (سليمان فياض) في مقالته (تجربتي مع الإبداع) في مجلة (الهلال) نيسان 1993.. اختيار لحظة القصة لكتابة القص أمر يعرفه المبدع ويحدده القاص.. متى؟.. وأين المكان الأثير للكتابة؟، ومما ذكره.. يجب على القاص أن يكون هاوياً للقص، ورتيباً ليُمنح الحرية الخاصة والحرية الشخصية والحرية المطلقة في اختيار التجربة، فالقصة طلقة سريعة التدفق والانطلاق في فجر، وفي ظلام أو في عز النهار، فولادة القصة مثل ولادة القصيدة عند الشعراء، حيث يشبهون القصيدة عندما تأتي فيوضاتها بحادثة الطلق السريع عند المرأة الحامل.
وعندما سُئل الروائي (د. حسن حميد) عن طقوس الكتابة عنده قال: «الكتابة عندي عشيقة تأتي ولا تأتي، تواعد وتخلف، كائن مشتق من القلق، ومشتق من الفوضى، لا مواعيد ولا نظام»، وقال: «كم حاولت الكتابة وأخفقت، وكم تغافلت عنها فجاءتني في أوقات لم أتهيأ لها ولم أستعد، والطقس عندي لا أعرفه لأنني دائم الكتابة، أكتب في الصباح وفي الظهيرة وفي المساء، لا رفيق لي في الكتابة سوى الورق والحبر الأسود والقهوة، جرَّبت أن أكتب وقد خلوت لنفسي مثلما جربت الكتابة والناس من حولي، وفي كلتا الحالتين تظل كتابتي هي كتابتي، فأنا أكتب في أي وقت لأنني لا أبدأ الكتابة إلا عندما يمتلئ رأسي بالفكرة التي أودُّ كتابتها، وغالباً ما تنتهي في عقلي أولاً، أما تحبير المكتوب فهو مجرد عادة أو مجرد إنجاز»، وقال: «وكتابة القصيدة أو القصة أو الزاوية تحتاج مني لنفَسٍ مستمر لإنجازها، في حين أن كتابة الرواية تحتاج مني إلى مجموعة أنفاس قصيرة، كدت أقول تحتاج إلى وثبات عديدة».
وعندما سئل الروائي (نبيل سليمان) عن طقوس الرواية عنده قال: «لعل الأهم هو أن الفكرة الأولى أو الكبرى لا تفتأ تتحول وتتشظى، وقد تنقضها الكتابة جزئياً أو كلياً، مثلما قد تجلو البُهمة ما يمور في النفس، أو قد تزيد المجلو بُهمة، والواضح غموضاً، وقد يبدو أن الشرارة انطفأت، والقدحة تبدَّدت، ولئن كان ذلك فقد يتقيد كل شيء بعد سنة أو بعد عشر، ويتجدد اللقاح والحمل، فإذا أطبق وسواس الرواية عليَّ أنا الإنسي حتى يتلبسني الجني، أبتدئ طقس الولادة بالهجس والأرق ليل نهار».
وقد تبدأ كتابة الرواية دفعة واحدة، وقد تتشكل على هيئة عنوان يعيش مع المبدع كما قال الروائي الجزائري (الطاهر وطار)، وقال: «في روايتي (عرس بغل) عشت في أجواء الرواية لخمس سنوات، ظل الهاجس يعيش معي، وعلى ضوئه أصادق وأخاصم، وأورِّط الناس في إطاره، ولكني بعد ذلك أجلس للتحرير ثلاثة أسابيع، لأكتب كل يوم عشر ساعات، وبنفس واحد، في حين كان يستمر الشحن النفسي والمعنوي للعمل خمس سنوات، وخلال هذه الفترة لا أُدوِّن أية ملاحظات إطلاقاً، وعندما أشرع في الكتابة أضع أولاً المقدمة المنطقية للرواية، فأي عمل ليس له مقدمة منطقية عمل فاشل».
وطقس الكتابة مهم جداً لكتابة القصيدة عند الشاعر (عبد القادر الحصني)، وهو يوازي أهمية القصيدة نفسها عنده، وقال في ذلك:
«يهجع في أعماقي عدد من القصائد.. مكتملة التصورات، ومكتملة التخلف في داخلي ولا تحتاج إلا إلى أن تجد طقوسها التي هي جامعة المناخات التي تحتاج ولادتها في داخلي ليصير الباطن ظاهراً وليصير الأول آخراً، ولينتقل الأمر من كان إلى صار.
وقال: «حين تكتمل القصيدة أشعر بأنها قد انفصلت عني تماماً، وأني صرت واحداً من قرائها، وأشعر بشيء من المرارة والغربة، فهي قد صارت للجميع وأنا واحد منهم». وقال: «والقصيدة تبدأ من شرارة ما... يعترضها الوجدان ويحتضنها، فتبدأ التفاعلات في داخلي إلى أن تصير هاجساً يمتلكني إلى درجة أن كل ما أراه من حولي يلهج بهذا الهاجس ويقوله، إلى أن أصل إلى وقت أشعر معه بأنني ما عدت أستطيع احتمال ما أحمله، فلا بدَّ من أن يتحوَّل الكامن إلى ظاهر مكتوب على الورق تماماً كما تشعر الحامل إزاء حملها، وفي أثناء ذلك الحمل، وفي إبان ذلك المخاض تكون القصيدة قد اقترحت مناخاتها وطقوسها التي ينبغي إعدادها لمجيئها، وقصيدة ما لا يمكن أن تكتب إلا في الشتاء مهما حاولت في غيره من الفصول، لأنَّ المكان جزء من طقس القصيدة، فهذه القصيدة تكتب في حي شعبي، وهذه تكتب في الليل وليس في النهار، وتلك تكتب في مكان عام، وهذه القصيدة أكتبها وأنا في حالة استرخاء، حيث الصمت والهدوء المطبق، وقصيدة أخرى أكتبها وسط ضجيج الناس وأنا متوتر الأعصاب ومستقر المشاعر، وهكذا.. فكل قصيدة تأتي حاملة معها طقوسها التي ترفض أن تحضر ما لم تحضر كل هذه الطقوس شروط لازمة للكتابة، إلا أنها غير كافية، لأن الجزء الأهم من طقوسها هو الشاعر والحالة التي هو عليها».
إنني من عشَّاق دمشق.. لكن أجد نفسي في الطبيعة، فهي حياتي وحياتي هي شعري وكتاباتي، هكذا تقول الشاعرة (فاديا غيبور).. فعالمها هو يوم عطلتها الذي تقضيه في مصياف كل أسبوع لتعود بمجمل كتاباتها إلى دمشق، ففي مصياف تستيقظ على صوت العصافير التي ترقص في نوافذ غرفتها، عند ذلك تنظر إلى السماء وإلى الجبل الأخضر فتملأ رئتيها بعبق الياسمين الندي، وتداعب وجنتيها نسيمات رائعة، فتعب من صفاء الكون، وإذا ما ناداها فنجان قهوتها قرب النافذة.. تبدأ بالكتابة.. فإذا (طرق الشعر باب قلبها ورأسها وأصابعها تنساب عند ذلك قصيدتها دفعة واحدة، تتدفق مثل الينبوع في حالة شعرية حقيقية، تقول الشاعرة.. أحياناً تأتيني حالة الشعر بطريقة غرائبية، الدماغ يملي على الأصابع، لذلك فالشعر هو الشيء الوحيد الذي لا يقبل الكتابة إلا بالقلم.
عندما يكتب الروائي (عبد الكريم ناصيف) فإنه يحتاج إلى ثلاثة أمور (صفاء الذهن، والتركيز الشديد، وهدوء الجو من حوله، فهو لا يستطيع الكتابة في حال الضجيج أو التشويش، فلابد من السكينة التامة لكي يدخل في حالة الإبداع، ومما قاله: «أكتب مع بزوغ الشمس، فكل شيء ساكن وهادئ وذهني يكون في أوج صفائه لم يعكره شيء بعد، كما يكون جسدي بكامل همَّته ونشاطه لم يتعبه شيء بعد، وبعد أن يأخذ الجرعة الضرورية من سماعه لصوت فيروز الذي يمنحه الراحة والسعادة يخلو بنفسه ليركِّز، حيث يُوجِّه ذهنه وخياله إلى بؤرة محددة تعمل ضمن إطارها لا تشرد عنها، وبهذا يكون قد وصل إلى الحالة الإبداعية التي لا يمكنه الكتابة دون بلوغها.. كما قال، وهنا تحيط به شخصيات أعماله الروائية من كل جانب، حيث تعيش همومها ومشكلاتها ثم تعود إليه بوجوهها.. اهتماماتها.. تعيش شروط حياتها ذاتها، ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية»، ضمن هذه الأجواء يكون أديبنا قد التحم في عالم روايته التحاماً شديداً.
نماذج من طقوس الكتاب
الكتابة الأدبية فن من الفنون الجميلة، وهي كسواها من الفنون الأخرى تتلبَّس بطقوس خاصة بها، أو تتميز بطقوس خاصة لها يتَّخذها الكاتب من حيث الزمان والمكان والهيئة والأداة، ويُجمع كثير من الأدباء أن الأوقات كلها صالحة للكتابة الأدبية، ولكن كل ما في الأمر أن الكاتب هو الذي يتَّخذ لنفسه أوقاتاً يعتادها فتغتدي له دأباً لازباً تبعاً لظروفه الخاصة التي تحمله على اختيار وقت بعينه دون غيره.
طقوس تنظيم الوقت
للوقت قيمة عظيمة عند الكتَّاب الأدباء والباحثين، فهو رأسمالهم، كان (صالح مرسي) يجلس إلى طاولة الكتابة ثماني عشرة ساعة متواصلة، فهل يُعقل أن لديه وقت يقضيه في مقهى أو نزهة، وإن كان غيره لا يجلس هذه المدة مثله، إنما ينظِّمون أوقاتهم، فقد عرف عن (ليو تولستوي) أنه كان يؤمن بأن الروتين المنتظم في الكتابة مهم جداً للعمل الروائي، وجاء في كتاب (في تجربة الكتابة) لمؤلفه (س. مارتين) أن (سيمنون).. كان يصحو في السادسة صباحاً، ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يومياً إلى غرفة عمله، حيث الستائر مسدلة لا يرفعها، فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية، ويكتب لثلاث ساعات يومياً، وقال (ألبيرتو مورافيا) منذ فترة طويلة جداً وأنا أكتب كل صباح بالطريقة نفسها التي أنام فيها وآكل يومياً، لقد أصبحت الكتابة جزءاً عضوياً في إيقاعي البيولوجي،.. ولهذا عرف «ألبرتو» بانضباطه الصارم. وبالرغم من حركة (أندريه جيد)، (1889 ـ 1939) المستمرة كان يكتب في ساعات محددة وأماكن معينة، وعدداً محدداً من الصفحات كل يوم، وقد ذكر في يومياته برنامجه اليومي وهو.. ثلاث ساعات بيانو، ساعة تصحيح مسودات، ساعة شكسبير، ساعة سانت بوف، هذه وجبتي كل يوم، ثم يذكر أنه يعطي الرواية غالباً ست ساعات، ونصف ساعة أو ساعة ـ تمرين، هذا بالإضافة إلى تأمله للطبيعة والنزهات، فكل أمره منضبطاً وبدقة.
وكان (إسحق أسيموف) أشهر كتَّاب الخيال العلمي يجلس ما لا يقل عن ثماني ساعات يومياً في مكتبه.
طقوس القراءة قبل الكتابة
كثيرٌ هم الكتَّاب الذين يجلسون للكتابة ولا يكتبون حتى يقرؤوا ولو قليلاً، كعادة صارت معهم، والأحرى أن تسمِّي ذلك طقساً خاصاً بهم، (فأندريه جيد) كانت الموسيقا والقراءة النبع الذي ينهل منه عند الحاجة، فالقراءة زاده الحقيقي، وقد بقي ينهل من الكتب حتى آخر يوم في حياته، كما كان يعود لقراءة أعماله المفضلة، ويقرأ كتب الأقدمين، وقد كتب في يومياته بتاريخ 2 كانون الثاني 1922.. أن أجود أيام العمل هي تلك التي أبدؤها بقراءة كتاب قديم. وكان (الرافعي) يقرأ في أي كتاب من كتب أئمة البيان العربي قبل شروعه في الكتابة، ليعيش وقتاً قبل أن يكتب في بيئة عربية فصيحة اللسان، خاصة كتابات «الجاحظ» و«ابن المقفع» أو كتاب «الأغاني»، ولما سأله تلميذه «سعيد العريان» عن ذلك أجابه: نحن يا بني نعيش في جو عامي لا يعرف العربية.. واللسان العربي هنا في هذه الكتب، أنها هي البداية لمن يطلب اللغة في هذا الزمان بعدما فسد لسان الحضر والبادية. وكان (سومرت موم)، (1874 ـ 1965) الكاتب الإنكليزي.. يحبُّ أن يقرأ في كتاب قبل الشروع في الكتابة (فذلك يفيد كثيراً) على حد قوله، كذلك كان (ألدوس هكسلي) يرى أن قراءة كتاب ما لبعض الوقت قبل الشروع في الكتابة تفيد كثيراً، وهي طريقة اتبَّعها كثيرون ممن وجدوا صعوبة في بدء عملية الكتابة، وهؤلاء كانوا بعكس الكثيرين الذين كانوا يبدؤون بالكتابة متى ما أرادوا ذلك، فمثلاً كان (هنري ميللر) قادراً ببساطة على أن يبدأ عملية الكتابة متى ما أراد ذلك.
وكان بعض الكتَّاب يقرؤون أثناء الكتابة، فقد كان (محمد حسنين هيكل) يقرأ همساً ما يكتبه، أما (د. فاروق مواسي) فكان من عادته أن يقرأ كل ما يكتبه بصوت عالٍ، و(دوستويفسكي) كان يقرأ الرواية التي يكتبها بصوت عالٍ حتى يحفظها عن ظهر قلب قبل أن ينتهي من كتابتها.
طقوس استحضار الفكرة
عُرِف عن بعض الكتَّاب أن لهم طقوساً خاصة لاستحضار الفكرة (الشرارة)، فقد كان (زولا) يمضي تسع أو عشر ساعات في اليوم على منضدته، ولكن غالباً ما كانت تمضي الساعات وهو جالس ذقنه فوق كفه ينظر إلى خارج النافذة محاولاً استرجاع بعض المناظر، أو الشخصيات ليسوقها إلى الصفحة، ولكي يتغلب على تلك الاعتراضات كان يعلق أهمية كبيرة على النظام الصارم في العمل في غرفته ومكتبته، فهناك شعار محفور يقول (لا يوم دون عمل خط).
وكان (عباس محمود العقاد) لا يبدأ بالكتابة إلا بعد أن يستوي الموضوع بتمامه، وبعناصره وأركانه في عقله، وكذلك كان (مصطفى صادق الرافعي)، فهو لا يبدأ بالكتابة إلا بعد أن يُعدُّ كل أركان الموضوع الذي يريد كتابته، لكن (أجاثا كريستي) كانت لا تستحضر أفكارها إلا في الحمَّام.
الهدوء والعزلة
العزلة والهدوء أسمى صفات الطقوس الإبداعية، فكما أن أفضل العبادات أن تكون حين يختلي المرء بنفسه ويناجي ربه، بعيداً عن العيون، ونأياً عن الرياء، فإن الكاتب حين يعتزل الناس ويخلو إلى نفسه تبدأ الأفكار تنهال عليه وتنسال بين يديه إذا كان مهيأ لاستقبالها، فينسج من ألفاظ هذه اللغة التي لم يكن يعرف من أمرها قبل أن تقع له شيئاً.
كان (محمود تيمور) يرى أن أحسن الأمكنة للكتابة البيت، و(محمد حسنين هيكل) يقول: «أميل إلى الكتابة في بيتي أو فيما أجد السكينة والهدوء»، وكان (ألبير كامو) يكتب واقفاً بشرط أن تكون أمامه شرفة مفتوحة، وخصص (أسامة أنور عكاشة) بيتاً في الإسكندرية ينعزل فيه شتاءً حيث لا ضجيج ولا زيارات ولا مطالب عائلية، وقال إن تواجده بالقرب من البحر يُهيِّئ له فرصة نفسية للكتابة، لا يُوفِّرها صخب وضجيج القاهرة، ومن عادته أن يختار حجرة بعيدة عن الضوضاء يكون فيها متجدداً، ومن شدة حبه للهدوء والعزلة يمشي على شاطئ البحر منفرداً، ويتميَّز (مصطفى أمين) بالهدوء أثناء كتابته للمقال السياسي، ومن عادته أن يكتب في أي وقت وفي أي مكان بشرط الهدوء، وعُرِف عن (د. زكي نجيب محمود) أنه كان يُفضِّل الكتابة في البيت للهدوء، أما (محمد حسنين هيكل) فقد كانت طريقته في الكتابة أن يكون في عزلة تامة عن الناس، بعد أن يغلق على نفسه مكتبه ويرفع سماعة الهاتف، ويبدو أن الجلوس بجانب النافذة له سحر خاص، فـ (مصطفى صادق الرافعي) كان يكتب بجانب النافذة على الشرفة، ليمر النسيم على صفحة خده.
وتستغرب (أحلام مستغانمي) كيف أن البعض بإمكانهم أن يكتبوا في مقهى أو في قطار دون أي اعتبار لحميمية الكتابة، فالكتابة عندها أن يجلس الكاتب في مكان عالٍ وكأنه يمارس الحب في مكان علني والجميع يتابعونه كما ذكرت في فوضى الحواس، وهي القائلة عن نفسها أيضاً.. أنا امرأة مجنونة، وأزداد جنوناً في حضرة الورق. وكان ( إدوارد خراط) لا يكتب إلا في بيته حيث الهدوء، وهو محاط بالكتب من كل ناحية «كالجاحظ»، فهي كائنات حية بينه وبينها حوار لا ينقطع كما قال، وكبقية الكتَّاب الذين لا يكتبون إلا في البيت فالهدوء متوفر، كان (إحسان عبد القدوس) يكتب داخل مكتبه في بيته، وكذلك (د. بنت الشاطئ) و(د. لويس عوض) و(خيري الذهبي) الذي يسعى دائماً للخلوة الكاملة أثناء الكتابة، وقال (عبد الكريم ناصيف) أنه لا يستطيع الكتابة إلا في الهدوء والسكينة التامة، خاصة مع بزوغ الشمس حيث كل شيء ساكن وهادئ، والذهن يكون في أوج صفائه، لم يعكره شيء بعد، كما يكون الجسد بكامل همته ونشاطه لم يتعبه شيء بعد، (ونبيل سليمان) يكتب يومياً عشر ساعات في بيته الريفي الذي يوفر له الصمت المطبق والطبيعة الفاتنة والعزلة التامة، فلا هاتف ولا زيارات لعدة أيام، وإذا داهمت الفكرة (ساجدة الموسوي) فإنها لا تكتبها إلا في بيتها الهادئ، حيث سكون الليل، فهذا الجو يعطيها مدداً أوسع للقصيدة لتأخذ أبعادها الحقيقية، وقالت في إحدى لقاءاتها: أن اقتحام خلوتها أثناء الكتابة يستفزُّها، والمقاطعة بأشكالها تثيرها، فهي تحب الوحدة في الكتابة.
وعُرِف عن (عباس محمود العقاد) أنه لا يكتب إلا منفرداً لا يعكر صفو طقسه أحد، وكان (محمد عفيفي) لا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة في مقهى عام بسبب الضجيج، وغطَّى (مارسيل بروست)، (1871 ـ 1910) جدران غرفته بالفلين ليعزلها عن الضجيج، وكان يرى أن المؤلَّفات الحقة لا تُولد إلا في الظلمة والسكون والهدوء بعيداً عن ضوء النهار وضجيجه، وأكدَّ أن على كل كاتب أن يَعبُر من حياة المجتمع إلى حياة الوحدة، وقد أنجز الجزء الأكبر من روايته (البحث عن الزمن المفقود) في غرفته المعزولة بالفلين والمسدلة الستائر، وهو محاط بالموقد وأكوام الدفاتر، وبين أدويته، حتى (همنغواي) هجر مكتبه ليكتب في البرج الأبيض المطل على العاصمة الكوبية هافانا، مثل (ميخائيل نعيمة والشخروب)، حيث كانا يجلسان في أعلى بسكنتا في لبنان ويكتبان، وكان «همنغواي» يبدأ بالكتابة بعد الفجر، حيث يراه أنه أفضل وقت للشروع في الكتابة، و(د. حسن حميد) الذي يكتب في كل الأوقات إنما يفضل الكتابة صباحاً يومياً ولمدة ساعة ونصف.
الضجيج
كتب (محمد عفيفي) في مجلة الدوحة 1979 مقالة بعنوان (هل تحب الشيشة) أكَّدَ فيها أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة في مقهى عام، وذلك بسبب الضجيج الذي ينتج عن الحركة والأصوات، خاصة ضجيج الشيشة، وكان بعكسه تماماً (صدوق نور الدين) الذي ذكر في دراسة نشرها بعنوان (طقوس القراءة عندي أقوى من الكتابة) أكتب حيثما أتيحت لي الظروف، ولئن كان الأغلب تحقق فعل الكتابة داخل فضاء المقاهي على الرغم مما فيها من لغط وضجيج، وقد كتبت كتابي النقدي الأول الذي أصدرته عام 1984 داخل فضاء المقاهي.
وكان بعض الكتَّاب يكتبون في أي وقت ومكان مثل (أحمد بهاء الدين)، وبعضهم لا يستطيع الكتابة إلا في الضجيج مثل (رامبو) الذي لم يستطع الكتابة إلا في القطارات السريعة، وكان (روبير ساباتيه) الشاعر يكتب في أي مكان وفي أي وقت، عند الصباح وفي المقهى وفي لحظة انفراد، في الميترو، يكفي أن يكون معه ورقة ليكتب، وكان (نتالي ساروت) الفرنسي يذهب كل يوم في باريس إلى حانته المفضلة، ويكتب فيها مفضلاً وجود الناس حوله على الوحدة، وكتب (إبراهيم أصلان) معظم أجزاء روايته (مالك الحزين) في أحد المقاهي في قمة الضجيج، حيث يتوحَّد بالعمل وشخوصه، وقال: خلال الكتابة أشعر دائماً بحالة من التهيج، ترتفع درجة حرارتي وأنقلب كائناً عصبياً وتداهمني رائحة دخان السجائر حتى لو لم يكن في يدي سيجارة.
وعُرِف عن (توفيق دياب) الكاتب المسرحي أنه كان يكتب وكأنه في مشهد مسرحي، لدرجة أن أمير الشعراء «أحمد شوقي» كان يستمتع بذلك المشهد، وكأنه يطالع مسرحية فعلية، حتى إنه ليقول لأصحابه هيا بنا نذهب لنتفرج على «توفيق دياب» وهو يكتب، وكان الشاعر والكاتب الساخر (كامل الشناوي) يكتب وهو يردد بصوت مسموع ما يكتبه، وقد يفتح المذياع ولا يعوقه ذلك عن المضي في الكتابة، وإذا أحسَّ بالهدوء من حوله اصطنع الثرثرة والضجيج وسأل: لماذا أنتم ساكتون؟ كما كان من عادته ممارسة أشياء عديدة في وقت واحد، مثل الكتابة والرد على الهاتف والاستماع إلى المتحدثين والرد عليهم والتفكير في مطلع قصيدة يعجزه.
طقوس الورق
بعض الكتَّاب يكتبون على أي نوع من الورق، ولكن لبعضهم طقوس خاصة مع الورق، فبعضهم كان يختار الورق الملوَّن، وبعضهم الورق الصغير، وآخرون منهم لا يكتبون إلا على ورق الجرائد، كان (نجيب محفوظ) يكتب على ورق مسطَّر، ولا يترك من الورقة أية فراغات أو هوامش، لكن بعد أن ضعف بصره صار يكتب على سطر ويترك أربعة أسطر، و(أسامة أنور عكاشة) كان لا يكتب إلا على ورق مسطَّر له ملمس خاص، وإذا أخطأ بكلمة شطبها واستمر، وكان من عادته إذا واجهته مشكلة أثناء الكتابة يستغرق في رسم خطوط أو دوائر متداخلة ومتقاطعة لا معنى لها، و(د. زكي نجيب محمود) كان يكتب على ورق الكراسات المسطر، ويبدأ بكتابة اسمه على يمين الصفحة، والعنوان في منتصفها، وكان يقطع الورقة التي يكتب عليها إلى نصفين، فلم يحدث أن أرسل مقالاً من مقالاته على ورقة كاملة، وعُرِف عن (توفيق الحكيم) أنه يكتب على ورق من حجم الكف، وكانت مسطورة منظَّمة، وخطَّه واضح، كذلك كان (عباس محمود العقاد) يكتب على ورق في مساحة الكف وغير مسطر، فإذا لم تعجبه لفظه أو عبارة لا يحذفها.. بل يطمسها طمساً لا يُغيِّر من معالمها، وكان (مصطفى أمين) يحذف ويشطب بعض الكلمات، وقد يُمزِّق الأوراق أساساً إذا لم يعجبه المقال في النهاية، و(أحمد بهاء الدين) يكتب المقال على دفعة واحدة، لكنه يشطب الكلمات التي لا تروق له، ولا يرمي الورق ولا يستبدُّ له.
وبعضهم كان لا يكتب إلا على ورق أبيض مثل (صالح مرسي)، أما (يوسف السباعي) فكان يكتب على ورق الصحف الأسمر اللون، و(علي أمين) لا يكتب إلا على ورق شفاف، و(إبراهيم عبد المجيد) لا يكتب إلا على الورق الأبيض، وقد أعاد كتابة روايته (بيت الياسمين) عشر مرات، و(يوسف القعيد) كان يكتب على ثلاث مراحل، تسويد ثم صياغة على ورق أصفر، ثم كتابة أخيرة على ورق أبيض مسطر، ومن عادته أن يكتب سطراً ويترك سطراً، وكان خلال المراحل الثلاثة يحذف ويضيف ويُعدِّل، وقد يخرج سهماً إلى الهامش فيكتب كلاماً مائلاً، أما في آخر مرحلة إذا أخطأ في كلمة فإنه يعيد كتابة الورقة كاملة، وكان ( إدوارد خراط) يكتب على أي نوع من الورق، المهم أن يكتب فلحظة التوهج لا تترك له فرصة تفضيل ورقة على غيرها، ومن عادته أن يعيد كتابة بعض قصصه القصيرة مرات عديدة، ففي بداياته كان يعيدها نحو خمسين مرة، لكن بعد ذلك صار يكتبها مرة واحدة متصلة، إلى حد أن المسودة تكون نسخة نهائية في بعض الأحيان، وعرف عن (ماركيز) أنه كان يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة، وكان (محمود تيمور) لا يكتب إلا في كرَّاسات، فيكتب على الورقة ويترك الورقة اليمنى بيضاء للتنقيح والملاحظات الطارئة، ويكتب سطراً ويترك سطراً، وعرف (محمد حسنين هيكل) أنه كان يستخدم حجماً معيناً من الورق الفاخر، وهل ننسى الأوراق الملونة التي كان يستخدمها الشاعر الكبير (نزار قباني)، أما الأديب الروائي (د. حسن حميد) فلا يكتب إلا على ورق أسمر.
الكتابة على أي شيء
إذا عرفنا أن كثيراً من الكتَّاب كانوا يختارون الورق الأبيض أو الملون، فإن بعض الكتاب كانوا يكتبون على أي شيء يصادفونه إذا هبطت عليهم فكرة ما أو مطلع قصيدة، فقد كان (محمود المسعودي) يكتب على بطاقات ودعوات رسمية، وعلى جذاذات جرائد، وقد حقَّق د. «محمود طرشونه» كتابه (من أيام عمران) بعدما جمعه من الجذاذات والبطاقات، وكان (روبير سابانيه) يكتب أحياناً على أوراق دفتر شيكاته إذا لم يكن معه ورقه، وقد ورد عن أمير الشعراء (أحمد شوقي) أنه كان يكتب على أي شيء يجده، فإذا لم يجد إلا علبة التبغ كتب عليها، وذكر عنه أنه كتب إحدى قصائده على قطعة قماش كانت أمامه، فإذا جاءته المعاني سجَّلها حتى لا ينساها.
طقوس الأقلام
وهل للأقلام طقوس؟ أو هل هناك علاقة للأقلام مع طقوس الكتابة..؟ قال لي (د. حسن حميد) أنه لا يستطيع الكتابة إلا بالحبر الأسود الجاف، (العقاد) لا يكتب إلا بالحبر الأحمر، أما (توفيق الحكيم) فكان يكتب بالحبر الأسود والأزرق، وأحياناً يستعمل قلم الرصاص، وإذا كان (محمد حسنين هيكل) يستخدم مجموعة مختلفة من الأقلام فإنه لا يكتب إلا بالحبر، وإذا كان (يوسف السباعي) يكتب بأي قلم مثل ( إدوارد خراط) فإن (يوسف القعيد) وإن كان يضع أمامه عدداً كبيراً من الأقلام المتنوعة، لكنه لا يستعمل إلا القلم الجاف الأسود أو الفلوماستر الأسود، حتى تبييضه كان بالحبر الأسود لأنه يعتقد أن اللون الأسود يمنح الكتابة قدراً من الفخامة، وكان (علي أمين) يكتب بالقلم الجاف.
وكأنَّ لقلم الرصاص وقع خاص في نفس حامله، فقد كان (نجيب محفوظ) يكتب المسوَّدة به، أما الصياغة الأخيرة فكان يكتبها بالحبر الأزرق الجاف، ثم حوَّلَه إلى الأسود، كذلك كان (محمود تيمور) يكتب المسوَّدات بقلم الرصاص، وأخبرني (يوسف الأبطح) أنه يكتب بقلم الرصاص فيمحو ويزيد في الرواية التي يكتبها، وبعد أن يطمئن على عمله يشعر أنه اقترب من الكمال، كتبه مرة أخرى بالحبر الأزرق الجاف.
وكان (دكنز) الأديب الإنكليزي يكتب بحبر أزرق على ورق أزرق، و(سعدي يوسف) يكتب بالحبر الأسود السائل، وقال (خيري الذهبي) إنه يحب استعمال الأقلام الكريمة التي لا تتلكأ أثناء الكتابة، لأن الفكرة قد تهرب إذا ضايقه القلم بتلكؤه، و(وليد إخلاصي) يحبُّ أثناء الكتابة أن يكون محاطاً بالكتب والأقلام الكثيرة، التي لا ينفعه إلا واحد منها، وورد عن (أنتوني بيرجز) أنه كان يعتبر أن عقبة الكتابة الوحيدة لديه هي تلك العقبة التي تُسبِّبها له القرطاسية.
ومن غرائب طقوس الكتابة مع الأقلام ما ورد عن (فولتير)، (1694 ـ 1778)، فقد كان عندما تأتيه الفكرة وتغريه يقوم فيجمع كل أقلامه، خاصة أقلام الرصاص، ثم يقوم بتكسيرها ولِّفها بورقة ثم يضعها تحت وسادته وينام، ثم يستيقظ ويبدأ الكتابة فوراً، أما (جان شامبيون) فكان يمسح أقلامه ودموعه وأصابعه التي اتسخت من الحبر بالروب الذي كان يرتديه أثناء الكتابة، ومن عادة (أسامة أنور عكاشة) أنه قبل الكتابة كان يجهز الأوراق والأقلام والموسيقا والمشروبات، ويستعمل قلم الحبر الأزرق، كما أنه من عادته أن يكتب كل مسلسل بقلم خاص، ويحتفظ به بعد أن يكتب اسم المسلسل عليه، ولا يستخدمه في كتابة أخرى، وقد كتب الجزء الثالث من ليالي الحلمية بقلم شيفر فضي، وإني لأعذره في حفظه للأقلام، فمن عادتي أن أحتفظ بكل قلم فارغ، حيث أضعه في صندوق خاص بالأقلام الفارغة.
طقوس الخط
كما عرف الأطباء بخطهم الرديء عرف بعض الكتَّاب بخطئهم الرديء أيضاً، (فمحمد حسنين هيكل) كان خطه رديئاً لا يُقرأ إلا بصعوبة، كما أنه لا يعتني باختيار اللفظ الدقيق والمعنى الواضح بمقدار عنايته بإقناع القارئ بالأدلة العقلية، كذلك كان (أحمد بهاء الدين).. يصعب قراءة ما يكتبه فخطَّه غير واضح، و(د. لويس عوض) كان خطه أيضاً لا يُقرأ إلا بصعوبة، وكان كثير الشطب والتعديل والحذف، وإذا أتته فكرة بعد انتهائه من الكتابة وضعها في الهامش، وعُرِف عن (يوسف السباعي) أنه كان قليلاً ما يكتب سطراً دون كلمة مشطوبة أو مصححة.
وفي المقابل عُرِف كتَّاب كانوا يتقنون خطهم، فتأتي صفحة مما يكتبون كلوحة رُسمت بريشة فنان، فقد كانت الأديبة الإنكليزية (شارلوت برونتي) كأنما تكتب بإبرة أو برموش عينيها، فخطها صغير دقيق أنيق، كأنه ذرَّات منتظمة الوقع والإيقاع، و(إحسان عبد القدوس) كان يكتب بخطٍّ مائل جميل، رفيع الحروف، دقيق العبارة، لديه أسلوب رشيق، وكان يكتب المقال السياسي كما يكتب القصة أو الرواية على ورق منمَّق، ويُرقِّم الأوراق، لكن إذا وصل الترقيم إلى رقم (13) تشاءم، وطلب من أحد الحاضرين أن يكتب بدلاً عنه هذا الرقم، وامتاز خط (بنت الشاطئ) بالوضوح سواء في اللفظ أو المعنى، وكانت تعتني كثيراً بتشكيل الحروف، أما (عباس محمود العقاد) فقد كان شديد الولع بخطه وبأفكاره التي يُرتِّبها كما يُرتِّب ألفاظه في ثوب بديع، كانت كلماته كبيرة الحجم ولكنها منتظمة، وكذلك كان (توفيق الحكيم) يكتب سطوراً منظمة وخطاً واضحاً، ولم يبلغ كاتب ما بلغه (عبد الرحمن بدوي)، فقد كانت حروفه أقرب إلى حروف الطباعة دون أن يشطب كلمة واحدة، وكذلك كان (د. زكي نجيب محمود) فخطه واضح، وحروفه متناسقة، وسطوره خالية من الشطب.
طقوس الكتابة في الليل
ورد في كتاب (خزانة الأدب) أن جريراً كان يكتب شعره في أول الليل، وفي هذا الزمن يكتب معظم الكتَّاب ليلاً، خاصة غير المتفرغين، وكأن الليل أخفى للويل، فالبعض يعانون كثيراً أثناء الكتابة، وقد قال النقاد القدامى أن أفضل أوقات الكتابة هي أوقات السحر، وقال (عبد الرحمن الأبنودي) أنه لا يستطيع الكتابة في النهار أبداً، فهو لا يبدأ في الكتابة إلا من بعد الغروب حيث الحرارة تخفُت، خاصة إذا كان قريباً من النيل، حيث تهب النسمات التي ترطب الجسد وتطلق طيور الشعر من أقفاصها، وإن كان (إبراهيم أصلان) يكتب في كل مكان، لكنه غالباً كان ما يكتب في الليل خاصة في الشتاء، وكان (مصطفى صادق الرافعي) لا يكتب إلا في الليل حيث الهدوء، ولا يصلح ما كتبه في ليلة إلا في ليلة قادمة أخرى، وقال (حسين حموي) الأديب الشاعر أن معظم كتاباته تكون في آخر الليل حيث الهدوء التام، وكان (خيري شلبي) يقرأ في أول الليل ويكتب في آخره، و( إدوارد خراط) كان لا يكتب إلا في الليل، لكن بعدما تقدَّم به السن صار يكتب في أي وقت، و(وليد إخلاصي) يحبُّ الكتابة في الليل، فالليل عنده مع ضوء محدود مركَّز يساعده أكثر في خلق مناخ الكتابة، وعُرِفَ عن الكاتب السياسي (محمد حسنين هيكل) أنه لا يكتب مقاله السياسي الأسبوعي في صحيفة السياسة إلا بعد العاشرة ليلاً، كما أن الشاعرة (فاطمة ناعوت) تُفضِّل الكتابة في الليل حيث لا وقت يفضل الليل عندها، وكان (دوستويفسكي) لا يكتب إلا في الليل.
طقوس الكتابة نهاراً
وبعكس كُتَّاب الليل، هناك كتَّاب لا يكتبون إلا في النهار، فالشاعر (سعدي يوسف) يقول: أنا لا أكتب في الليل، إنما أكتب في النهار قرب نافذة تطل على امتداد، بحر أو حديقة أو مشهد طبيعي، كما شارك (مصطفى أمين) أخاه «علي» في اختيارهما أحسن أوقات الكتابة لديهما، وهو وقت الظهيرة، و(يوسف الأبطح) لا يكتب إلا في النهار من السابعة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، أما (شوقي بغدادي) فيفضل الكتابة في الصباح الباكر، وكأن لوقت القيلولة سحر خاص فالدكتور (عبد الملك مرتاض) كتب أكثر من عشرين كتاباً في أوقات القيلولة، و(يوسف القعيد) يستيقظ باكراً في الخامسة صباحاً، ويجلس يكتب في حجرة الطعام إلى الثامنة، وبعد فطوره يُغيّر مكان الكتابة، لكنه بعد العاشرة صباحاً لا يكتب أبداً، وعرف عن (نجيب محفوظ) أنه كان يكتب ثلاث ساعات نهاراً، وبعدما داهمه المرض صار يكتب ساعة واحدة فقط، ومرَّ معنا أن (أسامة أنور عكاشة) لا يكتب إلا في النهار من العاشرة صباحاً إلى السادسة مساءً، وورد عن (فلوبير) أنه كان يكتب منذ منتصف النهار حتى الرابعة عصراً.
طقوس الكتابة شتاءً
للشتاء سحره الخاص به، فليله طويل، يغتنمه الكثير من الكتَّاب لإنجاز أعمالهم خاصة الكبيرة التي تحتاج إلى وقت كثير وسهر طويل، (فنجيب محفوظ) كان في قمة عطائه لا يكتب إلا في فصلي الشتاء والخريف، والروائي (إبراهيم عبد المجيد) لا يكتب إلا في الشتاء في مكان دافئ تحت إضاءة مبهرة، وتحدَّث (محمد الماغوط) عن طقوس كتابته فقال: «عندما أكتب أصير كنهر بردى أتدفق في الشتاء وأكتب، وأشيخ في الصيف وأتوقف عن التدفق، والكتابة سرٌّ من الأسرار إنني أواجه كابوساً صعباً، أجد يديّْ مقصوصتين وقصائدي لا أستطيع أن أحميها». أما (إبراهيم أصلان) فيقول عن نفسه: «الكتابة حالة شتائية، فحرُّ الصيف يدفع بالفيض الإبداعي بعيداً، وإنه رغم جمال ليل الصيف للسمر والسهر، فإن ليل الشتاء أفضل للكتابة لأنه أكثر طولاً، مما يعطي الفرصة للمبدع للإحساس بمساحته وعمقه، وليل الشتاء يثيره وجدانياً ويجعله في حالة دفء داخلي وأطول بالاً على الجلوس للكتابة، وأكثر استعداداً للشعور بالآخرين». وبالمقابل كان (خيري شلبي) يكره الكتابة في الشتاء.
طقوس الجلوس أثناء الكتابة
عندما يمارس الكُتَّابُ الكتابة نرى أن أكثرهم يجلس على الكرسي ويكتب على الطاولة، وهو غالباً المنظر المُشاهَد، لكن بعضهم لهم جلسات خاصة بهم، وكيفيات وهيئات مختلفة يمارسونها أثناء الكتابة، فقد كان (أحمد فارس الشدياق) يتكئ على يساره والقلم في يمناه، ويكتب في قاعة الاستقبال، والزائرون من حوله ولا ينحرج من ذلك، وورد عن (نزار قباني) أنه كان ينام على بطنه أثناء الكتابة، أما الشاعرة (فاطمة ناعوت) فلا تكتب الشعر إلا في السرير، وكان (ألبير كامو) يكتب واقفاً أمام الشرفة، مثل (جيمس جويس)، أما (بطرس البستاني) فكان يكتب خلافاً للقاعدة، فهو يكتب واقفاً إلى مكتب عالٍ، مثل المكاتب التي يعمل عليها موظفو البنوك حالياً، وربما كانت الفكرة تأتيه وهو نائم، فيسرع في تسجيلها قبل أن تطير من ذهنه.
طقوس الكتابة مع شرب القهوة والدخان
إن المدمنين على شرب القهوة والدخان في الحالات العادية يكثرون من تناولهما أثناء الكتابة، حتى صار الغليون علامة مميزة لبعض الكتاب، وكذلك السجائر وفناجين القهوة، فخلال الفترة التي كان يقضيها (فلوبير) في الكتابة من منتصف النهار حتى الرابعة عصراً يُدخِّن خمسة عشر غليوناً مليئاً بالتبغ، و(خيري الذهبي) لا يبدأ الكتابة حتى يكون إلى جانبه عدد من الغلايين المملوءة مع ركوة قهوة، وبالنسبة للروائي (حسن حميد) فإنه لا يتناول إلا القهوة أثناء الكتابة ولكن من غير إكثار أو تدخين، بعكس (إبراهيم أصلان) الذي يكتب كثيراً في المقهى بين سحب دُخان السجائر، وإذا كان (العقاد) لا يُدخِّن ولا يشرب القهوة ولا يتعاطى الشيشة، فإن (الرافعي) كان يحتسي القهوة مرتين أثناء الكتابة، وفي آخر حياته صار يدخن الشيشة وهو يكتب، وأحياناً بعض السجائر عوضاً عنها، وكان (ناصيف اليازجي) يكتب وينظم الشعر وهو يدخن ويشرب القهوة، وكان يجلس على الوسادة والكتب من حوله وعلبة التبغ وفنجان القهوة أمامه، وكان يسرف في ارتشاف القهوة أثناء الكتابة بصورة مثيرة، بعكس (جيمس جونز) الذي كان يستيقظ باكراً ويحوم ويدور ويدخن ويشرب أكواباً من القهوة، وعندما لا يبقى له ثمة عذر يجلس للكتابة، وممن عرف عنه أنه كان يدخن الشيشة وهو يكتب (بطرس البستاني)، وكانت مطفأة سجائر (علي أمين) دائماً مليئة لأنه يدخن بشراهة وهو يكتب.
وكان (يوسف القعيد) خلال ساعات الكتابة الأربعة يشرب أربعة كؤوس من الشاي، يُعدِّها بنفسه، مع سيجار كامل، أما (نجيب محفوظ) فكان يتناول ثلاثة فناجين قهوة أثناء الكتابة، فنجان واحد كل ساعة، تُعدِّها زوجته من دون أن يطلب منها ذلك، وكان يدخن بشراهة، مثل (د. خليل الموسى) كما ذكر لي، وكان (أسامة أنور عكاشة) لا يبدأ الكتابة إلا بعد أن يشرب كأساً من الشاي، وكان يدخن نحو تسعين سيجارة يومياً، وبعد الإقلاع عنها استبدلها بالغليون، وبعد الشاي بساعتين يشرب نسكافيه ثم كأساً من العصير وبعده فنجان قهوة تركي، أما (صدوق نور الدين) الأديب المغربي فإنه يُكثر من شرب القهوة السوداء أثناء الكتابة، و(إبراهيم عبد المجيد) يدخن بشراهة، (وخيري شلبي) يدخن الشيشة أثناء الكتابة، وعُرِفَ بعض الأدباء بتناولهم الكحول أثناء الكتابة، كما عرف عن البعض وهم قلة أنهم لا يكتبون إلا بعد أن يتعاطوا نوعاً من المخدرات، (فمارسيل بروست) لجأ إلى المسكنات والمخدرات التي قضت في النهاية على كيانه وجسده شاباً، وكان (إدجار آلن بو) تنتابه الكثير من نوبات الكآبة الحادة، لأنه كان مدمناً على الكحول، لذلك لم يكن له طريقة نظامية في الكتابة، إنما كان يكتب بطريقة جامحة تتخلَّلها هذه النوبات، وبهذه الطريقة أنجز معظم كتاباته في بيته الريفي الصغير في فورد هام.
طقوس اللباس
استغربت طقوس بعض الكتَّاب أثناء ممارستهم للكتابة، وعندما كنت أروي للدكتور (حسن حميد) بعضاً من هذه الطقوس قال لي: «أنا عندما أكتب أستعدُّ للكتابة، ومن ذلك أن أُحسن اختيار ملابسي وأتجهَّز كأني سأخرج من البيت، فأرتدي أحسن الثياب لممارسة الكتابة»، وكذلك قال لي (يوسف الأبطح)، فهو لا يبدأ الكتابة إلا بعد أن يرتدي كامل ثيابه المعدة للخروج، حتى إنه يحلق لحيته ليشعر باكتمال طقس الكتابة. وعند البحث عن هذا الطقس تذكَّرتُ أن (صالح مرسي) كان يتهيأ للكتابة كما لو كان ذاهباً للقاء حبيبته، فيحلق لحيته ويأخذ حمَّاماً ويتعطر، ويرتدي ثيابه كاملة ثم يجلس وراء مكتبه لساعات طويلة، وعلى هذه الحال كتب «الحفار والهجان»، وكان قريباً منه (عزيز مصطفى) في طقوسه، وكان (آنجليو رينالدي) يحتفظ بربطة عنقه أثناء الكتابة، وكان يقول: «ذلك احتراماً لقواعد اللغة، حتى لا يدع مجالاً للاسترخاء»، وقال (سعدي يوسف) في إحدى لقاءاته: «أنه لا يجلس للكتابة إلا بعد أن يحلق لحيته ويرتدي ملابسه التي تصلح للخروج من المنزل، فأنا عندما أستقبل القصيدة أستقبل العالم»، وكل عاشقي (نزار قباني) يعلمون أنه كان يتأنق كثيراً قبل وأثناء الكتابة كعاشق يستعدُّ للقاء حبيبته، أما ( إدوارد خراط) فكان إذا كتب في الصيف فإنه يتخفف من ملابسه ويبقى بالملابس الداخلية فقط، أما في الشتاء فإنه يكثر من الملابس، لكنه في الحالتين يكتب من دون حذاء في قدميه.
وعندما سألت د. (خليل الموسى) عن حال لباسه أثناء الكتابة، قال: «أنا لا أكتب إلا مرتدياً لبيجامة من نوع خاص، وعندما ذكر ذلك، تذكَّرتُ (ايف نافار) الذي كان يكتب بالبيجامة التي قال عنها.. أنها عفريتة للأطفال، لونها أزرق داكن، وكان ينتعل خفاً من الصوف، ولعل كثيراً من الكتَّاب لا يستطيعون الكتابة إلا بعد أن يتخففوا من لباسهم، ويرتدون ملابس خفيفة فضفاضة ليرتاحوا أثناء الكتابة، فقد كان (زولا) أثناء الكتابة يرتدي دائماً ثوباً قروياً فضفاضاً، حيث كان يرتعب من الملابس الضيقة، كذلك (ليوتولستوي) في آخر حياته كان يلبس لباس الفلاحين المريح، أما (جان شامبيون) فكان يرتدي المبذل (الروب ـ دي شامبر) طوال وقت الكتابة وبعدها، وقال: «أنا لا أرتديه.. بل هو الذي يلاحقني، أمسح فيه كل شيء، أقلامي ودموعي، وأصابعي التي اتُسخت من الحبر، وألمي غير المنتج، وابتهاجاتي الصغيرة وكل شيء»، وعرف من طقوس الروائي الكولومبي (جابريال غارسيا ماركيز) أنه كان يلبس لباساً شبيهاً بلباس الميكانيكي، وقال في لقاء أجري معه «عندما أكتب ألبس عفريتة ميكانيكي لأنها رداء مريح، وهي لباس عملي لأقصى حد، فما عليك إلا أن تندس داخله في الصباح وتشد السَّحاب».
الموسيقا
للموسيقا دور كبير وسحرٌ خاصٌ عند الكتَّاب، (فيوسف القعيد) كان لا يكتب إلا وهو يسمع موسيقا «بيتهوفن وتشايكوفسكي»، كما كان يستمع للنقيض من ذلك مثل الأغاني الشعبية، كذلك كان ( إدوارد خراط) يستمع وهو يكتب إلى الموسيقا الكلاسيكية الهادئة والخفيفة كما لو كانت آتية من مكان بعيد مجهول، ويقول (وليد إخلاصي): «إن الموسيقا تخلق نوعاً من السكينة تساعده كثيراً على الاستغراق في الكتابة»، وكان من طقوس الكتابة عند (أندريه جيد) أن يمضي ساعات طويلة وهو يستمع لموسيقا البيانو فقد كان عازفاً ماهراً.
وكأن لصوت فيروز سحر خاص عند سامعيه، خاصة الكتَّاب (فعبد الكريم ناصيف) لا يكتب حتى يأخذ جرعة من سماعه لفيروز، وكذلك كان (خيري شلبي) يستمع لصوت فيروز أثناء الكتابة، مثل (إبراهيم عبد المجيد) الروائي المعروف الذي كان يستمع أثناء الكتابة إلى فيروز وعبد الحليم.
الورود والأزهار
للورود والأزهار دور في طقوس الكتابة، فقد كان لعطرها ولونها دور عند بعض الكتاب، فهذا (أوسكار وايلد) كان يزين غرفته بالزنابق وريش الطواويس، وكان (ماركيز) يؤمن بأن الأزهار الصفراء تجلب له الحظ.
طقوس الجوع والأكل
عرف عن بعض الكتاب أنهم إذا أكلوا لا يستطيعون الكتابة أبداً، لذلك يمسكون بالقلم والورق وهم جائعون، فقد كتب (صموئيل بيكيت) معظم مسرحياته وهو جائع، وفي منتهى الجوع، وكان (إبراهيم عبد المجيد) أثناء الكتابة لا يأكل.. بل لا يشعر بالجوع، وكذلك كان (خيري شلبي) لا يكتب إلا وهو جائع، وبالمقابل كان بعض الكتاب لا يكتبون حتى يأكلوا، فقد كان (هنري موللر) من أبرز الروائيين الذين اتبعوا روتين البدء بالكتابة بعد الفطور مباشرة، و(ليوتولستوي) عرف عنه أنه كان يكتب بعد الفطور مباشرة، وكان «ماركيز» يرى أن الكتابة لا تكون إلا بعد الشبع.
أغرب طقوس الكتابة
لبعض الكتاب طقوس غريبة يمارسونها أثناء الكتابة، أو أثناء التهيُّؤ للكتابة، فقد كان (خيري شلبي) غريب الأطوار أثناء الكتابة، حيث يتحول إلى شخص لا يُطاق، وكثيراً ما كانت زوجته تنصحه أن يكتب من داخل سرداب، لا يرى أحداً ولا أحد يراه، لذلك أقام فعلاً في مقبرة خاصة بأسرة منقرضة منذ القرن الثامن عشر، وأنجز ثلاثاً من أهم رواياته الطويلة (ملحمة الشطار، الأمالي، موال البيات والنوم)، ومن طقوسه الغريبة.. أنه قبل الكتابة يُصاب باكتئاب حاد، ويشعر برغبة جامحة في الانتحار، ويشعر كأن أسباباً غامضة أتت به إلى الحياة، لكي تعذبه وتغذيه حقداً على حدِّ قوله، وباعترافه هو أنه بالفعل لحظة الكتابة لا يطيق أولاده ولا زوجته ولا معارفه ولا أصدقاءه، ويشعر أنهم هم الآخرون لا يطيقونه، هكذا تنتابه حالة من السُّخط، لكن ما أن يكتب صفحة واحدة حتى يشعر بأن العالم فسيح وأنه سيتحرر من هذه الحالة المَرضية، فيعود من جديد مكتئباً ويواصل الكتابة كما لو كان يقاوم، وحينما ينتهي من الكتابة ويخرج من هذا السجن ويشعر بالشفاء، يبادر بإصلاح ما أفسده الإبداع، فيزور أهله وأصدقاءه، ويتحوَّل إلى شخص ودود ومرح، وفي هذا الجو يعيد نسخ ما كتبه ويبيضه.
ومن غرائب طقوس الكتابة ما ورد عن الكاتب المسرحي النرويجي (هنريك إبسن) أنه كان يضع على مكتبه عندما يكتب عقرباً في قارورة، وهو يغرس إبرته نافثاً سُمَّه في تفاحة، ومثله كان (جان كوكتو)، الذي كان لا يكتب إلا بعد أن يضع على منضدته كأساً مقلوبة على عقرب حي، أما (جوته)، (1749 ـ 1832) شاعر ألمانيا الشهير، فكان يضع أمامه طبقاً فيه تفاح متعفن، و(ألدوس هكسلي) لما ضعف بصره ولم يعد يرى شيئاً، غمسَ أنفه في الحبر وكتب به، وهو أول وآخر من فعل ذلك إلى اليوم، وكان (بورخيس) يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية قام من حوض الاستحمام ليكتب.
وتحدث (س. مارتين) في تجربة الكتابة عن الروائية العالمية (أجاثا كريتسي) فقال: «كانت تأتيها الأفكار في الحمام كما قالت، فقد كانت تجلس في البانيو ساعات طوال حتى تجد القصة الملائمة».
وأخيراً...
لقد ذكرت في هذا الملف أمثلة عن طقوس الكتَّاب الأدباء والباحثين العرب والغربيين، القدامى والمعاصرين.. ولكن يبقى سؤال على درجة من الأهمية.. هل غيَّبت المناهج النقدية المنشغلة بالنص الإبداعي دون غيره هذه الزوايا..؟
هل العودة إلى محيط النص اليوم، والتنقيب عن العتبات والحواشي والهوامش، والمسكوت عنه، من شأنها أن تعيد للمؤلف الحياة..؟
إنها طقوس الكتَّاب.. ومن حقهم أن يمارسوها كما يشتهون، وما يهمُّنا في النهاية هو حصولنا على أدب جميل، وإبداع حر، وفكر خالص، وتاريخ صادق، وعلم ننتفع به.
قراءة ممتعة ومفيدة أتمناها لكم ، مع الرجاء بأن يتم تثبيت الموضوع!
إن من أبرز اللحظات في حياة الأديب والكاتب بشكل عام هي لحظة الكتابة، لحظة التدفق الإبداعي والإيحاء الشعري، لحظة تفريغ المشاعر الجياشة، والخواطر الفياضة، وهذه اللحظات تمر بكل كاتب وبكل أديب مع فارق طفيف في مدى إغراق كل واحد في غمرتها.
هل للكتابة طقوس؟ متى يكتب الكاتب؟ أين وكيف؟ ماذا يلبس وماذا يأكل..؟
إنها أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة والنص الإبداعي أو النقدي أو الفلسفي، أسئلة تبدو خارجة عن فعل الكتابة لا معنى لها..؟ إنها أسئلة طُرحت على جمعٍ من المبدعين والكُتَّاب والنقَّاد العرب، وغير العرب، وأجابوا عليها، ولعل هذه الأسئلة تكون فتحاً لملفات حافلة، ولأسرار يطّلع عليها القرَّاء لأول مرة، ولعلنا لن نخطئ إذا أسميناها هوامش الكتابة وعتباتها، على حدٍّ قول الأديب التونسي (كمال الرياحي).
على كلٍّ الكتابة من جهة كونها غاية، فهي جهد متصل للوصول إلى صيغة تحقق الحد الأدنى من التوافق أو الانسجام بين ذات الكاتب المبدع وعالمه، ولكن هل الكتابة جهد متصل فقط..؟
.. ربما.. لا.. ربما الكتابة طقوس أكثر منها إبداع.
الكتابة كسر للمألوف.. للعادة، لأنها تخلق مألوفها من جنسها، فقلق الكتابة وعذاباتها أجمل بكثير مما يُكتب، قهوة الصباح، وشاي الظهيرة، والقطيعة، واعتزال الدنيا ومتاعها، والاستئناس بالوحدة والعزلة، وحلاقة الذقن ونوع العطر، لحظة مخاض من دون شك، وكذلك الغطس في ماء حوض الحمام، فلكل أديب وكاتب وباحث طقس خاص به في ساعة كتابته، وسنطوف معاً على جملة من الطقوس التي تُميِّز كل كاتب عن غيره من الكتَّاب، في عرض أتمنى أن يكون جميلاً، وفي
أسلوب أطمح أن يكون شيقاً.
معنى الطقوس:
يشير مفهوم الطقس في المعاجم المتخصصة وغير المتخصصة إلى مجموع الممارسات السرية عند الشعوب تقوم بها الجماعات الدينية، كما يشير إلى الممارسات السرية، أو أي إشارة خاصة يقوم بها أتباع ديانة معينة، كطقوس السلام التي تختلف من ثقافة إلى أخرى.
والكتابة بمعناها المعاصر تشكل قطيعة جذرية مع بعض أنماط الكتابة، أو فنون القول القديمة، كما أن مفهوم الكاتب اليوم قد خضع بدوره لتعديلات معرفية متعددة أبعدته عن متاريس الغيب، وأدخلته إلى دوَّامات الموضوعية، حيث لم يعد الكاتب محاطاً بالأسرار.
يتساءل أستاذ الفلسفة «محمد شويكه»... هل تتمثل طقوس الكتابة في الاستعدادات والممارسات التي تقوم بها الذات الكاتبة قبل مباشرة عملية الكتابة كفعل إنساني، أم تتجلى في طقوس التحريم والتقديس والتدنيس المبنية على التناقض الممنوع ـ المرغوب، المقدَّس ـ المدنس..؟
هل الكاتب يكتب دائماً؟ أم أن الانشغال بالكتابة طقس أقسى من عملية الكتابة ذاتها؟ ما الفرق بين فعل الكتابة وفعل القراءة؟ ألا يكون النص المكتوب بداية لعملية تأليف قد لا تكون بالضرورة مكتوبة؟ إن عملية القراءة فعل نفسي تفاعلي، فالقارئ يؤلف حين يقرأ.
وإن فعل التحضير للكتابة طقس، لأنه يتميز بالثبات، فمهما تغيَّرت الظروف لا بدَّ أن الكاتب يُحضِّر لممارسة هذا الفعل، ولو في أبسط الحيثيات... البحث عن القلم، الورق، تشغيل الحاسوب، تحضير البرنامج المناسب، كل ذلك يعبِّر عن استعداد ملموس وواقعي.
طقوس الكتابة عند الأقدمين
لماذا التراث..؟ من الطبيعي أن نعطي كل شيء حقه، أو على الأقل لا نبخسه، لذلك من الطبيعي أن نهتم بالتراث، لا نلعنه ونحقِّره كما يفعل بعض الذين لا يرون في التراث ما يستحق أقلَّ وقفة تأمل أو نظر. والعودة إلى التراث ليس كما يتوهم هؤلاء الميل إلى التشرنق، أو الانغلاق على الذات، ولا عجزاً عن تجاوز الحاضر، وإنما هي عودة إلى الجذور، وكشف عن المعالم المضيئة في ماضينا.. بل مهما كان الذي تمحور بؤرة العودة إلى التراث حوله، فإنه ينبغي أن تكون تمهيداً للانطلاق والانعتاق، فإن تناولنا الأخطاء والمثالب فلتلافيها، وإن بحثنا عن الجوانب المشرقة، فمن أجل تمثُّلها وتجاوزها إلى ما يفضُلها، والأمة التي تريد النهوض تعود إلى تراثها الفكري وإرثها الحضاري، لتجعل منه أساساً عميقاً قويماً تشيد عليه بنيانها ليدوم أكثر.
يبدو أن أول من تناول مسألة طقوس الكتابة من وجه أو من آخر من النقاد العرب القدامى، «ابن قتيبة» في كتابه (الشعر والشعراء)، و«الجاحظ» في كتابه (البيان والتبيين)، و«ابن رشيق» في (العمدة) في محاسن الشعر وآدابه ونقده، و«ابن خلدون» في (المقدمة)، كل هؤلاء وغيرهم الكثير تحدَّثوا عن طقوس الكتابة، وفي أي وقت يجب أن تكون، فجنحوا كلهم خاصة «ابن قتيبة» إلى أن أفضل أوقات الكتابة (ساعة الفجر)، حيث يكون الذهن أصفى، وحيث تكون القريحة أنقى.
وقد أفرد «ابن رشيق» في كتابه (العمدة) فصلاً للشعراء العرب، الضروب التي بها يُستدعى الشعر، «فكثير عزة» كان يطوف في الرياض المعشبة، و«الفرزدق» كان يركب ناقته، ويطوف منفرداً في شعاب الجبال، ويطوف الأودية، والأماكن الخربة، و«جرير» كان يشعل سراجه ويعتزل، وربما علا السطح وغطى رأسه رغبة في الخلوة، في حين كان «ذو الرمة» يخلو لتذكر الأحباب، و«أبو حيان التوحيدي»، كان معينه على الإبداع ألمه ومعاناته التي سطّرها في مثالب الوزيرين.
طقوس كتابة القصة والرواية والشعر
غالباً ما تكون الكتابة غامضة وبعيدة وربما مبهمة، وغير واضحة المعالم، فقد تبدأ بكلمة أو صوت أو رائحة أو مشهد، ثم تتجمَّع في مخيلة المبدع وفي لحظة ما، وفي وقت معيَّن تخرج معلنة عن نفسها، وهذه اللحظة هي ما تسمى باللحظة الإبداعية.
ومهما اختلفت عادات المبدعين أثناء العمل، فإن أغلبهم يعتبر الإنتاج اليومي المنتظم مسألة مهمة وضرورية، معوِّلين كثيراً على إتباع روتين يومي ثابت ومنتظم، وعلى طريقة (ضع الأسود على الأبيض) بدلاً من نوبات الكتابة الضارية والمتقطعة التي هي مما يُميِّز الشعراء أكثر من الروائيين، ويعتبر الشطر الأول من اليوم هو الوقت المفضَّل للعمل على الرغم من وجود بعض الاستثناءات المتميزة مثل «دوستويفسكي» الذي كان يكتب في الليل دائماً.
يقول (محمد عبد السلام العمري) ـ روائي مصري: «إن الكاتب عندما يكتب لا يكون في ذهنه أو في تصوِّره كل شيء عن عمله، هذا فضلاً عن أنه لا يكتب استناداً إلى نظرية محدَّدة أو إلى طرائق معينة جاهزة، أو صيغ محفوظة سلفاً، أزعم أن لكل عمل طرائقه التي تولد معه، كما أن لكل عمل رؤاه وصيغه، يكتشف الروائي أسلوبه الخاص لعمله الجديد، وطرائقه الخاصة المختلفة من الكتابة أثناء الكتابة».
وقال عن علاقته بشخصياته الروائية: «لا مسافات بيني وبين شخصياتي، إنني أستحضرها كلما انفردت بنفسي لأتأكد ما إذا كانت ما تزال موجودة وما تزال معها، أو أدعوها إلى اجتماع عام تحضره باقي الشخصيات لتساعد على حل مشكلة ما في الرواية».
وذكر القاص (سليمان فياض) في مقالته (تجربتي مع الإبداع) في مجلة (الهلال) نيسان 1993.. اختيار لحظة القصة لكتابة القص أمر يعرفه المبدع ويحدده القاص.. متى؟.. وأين المكان الأثير للكتابة؟، ومما ذكره.. يجب على القاص أن يكون هاوياً للقص، ورتيباً ليُمنح الحرية الخاصة والحرية الشخصية والحرية المطلقة في اختيار التجربة، فالقصة طلقة سريعة التدفق والانطلاق في فجر، وفي ظلام أو في عز النهار، فولادة القصة مثل ولادة القصيدة عند الشعراء، حيث يشبهون القصيدة عندما تأتي فيوضاتها بحادثة الطلق السريع عند المرأة الحامل.
وعندما سُئل الروائي (د. حسن حميد) عن طقوس الكتابة عنده قال: «الكتابة عندي عشيقة تأتي ولا تأتي، تواعد وتخلف، كائن مشتق من القلق، ومشتق من الفوضى، لا مواعيد ولا نظام»، وقال: «كم حاولت الكتابة وأخفقت، وكم تغافلت عنها فجاءتني في أوقات لم أتهيأ لها ولم أستعد، والطقس عندي لا أعرفه لأنني دائم الكتابة، أكتب في الصباح وفي الظهيرة وفي المساء، لا رفيق لي في الكتابة سوى الورق والحبر الأسود والقهوة، جرَّبت أن أكتب وقد خلوت لنفسي مثلما جربت الكتابة والناس من حولي، وفي كلتا الحالتين تظل كتابتي هي كتابتي، فأنا أكتب في أي وقت لأنني لا أبدأ الكتابة إلا عندما يمتلئ رأسي بالفكرة التي أودُّ كتابتها، وغالباً ما تنتهي في عقلي أولاً، أما تحبير المكتوب فهو مجرد عادة أو مجرد إنجاز»، وقال: «وكتابة القصيدة أو القصة أو الزاوية تحتاج مني لنفَسٍ مستمر لإنجازها، في حين أن كتابة الرواية تحتاج مني إلى مجموعة أنفاس قصيرة، كدت أقول تحتاج إلى وثبات عديدة».
وعندما سئل الروائي (نبيل سليمان) عن طقوس الرواية عنده قال: «لعل الأهم هو أن الفكرة الأولى أو الكبرى لا تفتأ تتحول وتتشظى، وقد تنقضها الكتابة جزئياً أو كلياً، مثلما قد تجلو البُهمة ما يمور في النفس، أو قد تزيد المجلو بُهمة، والواضح غموضاً، وقد يبدو أن الشرارة انطفأت، والقدحة تبدَّدت، ولئن كان ذلك فقد يتقيد كل شيء بعد سنة أو بعد عشر، ويتجدد اللقاح والحمل، فإذا أطبق وسواس الرواية عليَّ أنا الإنسي حتى يتلبسني الجني، أبتدئ طقس الولادة بالهجس والأرق ليل نهار».
وقد تبدأ كتابة الرواية دفعة واحدة، وقد تتشكل على هيئة عنوان يعيش مع المبدع كما قال الروائي الجزائري (الطاهر وطار)، وقال: «في روايتي (عرس بغل) عشت في أجواء الرواية لخمس سنوات، ظل الهاجس يعيش معي، وعلى ضوئه أصادق وأخاصم، وأورِّط الناس في إطاره، ولكني بعد ذلك أجلس للتحرير ثلاثة أسابيع، لأكتب كل يوم عشر ساعات، وبنفس واحد، في حين كان يستمر الشحن النفسي والمعنوي للعمل خمس سنوات، وخلال هذه الفترة لا أُدوِّن أية ملاحظات إطلاقاً، وعندما أشرع في الكتابة أضع أولاً المقدمة المنطقية للرواية، فأي عمل ليس له مقدمة منطقية عمل فاشل».
وطقس الكتابة مهم جداً لكتابة القصيدة عند الشاعر (عبد القادر الحصني)، وهو يوازي أهمية القصيدة نفسها عنده، وقال في ذلك:
«يهجع في أعماقي عدد من القصائد.. مكتملة التصورات، ومكتملة التخلف في داخلي ولا تحتاج إلا إلى أن تجد طقوسها التي هي جامعة المناخات التي تحتاج ولادتها في داخلي ليصير الباطن ظاهراً وليصير الأول آخراً، ولينتقل الأمر من كان إلى صار.
وقال: «حين تكتمل القصيدة أشعر بأنها قد انفصلت عني تماماً، وأني صرت واحداً من قرائها، وأشعر بشيء من المرارة والغربة، فهي قد صارت للجميع وأنا واحد منهم». وقال: «والقصيدة تبدأ من شرارة ما... يعترضها الوجدان ويحتضنها، فتبدأ التفاعلات في داخلي إلى أن تصير هاجساً يمتلكني إلى درجة أن كل ما أراه من حولي يلهج بهذا الهاجس ويقوله، إلى أن أصل إلى وقت أشعر معه بأنني ما عدت أستطيع احتمال ما أحمله، فلا بدَّ من أن يتحوَّل الكامن إلى ظاهر مكتوب على الورق تماماً كما تشعر الحامل إزاء حملها، وفي أثناء ذلك الحمل، وفي إبان ذلك المخاض تكون القصيدة قد اقترحت مناخاتها وطقوسها التي ينبغي إعدادها لمجيئها، وقصيدة ما لا يمكن أن تكتب إلا في الشتاء مهما حاولت في غيره من الفصول، لأنَّ المكان جزء من طقس القصيدة، فهذه القصيدة تكتب في حي شعبي، وهذه تكتب في الليل وليس في النهار، وتلك تكتب في مكان عام، وهذه القصيدة أكتبها وأنا في حالة استرخاء، حيث الصمت والهدوء المطبق، وقصيدة أخرى أكتبها وسط ضجيج الناس وأنا متوتر الأعصاب ومستقر المشاعر، وهكذا.. فكل قصيدة تأتي حاملة معها طقوسها التي ترفض أن تحضر ما لم تحضر كل هذه الطقوس شروط لازمة للكتابة، إلا أنها غير كافية، لأن الجزء الأهم من طقوسها هو الشاعر والحالة التي هو عليها».
إنني من عشَّاق دمشق.. لكن أجد نفسي في الطبيعة، فهي حياتي وحياتي هي شعري وكتاباتي، هكذا تقول الشاعرة (فاديا غيبور).. فعالمها هو يوم عطلتها الذي تقضيه في مصياف كل أسبوع لتعود بمجمل كتاباتها إلى دمشق، ففي مصياف تستيقظ على صوت العصافير التي ترقص في نوافذ غرفتها، عند ذلك تنظر إلى السماء وإلى الجبل الأخضر فتملأ رئتيها بعبق الياسمين الندي، وتداعب وجنتيها نسيمات رائعة، فتعب من صفاء الكون، وإذا ما ناداها فنجان قهوتها قرب النافذة.. تبدأ بالكتابة.. فإذا (طرق الشعر باب قلبها ورأسها وأصابعها تنساب عند ذلك قصيدتها دفعة واحدة، تتدفق مثل الينبوع في حالة شعرية حقيقية، تقول الشاعرة.. أحياناً تأتيني حالة الشعر بطريقة غرائبية، الدماغ يملي على الأصابع، لذلك فالشعر هو الشيء الوحيد الذي لا يقبل الكتابة إلا بالقلم.
عندما يكتب الروائي (عبد الكريم ناصيف) فإنه يحتاج إلى ثلاثة أمور (صفاء الذهن، والتركيز الشديد، وهدوء الجو من حوله، فهو لا يستطيع الكتابة في حال الضجيج أو التشويش، فلابد من السكينة التامة لكي يدخل في حالة الإبداع، ومما قاله: «أكتب مع بزوغ الشمس، فكل شيء ساكن وهادئ وذهني يكون في أوج صفائه لم يعكره شيء بعد، كما يكون جسدي بكامل همَّته ونشاطه لم يتعبه شيء بعد، وبعد أن يأخذ الجرعة الضرورية من سماعه لصوت فيروز الذي يمنحه الراحة والسعادة يخلو بنفسه ليركِّز، حيث يُوجِّه ذهنه وخياله إلى بؤرة محددة تعمل ضمن إطارها لا تشرد عنها، وبهذا يكون قد وصل إلى الحالة الإبداعية التي لا يمكنه الكتابة دون بلوغها.. كما قال، وهنا تحيط به شخصيات أعماله الروائية من كل جانب، حيث تعيش همومها ومشكلاتها ثم تعود إليه بوجوهها.. اهتماماتها.. تعيش شروط حياتها ذاتها، ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية»، ضمن هذه الأجواء يكون أديبنا قد التحم في عالم روايته التحاماً شديداً.
نماذج من طقوس الكتاب
الكتابة الأدبية فن من الفنون الجميلة، وهي كسواها من الفنون الأخرى تتلبَّس بطقوس خاصة بها، أو تتميز بطقوس خاصة لها يتَّخذها الكاتب من حيث الزمان والمكان والهيئة والأداة، ويُجمع كثير من الأدباء أن الأوقات كلها صالحة للكتابة الأدبية، ولكن كل ما في الأمر أن الكاتب هو الذي يتَّخذ لنفسه أوقاتاً يعتادها فتغتدي له دأباً لازباً تبعاً لظروفه الخاصة التي تحمله على اختيار وقت بعينه دون غيره.
طقوس تنظيم الوقت
للوقت قيمة عظيمة عند الكتَّاب الأدباء والباحثين، فهو رأسمالهم، كان (صالح مرسي) يجلس إلى طاولة الكتابة ثماني عشرة ساعة متواصلة، فهل يُعقل أن لديه وقت يقضيه في مقهى أو نزهة، وإن كان غيره لا يجلس هذه المدة مثله، إنما ينظِّمون أوقاتهم، فقد عرف عن (ليو تولستوي) أنه كان يؤمن بأن الروتين المنتظم في الكتابة مهم جداً للعمل الروائي، وجاء في كتاب (في تجربة الكتابة) لمؤلفه (س. مارتين) أن (سيمنون).. كان يصحو في السادسة صباحاً، ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يومياً إلى غرفة عمله، حيث الستائر مسدلة لا يرفعها، فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية، ويكتب لثلاث ساعات يومياً، وقال (ألبيرتو مورافيا) منذ فترة طويلة جداً وأنا أكتب كل صباح بالطريقة نفسها التي أنام فيها وآكل يومياً، لقد أصبحت الكتابة جزءاً عضوياً في إيقاعي البيولوجي،.. ولهذا عرف «ألبرتو» بانضباطه الصارم. وبالرغم من حركة (أندريه جيد)، (1889 ـ 1939) المستمرة كان يكتب في ساعات محددة وأماكن معينة، وعدداً محدداً من الصفحات كل يوم، وقد ذكر في يومياته برنامجه اليومي وهو.. ثلاث ساعات بيانو، ساعة تصحيح مسودات، ساعة شكسبير، ساعة سانت بوف، هذه وجبتي كل يوم، ثم يذكر أنه يعطي الرواية غالباً ست ساعات، ونصف ساعة أو ساعة ـ تمرين، هذا بالإضافة إلى تأمله للطبيعة والنزهات، فكل أمره منضبطاً وبدقة.
وكان (إسحق أسيموف) أشهر كتَّاب الخيال العلمي يجلس ما لا يقل عن ثماني ساعات يومياً في مكتبه.
طقوس القراءة قبل الكتابة
كثيرٌ هم الكتَّاب الذين يجلسون للكتابة ولا يكتبون حتى يقرؤوا ولو قليلاً، كعادة صارت معهم، والأحرى أن تسمِّي ذلك طقساً خاصاً بهم، (فأندريه جيد) كانت الموسيقا والقراءة النبع الذي ينهل منه عند الحاجة، فالقراءة زاده الحقيقي، وقد بقي ينهل من الكتب حتى آخر يوم في حياته، كما كان يعود لقراءة أعماله المفضلة، ويقرأ كتب الأقدمين، وقد كتب في يومياته بتاريخ 2 كانون الثاني 1922.. أن أجود أيام العمل هي تلك التي أبدؤها بقراءة كتاب قديم. وكان (الرافعي) يقرأ في أي كتاب من كتب أئمة البيان العربي قبل شروعه في الكتابة، ليعيش وقتاً قبل أن يكتب في بيئة عربية فصيحة اللسان، خاصة كتابات «الجاحظ» و«ابن المقفع» أو كتاب «الأغاني»، ولما سأله تلميذه «سعيد العريان» عن ذلك أجابه: نحن يا بني نعيش في جو عامي لا يعرف العربية.. واللسان العربي هنا في هذه الكتب، أنها هي البداية لمن يطلب اللغة في هذا الزمان بعدما فسد لسان الحضر والبادية. وكان (سومرت موم)، (1874 ـ 1965) الكاتب الإنكليزي.. يحبُّ أن يقرأ في كتاب قبل الشروع في الكتابة (فذلك يفيد كثيراً) على حد قوله، كذلك كان (ألدوس هكسلي) يرى أن قراءة كتاب ما لبعض الوقت قبل الشروع في الكتابة تفيد كثيراً، وهي طريقة اتبَّعها كثيرون ممن وجدوا صعوبة في بدء عملية الكتابة، وهؤلاء كانوا بعكس الكثيرين الذين كانوا يبدؤون بالكتابة متى ما أرادوا ذلك، فمثلاً كان (هنري ميللر) قادراً ببساطة على أن يبدأ عملية الكتابة متى ما أراد ذلك.
وكان بعض الكتَّاب يقرؤون أثناء الكتابة، فقد كان (محمد حسنين هيكل) يقرأ همساً ما يكتبه، أما (د. فاروق مواسي) فكان من عادته أن يقرأ كل ما يكتبه بصوت عالٍ، و(دوستويفسكي) كان يقرأ الرواية التي يكتبها بصوت عالٍ حتى يحفظها عن ظهر قلب قبل أن ينتهي من كتابتها.
طقوس استحضار الفكرة
عُرِف عن بعض الكتَّاب أن لهم طقوساً خاصة لاستحضار الفكرة (الشرارة)، فقد كان (زولا) يمضي تسع أو عشر ساعات في اليوم على منضدته، ولكن غالباً ما كانت تمضي الساعات وهو جالس ذقنه فوق كفه ينظر إلى خارج النافذة محاولاً استرجاع بعض المناظر، أو الشخصيات ليسوقها إلى الصفحة، ولكي يتغلب على تلك الاعتراضات كان يعلق أهمية كبيرة على النظام الصارم في العمل في غرفته ومكتبته، فهناك شعار محفور يقول (لا يوم دون عمل خط).
وكان (عباس محمود العقاد) لا يبدأ بالكتابة إلا بعد أن يستوي الموضوع بتمامه، وبعناصره وأركانه في عقله، وكذلك كان (مصطفى صادق الرافعي)، فهو لا يبدأ بالكتابة إلا بعد أن يُعدُّ كل أركان الموضوع الذي يريد كتابته، لكن (أجاثا كريستي) كانت لا تستحضر أفكارها إلا في الحمَّام.
الهدوء والعزلة
العزلة والهدوء أسمى صفات الطقوس الإبداعية، فكما أن أفضل العبادات أن تكون حين يختلي المرء بنفسه ويناجي ربه، بعيداً عن العيون، ونأياً عن الرياء، فإن الكاتب حين يعتزل الناس ويخلو إلى نفسه تبدأ الأفكار تنهال عليه وتنسال بين يديه إذا كان مهيأ لاستقبالها، فينسج من ألفاظ هذه اللغة التي لم يكن يعرف من أمرها قبل أن تقع له شيئاً.
كان (محمود تيمور) يرى أن أحسن الأمكنة للكتابة البيت، و(محمد حسنين هيكل) يقول: «أميل إلى الكتابة في بيتي أو فيما أجد السكينة والهدوء»، وكان (ألبير كامو) يكتب واقفاً بشرط أن تكون أمامه شرفة مفتوحة، وخصص (أسامة أنور عكاشة) بيتاً في الإسكندرية ينعزل فيه شتاءً حيث لا ضجيج ولا زيارات ولا مطالب عائلية، وقال إن تواجده بالقرب من البحر يُهيِّئ له فرصة نفسية للكتابة، لا يُوفِّرها صخب وضجيج القاهرة، ومن عادته أن يختار حجرة بعيدة عن الضوضاء يكون فيها متجدداً، ومن شدة حبه للهدوء والعزلة يمشي على شاطئ البحر منفرداً، ويتميَّز (مصطفى أمين) بالهدوء أثناء كتابته للمقال السياسي، ومن عادته أن يكتب في أي وقت وفي أي مكان بشرط الهدوء، وعُرِف عن (د. زكي نجيب محمود) أنه كان يُفضِّل الكتابة في البيت للهدوء، أما (محمد حسنين هيكل) فقد كانت طريقته في الكتابة أن يكون في عزلة تامة عن الناس، بعد أن يغلق على نفسه مكتبه ويرفع سماعة الهاتف، ويبدو أن الجلوس بجانب النافذة له سحر خاص، فـ (مصطفى صادق الرافعي) كان يكتب بجانب النافذة على الشرفة، ليمر النسيم على صفحة خده.
وتستغرب (أحلام مستغانمي) كيف أن البعض بإمكانهم أن يكتبوا في مقهى أو في قطار دون أي اعتبار لحميمية الكتابة، فالكتابة عندها أن يجلس الكاتب في مكان عالٍ وكأنه يمارس الحب في مكان علني والجميع يتابعونه كما ذكرت في فوضى الحواس، وهي القائلة عن نفسها أيضاً.. أنا امرأة مجنونة، وأزداد جنوناً في حضرة الورق. وكان ( إدوارد خراط) لا يكتب إلا في بيته حيث الهدوء، وهو محاط بالكتب من كل ناحية «كالجاحظ»، فهي كائنات حية بينه وبينها حوار لا ينقطع كما قال، وكبقية الكتَّاب الذين لا يكتبون إلا في البيت فالهدوء متوفر، كان (إحسان عبد القدوس) يكتب داخل مكتبه في بيته، وكذلك (د. بنت الشاطئ) و(د. لويس عوض) و(خيري الذهبي) الذي يسعى دائماً للخلوة الكاملة أثناء الكتابة، وقال (عبد الكريم ناصيف) أنه لا يستطيع الكتابة إلا في الهدوء والسكينة التامة، خاصة مع بزوغ الشمس حيث كل شيء ساكن وهادئ، والذهن يكون في أوج صفائه، لم يعكره شيء بعد، كما يكون الجسد بكامل همته ونشاطه لم يتعبه شيء بعد، (ونبيل سليمان) يكتب يومياً عشر ساعات في بيته الريفي الذي يوفر له الصمت المطبق والطبيعة الفاتنة والعزلة التامة، فلا هاتف ولا زيارات لعدة أيام، وإذا داهمت الفكرة (ساجدة الموسوي) فإنها لا تكتبها إلا في بيتها الهادئ، حيث سكون الليل، فهذا الجو يعطيها مدداً أوسع للقصيدة لتأخذ أبعادها الحقيقية، وقالت في إحدى لقاءاتها: أن اقتحام خلوتها أثناء الكتابة يستفزُّها، والمقاطعة بأشكالها تثيرها، فهي تحب الوحدة في الكتابة.
وعُرِف عن (عباس محمود العقاد) أنه لا يكتب إلا منفرداً لا يعكر صفو طقسه أحد، وكان (محمد عفيفي) لا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة في مقهى عام بسبب الضجيج، وغطَّى (مارسيل بروست)، (1871 ـ 1910) جدران غرفته بالفلين ليعزلها عن الضجيج، وكان يرى أن المؤلَّفات الحقة لا تُولد إلا في الظلمة والسكون والهدوء بعيداً عن ضوء النهار وضجيجه، وأكدَّ أن على كل كاتب أن يَعبُر من حياة المجتمع إلى حياة الوحدة، وقد أنجز الجزء الأكبر من روايته (البحث عن الزمن المفقود) في غرفته المعزولة بالفلين والمسدلة الستائر، وهو محاط بالموقد وأكوام الدفاتر، وبين أدويته، حتى (همنغواي) هجر مكتبه ليكتب في البرج الأبيض المطل على العاصمة الكوبية هافانا، مثل (ميخائيل نعيمة والشخروب)، حيث كانا يجلسان في أعلى بسكنتا في لبنان ويكتبان، وكان «همنغواي» يبدأ بالكتابة بعد الفجر، حيث يراه أنه أفضل وقت للشروع في الكتابة، و(د. حسن حميد) الذي يكتب في كل الأوقات إنما يفضل الكتابة صباحاً يومياً ولمدة ساعة ونصف.
الضجيج
كتب (محمد عفيفي) في مجلة الدوحة 1979 مقالة بعنوان (هل تحب الشيشة) أكَّدَ فيها أن الكاتب لا يستطيع أن يكتب كلمة واحدة في مقهى عام، وذلك بسبب الضجيج الذي ينتج عن الحركة والأصوات، خاصة ضجيج الشيشة، وكان بعكسه تماماً (صدوق نور الدين) الذي ذكر في دراسة نشرها بعنوان (طقوس القراءة عندي أقوى من الكتابة) أكتب حيثما أتيحت لي الظروف، ولئن كان الأغلب تحقق فعل الكتابة داخل فضاء المقاهي على الرغم مما فيها من لغط وضجيج، وقد كتبت كتابي النقدي الأول الذي أصدرته عام 1984 داخل فضاء المقاهي.
وكان بعض الكتَّاب يكتبون في أي وقت ومكان مثل (أحمد بهاء الدين)، وبعضهم لا يستطيع الكتابة إلا في الضجيج مثل (رامبو) الذي لم يستطع الكتابة إلا في القطارات السريعة، وكان (روبير ساباتيه) الشاعر يكتب في أي مكان وفي أي وقت، عند الصباح وفي المقهى وفي لحظة انفراد، في الميترو، يكفي أن يكون معه ورقة ليكتب، وكان (نتالي ساروت) الفرنسي يذهب كل يوم في باريس إلى حانته المفضلة، ويكتب فيها مفضلاً وجود الناس حوله على الوحدة، وكتب (إبراهيم أصلان) معظم أجزاء روايته (مالك الحزين) في أحد المقاهي في قمة الضجيج، حيث يتوحَّد بالعمل وشخوصه، وقال: خلال الكتابة أشعر دائماً بحالة من التهيج، ترتفع درجة حرارتي وأنقلب كائناً عصبياً وتداهمني رائحة دخان السجائر حتى لو لم يكن في يدي سيجارة.
وعُرِف عن (توفيق دياب) الكاتب المسرحي أنه كان يكتب وكأنه في مشهد مسرحي، لدرجة أن أمير الشعراء «أحمد شوقي» كان يستمتع بذلك المشهد، وكأنه يطالع مسرحية فعلية، حتى إنه ليقول لأصحابه هيا بنا نذهب لنتفرج على «توفيق دياب» وهو يكتب، وكان الشاعر والكاتب الساخر (كامل الشناوي) يكتب وهو يردد بصوت مسموع ما يكتبه، وقد يفتح المذياع ولا يعوقه ذلك عن المضي في الكتابة، وإذا أحسَّ بالهدوء من حوله اصطنع الثرثرة والضجيج وسأل: لماذا أنتم ساكتون؟ كما كان من عادته ممارسة أشياء عديدة في وقت واحد، مثل الكتابة والرد على الهاتف والاستماع إلى المتحدثين والرد عليهم والتفكير في مطلع قصيدة يعجزه.
طقوس الورق
بعض الكتَّاب يكتبون على أي نوع من الورق، ولكن لبعضهم طقوس خاصة مع الورق، فبعضهم كان يختار الورق الملوَّن، وبعضهم الورق الصغير، وآخرون منهم لا يكتبون إلا على ورق الجرائد، كان (نجيب محفوظ) يكتب على ورق مسطَّر، ولا يترك من الورقة أية فراغات أو هوامش، لكن بعد أن ضعف بصره صار يكتب على سطر ويترك أربعة أسطر، و(أسامة أنور عكاشة) كان لا يكتب إلا على ورق مسطَّر له ملمس خاص، وإذا أخطأ بكلمة شطبها واستمر، وكان من عادته إذا واجهته مشكلة أثناء الكتابة يستغرق في رسم خطوط أو دوائر متداخلة ومتقاطعة لا معنى لها، و(د. زكي نجيب محمود) كان يكتب على ورق الكراسات المسطر، ويبدأ بكتابة اسمه على يمين الصفحة، والعنوان في منتصفها، وكان يقطع الورقة التي يكتب عليها إلى نصفين، فلم يحدث أن أرسل مقالاً من مقالاته على ورقة كاملة، وعُرِف عن (توفيق الحكيم) أنه يكتب على ورق من حجم الكف، وكانت مسطورة منظَّمة، وخطَّه واضح، كذلك كان (عباس محمود العقاد) يكتب على ورق في مساحة الكف وغير مسطر، فإذا لم تعجبه لفظه أو عبارة لا يحذفها.. بل يطمسها طمساً لا يُغيِّر من معالمها، وكان (مصطفى أمين) يحذف ويشطب بعض الكلمات، وقد يُمزِّق الأوراق أساساً إذا لم يعجبه المقال في النهاية، و(أحمد بهاء الدين) يكتب المقال على دفعة واحدة، لكنه يشطب الكلمات التي لا تروق له، ولا يرمي الورق ولا يستبدُّ له.
وبعضهم كان لا يكتب إلا على ورق أبيض مثل (صالح مرسي)، أما (يوسف السباعي) فكان يكتب على ورق الصحف الأسمر اللون، و(علي أمين) لا يكتب إلا على ورق شفاف، و(إبراهيم عبد المجيد) لا يكتب إلا على الورق الأبيض، وقد أعاد كتابة روايته (بيت الياسمين) عشر مرات، و(يوسف القعيد) كان يكتب على ثلاث مراحل، تسويد ثم صياغة على ورق أصفر، ثم كتابة أخيرة على ورق أبيض مسطر، ومن عادته أن يكتب سطراً ويترك سطراً، وكان خلال المراحل الثلاثة يحذف ويضيف ويُعدِّل، وقد يخرج سهماً إلى الهامش فيكتب كلاماً مائلاً، أما في آخر مرحلة إذا أخطأ في كلمة فإنه يعيد كتابة الورقة كاملة، وكان ( إدوارد خراط) يكتب على أي نوع من الورق، المهم أن يكتب فلحظة التوهج لا تترك له فرصة تفضيل ورقة على غيرها، ومن عادته أن يعيد كتابة بعض قصصه القصيرة مرات عديدة، ففي بداياته كان يعيدها نحو خمسين مرة، لكن بعد ذلك صار يكتبها مرة واحدة متصلة، إلى حد أن المسودة تكون نسخة نهائية في بعض الأحيان، وعرف عن (ماركيز) أنه كان يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة، وكان (محمود تيمور) لا يكتب إلا في كرَّاسات، فيكتب على الورقة ويترك الورقة اليمنى بيضاء للتنقيح والملاحظات الطارئة، ويكتب سطراً ويترك سطراً، وعرف (محمد حسنين هيكل) أنه كان يستخدم حجماً معيناً من الورق الفاخر، وهل ننسى الأوراق الملونة التي كان يستخدمها الشاعر الكبير (نزار قباني)، أما الأديب الروائي (د. حسن حميد) فلا يكتب إلا على ورق أسمر.
الكتابة على أي شيء
إذا عرفنا أن كثيراً من الكتَّاب كانوا يختارون الورق الأبيض أو الملون، فإن بعض الكتاب كانوا يكتبون على أي شيء يصادفونه إذا هبطت عليهم فكرة ما أو مطلع قصيدة، فقد كان (محمود المسعودي) يكتب على بطاقات ودعوات رسمية، وعلى جذاذات جرائد، وقد حقَّق د. «محمود طرشونه» كتابه (من أيام عمران) بعدما جمعه من الجذاذات والبطاقات، وكان (روبير سابانيه) يكتب أحياناً على أوراق دفتر شيكاته إذا لم يكن معه ورقه، وقد ورد عن أمير الشعراء (أحمد شوقي) أنه كان يكتب على أي شيء يجده، فإذا لم يجد إلا علبة التبغ كتب عليها، وذكر عنه أنه كتب إحدى قصائده على قطعة قماش كانت أمامه، فإذا جاءته المعاني سجَّلها حتى لا ينساها.
طقوس الأقلام
وهل للأقلام طقوس؟ أو هل هناك علاقة للأقلام مع طقوس الكتابة..؟ قال لي (د. حسن حميد) أنه لا يستطيع الكتابة إلا بالحبر الأسود الجاف، (العقاد) لا يكتب إلا بالحبر الأحمر، أما (توفيق الحكيم) فكان يكتب بالحبر الأسود والأزرق، وأحياناً يستعمل قلم الرصاص، وإذا كان (محمد حسنين هيكل) يستخدم مجموعة مختلفة من الأقلام فإنه لا يكتب إلا بالحبر، وإذا كان (يوسف السباعي) يكتب بأي قلم مثل ( إدوارد خراط) فإن (يوسف القعيد) وإن كان يضع أمامه عدداً كبيراً من الأقلام المتنوعة، لكنه لا يستعمل إلا القلم الجاف الأسود أو الفلوماستر الأسود، حتى تبييضه كان بالحبر الأسود لأنه يعتقد أن اللون الأسود يمنح الكتابة قدراً من الفخامة، وكان (علي أمين) يكتب بالقلم الجاف.
وكأنَّ لقلم الرصاص وقع خاص في نفس حامله، فقد كان (نجيب محفوظ) يكتب المسوَّدة به، أما الصياغة الأخيرة فكان يكتبها بالحبر الأزرق الجاف، ثم حوَّلَه إلى الأسود، كذلك كان (محمود تيمور) يكتب المسوَّدات بقلم الرصاص، وأخبرني (يوسف الأبطح) أنه يكتب بقلم الرصاص فيمحو ويزيد في الرواية التي يكتبها، وبعد أن يطمئن على عمله يشعر أنه اقترب من الكمال، كتبه مرة أخرى بالحبر الأزرق الجاف.
وكان (دكنز) الأديب الإنكليزي يكتب بحبر أزرق على ورق أزرق، و(سعدي يوسف) يكتب بالحبر الأسود السائل، وقال (خيري الذهبي) إنه يحب استعمال الأقلام الكريمة التي لا تتلكأ أثناء الكتابة، لأن الفكرة قد تهرب إذا ضايقه القلم بتلكؤه، و(وليد إخلاصي) يحبُّ أثناء الكتابة أن يكون محاطاً بالكتب والأقلام الكثيرة، التي لا ينفعه إلا واحد منها، وورد عن (أنتوني بيرجز) أنه كان يعتبر أن عقبة الكتابة الوحيدة لديه هي تلك العقبة التي تُسبِّبها له القرطاسية.
ومن غرائب طقوس الكتابة مع الأقلام ما ورد عن (فولتير)، (1694 ـ 1778)، فقد كان عندما تأتيه الفكرة وتغريه يقوم فيجمع كل أقلامه، خاصة أقلام الرصاص، ثم يقوم بتكسيرها ولِّفها بورقة ثم يضعها تحت وسادته وينام، ثم يستيقظ ويبدأ الكتابة فوراً، أما (جان شامبيون) فكان يمسح أقلامه ودموعه وأصابعه التي اتسخت من الحبر بالروب الذي كان يرتديه أثناء الكتابة، ومن عادة (أسامة أنور عكاشة) أنه قبل الكتابة كان يجهز الأوراق والأقلام والموسيقا والمشروبات، ويستعمل قلم الحبر الأزرق، كما أنه من عادته أن يكتب كل مسلسل بقلم خاص، ويحتفظ به بعد أن يكتب اسم المسلسل عليه، ولا يستخدمه في كتابة أخرى، وقد كتب الجزء الثالث من ليالي الحلمية بقلم شيفر فضي، وإني لأعذره في حفظه للأقلام، فمن عادتي أن أحتفظ بكل قلم فارغ، حيث أضعه في صندوق خاص بالأقلام الفارغة.
طقوس الخط
كما عرف الأطباء بخطهم الرديء عرف بعض الكتَّاب بخطئهم الرديء أيضاً، (فمحمد حسنين هيكل) كان خطه رديئاً لا يُقرأ إلا بصعوبة، كما أنه لا يعتني باختيار اللفظ الدقيق والمعنى الواضح بمقدار عنايته بإقناع القارئ بالأدلة العقلية، كذلك كان (أحمد بهاء الدين).. يصعب قراءة ما يكتبه فخطَّه غير واضح، و(د. لويس عوض) كان خطه أيضاً لا يُقرأ إلا بصعوبة، وكان كثير الشطب والتعديل والحذف، وإذا أتته فكرة بعد انتهائه من الكتابة وضعها في الهامش، وعُرِف عن (يوسف السباعي) أنه كان قليلاً ما يكتب سطراً دون كلمة مشطوبة أو مصححة.
وفي المقابل عُرِف كتَّاب كانوا يتقنون خطهم، فتأتي صفحة مما يكتبون كلوحة رُسمت بريشة فنان، فقد كانت الأديبة الإنكليزية (شارلوت برونتي) كأنما تكتب بإبرة أو برموش عينيها، فخطها صغير دقيق أنيق، كأنه ذرَّات منتظمة الوقع والإيقاع، و(إحسان عبد القدوس) كان يكتب بخطٍّ مائل جميل، رفيع الحروف، دقيق العبارة، لديه أسلوب رشيق، وكان يكتب المقال السياسي كما يكتب القصة أو الرواية على ورق منمَّق، ويُرقِّم الأوراق، لكن إذا وصل الترقيم إلى رقم (13) تشاءم، وطلب من أحد الحاضرين أن يكتب بدلاً عنه هذا الرقم، وامتاز خط (بنت الشاطئ) بالوضوح سواء في اللفظ أو المعنى، وكانت تعتني كثيراً بتشكيل الحروف، أما (عباس محمود العقاد) فقد كان شديد الولع بخطه وبأفكاره التي يُرتِّبها كما يُرتِّب ألفاظه في ثوب بديع، كانت كلماته كبيرة الحجم ولكنها منتظمة، وكذلك كان (توفيق الحكيم) يكتب سطوراً منظمة وخطاً واضحاً، ولم يبلغ كاتب ما بلغه (عبد الرحمن بدوي)، فقد كانت حروفه أقرب إلى حروف الطباعة دون أن يشطب كلمة واحدة، وكذلك كان (د. زكي نجيب محمود) فخطه واضح، وحروفه متناسقة، وسطوره خالية من الشطب.
طقوس الكتابة في الليل
ورد في كتاب (خزانة الأدب) أن جريراً كان يكتب شعره في أول الليل، وفي هذا الزمن يكتب معظم الكتَّاب ليلاً، خاصة غير المتفرغين، وكأن الليل أخفى للويل، فالبعض يعانون كثيراً أثناء الكتابة، وقد قال النقاد القدامى أن أفضل أوقات الكتابة هي أوقات السحر، وقال (عبد الرحمن الأبنودي) أنه لا يستطيع الكتابة في النهار أبداً، فهو لا يبدأ في الكتابة إلا من بعد الغروب حيث الحرارة تخفُت، خاصة إذا كان قريباً من النيل، حيث تهب النسمات التي ترطب الجسد وتطلق طيور الشعر من أقفاصها، وإن كان (إبراهيم أصلان) يكتب في كل مكان، لكنه غالباً كان ما يكتب في الليل خاصة في الشتاء، وكان (مصطفى صادق الرافعي) لا يكتب إلا في الليل حيث الهدوء، ولا يصلح ما كتبه في ليلة إلا في ليلة قادمة أخرى، وقال (حسين حموي) الأديب الشاعر أن معظم كتاباته تكون في آخر الليل حيث الهدوء التام، وكان (خيري شلبي) يقرأ في أول الليل ويكتب في آخره، و( إدوارد خراط) كان لا يكتب إلا في الليل، لكن بعدما تقدَّم به السن صار يكتب في أي وقت، و(وليد إخلاصي) يحبُّ الكتابة في الليل، فالليل عنده مع ضوء محدود مركَّز يساعده أكثر في خلق مناخ الكتابة، وعُرِفَ عن الكاتب السياسي (محمد حسنين هيكل) أنه لا يكتب مقاله السياسي الأسبوعي في صحيفة السياسة إلا بعد العاشرة ليلاً، كما أن الشاعرة (فاطمة ناعوت) تُفضِّل الكتابة في الليل حيث لا وقت يفضل الليل عندها، وكان (دوستويفسكي) لا يكتب إلا في الليل.
طقوس الكتابة نهاراً
وبعكس كُتَّاب الليل، هناك كتَّاب لا يكتبون إلا في النهار، فالشاعر (سعدي يوسف) يقول: أنا لا أكتب في الليل، إنما أكتب في النهار قرب نافذة تطل على امتداد، بحر أو حديقة أو مشهد طبيعي، كما شارك (مصطفى أمين) أخاه «علي» في اختيارهما أحسن أوقات الكتابة لديهما، وهو وقت الظهيرة، و(يوسف الأبطح) لا يكتب إلا في النهار من السابعة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، أما (شوقي بغدادي) فيفضل الكتابة في الصباح الباكر، وكأن لوقت القيلولة سحر خاص فالدكتور (عبد الملك مرتاض) كتب أكثر من عشرين كتاباً في أوقات القيلولة، و(يوسف القعيد) يستيقظ باكراً في الخامسة صباحاً، ويجلس يكتب في حجرة الطعام إلى الثامنة، وبعد فطوره يُغيّر مكان الكتابة، لكنه بعد العاشرة صباحاً لا يكتب أبداً، وعرف عن (نجيب محفوظ) أنه كان يكتب ثلاث ساعات نهاراً، وبعدما داهمه المرض صار يكتب ساعة واحدة فقط، ومرَّ معنا أن (أسامة أنور عكاشة) لا يكتب إلا في النهار من العاشرة صباحاً إلى السادسة مساءً، وورد عن (فلوبير) أنه كان يكتب منذ منتصف النهار حتى الرابعة عصراً.
طقوس الكتابة شتاءً
للشتاء سحره الخاص به، فليله طويل، يغتنمه الكثير من الكتَّاب لإنجاز أعمالهم خاصة الكبيرة التي تحتاج إلى وقت كثير وسهر طويل، (فنجيب محفوظ) كان في قمة عطائه لا يكتب إلا في فصلي الشتاء والخريف، والروائي (إبراهيم عبد المجيد) لا يكتب إلا في الشتاء في مكان دافئ تحت إضاءة مبهرة، وتحدَّث (محمد الماغوط) عن طقوس كتابته فقال: «عندما أكتب أصير كنهر بردى أتدفق في الشتاء وأكتب، وأشيخ في الصيف وأتوقف عن التدفق، والكتابة سرٌّ من الأسرار إنني أواجه كابوساً صعباً، أجد يديّْ مقصوصتين وقصائدي لا أستطيع أن أحميها». أما (إبراهيم أصلان) فيقول عن نفسه: «الكتابة حالة شتائية، فحرُّ الصيف يدفع بالفيض الإبداعي بعيداً، وإنه رغم جمال ليل الصيف للسمر والسهر، فإن ليل الشتاء أفضل للكتابة لأنه أكثر طولاً، مما يعطي الفرصة للمبدع للإحساس بمساحته وعمقه، وليل الشتاء يثيره وجدانياً ويجعله في حالة دفء داخلي وأطول بالاً على الجلوس للكتابة، وأكثر استعداداً للشعور بالآخرين». وبالمقابل كان (خيري شلبي) يكره الكتابة في الشتاء.
طقوس الجلوس أثناء الكتابة
عندما يمارس الكُتَّابُ الكتابة نرى أن أكثرهم يجلس على الكرسي ويكتب على الطاولة، وهو غالباً المنظر المُشاهَد، لكن بعضهم لهم جلسات خاصة بهم، وكيفيات وهيئات مختلفة يمارسونها أثناء الكتابة، فقد كان (أحمد فارس الشدياق) يتكئ على يساره والقلم في يمناه، ويكتب في قاعة الاستقبال، والزائرون من حوله ولا ينحرج من ذلك، وورد عن (نزار قباني) أنه كان ينام على بطنه أثناء الكتابة، أما الشاعرة (فاطمة ناعوت) فلا تكتب الشعر إلا في السرير، وكان (ألبير كامو) يكتب واقفاً أمام الشرفة، مثل (جيمس جويس)، أما (بطرس البستاني) فكان يكتب خلافاً للقاعدة، فهو يكتب واقفاً إلى مكتب عالٍ، مثل المكاتب التي يعمل عليها موظفو البنوك حالياً، وربما كانت الفكرة تأتيه وهو نائم، فيسرع في تسجيلها قبل أن تطير من ذهنه.
طقوس الكتابة مع شرب القهوة والدخان
إن المدمنين على شرب القهوة والدخان في الحالات العادية يكثرون من تناولهما أثناء الكتابة، حتى صار الغليون علامة مميزة لبعض الكتاب، وكذلك السجائر وفناجين القهوة، فخلال الفترة التي كان يقضيها (فلوبير) في الكتابة من منتصف النهار حتى الرابعة عصراً يُدخِّن خمسة عشر غليوناً مليئاً بالتبغ، و(خيري الذهبي) لا يبدأ الكتابة حتى يكون إلى جانبه عدد من الغلايين المملوءة مع ركوة قهوة، وبالنسبة للروائي (حسن حميد) فإنه لا يتناول إلا القهوة أثناء الكتابة ولكن من غير إكثار أو تدخين، بعكس (إبراهيم أصلان) الذي يكتب كثيراً في المقهى بين سحب دُخان السجائر، وإذا كان (العقاد) لا يُدخِّن ولا يشرب القهوة ولا يتعاطى الشيشة، فإن (الرافعي) كان يحتسي القهوة مرتين أثناء الكتابة، وفي آخر حياته صار يدخن الشيشة وهو يكتب، وأحياناً بعض السجائر عوضاً عنها، وكان (ناصيف اليازجي) يكتب وينظم الشعر وهو يدخن ويشرب القهوة، وكان يجلس على الوسادة والكتب من حوله وعلبة التبغ وفنجان القهوة أمامه، وكان يسرف في ارتشاف القهوة أثناء الكتابة بصورة مثيرة، بعكس (جيمس جونز) الذي كان يستيقظ باكراً ويحوم ويدور ويدخن ويشرب أكواباً من القهوة، وعندما لا يبقى له ثمة عذر يجلس للكتابة، وممن عرف عنه أنه كان يدخن الشيشة وهو يكتب (بطرس البستاني)، وكانت مطفأة سجائر (علي أمين) دائماً مليئة لأنه يدخن بشراهة وهو يكتب.
وكان (يوسف القعيد) خلال ساعات الكتابة الأربعة يشرب أربعة كؤوس من الشاي، يُعدِّها بنفسه، مع سيجار كامل، أما (نجيب محفوظ) فكان يتناول ثلاثة فناجين قهوة أثناء الكتابة، فنجان واحد كل ساعة، تُعدِّها زوجته من دون أن يطلب منها ذلك، وكان يدخن بشراهة، مثل (د. خليل الموسى) كما ذكر لي، وكان (أسامة أنور عكاشة) لا يبدأ الكتابة إلا بعد أن يشرب كأساً من الشاي، وكان يدخن نحو تسعين سيجارة يومياً، وبعد الإقلاع عنها استبدلها بالغليون، وبعد الشاي بساعتين يشرب نسكافيه ثم كأساً من العصير وبعده فنجان قهوة تركي، أما (صدوق نور الدين) الأديب المغربي فإنه يُكثر من شرب القهوة السوداء أثناء الكتابة، و(إبراهيم عبد المجيد) يدخن بشراهة، (وخيري شلبي) يدخن الشيشة أثناء الكتابة، وعُرِفَ بعض الأدباء بتناولهم الكحول أثناء الكتابة، كما عرف عن البعض وهم قلة أنهم لا يكتبون إلا بعد أن يتعاطوا نوعاً من المخدرات، (فمارسيل بروست) لجأ إلى المسكنات والمخدرات التي قضت في النهاية على كيانه وجسده شاباً، وكان (إدجار آلن بو) تنتابه الكثير من نوبات الكآبة الحادة، لأنه كان مدمناً على الكحول، لذلك لم يكن له طريقة نظامية في الكتابة، إنما كان يكتب بطريقة جامحة تتخلَّلها هذه النوبات، وبهذه الطريقة أنجز معظم كتاباته في بيته الريفي الصغير في فورد هام.
طقوس اللباس
استغربت طقوس بعض الكتَّاب أثناء ممارستهم للكتابة، وعندما كنت أروي للدكتور (حسن حميد) بعضاً من هذه الطقوس قال لي: «أنا عندما أكتب أستعدُّ للكتابة، ومن ذلك أن أُحسن اختيار ملابسي وأتجهَّز كأني سأخرج من البيت، فأرتدي أحسن الثياب لممارسة الكتابة»، وكذلك قال لي (يوسف الأبطح)، فهو لا يبدأ الكتابة إلا بعد أن يرتدي كامل ثيابه المعدة للخروج، حتى إنه يحلق لحيته ليشعر باكتمال طقس الكتابة. وعند البحث عن هذا الطقس تذكَّرتُ أن (صالح مرسي) كان يتهيأ للكتابة كما لو كان ذاهباً للقاء حبيبته، فيحلق لحيته ويأخذ حمَّاماً ويتعطر، ويرتدي ثيابه كاملة ثم يجلس وراء مكتبه لساعات طويلة، وعلى هذه الحال كتب «الحفار والهجان»، وكان قريباً منه (عزيز مصطفى) في طقوسه، وكان (آنجليو رينالدي) يحتفظ بربطة عنقه أثناء الكتابة، وكان يقول: «ذلك احتراماً لقواعد اللغة، حتى لا يدع مجالاً للاسترخاء»، وقال (سعدي يوسف) في إحدى لقاءاته: «أنه لا يجلس للكتابة إلا بعد أن يحلق لحيته ويرتدي ملابسه التي تصلح للخروج من المنزل، فأنا عندما أستقبل القصيدة أستقبل العالم»، وكل عاشقي (نزار قباني) يعلمون أنه كان يتأنق كثيراً قبل وأثناء الكتابة كعاشق يستعدُّ للقاء حبيبته، أما ( إدوارد خراط) فكان إذا كتب في الصيف فإنه يتخفف من ملابسه ويبقى بالملابس الداخلية فقط، أما في الشتاء فإنه يكثر من الملابس، لكنه في الحالتين يكتب من دون حذاء في قدميه.
وعندما سألت د. (خليل الموسى) عن حال لباسه أثناء الكتابة، قال: «أنا لا أكتب إلا مرتدياً لبيجامة من نوع خاص، وعندما ذكر ذلك، تذكَّرتُ (ايف نافار) الذي كان يكتب بالبيجامة التي قال عنها.. أنها عفريتة للأطفال، لونها أزرق داكن، وكان ينتعل خفاً من الصوف، ولعل كثيراً من الكتَّاب لا يستطيعون الكتابة إلا بعد أن يتخففوا من لباسهم، ويرتدون ملابس خفيفة فضفاضة ليرتاحوا أثناء الكتابة، فقد كان (زولا) أثناء الكتابة يرتدي دائماً ثوباً قروياً فضفاضاً، حيث كان يرتعب من الملابس الضيقة، كذلك (ليوتولستوي) في آخر حياته كان يلبس لباس الفلاحين المريح، أما (جان شامبيون) فكان يرتدي المبذل (الروب ـ دي شامبر) طوال وقت الكتابة وبعدها، وقال: «أنا لا أرتديه.. بل هو الذي يلاحقني، أمسح فيه كل شيء، أقلامي ودموعي، وأصابعي التي اتُسخت من الحبر، وألمي غير المنتج، وابتهاجاتي الصغيرة وكل شيء»، وعرف من طقوس الروائي الكولومبي (جابريال غارسيا ماركيز) أنه كان يلبس لباساً شبيهاً بلباس الميكانيكي، وقال في لقاء أجري معه «عندما أكتب ألبس عفريتة ميكانيكي لأنها رداء مريح، وهي لباس عملي لأقصى حد، فما عليك إلا أن تندس داخله في الصباح وتشد السَّحاب».
الموسيقا
للموسيقا دور كبير وسحرٌ خاصٌ عند الكتَّاب، (فيوسف القعيد) كان لا يكتب إلا وهو يسمع موسيقا «بيتهوفن وتشايكوفسكي»، كما كان يستمع للنقيض من ذلك مثل الأغاني الشعبية، كذلك كان ( إدوارد خراط) يستمع وهو يكتب إلى الموسيقا الكلاسيكية الهادئة والخفيفة كما لو كانت آتية من مكان بعيد مجهول، ويقول (وليد إخلاصي): «إن الموسيقا تخلق نوعاً من السكينة تساعده كثيراً على الاستغراق في الكتابة»، وكان من طقوس الكتابة عند (أندريه جيد) أن يمضي ساعات طويلة وهو يستمع لموسيقا البيانو فقد كان عازفاً ماهراً.
وكأن لصوت فيروز سحر خاص عند سامعيه، خاصة الكتَّاب (فعبد الكريم ناصيف) لا يكتب حتى يأخذ جرعة من سماعه لفيروز، وكذلك كان (خيري شلبي) يستمع لصوت فيروز أثناء الكتابة، مثل (إبراهيم عبد المجيد) الروائي المعروف الذي كان يستمع أثناء الكتابة إلى فيروز وعبد الحليم.
الورود والأزهار
للورود والأزهار دور في طقوس الكتابة، فقد كان لعطرها ولونها دور عند بعض الكتاب، فهذا (أوسكار وايلد) كان يزين غرفته بالزنابق وريش الطواويس، وكان (ماركيز) يؤمن بأن الأزهار الصفراء تجلب له الحظ.
طقوس الجوع والأكل
عرف عن بعض الكتاب أنهم إذا أكلوا لا يستطيعون الكتابة أبداً، لذلك يمسكون بالقلم والورق وهم جائعون، فقد كتب (صموئيل بيكيت) معظم مسرحياته وهو جائع، وفي منتهى الجوع، وكان (إبراهيم عبد المجيد) أثناء الكتابة لا يأكل.. بل لا يشعر بالجوع، وكذلك كان (خيري شلبي) لا يكتب إلا وهو جائع، وبالمقابل كان بعض الكتاب لا يكتبون حتى يأكلوا، فقد كان (هنري موللر) من أبرز الروائيين الذين اتبعوا روتين البدء بالكتابة بعد الفطور مباشرة، و(ليوتولستوي) عرف عنه أنه كان يكتب بعد الفطور مباشرة، وكان «ماركيز» يرى أن الكتابة لا تكون إلا بعد الشبع.
أغرب طقوس الكتابة
لبعض الكتاب طقوس غريبة يمارسونها أثناء الكتابة، أو أثناء التهيُّؤ للكتابة، فقد كان (خيري شلبي) غريب الأطوار أثناء الكتابة، حيث يتحول إلى شخص لا يُطاق، وكثيراً ما كانت زوجته تنصحه أن يكتب من داخل سرداب، لا يرى أحداً ولا أحد يراه، لذلك أقام فعلاً في مقبرة خاصة بأسرة منقرضة منذ القرن الثامن عشر، وأنجز ثلاثاً من أهم رواياته الطويلة (ملحمة الشطار، الأمالي، موال البيات والنوم)، ومن طقوسه الغريبة.. أنه قبل الكتابة يُصاب باكتئاب حاد، ويشعر برغبة جامحة في الانتحار، ويشعر كأن أسباباً غامضة أتت به إلى الحياة، لكي تعذبه وتغذيه حقداً على حدِّ قوله، وباعترافه هو أنه بالفعل لحظة الكتابة لا يطيق أولاده ولا زوجته ولا معارفه ولا أصدقاءه، ويشعر أنهم هم الآخرون لا يطيقونه، هكذا تنتابه حالة من السُّخط، لكن ما أن يكتب صفحة واحدة حتى يشعر بأن العالم فسيح وأنه سيتحرر من هذه الحالة المَرضية، فيعود من جديد مكتئباً ويواصل الكتابة كما لو كان يقاوم، وحينما ينتهي من الكتابة ويخرج من هذا السجن ويشعر بالشفاء، يبادر بإصلاح ما أفسده الإبداع، فيزور أهله وأصدقاءه، ويتحوَّل إلى شخص ودود ومرح، وفي هذا الجو يعيد نسخ ما كتبه ويبيضه.
ومن غرائب طقوس الكتابة ما ورد عن الكاتب المسرحي النرويجي (هنريك إبسن) أنه كان يضع على مكتبه عندما يكتب عقرباً في قارورة، وهو يغرس إبرته نافثاً سُمَّه في تفاحة، ومثله كان (جان كوكتو)، الذي كان لا يكتب إلا بعد أن يضع على منضدته كأساً مقلوبة على عقرب حي، أما (جوته)، (1749 ـ 1832) شاعر ألمانيا الشهير، فكان يضع أمامه طبقاً فيه تفاح متعفن، و(ألدوس هكسلي) لما ضعف بصره ولم يعد يرى شيئاً، غمسَ أنفه في الحبر وكتب به، وهو أول وآخر من فعل ذلك إلى اليوم، وكان (بورخيس) يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية قام من حوض الاستحمام ليكتب.
وتحدث (س. مارتين) في تجربة الكتابة عن الروائية العالمية (أجاثا كريتسي) فقال: «كانت تأتيها الأفكار في الحمام كما قالت، فقد كانت تجلس في البانيو ساعات طوال حتى تجد القصة الملائمة».
وأخيراً...
لقد ذكرت في هذا الملف أمثلة عن طقوس الكتَّاب الأدباء والباحثين العرب والغربيين، القدامى والمعاصرين.. ولكن يبقى سؤال على درجة من الأهمية.. هل غيَّبت المناهج النقدية المنشغلة بالنص الإبداعي دون غيره هذه الزوايا..؟
هل العودة إلى محيط النص اليوم، والتنقيب عن العتبات والحواشي والهوامش، والمسكوت عنه، من شأنها أن تعيد للمؤلف الحياة..؟
إنها طقوس الكتَّاب.. ومن حقهم أن يمارسوها كما يشتهون، وما يهمُّنا في النهاية هو حصولنا على أدب جميل، وإبداع حر، وفكر خالص، وتاريخ صادق، وعلم ننتفع به.